سيرة مجرم !
قصة تهز الوجدان ، قصة من أحسن القصص ، ومن أصح القصص ، ما خطتها يد كاتب ، ولا تدخلت فيها أيدي القصاص ، هذه القصة لرجل أساء بل بالغ في الإساءة ، وظلم وتجاوز الحد في الظلم ، أسرف على نفسه ، أساء وتعدى وظلم .
كأني أنظر إليه .. يقطر سيفه دماً ، قد أحاطت به خطيئته ، قلبه يهزأ بالصخر قساوة . ومحاجره قد تحجرت . فلا قلبه يخشع ، ولا عينه تدمع . وقد استعاذ رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ من قلب لا يخشع كما عند مسلم .
أما الرجل صاحب القصة فرجل من بني إسرائيل خطيئته كبرى . وجريمته نكرى . فما خطيئته ؟ وأي ذنب ارتكبه ؟ وأي جرم أتى به ؟ لقد سفك الدم الحرام بغير حله وأزهق أنفساً بريئة . أترونه قتل نفساً ؟ لا . قتل عشراً ؟ لا . لا والله بل قتل تسعة وتسعين نفساً . ما أبشعه من جرم ! . وما أعظمها من خطيئة ! لكنه أحس بالندم . وشعر بخطورة الأمر ، وبفداحة الخطب ، فردد : هل لي من توبة ؟ تساءل وكرر السؤال ، فدل على غير دليل ، دل على عابد استنار بنور العلم ، فتعاظم الخطيئة وحجر واسعاً ، فحجر رحمة الله التي وسعت كل شئ . فقال : لا . أبعد قتل تسعة وتسعين نفساً ؟
ليس لك من توبة . فما كان منه إلا أن استل سيفه ، وأطاح برأسه . فأتم به المائة . وعلى نفسها جنت براقش !! غير أن السؤال ما زال يتردد صداه ، ويهتف به . فأعاد السؤال وكرره : هل لى من توبة ؟ فدل على عالم قد أنار الله بصيرته .. قد استنار بنور العلم . فقال العالم : نعم وقد كان هذا الجواب كافياً ، إذ هو على قدر سؤاله . ولكن كعادة العلماء الربانيين يشخصون الداء ، ويصفون الدواء ، ويفتون السائل ويرشدون الضال . فقال له : نعم . ومن يحول بينك وبين التوبة ؟
ثم زاده فى الدلالة والإرشاد فقال له : انطلق إلى أرض كذا وكذا , فإن بها أناساً يعبدون الله فأعبد الله معهم ، ولا ترجع إلى أرضك ، فإنها أرض سوء فانطلق الرجل . لا يأوي على شئ . تحمله النجاد وتحطه الوهاد . يسارع الخطى ويحث السير . يريد أرض الخير فلما انتصف الطريق دنا الأجل ، وأحس بالموت ، فنأى بصدره شوقاً لتلك الديار التي سمع بها ولم يرها . غير أن الأجل كان أسرع ، فوافته المنية . فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط فأوحى الله إلى هذه أن تقربي ، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي . فأتاهم ملك في صورة أدمى فجعلوه بينهم . فقال : قيسوا ما بين الأرضيين . فإلى أيتهما كان أدنى ، فهو له . فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بمسافة شبر واحد . فقبضته ملائكة الرحمة .. لقد أقبل على الله فأقبل الله عليه . بل خرق لأجله نواميس الكون ، بتباعد أرض وتقارب أخرى . وأنزل ملكاً يحكم في قضيته . أي قربة تقرب بها ذلك الرجل ؟ وما العمل الذي قدمه ؟ لقد تقرب إلى الله بتوبة نصوح . أترون الله يفرح بتوبة عبده وهو سبحانه الغنى عن العالمين , وعباده هم الفقراء إليه ؟ قال ــ صلى الله عليه وسلم ــ لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة , فأفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها , فأتى شجرة فاضطجع فى ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك . أخطأ من شدة الفرح . رواه مسلم .
فأي فضل يتفضل به ملك الملوك على عبد أساء وبالغ في الإساءة ثم أقبل فأقبل الله عليه .
أما هذه القصة فأصلها في الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه .