منتديات الإسلام اليوم  
   

العودة   منتديات الإسلام اليوم > منتدى الإبداع الفكري > المدارسات الشرعية

اللإئحة التنظيمية
عدد الضغطات : 3,431
مواضيع مميزة
■  الاعلان عن الفائزين بمسابقة رمضان   ■  اخواني واخواتي ,, الاعضاء الجدد   ■  السلام عليكم   ■  كتب لا يقرأه شيعى إلا تاب بإذن الله ... لا تفرط فى نشره   ■  فيسبوكياتي   ■  كتاب مذاهب فكرية معاصرة   ■  كل يوم حديث من أحاديث الاربعين النووية  

إضافة رد
 
ارتباط ذو صلة أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-01-2011, 11:29 AM   #1 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي كيف نتعامل مع السنة النبوية

(1)
كيف نتعامل مع السنة النبوية
معالم وضوابط
الدكتور يوسف القرضاوي
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله رب العالمين , رضي لنا الإسلام ديناً , ومحمد نبياً وهاديا ورسولا , أرسله بالحق إلى الناس كافة بشيرا ونذيراً , وداعيا إلى الله بإذنه , وسراجا منيراً على فترة من الرسل , وانتشار للضلالة فصدع بأمر الله تعالى , وبلَّغ الرسالة , وأدى الأمانة , كما تلقاها , وبيَّن للناس ما نُزَّل إليهم , وأوضح شرائع الله , وأدّى فرائضه حتى كمل للناس دينهم , وتمت عليهم النعمة , ورضي لهم الإسلام ديناً دائماً ثابتاً , لا ينطفيء نوره ولا تبيد معالمه , ولا تندثر شرائعه حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
وليعم نور هذه الرسالة وتظل رايتها مرفوعة حتى قيام الساعة أوضح الله سبحانه مصادر النور ومراجع الهداية في حياة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وبعد وفاته لكي لا تضطرب الكلمة , وتختلف القلوب , فقال جل شانه :" أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.." .
وأولو الأمر هم العلماء القادرون على الاستنباط " وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ.."
والأمراء الذين خولتهم الأمة وفوضتهم سلطة تنفيذ شرائع الله فيها والتزموا بذلك ولم ينحرفوا عنه .
فطاعة الله تتمثل بطاعة كتاب الله تعالى والالتزام التام بمحكمه وإتباع أوامره , واجتناب نواهيه , والتسليم بمتشابهه , والاعتبار بإخباره , والفهم لسننه , وطاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تظهر باتباع أوامره وطاعته التامة في حياته , واتباع سنته بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
ومنذ ظهور الإسلام والاحتجاج بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائم كالاحتجاج بكتاب الله تعالى وفقا لضوابط معروفة لأئمة المسلمين ومجتهديهم , والمسلمون , كل المسلمين , يعلمون من دين الله بالضرورة العقلية والبداهة الفطرية حجية السنة من أقوال وأفعال وتقريرات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ , في كل ما تعلق بالتبليغ والتشريع والبيان , ولا يسع مؤمناً بالله ورسله أن يقول بخلاف ذلك , وكيف يسع مسلماً أن يقول غير ذلك والسنة دائرة مع القرآن حيث دار تبين مجمله وتفصل مبينه , وتوضح آياته , وتفسر بياناته , وتطبق شرائعه , وقد تخصص ما يبدو أنه مفيد للعموم , وتقيّد ما يبدو مفيد للإطلاق.
ولذلك كانت حجية السنة النبوية ضرورة دينية لم ينازع فيها أحد من المسلمين من سلف هذه الأمة . ثم نبتت نابتة كليلة الفهم , قليلة العلم لم تفرق بين السنة ـ من حيث كونها سنة ثابتة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثبوتاً قاطعاً أو ظاهراً , وبين طرق سنن الماضيين وأخبار الغابرين , ومدى إمكان الاحتجاج بالخبر المنقول عن الأولين , وما مستوى الاحتجاج به ؟ وما مرتبته بين وسائل الإدراك الإنساني ؟ وهل يقوى على معارضة المحسوس أو المعقول إذا جاء على مناقضته أولا ؟ , وقد توهمت تلك النابتة أن النقاش في هذه القضية المنهجية الفلسفية إنما هو جدال في حجية السنة النبوية ذاتها , فسحبت كل ذلك الجدل المنهجي الفلسفي إلى دائرة (السنة النبوية) باعتبار أن السنن أحاديث , وأن الأحاديث أخبار , وان جل ذلك الجدل إنما هو في الإخبار , ولم تلتفت إلى الفروق الكبيرة الهائلة بين السنة النبوية ذاتها من حيث كونها سننا , وبين طرائق نقلها والإخبار بها من ناحية , كما لم تلتفت إلى الفروق بين مناهج الإخبار عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومناهج الإخبار عن سواه , فكانت نتيجة ذلك الخلط أن ثار ذلك الجدل العجيب حول حجية السنة النبوية ذاتها , واحتل مساحات واسعة في الدراسات الأصولية والحديثية كان يمكن أن تخصص لمجالات مناهج فهم السنة
وطرائق فهمها , وبيان مناهج الدروس والعبر منها , ونحو ذلك من دراسات تيسر للمسلمين في كل مكان وزمان كيفية بناء أفكارهم وتصوراتهم وثقافتهم ومناهج حياتهم ومجتمعاتهم وفقاً لتوجيهات السنة والدروس المستفادة منها .
ولقد كان لتلك المعارك المفتعلة حول حُجيّة الأخبار بعامة , وحُجيّة أخبار الآحاد بخاصة , آثار سلبية خطيرة أخرى في تكريس الفرقة والاختلاف بين المسلمين وتحويل البحث والدراسات الإسلامية في السنة في بعض الأحيان إلى موضوعات نظرية لا أثر إيجابي لمعظمها , بل لكثير منها آثار سلبية في المجالات الفكرية والعلمية الإيجابية , منها على سبيل المثال قضية مرتبة السنة النبوية من الكتاب , وقضية نسخ السنة بالكتاب ونسخ الكتاب بها , واستغراق العقل المسلم بما لا مزيد عليه في مجال التوثيق والرواية وتصحيح الأسانيد ونقدها , فإذا نظرنا في مساحة نقد المتون ومناهج دراستها وتحليلها ظهر البون الشاسع بين الجهود الضخمة الهائلة التي بذلت في مجال نقد الأسانيد والجهود المحدودة التي أنفقت في مجال نقد المتون , ووضع المناهج والمقاييس العلمية لدراستها وتحليلها , وإبراز علاقات الأحاديث المختلفة بالزمان والمكان والبيئة والواقع .
ولقد قام الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ بجهود كثيرة مشكورة في المجال التشريعي كان يمكن أن تفي بالغرض وتؤدي الحاجة لو شملت جميع جوانب السنة وسائر أنواعها , ولكنها اهتمت بالسنة التشريعية وطبقت منهجها في مروياتها .
ولما كانت السنة النبوية المطهرة تمثل ـ في جملتها ـ المرحلة التطبيقية النبوية البيانية في ظروفها الزمانية والمكانية , وبكل خصائص المرحلة الموضوعية و الاجتماعية والاقتصادية والفكرية , فإن دراسة مناهج الفهم للسنة تعتبر من أمثر الدراسات الأصولية والحديثية ضرورة وأهمية . فلقد كانت تلك المرحلة تجسيداً علمياً لمنهج الله على الأرض وكان القرآن العظيم ـ ذاته ـ يقود حركة التطبيق والتجسيد للمنهج في الواقع , ويهيمن على سائر جوانبها ليصوغها وفقاً لمنهجه , ويجعلها التعبير الكامل عنه لترجع البشرية إليه دائماً وأبداً , فكثيراً ما كانت آياته الكريمة تنزل بتقويم عملية التطبيق ونقدها وتحليلها وتصويبها والاستدراك عليها , وتجسد ذلك واضحاً في كثير من آيات سورة آل عمران والأنفال وغيرها .
ولقد كان المعهد العالمي للفكر الإسلامي , ولا يزال , يعتبر قضية فهم السنة النبوية , ومنهج دراستها وتحليلها ومعرفة سائر أبعادها , وكيفية اتخاذها مصدراً للمعرفة والحضارة والثقافة الإسلامية قضية من أهم القضايا الفكرية التي يجب على العقل المسلم أن يوليها عنايته واهتمامه وذلك لأن تحديد أصول الإسلام ومصادره وتوضح قضاياها , ومناهج فهمها وتعتبر الأساس الأهم في بناء العقل المسلم وتصحيح مسيرته , وإعادة بناء النسق المعرفي والثقافي والحضاري للأمة الإسلامية . ولتحقيق ذلك فقد اختط لحركته , في هذا المجال سبيلاً يتلخص فيما يلي :
1ـ العمل على تحويل مجرى اهتمام الدراسات الأصولية والحديثية من القضايا المحسومة تاريخياً إلى القضايا التي لم تحسم بعد , فقضية الحُجيّة يعتبرها المعهد قضية قد تم حسمها , فما يسع مسلماً يؤمن بالله ورسوله أن ينكر حُجيّة السنة , وقد أصدر المعهد في هذا الموضوع دراسة علمية قيمة تعتبر أهم وأشمل دراسة أصولية في مجال (حُجية السنة) وذلك هو كتاب (حجية السنة) لشيخ الأصوليين المعاصرين الشيخ عبد الغني عبد الخالق ـ رحمه الله تعالى ـ واعتبره الكلمة الفصل في هذا الجانب الذي لا بد أن يتجاوز الباحثون إلى سواه .
2 ـ العمل على توجيه أنظار الباحثين في مجالات السنة النبوية للاستفادة من الحاسوب لتيسير السنة لمختلف صنوف العلماء والباحثين , وقد قام المعهد بدعم كثير من العاملين في هذا المجال لتحقيق هذا الغرض .
3ـ العناية بالتصنيف الموضوعي للسنة , والاستفادة من المناهج العلمية النافعة في المجال لتحقيق أهدافنا في جعل السنة النبوية مصدراً للمعرفة الإنسانية والاجتماعية بكل أنواعها , وعدم الاقتصار على جعلها مصدراً للمعرفة الفقهية وحدها .
4ـ استكتاب أكابر العلماء موضوعات تؤكد على الجوانب الهامة المتعلقة بالسنة ودورها في إعادة بناء الحضارة الإسلامية , وإخراج الأمة المسلمة من دائرة التخلف . وفي هذا الإطار تم استكتاب فضيلة الأستاذ الكبير والشيخ الجليل الأستاذ الشيخ محمد الغزالي , فكتب كتابه المعروف : (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) , في محاولة لمعالجة فقه السنة وفهمها , وبيان الفرق بين من تستغرقهم شكليات الأسانيد وقوالب الرواية , وبين أولئك الذين يتجه اهتمامهم نحو الفهم والفقه واستخلاص العبر واستنباط الدروس , والشيخ الجليل أجل ـ في نظر المعهد ـ من أن يحدد له إطار و أو يقترح عليه كيف يكتب , أو يراجع ما يكتبه قبل أن يصدره , فثارت تلك الضجة التي لا تزال ذيولها حول بعض التفاصيل أو النماذج أو الأمثلة التي استشهد فضيلة الشيخ الغزالي بها , وكادت رسالة الكتاب الأساسية تضيع في ثنايا الضجة المثارة حول التفاصيل .
لقد كانت رسالة الكتاب موجهة , أولاً إلى تلك النابتة من الذين لم يؤتوا من العلم الشرعي والتكوين العلمي , والإلمام بالتاريخ والسيرة والفقه واللغة ما يمكنهم من فهم الحديث على وجه الصحة , فيقعون على كتاب من كتب الحديث فيطلعون على الأثر فيه ولا يعرفون حقيقته , ولا أبعاده , ولا أسباب وروده , ولا يدرون ما قبله ولا بعده , فيطيرون بفهم ناقص مشوش ينشرونه بين الناس , فإذا قيل لهم : فهمكم هذا يعارض قول الله تعالى , قالوا : السنة قاضية على الكتاب وناسخة له , وإذا قيل لهم : إن هذه الرواية معارضة بها هو أصح منها لم يدروا حقيقة التعارض , ولا طرائق الترجيح , ولا أساليب الفهم , ولا ضوابطه ومناهجه .
كما كانت موجهة إلى أولئك العلماء والباحثين وخدام السنة النبوية المشرفة إنذاراً وتخويفا وتنبيهاً لهم ليوجهوا شيئاً من جهودهم نحو قضايا الفهم ومناهج الإدراك , فلا سنة بدون فهم وفقه , ولا فقه ولا حضارة إسلامية ولا معرفة بدون سنة .
5 ـ وحين رأى المعهد الغبش الذي أحاط برسالة الشيخ الغزالي , وشغل معظم الأذهان عن رسالته الأساسية وشكلياته , توجه برجائه إلى صاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي , حفظه الله تعالى ونفع به ـ ليعد كتاباً ضافياً في مناهج فهم السنة) , وكتاباً مثله في : (السنة مصدر للمعرفة) , وقد تفضل فضيلة الأستاذ الدكتور فأعد الكتابين , ويسعد المعهد أن يقدم أولهما و سيقدم الآخر في وقت غير بعيد إن شاء الله تعالى .
وفي إطار عملية توجيه البحوث والدراسات في السنة النبوية المطهرة باتجاه قضية الفهم , عقد المعهد ندوة دولية بالتعاون مع المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في عمان , وذلك في نطاق المؤتمر العام السابع للمجمع الملكي لبحوث الحضارة , وشارك فيها مائة وستة وعشرون عالما وأستاذاً باحثاً , وبدأت أعمالها يوم الاثنين 15ذو القعدة 1409هـ , الموافق 19يونيو1989م , وانتهت يوم الخميس 18ذو القعدة الموافق 22يونيو 1989م , وكان عنوانها : (السنة النبوية : منهجها في بناء المعرفة والحضارة). وكان من أهم ما نوقش فيها كتاب الشيخ الغزالي وبحث الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي , إضافة إلى مجموعة قيمة أخرى من الأبحاث التي كتبت ضمن محاور الندوة الثلاثة .
ويعتبر المعهد أن قضية (فهم السنة النبوية) وبلورة مناهج الفهم ومقاييس وضوابط نقد المتون , ونحو ذلك من القضايا التي تساعد على اتخاذ السنة النبوية المطهرة مصدراً للثقافة والمعرفة والحضارة الإسلامية ـ هي قضية هامة تحتاج إلى كثير من الجهود العلمية والدراسات الجادة والندوات العلمية لكي تستعيد السنة دورها الإيجابي الفعال في بناء الحياة الإسلامية المعاصرة .
وقد تبدو الحاجة أشد إلى أن تشمل برامج الدراسات الحديثية في الجامعات والكليات والمعاهد الإسلامية على هذه القضايا وإحلالها محل دراسة القضايا التي تم حسمها ولم تعد مجال بحث .
وبعد أن يصل هذه الكتاب القيم وتتداوله الأيدي وتستوعبه العقول ونرجو أن يتضاعف الاهتمام الإسلامي بقضية فهم السنة , وإشاعة وترسيخ قواعد فهمها وضوابطه وشروطه , وبيان أسباب تفاوت الفهم واضطرابه في بعض الأحيان , وكيف حدثت أزمة فهم السنة , ما هي عواملها , وكيف تحلل القضايا المتداخلة التي أدت الخلط والتداخل بينها إلى تفاقم أزمة الفهم ؟ وما أثر أزمة الفهم بظهور الكلام في قضية الحجية ؟
ومن القضايا التي تحتاج إلى المزيد من البحث في هذا الجانب , ولها صلة بقضية فهم السنة النبوية ودراستها :

أولا : شروط الفهم

إذا كانت قضية السنة قضية فهم , فما هي عوامل تفاوت الفهم واضطرابه في بعض الأحيان عبر التاريخ ؟ وما أسبايه ؟ , وما هي خواص وصفات ومميزات العقل القادر على فهم السنة وحسن التعامل معها ؟ وما علاقة الفهم بالالتزام الإسلامي وكيف يتغلب على النظر الجزئي ؟ وكيف تعالج أزمة الفهم بمعالجة سائر الجوانب المؤثرة فيها ؟ , وكيف تُحلل القضايا المتداخلة التي أدى التداخل بينها والخلط إلى أزمة الفهم , التي أدت بدورها ـ في نظر كثير من الباحثين إلى تقديم قضية : (الحجية) كلياً أو جزئياً وتحويلها إلى ميدان الجدل ومعارك المراء , ولم تكن ـ قبل ذلك ـ موضوع نقاش عند أحد من المسلمين كما قد علمت .

ثانيا : الاختلاف والفرقة وقضايا مرشحة للبحث العلمي الدقيق

2ـ الفِرَق الإسلامية كيف انقسمت ؟ وما هي عوامل فرقتها وانقسامها ؟ وما موقع قضايا السنة والاختلاف فيها ـ فهما وحجية ودراية ورواية ـ من تلك العوامل ؟ وكيف استعملت السنة سلاحاً بين الفرق الإسلامية المختلفة ؟ , وكيف برزت ظاهرة الوضع والنظر الجزئي والاتجاه القانوني وما اثر ذلك ؟ , وما علاقته في بروز كثير من القضايا الفنية المتخصصة في علمي الدراية والرواية ؟ وكذلك في دخول بعض القضايا ميادين دراسات السنة لدى الأصوليين والمتكلمين مثل قضية : (حجية السنة) , و (مرتبة السنة من الكتاب) , وقضية : (نسخ الكتاب بالسنة) , وتخصيصه وتقييده بها , و(اجتهاد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والجدل فيها , واشتراك (السنة القولية) مع نصوص الكتاب الكريم في مباحث مشتركة , وإصدار الأحكام المشتركة على النصين معاً في كثير من هذه القضايا ؟ وما أثر ذلك في العقل المسلم فكريا وتربويا ؟ , وما هي الأطر التاريخية التي ولدت تلك القضايا ؟ , وما دلالتها الفكرية وآثارها في القديم والحديث ؟ , وما أفضل سبل تناول هذه القضايا في الدراسات المعاصرة لقضايا السنة وكيفية تصميم برامجها ؟ وكيفية الخروج منها بصورات تساعد على توضيح الرؤية الإسلامية في قضية توحيد المسلمين , وجمع كلمتهم , وإعادة بناء الأمة , وتوجهها نحو الفعل الحضاري المنتج الفعال ؟.

ثالثا : البعد الزماني والمكاني وفهم السنة

3ـ لقد كان واضحاً لدى الأصوليين ـ كما كان واضحاً لدى الصدر الأول ـ ملاحظة الأبعاد الزمانية والمكانية وخصوصيات المراحل وأوضاعها في قضية الفعل النبوي والتقرير وبشرية التجربة النبوية الفعلية ونسبيتها ووضعوا لذلك بعض الضوابط , فهل يمكن للمتخصصين تحديد ضوابط تلاحظ فيها نلك الأمور في بعض أنواع القول النبوي وكيف ؟ , وما دور الدراسات الحديثية المعاصرة في إبراز هذه الضوابط وتأصيلها ؟
4ـ الاختلافات الجوهرية بين القضية الجزئية التي يعالجها الفقيه , والقضية الفكرية التي يعالجها المفكر والفيلسوف والمتكلم , والظاهرة الاجتماعية التي يعالجها علام الاجتماعيات , وتجعل من الضروري إيجاد مناهج متعددة في فهم السنة والتعامل معها و فالحديث المتعلق بقضية جزئية تندرج تحت نظر الفقيه يختلف عن الحديث المتعلق بظاهرة اجتماعية عامة يجب أن تلحظ في فهمها جميع الجوانب التحليلية التي يلحظها عالم الاجتماعيات , وكيف يمكن التخلص من الداء التاريخي العضال الذي نجم عن فرقة الانقسام باستعمال الأحاديث للشيء ونقيضه , وتشبث الفرق المختلفة كل ما عنده فقط و كيف يمكن إعادة قواعد النظر الكلي والمقاصدي إلى العقل المسلم والخروج من هذه الدائرة خاصة بعد أن تيسرت الوسائل لجمع السنة والرجال وإجراء البحوث والدراسات العلمية والحوار المشترك والمجامع العلمية المشتركة ؟ .

دور السنة في معالجة مشكلات الأمة

5 ـ تسيطر على الساحة العربية خاصة والإسلامية عامة , جملة من السلبيات تشكل جانبا من جوانب أزمة العقل المسلم المعاصر , وتظهر بأشكال مختلفة , منها :
ـ انحلال الروابط بين فصائل الأمة وسيادة روح الصراع بكل أنواعه الفكرية والاجتماعية والطائفية والمذهبية إضافة إلى السياسية , وإحياء الأفكار المفرقة للأمة أو ابتكارها عند الحاجة .
ـ انهيار بقايا التوازنات الاجتماعية والإقليمية وسيادة روح الأنانية الفردية او الشللية , وسيطرة مشاعر القلق والخوف من المستقبل , واليأس والقنوط من الحاضر , والتواكل والإهمال وفقدان الحماس لأي موقف إيجابي , وسيطرة ظاهرة المواقف القائمة على رد الفعل , وترك مهمة الفعل والتأثير للغير , وتراجع أجواء الحوار لصالح أجواء الصراع والنزاع .
ـ غياب الوعي الموضوعي على حقيقة مشكلات الأمة الاجتماعية وعلاقاتها بالتاريخ , وتضاؤل النظرات الكلية التحليلية والتعليمية لقضايا الأمة أمام النظر الجزئي والسطحي والعاطفي والخطابي , وانفتاح العقل المسلم لقبول الشيء بدون تعليل أو تعليله بغير علته وغير ذلك من مظاهر قد تستعصى على الحصر الدقيق .
فكيف يمكن توظيف السنة النبوية وإحياء دورها في تصحيح مسار الأمة , وإعطاء الرؤية الواضحة والتصور السليم الذي يساعد على تقديم التفسير المقنع لكل هذه القضايا , ويُوجِد في الإنسان المسلم إرادة الفعل , وفي المجتمع المسلم القدرة على تعبئة القوى الاجتماعية وتوحيدها حول غايات إسلامية تبعث فيها الحياة تبعث فيها الحياة والأمل , وتحفزها نحو العمل لإيجاد البديل الثقافي والمشروع الاجتماعي الفكري والعملي الذي يعيد للأمة هويتها , ويعمق فيها الشعور بالانتماء إلى حضارة وتاريخ عريقين مجيدين ؟ .
بعده خطورةالفهم المعجمي للسنة
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-01-2011, 11:31 AM   #2 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي

(2)
خطورة الفهم المعجمي للسنة

6ـ في عصر الرسالة كان الناس يعايشون السنة بكل أبعادها , ويفهمون القرآن العظيم من خلال تلك المعايشة فهماً مباشراً واضحاً قوياً , فظهر تأثيره المعجز في إيجاد الأمة الوسط , الشهيدة على الناس , المتصفة بالخيرية التامة , القادرة على مواجهة أي تحد , المتخطية لأية عقبة , وحين بَعُد عهد الناس بالرسالة تجسد دور القاموس اللغوي في فهم النص على حساب وسائل وعناصر التفسير والفهم الأخرى , وظل دور القاموس يتضخم حتى طغى لدى البعض على سائر الوسائل الأخرى , وأصبح الوسيلة الوحيدة للفهم والتفسير , فولدت العقلية الحرفية المعجمية و ترعرعت حتى أصبحت تيارات ضخمة يعمل بعضها خارج إطار الزمان والمكان وحركة الحياة والتاريخ , ويمد معوقات نهوض الأمة بكثير مما تحتاجه من دعائم التعويق والجدل والاضطراب ويختزل الإسلام كله في جملة من الهياكل التاريخية والأشكال والصور التراثية ويبني على المستحيل كثيراً من التصورات والأطروحات , ويتوهم إمكان تكرير الحديث بكل عناصره مرات عديدة , وذلك ـ في الحياة الدنيا ـ محال , فكيف يمكن للدراسات الحديثية للسنة أن تعالج هذه القضايا وتباعد بين العقل المسلم وأخطارها , وتنقذه من هيمنة هؤلاء الذين أوشكوا أن يفرغوا الإسلام من محتواه الثقافي ومضمونه الحضاري , ويحصروه في بعض القوالب اللغوية واللفظية التي لا يمكن أن تقيم مجتمعا أو توجد أمة أو تبني حضارة .

السنة ومشروع نهضة الأمة

7 ـ لا شك أن أمتنا أحوج ما تكون ـ اليوم ـ إلى مشروع نهضة شامل كامل يعيد هذه الأمة غلى موقع الوسطية والشهود الحضاري من جديد , ولا يمكن أن يتم ذلك بدون تمكين المجتمعات الإسلامية من الشروط اللازمة لاستعادة موقعها ذلك , وفي مقدمة هذه الشروط بناء وتشكيل النسق الفكري والثقافي للأمة .
إن أمتنا اليوم تقتات فئاتها المتعلمة بإحدى ثقافتين : ثقافة تاريخية موروثة لها كل ما لعصور وبيئات إنتاجها من خصائص . وثقافة مستوردة مترجمة وغير مترجمة , وأمام كل من الثقافتين يقف عقل المسلم المعاصر موقف المنفعل والمستهلك الثقافي , وما كان لعقل عاجز عن الفعل , قانع بدور الانفعال وعاجز عن الإنتاج الثقافي , مكتف بالاستهلاك أن يبني دولة , أو يشيد أمة , أو يصنع حضارة .
إن ربط أهداف ووسائل التغيير الاجتماعي بدين الأمة وعقيدتها سوف يساعد كثيراً على تجنيد طاقات الأمة كلها وتعبئة جماهيرها لإحداث النقلة الفكرية والثقافية والحضارية المطلوبة للأمة , وتحملها الأعباء الجسام التي تتطلبها هذه النقلة .
ولكي يخرج العقل المسلم من أزمته الراهنة , وينتقل إلى مرحلة الرؤية السليمة والقدرة والعطاء , والاستجابة لمتطلبات المرحلة وإعادة بناء المنظومة الفكرية والثقافية للأمة , لا بد من إعادة قراءة مصادر الإسلام الثابتة : الكتاب والسنة , بوعي وفهم دقيقين , ونظر إسلامي معاصر قادر على ملاحظة جميع المؤثرات وسائر الأبعاد لاستلهام المقاصد ومعرفة الغايات , وتبين الكليات , واستنباط المنهج اللازم للاستجابة الإسلامية لتحديات المرحلة وإعادة بناء مقومات الأمة .
إن القرآن العظيم قد زود أسلافنا بمنهج فكري فذ قادر على فهم وتفسير وتحليل تحولات الأمم والمجتمعات وسبر أغوار الحقائق , والسنن الخاصة بالتحولات الحضارية الكبرى بشكل موضوعي لا مراء في موضوعيته وتطابقه مع الواقع وعلميته وقدرته المتميزة على كشف التناقضات الداخلية في المجتمعات وكيفية نموها وعوامل وجودها في الحضارات مع توضيح تام لاتجاهات التطور التاريخي .
إن سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسيرته , ونمط حياته وحياة الصدر الأول من أصحابه , لتمثل التجسيد العلمي الواقعي لذلك المنهج الفكري , وحين يتعامل العقل المسلم المعاصر مع الكتاب المجيد بتأمل وتدبر وإدراك معاصر سليم بحثاً عن كلياته وغاياته ومقاصده للوصول إلى منهجية كاملة تشكل ناظماً وضابطاً لحركة الحياة والإنسان ينسجم مع دورة الكون والوجود فإن حل الأزمة العقلية الكبرى يصبح في متناوله .
وحين يضيف إلى ذلك فهماً للسنة وإدراكاً يستوعب مرامي وغايات التطبيق النبوي للوحي الإلهي وتحويله إلى واقع حي بحياة الناس ويمارسونه , فإن حجب الجهل , وظلمات الأحقاد والصراع , وتبديد الطاقات , سوف تنقشع بإذن الله عن هذه الأمة ويرتقي الإنسان المسلم فوق عوامل العجز الذاتي ليكون قادراً على إقناع الإنسان المعاصر بكل تعقيداته العقلية والثقافية , والأخذ بيده نحو الهداية والفلاح من خلال إدراك الكليات الإسلامية وتمييز الثوابت عن المتغيرات وإدراك المقاصد وتحديد الغايات .
إن هذا الكتاب سيكون ـ بإذن الله ـ دعامة من الدعائم الأساسية في بناء منهج فهم السنة , وسوف يجيب عن كثير من التساؤلات المتعلقة بهذا الموضوع , ويلفت النظر إلى هذا الجانب الهام من جوانب الاستفادة بالسنة النبوية المطهرة , هذا الجانب الذي لم يعط من الاهتمام ما يستحقه سواء على مستوى الحوار أو على مستوى البحث العلمي والتأليف , أو على مستوى التدريس والتعليم .
ولعل هذا الكتاب القيم يدفع بقضايا فهم السنة والحوار فيها وحولها إلى قاعات البحث والدراسة , ويساعد في إخراج الأمة من ذلك الجدل العقيم الذي طال تخبطها فيه .
نسأل الله سبحانه أن يجزل لمؤلفه الجليل المثوبة , وينفع المسلمين به ويجعله في ميزان حسناته , ويوفق المعهد العالمي للفكر الإسلامي لتحقيق أهدافه في خدمة الأمة الإسلامية ومعالجة قضاياه الفكرية . إنه سميع مجيب .
أ.د/ طه جابر العلواني رئيس المعهد
ربيع الأول1410هـ
أكتوبر 1989م
مقدمة المؤلف
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-01-2011, 11:34 AM   #3 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي

(3)
مقدمة المؤلف د/ يوسف القرضاوي
الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه ..أما بعد :
فقد كلفني كل من المعهد لعالمي للفكر الإسلامي في واشنطن , والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن , إعداد بحث أو كتاب عن كيفية التعامل مع السنة النبوية باعتبارها المصدر الثاني بعد القرآن الكريم , للإسلام : فقها وتشريعا وقضاء , ودعوة وتربية وتوجيها . فقمت ـ بتوفيق الله تعالى ـ بكتابة هذه البحث الذي طال نسبيا , وإن كان الموضوع يستحق ما هو أطول وأوسع , لبالغ أهميته , ومسيس الحاجة إليه .
ولم أعن في هذا البحث بثبوت السنة , وبيان حُجيتها , فهذا مجال آخر , وقد كتبت فيه , كما كتب فيه غيري , فأفاد وأحسن , ولكني عنيت أكثر ما عنيت ببيان المبادئ الأساسية للتعامل مع السنة المطهرة , سواء تعاملنا معها فقهاء أم دعاة , وبيان المعالم والضوابط اللازمة لفهم السنة فهما صحيحا , وبعيدا عن تضييق الحرفيين الذين يجمدون على الظواهر , ويغفلون المقاصد , ويتمسكون بجسم السنة , ويهملون روحها ! وبعيدا أيضا عن تمييع المتهاونين والمتعالمين الذين يدخلون البيوت من غير أبوابها و والذين يقحمون أنفسهم فيما لا يحسنون , ويقولون على الله ورسوله ما لا يعلمون .
وقد اجتهدت أن تكون كتابتي عملية موثقة , وأن أسند كل قول إلى قائله , وأؤيد كل دعوى بدليلها , وألا أحتج إلا بحديث صحيح أو حسن , حتى لا أقع فيما أنكرته على غيري , وان أرجع إلى علماء الأمة ـ خصوصا في خير قرونها ـ لأقتبس من نورهم , وأستفيد من نهجهم , وإن كان كل احد يؤخذ منه ويرد عليه , إلا المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ , لهذا لم ألتزم التقيد إلا بمحكمات القرآن والسنة , ومقاصد الشريعة وقواعدها , المستنبطة من مفردات نصوصها , وجزئيات أحكامها التي لا تحصى . محاولا أن أنصف السنة من خصومها اللدّ , ثم من أنصارها , الذين يسيئون إليها بضيق أفقهم ـ مع حسن نيتهم وإخلاصهم ـ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
كما تعمدت أن أكثر من الأمثلة للموضوعات التي أطرقها , حتى تتضح القضية أمام القارئ تمام الوضوح , ويكون كل مثال شعاعا مضيئا على الطريق .
أرجو أن أكون قد وفيت ـ أو قاربت ـ بما أردت وما أريد مني , وعسى أن اكون بما كتبت في زمرة (الخلوف العدول) الذين ينفون عن علم النبوة تحريف الغالين , وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين , عسى أن أنال بذلك شفاعة سيد المرسلين , وخاتم النبيين .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات (.. الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ..).
الدوحة . في شوال 1409هـ
مايو1989م
يوسف القرضــاوي
الباب الأول
منزلة السنة وواجبنا نحوها
وكيف نتعامل معها؟

ـ منزلة السُنة في الإسلام
ـ واجب المسلمين نحو السنة
ـ مبادئ أساسية للتعامل مع السنة


أولا : منزلة السنة في الإسلام

إن السنة هي التفسير العملي للقرآن , والتطبيق الواقعي ـ والمثالي أيضا ـ للإسلام , فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو القرآن مفسرا , والإسلام مجسما .
وقد أدركت هذه المعنى , أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها , بفقهها وبصيرتها , ومعايشتها لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعبرت عن ذلك بعبارة مشرقة بليغة , حين سئلت عن خلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت : كان خلقه القرآن (1).
فمن أراد أن يعرف المنهج العملي للإسلام بخصائصه وأركانه فليعرف مفصلا مجسدا في السنة النبوية والقولية والعملية والتقريرية .

منهج شمولي

فهو منهج يتميز بـ (الشمول) لحياة الإنسان كلها , طولا وعرضا وعمقا . ونعني بالطول : الامتداد الزمني الرأسي , الذي يشمل حياة الإنسان من الميلاد إلى الوفاة , بل من مرحلة الجنينية إلى ما بعد الوفاة .
ونعني بالعرض الامتداد الأفقي , الذي يشمل مجالات الحياة كلها , بحيث تسير معه الهداية النبوية في البيت , وفي السوق وفي المسجد , وفي الطريق وفي العمل , وفي العلاقة مع الله , والعلاقة مع النفس , والعلاقة مع الأسرة والعلاقة مع الآخرين مسلمين وغير مسلمين , وبل مع الإنسان وال***** والجماد .
ونعني بالعمق : الامتداد في أغوار حياة الإنسان , فهي تشمل الجسم والعقل والروح , وتضم الظاهر والباطن , وتعم القول والعمل والنية .

منهج متوازن

وهو منهج يتميز كذلك بالتوازن , فهو يوازن بين الروح والجسم , وبين العقل والقلب , وبين الدنيا والآخرة , وبين المثال والواقع , وبين النظر والعمل , وبين الغيب والشهادة , وبين الحرية والمسئولية , وبين الفردية والجماعية , وبين الاتباع والابتداع ...
فهو منهج وسط لأمة وسط ..
ولهذا كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا لمح من بعض أصحابه جنوحا إلى الإفراط أو التفريط , ردهم بقوة إلى الوسط , وحذرهم من مغبة الغلو والتقصير .
ولهذا أنكر على الثلاثة الذين سألوا عن عبادته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكأنهم تقالوها , ولم تشبع نهمهم إلى التعبد , وعزم أحدهم أن يصوم الدهر فلا يفطر , والآخر أن يقوم الليل فلا يرقد , والثالث أن يعتزل النساء , فلا يتزوج , وقال حين بلغه قالتهم :"أما أني أخشاكم لله واتقاكم له , ولكني أصوم وأفطر , وأقوم وأرقد , وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني "(2).
ولما رأى مبالغة عبد الله بن عمر في الصيام والقيام والتلاوة , رده إلى الاعتدال قائلا: إن لبدنك عليك حقا (أي في الراحة) ولعينك عليك حقا (أي في النوم) ولأهلك عليك حقا (أي في الإمتاع والمؤانسة) , ولزورك عليك حقا(3) (أي في الإكرام والمشاركة) يعني فأعط كل ذي حق حقه .

منهج ميسر

ومن خصائص هذا المنهج أنه يتميز أيضا باليسر والسهولة والسماحة .فمن أوصاف هذا الرسول في كتب الأولين من التوراة والإنجيل :".. يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.."(الأعراف157) .
فلا يوجد في سنة هذا النبي ما يحرج الناس في دينهم أو يرهقهم في دنياهم , بل هو يقول عن نفسه :"إنما أنا رحمة مهداة"(4) يتأول قوله تعالى :" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء107) .
وقال عليه الصلاة والسلام :"إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا , ولكن بعثني ميسَّرا"(5)
وحينما بعث أبا موسى ومعاذا إلى اليمن أوصاهما بوصية موجزة جامعة "يسرا ولا تعسرا , وبشرا ولا تنفرا , وتطاوعا ولا تختلفا"(6)
ويقول معلما لأمته :"يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"(7)
ويقول عن رسالته :"أني بعثت بحنيفية سمحة"(8)

ثانياً : واجب المسلمين نحو السنة
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-01-2011, 11:35 AM   #4 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي

(4)
ثانياً : واجب المسلمين نحو السنة

السنة النبوية إذن هي المنهاج التفصيلي لحياة الفرد المسلم , والمجتمع المسلم وهي تمثل ـ كما أشرنا ـ القرآن مفسرا , والإسلام مجسدا .
فقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المبين للقرآن , المجسد للإسلام , بقوله وعمله , وسيرته كلها , في الخلوة والجلوة , الحضر والسفر , واليقظة والنوم , والحياة الخاصة والعامة , والعلاقة مع الله ومع الناس , ومع الأقارب والأباعد والأولياء والأعداء في السلم وفي الحرب , وفي العافية والبلاء.
ومن واجب المسلمين أن يعرفوا هذا المنهاج النبوي المفصل , بما فيه من خصائص الشمول والتكامل والتوازن والتيسير , وما يتجلى فيه من معاني الربانية الراسخة , والإنسانية الفارعة , والأخلاقية الأصيلة .
وهذا يوجب عليهم أن يعرفوا كيف يحسنون فهم هذه السنة الشريفة , وكيف يتعاملون معها فقها وسلوكا , كما تعامل معها خير أجيال هذه الأمة :الصحابة ومن اتبعهم بإحسان .
إن أزمة المسلمين الأولى في هذا العصر هي أزمة فكر , وهي في رأيي تسبق أزمة الضمير .
وأوضح ما تتمثل فيه أزمة الفكر هي أزمة فهم السنة والتعامل معها , وخصوصا من بعض تيارات الصحوة الإسلامية , التي ترنو إليها الأبصار وتناط بها الآمال , وتشرئب إليها أعناق الأمة في المشارق والمغارب , فكثيرا ما أتى هؤلاء من جهة سوء فهمهم للسنة المطهرة .

التحذير من آفات ثلاث

وقد روى عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يشير إلى ما يتعرض له علم النبوة وميراث الرسالة على أيدي الغلاة , والمبطلين , والجهال .
وذلك فيما رواه ابن جرير وتمام في فوائده وابن عدي وغيرهم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله , ينفون عنه تحريف الغالين , وانتحال المبطلين , وتأويل الجاهلين "(9) .
إنها معاول ثلاث , كل واحد منها يمثل خطرا على الميراث النبوي .

تحريف أهل الغلو

(أ‌) ـ فهناك : (التحريف) الذي يأتي عن طريق الغلو والتنطع , والتنكب عن (الوسطية) التي تميز بها هذا الدين , وعن (السماحة) التي وصفت بها هذه الملة الحنيفية , وعن (اليسر) الذي اتسمت به التكاليف في الشريعة .
إنه الغلو الذي هلك به من قبلنا من أهل الكتاب , ممن غلا في العقيدة , أو غلا في العبادة , أو غلا في السلوك .
وقد سجل القرآن عليهم ذلك حين قال :" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ" (المائدة77).
ولهذا روى ابن عباس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :"إياكم والغلو في الدين , فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين"(10)
وروى ابن مسعود عنه :"هلك المتنطعون"قالها ثلاثا(11) .

انتحال أهل الباطل

(ب‌) ـ وهناك : (الانتحال) الذي يحاول به أهل الباطل أن يدخلوا على هذا المنهج النبوي ما ليس منه , وأن يلصقوا به من المحدثات والمبتدعات ما تأباه طبيعته , وترفضه عقيدته وشريعته , وتنفر منه أصوله وفروعه .
ولما عجزوا عن إضافة شيء إلى القرآن المحفوظ في الصدور , المسطور في المصاحف , المتلو بالألسنة , حسبوا أن طريقهم إلى الانتحال في السنة ممهد , وأن بإمكانهم أن يقولوا : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون بينة .
ولكن جهابذة الأمة وحفظة السنة , قعدوا لهم كل مرصد , وسدوا عليهم كل منافذ الانتحال .
فلم يقبلوا حديثا بغير سند , ولم يقبلوا سندا , دون أن يشرحوا رواته واحدا واحدا , حتى تعرف عينه , ويعرف حاله , من مولده إلى وفاته , ومن أي حلقة هو ؟ ومن شيوخه ؟ ومن رفاقه ؟ ومن تلاميذه ؟ وما مدى أمانته وتقواه , ومدى حفظه وضبطه , ومدى موافقته للثقات المشاهير أو انفراده بالغرائب .
ولهذا قالوا : الإسناد من الدين , ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء !
طال علم بلا إسناد كحاطب ليل!
ولم يقبلوا من الحديث إلا ما كان متصل السند من مبدئه إلى منتهاه بالثقات من الرواة العدول الضابطين , من غير فجوة ظاهرة أو خفية ومع ضرورة السلامة من كل شذوذ أو علة قادحة .
وهذا التدقيق في طلب الإسناد بشروطه وقيوده من خصائص الأمة الإسلامية , ومما سبقوا به أمم الحضارة المعاصرة في وضع أسس المنهج العلمي التاريخي .
تأويل أهل الجهل
(ج) ـ وهناك : (سوء التأويل) الذي به تشوه حقيقة الإسلام , ويحرف فيه الكلم عن مواضعه , وتنتقص فيه أطراف الإسلام , فيخرج من أحكامه وتعاليمه ما هو من صلبه , كما حاول أهل الباطل أن يدخلوا فيه ما ليس منه , أو يؤخروا ما حقه أن يقدم , أو يقدموا ما حقه أن يؤخر .
وهذا التأويل السيئ , والفهم الرديء , من شأن الجاهلين بهذا الدين , الذين لم يشربوا روحه , ولم ينفذوا ببصائرهم إلى حقائقه فليس من الرسوخ في العلم , ولا من التجرد للحق , ما يعصمهم من الزيغ والانحراف في الفهم , والإعراض عن المحكمات , واتباع المتشابهات , ابتغاء الفتنة , وابتغاء تأويلها تبعا للهوى المضل عن سبيل الله .
إنه (تأويل الجاهلين) وإن لبسوا لبوس العلماء , تظاهروا بألقاب الحكماء . وهذا ما يجب التنبه له , والتحذير منه ووضع الضوابط الضرورية للوقاية من الوقوع فيه .
ومعظم الفرق الهالكة , والطوائف المنشقة عن الأمة , وعن عقيدتها , وشريعتها , والفئات الضالة عن سواء الصراط , إنما أهلكها سوء التأويل.
وللإمام ابن القيم هنا كلمة مضيئة في ضرورة حسن الفهم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكرها في كتاب (الروح) ننقلها عنه , قال : "ينبغي أن يفهم عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مراده من غير علو ولا تقصير , فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله , ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدي والبيان , وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب , ما لا يعلمه إلا الله , بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام , بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع , ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد , فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع , مع حسن قصده , وسوء القصد من التابع , فيا محنة الدين وأهله ! والله المستعان . وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والروافض وسائر أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ , حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس , هو موجب هذه الأفهام ! والذي فهمه الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ومن تبعهم ـ عن الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمهجور لا يلتفت إليه , ولا يرفع هؤلاء به رأسا .... حتى إنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره , فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله مراده كما ينبغي في موضع واحد , وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأما من عكس الأمر , فعرض ما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ما اعتقده وانتحله , وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدي الكلام معه شيئا , فدعه , وما اختاره لنفسه وولّه ما تولى , واحمد الذي عفاك مما ابتلاه به " انتهى .

ثالثاً مبادئ أساسية للتعامل مع السنة

ومن هنا ينبغي لمن يتعامل مع السنة النبوية , لكي ينفي عنها انتحال المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين أن يتشبث بعدة أمور , تعتبر مبادئ أساسية في هذا المجال :ـ
أولا ـ أن يستوثق من ثبوت السنة وصحتها حسب الموازين العلمية الدقيقة التي وضعها أئمة الإثبات , والتي تشمل السند والمتن جميعا سواء كانت السنة قولا أم فعلا , أم تقريرا .
ولا يستغني باحث هنا عن الرجوع إلى أهل الذكر والخبرة في هذا الشأن , وهم صيارفة الحديث الذين أفنوا أعمارهم في طلبه ودراسته وتمييز صحيحه من سقيمه , ومقبوله من مردوده ." وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ" (فاطر14) .
وقد أسس القوم للحديث علما ثابت الجذور ,باسق الفروع , هو للحديث بمنزلة علم أصول الفقه للفقه , وهو في الواقع مجموعة من العلوم بلغ بها العلامة بن الصلاح (65 نوعا).
وزاد عليها من بعده حتى أوصلها السيوطي في (تدريب الرواي على تقريب النواوي) إلى (93 نوعا) .
ثانيا ـ أن يحسن فهم النص النبوي , وفق دلالات اللغة , وفي ضوء سياق الحديث , وسبب وروده , وفي ظلال النصوص القرآنية والنبوية الأخرى وفي إطار المبادئ العامة , والمقاصد الكلية للإسلام ,مع ضرورة التمييز بين ما جاء منها على سبيل تبليغ الرسالة , وما لم يجيء كذلك , وبعبارة أخرى : ما كان من السنة تشريعا وما ليس بتشريع , وما كان من التشريع له صفة العموم والدوام , وما له صفة الخصوص أو التأقيت , فإن من أسوأ الآفات في فهم السنة خلط أحد القسمين بالآخر.
ثالثا ـ أن يتأكد من سلامة النص من معارض أقوى منه , من القرآن , أو أحاديث أخرى أوفر عددا , أو أصح ثبوتا , أو أوفق بالأصول وأليق بحكمة التشريع , أو من المقاصد العامة للشريعة , التي اكتسبت صفة القطعية , لأنها لم تؤخذ من نص واحد أو نصين بل أخذت من مجموعة من النصوص والأحكام أفادت ـ بانضمام بعضها إلى بعض ـ يقينا وجزما بثبوتها .

السنة التي يرجع إليها في التشريع والتوجيه

إن السنة هي المصدر الثاني للإسلام , في تشريعه وتوجيهه . يرجع إليها الفقيه لاستنباط الأحكام , كما يرجع إليها الداعية والمربي , ليستخرجا منها المعاني الملهمة , والقيم الموجهة والحكم البالغة , والأساليب المرغبة في الخير , المرهبة عن الشر .
ولا بد للسنة لكي تقوم بهذه المهمة أن يترجح لدينا ثبوتها عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا يترجم في علم الحديث بان يكون الحديث الذي يستشهد به صحيحا أو حسنا , والصحيح يشبه مرتبة الممتاز أو الجيد جدا في التقدير الجامعي . والحسن يشبه مرتبة الجيد أو المقبول , ولهذا كان أعلى الحسن قريبا من الصحيح كما أن أدناه قريب من الضعيف .
وعلماء الأمة متفقون على هذا الشرط في الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام الشرعية العملية , التي هي عماد علم الفقه , وأساس الحلال والحرام .
ولكنهم مختلفون في الأحاديث التي تتعلق بفضائل العمال والأذكار والرقائق والترغيب والترهيب , ونحوها , مما لا يدخل في باب التشريع الصريح , فمن علماء السلف من تساهل في روايته , ولم ير في إخراجه بأسا .
وهذا التساهل ليس على إطلاقه , فله مجاله , وله شروطه , ولكن الكثيرين أساءوا استخدامه , فشردوا به عن سواء السبيل , ولوثوا به نبع الإسلام المصفى .
وكتب المواعظ و الرقائق و التصوف حافلة بهذا النوع من الأحاديث .
وكذلك كثير من كتب التفسير , حتى إن منها من التزم إخراج الحديث الموضوع الشهير في مضل سور القرآن , وقد كشف الأئمة الحفاظ عواره , وبينوا بطلانه , ولم يعد هناك عذر لمن يرويه , ويسود به صفحات كتابه !
ولكن أمثال الزمخشري والثعالبي والبيضاوي وإسماعيل حقي وغيرهم , أصروا على إخراج الحديث المكذوب .
بل أكثر من ذلك وجدنا مفسرا مثل صاحب (روح البيان) يبرر ذكر الحديث ويقف موقف المحامي عنه , إنه ليقول في جراءة يحسد عليها : في أخر تفسير سورة التوبة :"واعلم أن الأحاديث التي ذكرها صاحب "الكشاف" في أواخر هذه السورة , وتبعه القاضي البيضاوي والمولى أبو السعود رحمهم الله من أجلة المفسرين : قد أكثر العلماء القول فيها , فمن مثبت , ومن ناف , بناء على زعم وصفها كالإمام الصغاني وغيره ".
"واللائح لهذا العبد الفقير سامحه الله القدير :أن تلك الأحاديث لا تخلو إما أن تكون : صحيحة قوية , أو سقيمة ضعيفة , أو مكذوبة موضوعة .
فإن كانت صحيحة قوية فلا كلام فيها , وإن كانت ضعيفة الأسانيد , فقد اتفق المحدثون على أن الحديث الضعيف يجوز العمل به في الترغيب والترهيب فقط , كما في "الأذكار للنووي , و"إنسان العيون" لعلي بن برهان الدين الحلبي , و" الأسرار المحمدية" لابن فخر الدين الرومي وغيرها .
وإن كانت موضوعة : فقد ذكر الحاكم وغيره أن رجلا من الزهاد انتدب في وضع الأحاديث في فضل القرآن وسوره , فقيل له : لم فعلت هذا ؟ فقال : رأيت الناس زهدوا في القرآن , فأحببت أن أرغبهم فيه , فقيل له : إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " فقال ما كذبت عليه , وإنما كذبت له "!!
أراد : أن الكذب عليه يؤدي إلى هدم قواعد الإسلام , وإفساد الشريعة والأحكام وليس كذلك : الكذب له : فإنه للحث على اتباع شريعته , واقتفاء أثره في طريقته , قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : الكلام وسيلة إلى المقاصد , فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا , فالكذب حرام , فإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق : فالكذب فيه مباح عن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا , وواجب إن كان ذلك المقصود واجبا , فهذا ضابطه(12) انتهى.
ولا نملك هنا إلا أن نحوقل ونسترجع !
ثم إن المرء ليعجب غاية العجب أن يصدر مثل هذا الكلام من رجل حشر نفسه في زمرة المفسرين لكتاب الله , ووصفه بعضهم بأنه فقيه وأصولي ! وأي فقه عند هذا الذي يجهل الأوليات عند العلماء المحققين ؟!
جهل هذا الشيخ ذو النزعة الصوفية أن الله أكمل لنا الدين , وأتم به علينا النعمة , فلم نعد في حاجة إلى من يكمله لنا , باختراع أحاديث من عنده , كأنما يستدرك على الله تعالى , أو يمتن على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ , يقول له : أنا أكذب لك , لأتمم لك دينك الناقص , وأسد ما فيه من فجوات , بما أضعه من أحاديث !
أما كلام الإمام بن عبد السلام , ففي موضوع غير هذا , مما رخصت فيه الأحاديث مثل الكذب في الحرب , وإصلاح ذات البين , وإنقاذ بريء فار من ظالم يطارده , ونحو ذلك مما هو مذكور في مظانه .
على أن كلام ابن عبد السلام نفسه يرد على دعوى هذا المدعي , فقد ذكر أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا , فالكذب حرام . وهنا تقول : إن كل الفضائل التي ترغب فيها الأحاديث المكذوبة , وكل الرذائل التي ترهب منها .. يمكن التوصل إليها بالأحاديث الصحاح والحسان من غير شك , فالكذب إذن حرام بيقين , بل من أكبر الكبائر .

رد الأحاديث الصحيحة كقبول الأحاديث الموضوعة
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-01-2011, 11:38 AM   #5 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي

(5)
رد الأحاديث الصحيحة كقبول الأحاديث الموضوعة

إذا كان من الخطأ والخطل والخطر قبول الأحاديث الباطلة و الموضوعة , وعزوها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ , فمثله في البطلان رد الأحاديث الصحاح الثابتة بالهوى والعجب والتعالم على الله ورسوله , وسوء الظن بالأمة وعلمائها وأئمتها في أفضل أجيالها , وخير قرونها .
إن قبول الأحاديث المكذوبة يدخل في الدين ما ليس منه , أما رد الأحاديث الصحيحة , فيخرج من الدين ما هو منه , ولا ريب أن كليهما مرفوض مذموم :
قبول الباطل , ورد الحق .
وللمنحرفين والمبتدعين من قديم شبهات ودعاوي , كر عليها العلماء والمحققون بالنقض والإبطال .
قال الإمام الشاطبي :
ربما احتج طائفة من نابتة المبتدعة على رد الأحاديث بأنها إنما تفيد الظن , وقد ذم الظن في القرآن , كقوله تعالى:" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى" (النجم:23) . وقال:" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" (النجم:28) وما جاء في معناه حتى احلوا أشياء مما حرمها الله تعالى على لسان نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وليس تحريمها في القرآن نصا , وإنما قصدوا من ذلك أن يثبت لهم من أنظار عقولهم ما استحسنوا .
والظن المراد في الآية وفي الحديث أيضا غير ما زعموا , وقد وجدنا له محال ثلاثة :
(أحدها) : الظن في أصول الدين , فإنه لا يغني عند العلماء , لاحتماله النقيض عند الظان , بخلاف الظن في الفروع , فإنه معمول به عند أهل الشريعة , والدليل الدال على إعماله , فكان الظن مذموما إلا ما تعلق منه بالفروع , وهذا صحيح ذكره العلماء في (هذا) الموضع .
(والثاني) : أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجح . ولا شك أنه مذموم هنا لأنه من التحكم , ولذلك أتبع في الآية بهوى النفس في قوله :" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ .." فكأنهم مالوا إلى أمر بمجرد الغرض والهوى ولذلك أثبت ذمه , بخلاف الظن الذي أثاره دليل , فإنه غير مذموم في الجملة , لأنه خارج عن اتباع الهوى , ولذلك أُثبت وعُمل بمقتضاه حيث يليق العمل بمثله كالفروع .
(الثالث) : أن الظن على ضربين : ظن يستند إلى أصل قطعي , وهذه هي الظنون المعمول بها في الشريعة أينما وقعت , لأنها استندت إلى أصل معلوم , فهي من قبيل المعلوم جنسه , وظن لا يستند إلى قطعي , بل إما مستند إلى غير شيء أصلا وهو مذموم ـ كما تقدم ـ وإما مستند إلى ظن مثله , فذلك الظن إن استند أيضا إلى قطعي , فكالأول , أو إلى غير شيء , وهو مذموم , فعلى كل تقدير : خبر واحد صح سنده , فلابد من استناده إلى أصل في الشريعة قطعي فيجب قبوله , ومن هنا قبلناه مطلقا , كما أن ظنون الكفار غير مستندة إلى شيء , فلا بد من ردها وعدم اعتبارها , وهذا الجواب الخير مستمد من أصل وقع بسطه في كتاب الموافقات والحمد لله .
ولقد بالغ بعض الضالين في رد الأحاديث , ورد قول من اعتمد على ما فيها حتى عدوا القول به مخالفا للعقل , والقائل به معدود في المجانين .
فحكى أبو بكر بن العربي عن بعض من لقى بالمشرق من المنكرين للرؤية , أنه قيل له : هل يكفر من يقول بإثبات رؤية الباري أم لا ؟ فقال : لا ! لأنه قال بما لا يعقل , ومن قال بما لا يعقل لا يكفر ! قال بن العربي : فهذه منزلتنا عندهم ! فليعتبر الموفق فيما يؤدي إليه اتباع الهوى , أعاذنا الله من ذلك بفضله (13) أ.هـ.
وذكر الإمام ابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث) كثيرا من الشبهات الكلية والجزئية , التي أثارها أعداء السنة , وأبطلها شبهة شبهة , ولم يدعهم حتى أحال نارهم رمادا .
وفي عصرنا برز للسنة أعداء جدد , بعضهم من خارج ديارنا , كالمبشرين والمستشرقين , وبعضهم من داخل الدار , ممن تتلمذ عليهم وتأثر بهم مباشرة , أو غير مباشرة .
ولقد استخدم هؤلاء المحدثون أسلحة الخصوم القدماء , وأضافوا إليها أسلحة حديثة , مما أوحت به ثقافة العصر , وأجلب هؤلاء وأولئك بخيلهم ورجلهم على السنة وكتبها ورجالها ومناهجها , وأيدتهم في ذلك جهات ومؤسسات ذات قدرات ومكايد , ولكن الله تعالى قيض للسنة من جهابذة العصر من قاوم شبهات المشككين بالحجج البالغة , وأباطيل المزيفين بالحقائق الدامغة , "فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ" (الأعراف:119).
وحسبنا من هؤلاء الفقيه الداعية المجاهد الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله , في كتابه القيم النافع "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" جعله الله في ميزانه حسنات ودرجات عنده (14).
بيد أن الذي ألفت النظر إليه هنا هو رد السنة وصحاح الأحاديث , بناء على فهم خاطئ لاح في ذهن امريء غير متخصص ولا متثبت , مما يدلنا على ضرورة التأني والتحري والتدقيق في فهم السنة , والرجوع إلى مصادرها وأهلها , وهو ما ننبه عليه في الصفحات التالية .

رد الأحاديث الصحيحة لسوء فهمها

إن من الآفات التي تتعرض لها السنة أن يقرأ بعض الناس المتعجلين حديثا فيتوهم له معنى في نفسه هو , يفسره به , وهو معنى غير مقبول عنده , فيتسرع برد الحديث لاشتماله على المعنى المرفوض .
ولو أنصف وتامل وبحث , لعلم أن معنى الحديث ليس كما فهم , وانه فرض عليه معنى من عنده لم يجيء به قرآن ولا سنة , ولا ألزمت به لغة العرب , ولا قال به عالم معتبر من قبله .
حديث :"اللهم أحيني مسكينا..":
قرأ بعضهم الحديث الذي رواه بن ماجة عن أبي سعيد الخدري والطبراني عن عبادة بن الصامت :"اللهم أحيني مسكينا , وأمتني مسكينا , واحشرني في زمرة المساكين "(15) .
ففهم من المسكنة الفقر من المال , والحاجة إلى الناس , وهذا ينافي استعاذة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فتنة الفقر (1) , وسؤاله من الله تعالى العفاف والغنى(17) , وقوله لسعد : "إن الله يحب العبد الغني التقي الخفي "(18) وقوله لعمرو بن العاص : "نعم المال الصالح للمرء الصالح "(19).
من أجل ذلك رُد الحديث المذكور , والحق أن المسكنة هنا لا يراد بها الفقر , كيف وقد استعاذ بالله منه وقرنه بالكفر "اللهم أني أعوذ بك من الكفر والفقر "(20) ؟ وفد امتن ربه عليه بالغنى فقال :" وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى" (الضحى:8) .
إنما المراد بها التواضع وخفض الجناح , قال العلامة ابن الأثير : أراد به التواضع والإخبات , ألا يكون من الجبارين المتكبرين .
وهكذا عاش ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعيدا عن حياة المستكبرين ولو في الشكل والصورة , يجلس كما يجلس العبيد والفراء , ويأكل كما يأكلون . ويأتي الغريب فلا يميزه من أصحابه , فهو معهم كواحد منهم . وهو في بيته يخصف نعله بيده , ويرقع ثوبه , ويحلب شاته ويطحن بالرحا مع الجارية والغلام .
ولما دخل عليه رجل هابه فارتعد , فقال له : هون عليك , فلست بملك , إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة .

تجديد الدين
وقرا بعضهم الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم وصححه غير واحد عن أبي هريرة مرفوعا:"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل سنة من يجدد لها دينها "(21) .
ففهم من التجديد أنه تطوير الدين وتغييره ليلائم الزمن فقال : الدين لا يجدد , الدين ثابت لا يتغير , وليست مهمة الدين أن يلائم التطور , إنما مهمة التطور أن يلائم الدين . إن زعم تجديد الدين يعني أننا في عصر تخرج طبعة جديدة , منقحة لمبادئه وتعاليمه , تساير حاجات الناس , وتواكب التطور , وهذا قلب للحقائق , فليرفض الحديث الذي يقول هذا .
وما يقوله هذا القائل صحيح لو كان المراد بالتجديد ما فسره به .
إن التجديد المراد ـ كما شرحته في بحث لي ـ هو تجديد الفهم له ـ والإيمان به والعمل به . فالتجديد لشيء ما , هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشا وظهر بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد , وذلك بتقوية ما وهى منه , وترميم ما بلى , ورتق ما انفتق , حتى يعود أقرب ما يكون إلى صورته الأولى .
فالجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم , أو الاستعاضة عنه بشيء آخر مستحدث مبتكر , فهذا ليس من التجديد في شيء .
ولنأخذ بذلك مثلا في الحسيات , إذا أردنا تجديد مبنى أثري عريق , فمعنى تجديده , الإبقاء على جوهره وطابعه ومعالمه , وكل ما يبقي على خصائصه وترميم كل ما أصابه من عموامل التعرية , وتحسين مداخله وتسهيل الطريق إليه , والتعريف به ...الخ . وليس من التجديد في شيء أن نهدمه , ونقيم عمارة ضخمة على أحدث طراز مكانه .
وكذلك الدين : لا يعني تجديده إظهار طبعة جديدة منه , بل يعني به العودة إلى حيث كان في عهد الرسول وصحابته ومن تبعهم بإحسان (22) .

بني الإسلام على خمس
ومن أعجب ما سمعته في عصرنا من رد الحديث الصحيح بالفهم القاصر أن بعض الناس قد رد أشهر حديث يحفظه المسلمون , صغرهم وكبارهم , وعامتهم وخاصتهم , وهو حديث ابن عمر وغيره :"بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله , وان محمد رسول الله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , وصوم رمضان , وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ".
وحجة هذا المقتحم الجريء : أن الحديث لم يذكر الجهاد , مع أهميته في الإسلام , فكان هذا دليلا على وضعه !
وجهل هذا أن الجهاد إنما يجب على بعض الناس دون بعض , ولا يفترض عينا إلا في ظروف خاصة ولاعتبارات معينة , بخلاف هذه المباني الخمسة , التي طابعها العموم لكل الناس .
ولو كان منطق هذا الإنسان صحيحا , لوجب عليه أن يرد آيات القرآن التي وصفت المؤمنين , والمتقين , وعباد الرحمن , والأبرار , والمحسنين , وأولي الألباب وغيرهم ممن اثنى الله عليهم في كتابه , ووعدهم بأجزل المثوبة . ولم يذكر في أوصافهم الجهاد .
اقرأ في ذلك أوصاف المتقين في أوائل (البقرة) الآيات 2ـ5) وأهل البر والصدقة في آية (ليس البر) وأوصاف المؤمنين في أول الأنفال (2ـ4) وأوصاف أولي الألباب في سورة الرعد (20ـ22) وأوصاف المؤمنين الوارثين للفردوس في أول سورة المؤمنون (1ـ10) وأوصاف عباد الرحمن في أواخر سورة الفرقان (63ـ77) وأوصاف المتقين المحسنين في سورة الذاريات (15ـ23) وأوصاف المكرمين في جنات الله في سورة المعراج (32ـ35) وكل هذه المواقع وغيرها في كتاب الله العزيز , لم تذكر الجهاد فهل يرد هذا الجهول المتطاول هذه الآيات من كتاب الله العزيز ؟!
وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية لتعليل حصر الإسلام في الخمس المذكورة , ولماذا لم يذكر الواجبات الأساسية الأخرى , مثل الجهاد , وبر الوالدين وصلة الرحم ونجو ذلك , فقال :
ومما يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من العمال الظاهرة أكثر من هذه الخمس فلماذا قال الإسلام هذه خمس , وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر شعائر الإسلام وأعظمها , وبقيام العبد بها يتم إسلامه , وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده .
و"التحقيق " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقا والذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان , فيجب على كل من كان قادرا عليه ليعبد الله بها مخلصا له الدين , وهذه هي الخمس , وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب لمصالح , فلا يعم وجوبها جميع الناس .
بل إما أن يكون فرضا على الكفاية , كالجهاد والمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , وملا يتبع ذلك من غمارة , وحكم وفتيا , وإقراء , وتحديث , وغير ذلك .
وإما أن يجب بسبب حق للآدميين يختص به من وجب به عليه , وقد يسقط بإسقاطه , وإذا حصلت المصلحة أو الإبراء , إما بإبرائه وإما بحصول المصلحة فحقوق العباد مثل قضاء الديون , ورد الغصوب , والعواري والودائع والإنصاف من المظالم من الدماء والأموال والأعراض , إنما هي حقوق الآدميين . وإذا برئوا منها سقطت وتجب على شخص دون شخص , في حال دون حال , لم تجب عبادة محضة لله على كل عبد قادر , ولهذا يشترك فيها المسلمون واليهود والنصارى , بخلاف الخمسة فإنها من خصائص المسلمين .
وكذلك ما يجب من صلة الأرحام , وحقوق الزوجة , والأولاد , الجيران والشركاء والفقراء , وما يجب من أداء الشهادة , والفتيا , والقضاء والإمارة والأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر والجهاد , كل ذلك يجب بأسباب عارضة على بعض الناس دون بعض , لجلب منافع ودفع مضار , لو حصلت بدون فعل الإنسان لم تجب , فما كان مشترك فهو واجب على الكفاية , وما كان مختصا فإنما يجب على زيد دون عمرو , لا يشترك الناس في وجوب عمل بعينه على كل أحد قادر سوى الخمس , فإن زوجة زيد وأقاربه ليست زوجة عمر وأقاربه فليس الواجب على هذا مثل الواجب على هذا , بخلاف صوم رمضان , وحج البيت , والصلوات الخمس , والزكاة , فإن الزكاة و إن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله , والأصناف الثمانية مصارفها , ولهذا وجبت فيها النية , ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه , ولم تطلب من الكفار , وحقوق العباد لا يشترط لها النية , ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته ويطالب بها الكفار(23).

من المجازفة التسرع برد الصحيح وإن أشكل
إن المسارعة برد كل حديث يشكل علينا فهمه ـ وإن كان صحيحا ثابتا ـ مجازفة لا يجتريء عليها الراسخون في العلم .
إنهم يحسنون الظن بسلف الأمة , فإذا ثبت أنهم تلقوا حديثا بالقبول , ولم ينكره إمام معتبر , فلا بد أنهم لم يروا فيه مطعنا من شذوذ أو علة قادحة .
والواجب على العالم المنصف أن يبقى على الحديث , ويبحث عن معنى معقول أو تأويل مناسب له .
وهذا هو الفرق بين المعتزلة وأهل السنة في المجال .
فالمعتزلة يبادرون برد كل ما يعارض مسلماتهم المعرفية والدينية من مشكل الحديث , وأهل السنة يعملون عقولهم في التأويل , والجمع بين المختلف والتوفيق بين المتعارض في ظاهره .
ومن أجل هذا ألّف الإمام أبو محمد ابن قتيبة (ت 27هـ ) كتابه المعروف "تأويل مختلف الحديث" ردا على الزوابع التي أثارها المعتزلة حول بعض الأحاديث , والتي زعموا أنها معارضة للقرآن , أو العقل , أو يكذبها العيان أو تناقضها أحاديث أخرى .
وجاء بعده محدث الحنفية الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت321هـ) فألف كتابه (مشكل الآثار) في أربعة مجلدات , محاولا أن يجد لهذه الأحاديث المشكلة تأويلا مقبولا , ووجها معقولا.
من هنا ينبغي التدقيق البالغ في فهم الحديث إذا صح ثبوته عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحذر كل الحذر من رده بمجرد استبعادات عقلية قد يكون الخطأ كامنا فيها ذاتها .
وأوضح مثل لذلك بعض ما جاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها .
فقد أنكرت بعض الأحاديث لظنها أنها مخالفة للقرآن , أو للأصول الثابتة من الإسلام , أو غير ذلك , في حين أنها أحاديث رواها صحابة لا يشك في صدقهم ولا في ضبطهم , ومعناها صحيح .
خذ مثلا حديث (الهرة) وما جاء من عقوبة على تعذيبها حتى ماتت , فقد روى الإمامأحمد , عن علقمة , قال : كنا عند عائشة , فدخل أبو هريرة فقالت :أنت الذي تحدث : أن امرأة عذبت في هرة ربطتها , فلم تطعمها ولم تسقها ! فقال : سمعته منه , يعني النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ , فقالت : هل تدري ما كانت المرأة ؟ إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة , وإن المؤمن أكرم على الله عز وجل من أن يعذبه في هرة ! فإذا حدثت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فانظر كيف تحدث !(24) .
أنكرت عائشة أم المؤمنين على أبي هريرة تحديثه بهذا الحديث بصيغته وحسبت أنه لم يضبط لفظه حين سمعه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
وحجة عائشة أنها تستكثر أن يعذب إنسان مؤمن من اجل هرة ! وأن المؤمن أكرم على الله من أن يدخله النار من أجل ***** أعجم !
غفر الله لعائشة , لقد غفلت عن شيء هنا في غاية الأهمية , وهو ما يدل عليه العمل . إن حبس الهرة حتى تموت جوعا , لهو برهان ناصع على جمود قلب تلك المرأة وقسوتها على مخلوقات الله الضعيفة , وأن أشعة الرحمة لم تنفذ إلى حناياها .
ولا يدخل الجنة إلا رحيم ,. ولا يرحم الله إلا الرحماء , فلو رحمت من في الأرض لرحمها من السماء .
إن هذا الحديث وما جاء في معناه ليعد فخرا للإسلام في مجال القيم الإنسانية , والتي تحترم كل مخلوق حي ,وتجعل في رعاية كل كبد رطبة أجرا .
ومما يتمم هذا المعنى ما جاء في الحديث الآخر الذي رواه البخاري : أن رجلا سقى ***ا , فشكر الله له , فغفر له .
وإن امرأة بغيا سقت ***ا , فغفر الله لها !
على أن أبا هريرة لم ينفرد برواية هذا الحديث , حتى يظن أنه لم يضبط ألفاظه , كيف وهو أحفظ الصحابة على الإطلاق ؟
فقد روى أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ , قال :"عذبت امرأة في هرة ! حبستها حتى ماتت جوعا , فدخلت فيها النار , قال الله : لا أنت أطعمتيها ولا سقيتها حين حبستيها , ولا أنت أرسلتيها , فأكلت من خشاش الأرض "(25) .
ورواه الإمام أحمد عن جابر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
"عذبت امرأة في هر ربطته حتى مات , ولم ترسله فيأكل من خشاش الأرض"(26).
فلم ينفرد أبو هريرة برواية الحديث , ولو أنه انفرد ما ضره ذلك شيئا .

كيف نتعامل مع السنة النبوية
معالم وضوابط
الدكتور يوسف القرضاوي
الباب الثاني
السنة ..
مصدرا للفقيه والداعية
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-01-2011, 11:40 AM   #6 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي

(6)
فهرس الباب الأول
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)رواه مسلم بلفظ(خلقه كان القرآن) . وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي كما في تفسير سورة (ن) لابن كثير .
(2) رواه البخاري عن انس .
(3) رواه البخاري في كتاب الصوم .
(4)رواه ابن سعد والحكيم الترمذي عن أبي صالح مرسلا , ورواه الحاكم عنه عن أبي هريرة موصولا , وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي , وصححه الألباني في تخريج كتابنا (الحلال والحرام)حديث رقم (1).
(5) رواه مسلم في باب الطلاق(1478).
(6) متفق عليه من حديث أبي موسى ومعاذ , اللؤلؤ والمرجان (1130).
(7) متفق عليه من حديث أنس , اللؤلؤ والمرجان (1131).
(8) رواه الطبراني عن أبي أمامة وفي سنده راو ضعيف كما في الزوائد(4/302)وقدر رواه الخطيب وغيره عن جابر من طريق ضعيف ,وفي فيض القدير :لكن له طرق ثلاث ليس يبعد أن لا ينزل بسببها عن درجة الحسن , انظر غاية المرام للألباني حديث(8) , وذكره الحافظ في الفتح (2:444) عن السراج من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة في قصة لعب الحبشة وفيه "ليعلم يهود أن في ديننا فسحة , إني بعثت بحنيفية سمحة ". ويشهد له ما رواه أحمد عن ابن عباس , وقيل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي الأديان أحب إلى الله ,قال: الحنيفية السمحة", وقال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار , وفيه ابن إسحاق وهو مدلس , ولم يصرح بالتحديث (1/0) وعلقه البخاري في صحيحه .
(9) الحديث ذكره الإمام ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) وقواه لتعدد طرقه(ج1/163ـ164) ط. دار الكتب العلمية بيروت , وكذلك العلامة ابن الوزير الذي استظهر صحته أو حسنه , لكثرة طرقه مع ما نقل من تصحيح الإمام أحمد له , والحافظ ابن عبد البر , وترجيح العقيلي لإسناده , مع سعة اطلاعهم وأمانتهم فهذا يقنعني التمسك به . انظر : الروض الباسم في الدب عن سنة أبي القاسم (21ـ1:23)ط.دار المعرفة بيروت . وانظر أيضا :الروض البسام في تخريج فوائد تمام .
(10) رواه احمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس , كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته(2680) .
(11) رواه مسلم في كتاب العلم من صحيحه(2670).
(12) نقل ذلك منكرا ومنددا , الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على(الأجوبة الفاضلة) للكنوي ص133,134 ط. ثانية , القاهرة ,1984م .
(13) الاعتصام للشاطبي ج/235ـ 237.
(14) ومن هؤلاء :د. محمد مصطفى الأعظمي الذي رد على (شاحت) والشيخ عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني صاحب كتاب "النوار الكاشفة" والشيخ محمد عبد الرازق حمزة صاحب كتاب "ظلمات أبي رية" والشيخ محمد أبو شهبة صاحب كتاب" دفاع عن السنة " والدكتور عجاج الخطيب و كتابه " السنة قبل التدوين" وكذا كتابه ع أبي هريرة وغيرهم ممن لا يتسع المقام لذكرهم.
(15) انظر صحيح الجامع الصغير (1261) , وقد زعم بعضهم أن ضعيف , وهو كذلك من طريق عائشة , وليس من الطريقين المذكورين .
(16)رواه البخاري ومسلم عن عائشة , والمصدر السابق(1288) .
(17) رواه مسلم والترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود . نفسه(1275) .
(18) رواه أحمد ومسلم عن سعد بن أبي وقاص . نفسه(1882) .
(19) رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي . انظر الحديث الأول من تخريج مشكلة الفقر .
(20) رواه الحاكم والبيهقي في الدعء عن انس . صحيح الجامع (1285) .
(21) رواه أبو داود في كتاب الملاحم من سننه برقم (4270) والحاكم في المستدرك (4/522) والبيهقي في معرفة السنن والاثار وغيرهم , وصححه العراقي والسيوطي كما في فيض القدير (282/2) .
(22) انظر : بحثنا :"تجديد الدين في ضوء السنة " بالعدد الثاني من مجلة بحوث السنة والسيرة في قطر ص 29 . وقد نشر في كتاب "من اجل صحوة راشدة" نشر المكتب الإسلامي بيروت .
(23) من كتاب (الإيمان) لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوي ج7/314ـ316 .
(24) تورده الهيثمي في مجمع الزوائد (ج10/190) وقال :رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح . أ هـ . أما دخول المراة النار بسبب حبس الهرة فقد رواه عن أبي هريرة الشيخان وغيرها , انظر : صحيح الجامع الصغير(3374) .
(25),(26) انظر : صحيح الجامع الصغير وزيادته , الحديث : (3995,3996) .
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-01-2011, 11:41 AM   #7 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي

(7)
كيف نتعامل مع السنة النبوية
معالم وضوابط
الدكتور يوسف القرضاوي
الباب الثاني
السنة ..
مصدرا للفقيه والداعية
ـ السنة في مجال الفقه والتشريع
ـ السنة في مجال الدعوة والتوجيه

أولاً
السنة في مجال الفقه والتشريع

السنة هي المصدر الثاني للفقه والتشريع بعد كتاب الله تعالى .

ولهذا نرى مبحث(السنة) ـ باعتبارها أصلا ودليلا للأحكام الشرعية ـ مبحثا واسع الأكناف في جميع كتب (أصول الفقه) وفي كل المذاهب .
حتى الإمام الأوزاعي (ت157) : الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب(1) .
وذلك , لأن السنة هي المبينة للكتاب , فهي التي تفصل ما أجمله , وتقيد ما أطلقه , وتخصص ما عممه .
وهذا ما جعل بعضهم يقول : السنة قاضية على الكتاب(2) , بمعنى أنها تبين المراد منه .
ولكن الإمام أحمد لأم يسترح لهذه العبارة , وقال : لا أجرؤ أن أقول ذلك , ولكن أقول : السنة مبينة للكتاب(3) .
وهذا هو العدل , فالسنة تبين الكتاب م وجه , وهي من وجه آخر تدور في فلك الكتاب ولا تخرج عنه .
والذي لا نزاع فيه هو مصدرية السنة للتشريع في العبادات والمعاملات للفرد وللأسرة وللمجتمع وللدولة .
يقول الإمام الشوكاني : الحاصل أن ثبوت حجية السنة , واستقلاها بتشريع الأحكام ضرورية دينية , ولا يخالف في ذلك إلا من لاحظ له في دين الإسلام (4).
ومن قرأ كتب الفقه الإسلامي ؛ في أي مذهب كان , وجدها طافحة بالاستدلال بالسنة قولا وفعلا وتقريرا .
يستوي في ذلك من عرفوا في تاريخ الفقه باسم مدرسة الحديث ومن عرفوا باسم مدرسة الرأي .
فالمبدأ مسلم به لدى الطرفين والخلاف إنما هو في التفصيل والتطبيق , نتيجة لاختلافهم في شروط قبول الحديث , والعمل به .
ومن قرأ كتب المذهب الحنفي ـ الذي يمثل مدرسة الرأي ـ وجدها حافلة بالأحاديث التي يستدل بها مشايخهم .
وإن نظرة متأنية إلى الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب مثل (الاختيار شرح المختار) لابن مودود الحنفي الموصلي (ت683هـ) الذي كان مقررا علينا في دراستنا الثانوية بالمعاهد الأزهرية(أعني الطلبة الأحناف) أو كتاب مثل (الهداية) للمرغيناني , المقرر على الطلبة الأحناف في كلية الشريعة بالأزهر وشرحه (فتح القدير)للمحقق الحنفي كمال الدين بن الهمام ـ لكافية بتأكيد هذه الحقيقة وهي أن أهل الرأي يستندون إلى السنة , كما يستند أهل الأثر.
وقد قال بعض الناس في عصرنا : إن أبا حنيفة لم يصح عنده إلا سبعة عشر حديثا !
وهو كلام لا يدخل عقل عاقل عرف طبيعة المدارس العلمية في ذلك العصر , وتكوين العلماء فيها , وأبو حنيفة خريج مدرسة الكوفة العلمية , التي اجتمع فيها الفقه والحديث معا , منذ أسسها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . وازدادت علما وفضلا بوصول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه إليها , وه الذي قال : رحم الله ابن أم عبد (يعني ابن مسعود) لقد ملأ هذه القرية علما !
ومن الغريب أن بعضهم استند فيما ذكره عن أبي حنيفة إلى العلامة بن خلدون , وهذا خطف من بعض الكلام الذي ابتلينا به من كثير من الناس , دون أن يحيطوا خبرا بكل ما في الموضوع , حتى في السياق نفسه .
ولو أننا رجعنا إلى ابن خلدون لوجدناه يذكر ذلك بصيغة التمريض , ولا يتبناه بل يذكر بعده ما يرد عليه , وهذه عبارته , قال في فصل " علوم الحديث" من مقدمته :
"واعلم أيضا أن الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه البضاعة والإقلال , فأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه قيل : إنه إنما بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها (إلى خمسين) , ومالك رحمه الله إنما صح عنده ما في كتاب (الموطأ) وغايتها ثلثمائة حديث أو نحوها , وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده ثلاثون ألف حديث , ولكل ما أداه إليه اجتهاده في ذلك .
وقد يقول بعض المتعصبين المتعسفين : إن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث , ولهذا قَلت روايته . ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة , لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة , ومن كان قليل البضاعة من الحديث , فيتعين عليه طلبه وروايته , والجد والتشمير في ذلك , وليأخذ الدين عن أصول صحيحة , ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ عن الله . وإنما أقل منهم من أقل الرواية , لأجل المطاعن التي تعترضه فيها , والعلل التي تعرض في طريقها سيما والجرح مقدم عند الأكثر , فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد , ويكثر ذلك , فتقل روايته لضعف الطرق , هذا مع أن أهل الحجاز رواية للحديث من أهل العراق , ولأن المدينة دار الهجرة و مأوى الصحابة , ومن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر , الإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل , وضعف الحديث إذا عارضه العقل القطعي , فاسصعب , وقلت من أجلها روايته , فقل حديثه , لا انه ترك رواية الحديث متعمدا , فحاشاه من ذلك , ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم , والتعويل عليه , واعتباره ردا وقبولا, أما غيره من المحدثين وهم الجمهور , فتوسعوا في الشروط وكثرت روايتهم , روى الطحاوي فأكثر وكتب مسنده , وهو جليل القدر , إلا أنه لا يعدل الصحيحين , لأن الشروط التي اعتمدها البخاري ومسلم في كتابيهما مجمع عليها بين الأمة كما قالوه , وشروط الطحاوي غير متفق عليها كالرواية عن المستور الحال وغيره"(5).
هذا ما قاله العلامة بن خلدون عن أبي حنيفة ومذهبه , وهو كلام مؤرخ خبير منصف .

جميع الفقهاء يحتكمون إلى السنة

ونستطيع أن نؤكد هنا جازمين : أن جميع فقهاء المسلمين , من مختلف المدارس , وشتى الأمصار , ممن له مذهب باق أو منقرض , متبوع أو غير متبوع كانوا يرون الأخذ بالسنة الاحتكام إليها , والرجوع إلى حكمها إذا تبينت لهم , جزءا من دين الله , ولا يسعهم الخلاف عن أمرها , يستوي في ذلك المنتمي إلى مدرسة الرأي والمنتمي إلى مدرسة الحديث .
أخرج البيهقي عن عثمان بن عمر قال : جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة فقال له : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذا وكذا , فقال الرجل : أرأيت ؟ فقال مالك : "..فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (النور:63) وأخرج عن ابن وهب قال : قال مالك : لم يكن من فتيا الناس أن يقال لهم : لم قلت هذا ؟ كانوا يكتفون بالرواية ويرضون بها .
وأخرج عن يحي بن ضريس قال : شهدت سفيان وأتاه رجل فقال : ما تنقم علي أبي حنيفة ؟ قال وما له ؟ قد سمعته يقول : آخذ بكتاب الله , فإن لم أجد فبسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله أخذت بقول أصحابه ,آخذ بقول من شئت منهم وادع قول من شئت منهم , ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم , فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وابن المسيب وعدد رجالا , فقوم اجتهدوا , فأجتهد كما اجتهدوا .
وأخرج عن الربيع قال : روى الشافعي يوما حديثا فقال له رجل : أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله ؟ فقال : متى ما رويت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديثا صحيحا فلم آخذ به , فأشهدكم أن عقلي قد ذهب !
وأخرج عن الربيع قال : سمعت الشافعي يقول : إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقولوا بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعوا ما قلت (6) .

ضرورة الوصل بين الحديث والفقه

وإذا كانت السنة مصدرا أساسيا للفقه , كان من الواجب على الفقهاء أن يتعمقوا في علم الحديث , كما على المحدثين أن يتقنوا علم الفقه , وكان من الفجوات العلمية التي يجب أن تسد : الفجوة بين المشتغلين بالفقه , والمشتغلين بالحديث , هذا الذي يجب أن تسد : الفجوة بين المشتغلين بالفقه , والمشتغلين بالحديث , وهذا ما ناديت به منذ سنين طويلة .
فالغالب على المشتغلين بالفقه أنهم لا يتقنون فنون الحديث , ولا يتعمقون في معرفة علومه , ولا سيما علم الجرح والتعديل , وما يترتب عيه من توثيق الرواة أو تضعيفهم .
ولهذا تنفق عندهم أحاديث لا تثبت عند أئمة هذا الشأن من صيارفة الحديث , ومع هذا يثبتونها في كتبهم , ويحتجون بها لما يقررون من أحكام في الحلال والحرام , والإيجاب والأستحباب .
بل قد يستدلون أحيانا بأحاديث لا خطم لها ولا أزمة , مما يذكر في الكتب ولا يعرف لها أصل ولا سند !
والغالب على المشتغلين بالحديث أنهم لا يجدون معرفة الفقه وأصوله , والقدرة على استخراج كنوزه ودقائقه , والاطلاع على أقوال أئمته , وتعدد منازعهم ومشاربهم وأسباب اختلافهم , وتنوع اجتهادهم .
مع أن كل فريق في حاجة ماسة إلى علم الآخر , ليكمل به ما عنده , فلابد للفقيه من الحديث , فإن جل أحكام الفقه ثابتة بالسنة , ولا بد للمحدث من الفقه , وحتى يعي ما يحمله , ولا يكون مجرد ناقل , أو يفهمه على غير وجهه.
وهذا أمر لاحظه علماؤنا السابقون , ونددوا بمن أهمله , حتى روى عن بعض الأعلام مثل سفيان بن عيينة , أنهم قالوا : لو كان المر بيدنا لضربنا بالجريد كل محدث لا يشتغل بالفقه , وكل فقيه لا يشتغل بالحديث !
ومن الغريب أن كتب الفقه فيها كثير من الأحاديث الضعيفة , مع أن من المتفق عليه أن الحديث الضعيف لا يعمل به في الأحكام , على حين قبله الأكثرون في الفضائل والترغيب والترهيب .
بل يوجد في كتب الفقه الضعيف الشديد الضعف , والموضوع , وما لا أصل له بالمرة .
وهذا ما حفز بعض كبار المحدثين لتأليف كتب في تخريج الأحاديث التي يستشهد بها الفقهاء .
كما فعل ابن الجوزي في كتاب (التحقيق في تخريج التعاليق) وقد هذبه ابن عبد الهادي في كتابه (تنقيح التحقيق) .
كما ألف بعض الحفاظ كتبا في تخريج أحاديث كُتب لها شهرة وانتشار مثل كتاب (نصب الراية لأحاديث الهداية) للحافظ جمال الدين الزيلعي(ت672هـ )وقد طبع مرارا في أربعة مجلدات , كما أختصره الحافظ ابن حجر في كتابه (الدراية في تخريج أحاديث الهداية) بعد أن أضاف إليه بعض الفوائد العلمية , ونشر في جزء واحد .
ومثل ذلك كتاب ابن حجر في تخريج أحاديث(فتح العزيز في شرح الوجيز)
وهو الشرح الكبير للرافعي على الوجيز للغزالي , فقد خرجه جماعة منهم ابن حجر في كتابه الشهير (تلخيص الحبير) .
وقد استدل بعض الفقهاء بأحاديث ثبت لمن بعدهم ضعفها , فهم معذورون في الاستدلال بها , ولكن الذين انكشف لهم ضعفها لا عذر لهم في استمرار الاحتجاج بها , وينبغي أن يترك الحكم المبني عليها , ما لم تكن هناك أدلة أخرى من نصوص الشرع أو قواعده العامة ومقاصده الكلية .
ومن قرأ كتب (تخريج الحديث) ـ التي أشرنا إليها ـ للكتب الفقهية المشهورة في المذاهب المتبوعة يتبين له ذلك بجلاء , كما يظهر ذلك في مثل (نصب الراية لأحاديث الهداية ) للزيلعي , و(تلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير) لابن حجر ,و(إرواء الغليل في تخريج منار السبيل)للألباني (والهداية في تخريج أحاديث البداية ) لابن رشد , لأحمد بن صديق الغماري.
لاحظت ـ وأنا أبحث في فقه الزكاة ـ عددا من الأحاديث يستدل بها داخل المذاهب المتبوعة , وهي مجروحة عند أئمة الحديث , مثل : " ليس في الخضروات صدقة ".
" لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " .
" لا يجتمع عشر وخراج".
"ليس في المال حق سوى الزكاة".
والحديث الخير اشتهر عند الفقهاء , وذكره بعض كبارهم , مثل: الماوردي في (الأحكام السلطانية) , والشرازي في (المهذب) , وابن قدامة في (المغني) .
وقد قال عنه النووي في (المجموع) : حديث ضعيف جدا لا يعرف .
وقبله قال البيهقي في(السنن) : يرويه أصحابنا في التعاليق , ولست أحفظ فيه إسنادا .
وأصل الحديث عند الترمذي وابن ماجه والطبري في تفسيره :"في المال حق سوى الزكاة" ثم وقع خطأ قديم في بعض نسخ ابن ماجه , وزِيد في أول الحديث كلمة "ليس" وشاع الخطأ واستمر , كما أشار إلى ذلك الحافظ أبو زرعة بن الحافظ زين الدين العراقي في (طرح التثريب في شرح التقريب , ج4ص 18)وبينه العلامة أحمد شاكر في تخريجه لتفسير الطبري(الأثر:2527) وأقام عليه من الأدلة ما يشفي الغليل (7) .
وفي كثير من كتب الفقه وأبوابه أحاديث من هذا النوع , الذي لا يعرف له سند عند بعض الحفاظ , وهو الذي يقول عنه الحافظ الزيلعي في (نصب الراية) : غريب . وهو اصطلاح خاص به , يفيد أنه لم يجد له سندا . ويقول عنه الحافظ ابن حجر في (الدراية) : لم أجده . أو : لم أره مرفوعا , ونحو ذلك من الألفاظ .
ويكثر هذا في بعض الأبواب إلى حد يلفت النظر.
كنت أطالع أحاديث كتاب (الذبائح) في (الدراية) فوجدت فيه أكثر من عشرين حديثا , بعضها صحيح , وبعضها ضعيف , وبعضها لم يعرفه الحافظ أو لم يجده !
ومن ذلك حديث : " سنوا بهم (أي المجوس) سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم , ولا آكلي ذبائحهم " قال : لم أجده بهذا اللفظ .
وحديث "المسلم يذبح على اسم الله , سمى أو لم يسم "قال : لم أجده بهذا اللفظ.
وحديث ابن مسعود : " جردوا التسمية" قال : لم أجده .
وحديث " الذكاة ما بين اللبة واللحيين " قال : لم أجده .
وحديث " افر الأوداج بما شئت" قال : لم أجده.
وحديث " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت "قال المصنف :أي تبلغ بالسكين النخاع , قال الحافظ :لم أجده .
وحديث " أنه نهى عائشة عن الضبّ حين سألته عن أكله " قال : لم أجده .
وحديث "أنه نهى عن بيع السرطان" قال : لم أجده .
إلى أحاديث أخرى(8) .
وليس هذا مقصورا على كتب(أهل الرأي) كما يسمونهم , بل يشمل كتب سائر المذاهب , فيوجد فيها الضعيف , وما لا أصل له أيضا , وإن كانت النسبة قد تختلف بين مذهب ومذهب .
والناظر في (تلخيص الحبير) للحافظ ابن حجر , الذي خرج فيه أحاديث شرح الرافعي لوجيز الغزالي ـ وهما من أئمة الشافعية ـ يجد مصداق ذلك بوضوح , فقد ضعف كثيرا من الأحاديث المحتج بها في الكتاب , وإن كان هو شافعيا أيضا . ولكن الحق أحق أن يتبع .
وقد كتب في ذلك الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت:458هـ)
إلى الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني ـ والد إمام الحرمين ـ (ت:438هـ) ينتقده بأدب في بعض أوهام حديثية وقعت له في كتابه (المحيط) ومن ذلك : أول حديث فيه , وهو النهي عن الاغتسال بالماء المشمس , وهو حديث لا يصح .
ومن إنصاف البيهقي : أنه أنكر على المحدثين من أصحابه الشافعية تساهلهم في ترك التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وما لا يصح , وفي الرواية عن الضعفاء والمجهولين ,, إلى آخر ما قال في رسالته الرصينة الركينة(9) .
وأغرب من ذلك : أن كتب (أصول الفقه) نفسها لا تخلو من الأحاديث الواهية والموضوعة والتي لا أصل لها , مثل حديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "
"ما رواه المسلمون حسنا فهو حسنا عند الله حسن " "اختلاف أمتي رحمة " وغيرها مما يجده من يقرأ كتب الأصول المعروفة للدارسين .

ثانياً
السنة في مجال الدعوة والتوجيه
والبقية تأتي إن شاء الله
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 09:42 AM   #8 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي

ثانياً
السنة في مجال الدعوة والتوجيه

السنة النبوية ـ بعد القرآن الكريم ـ هي المورد الذي لا ينضب , والكنز الذي لا ينفد , ليستمد منه الداعية في خطبته إذا خطب , في موعظته إذا وعظ , وفي درسه إذا درس .
ففيها من التوجيهات المشرقة , والحجج الدامغة , الحكم البالغة , والكلم الجامعة , والمواعظ المؤثرة , والأمثال المعبرة , والقصص الهادفة , وألوان الأمر والنهي , والوعد والوعيد , والترغيب والترهيب , ما يلين القلوب الجامدة و ويحرك العزائم الهامدة , وينبه العقول الغافلة , فهي تسير في خط القرآن في مخاطبة كيان الإنسان كله : عقله وقلبه , وهي تعمل على تكوين الشخصية المسلمة المتكاملة , ذات العقل الذكي والقلب النقي , والجسم القوي .
وفي كتب السنة ثروة طائلة للداعية الموفق , يتخذ منها زاده , ويملأ منها جعبته , ويتكون منها ـ مع معرفته القرآنية ـ محصوله الأساسي للدعوة والتوجيه .
وأول ما ينبغي على الداعية أن يعتمد عليه وينهل من معينه , من كتب السنة : الصحيحان : صحيح البخاري ومسلم , واللذان تلقتهما الأمة بالقبول . ولم ينتقد عليهما إلا أحاديث معدودة , يتعلق النقد في جلها بأمور شكلية وفنية .
ثم عليه أن ينتقي من كتب السنة الأخرى مثل كتب السنن الأربعة , وموطأ مالك ومسند أحمد وسنن الدارمي , وصحيح ابن خزيمة , وابن حبان , ومستدرك الحاكم , ومسانيد أبي يعلي , والبزار , ومعاجم الطبراني , وغيرها ـ ما نص الحفاظ النقاد على صحته أو حسنه من الأحاديث , وألا يعتمد على الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة , التي غدت ـ للأسف الشديد ـ بضاعة كثير من الخطباء والمرشدين الدينيين .
ومن فضل الله تعالى أن عددا من كتب السنة الأساسية قد خدم وحقق , فظهر (موطأ مالك) و (صحيح مسلم) و (سنن ابن ماجه ) محققة مرقمة مفهرسة من عمل خادم السنة محمد فؤاد عبد الباقي ـ رحمه الله ـ وكذلك ظهر كتاب (سنن أبي داود) و (سنن الترمذي) محققين مرقمين مفهرسين من عمل أخينا الأستاذ الدعاس .
وأعظم من ذلك : القيام بمهمة التخريج , وبيان درجة الحديث , وتمييز صحيحه من سقيمه . فظهر ابن ماجة , وصحيح الترمذي , وصحيح النسائي للمحدث الشيخ ناصر الدين الألباني(10) ويوشك أن يصدر له صحيح أبي داود , كما يوشك أن تكتمل أجزاء صحيح ابن حبان بتحقيق وتخريج الشيخ شعيب الأرناؤوط(11) , وقبل ذلك ظهر ما عثر عليه من صحيح ابن خزيمة بتحقيق د . محمد مصطفى الأعظمي , وتخريج الألباني .
وقد ظهر قبل ذلك من مسند أحمد خمسة عشر جزءا بتحقيق وتخريج العلامة أحمد محمد شاكر , وهو قريب من ثلث الكتاب , وقبل ذلك كان الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا قد رتب المسند حسب الموضوعات وشرحه وخرجه في ثلاثة وعشرين مجلدا .
كما أن الشيخ شاكر حاول أن يخرج من تفسير الحافظ ابن كثير منتقى مهذبا مخرجا سماه (عمدة التفسير) ونشر منه خمسة أجزاء , ولكن لم يقدر له إكماله .
وكذلك أخرج هو وشقيقه الأديب المحقق محمود محمد شاكر بضعة عشر جزءا من تفسير الإمام الطبري (ت:310هـ) .محققة مخرجة الأحاديث والآثار , ثم توفى الأخ الأكبر الشيخ أحمد , وأصدر الأستاذ محمود من بعده جزأين , ثم توقف هذا العمل العلمي الكبير .
وكذلك ظهر كتاب (المصنف) لعبد الرازق الصنعاني(ت:211هـ) في أحد عشر جزءا بتحقيق محدث الهند الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي .
وكذلك حققت بعض كتب الجميع المهمة مثل :"مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي (ت:737هـ) حققها الأباني , وخرجها بإيجاز . ومثل تمييز (صحيح الجامع الصغير وزيادته) للسيوطي عن (ضعيفه) للألباني .
ومثل (جامع الأصول) لابن الأثير(ت:606)حققه وخرجه عبد القادر الأرناؤوط.
ومن قبل ظهر (مجمع الزوائد) لنور الدين الهيثمي(ت:807هـ) وإن لم يكن محققا , وميزته أنه يحكم على الأحاديث تصحيحا وتضعيفا , وهو يضم : ما زاد على الكتب الستة من أحاديث : مسند أحمد , ومسند البزار , ومسند أبي يعلي , ومعاجم الطبراني الثلاثة .
ومن الكتب المهمة التي طبعت مرارا , ولكنها لم تحقق وتخرج : مستدرك الحاكم (ت:405هـ) وتلخيصه للذهبي (ظظظت:748هـ) .
كما حققت وخرجت كتب مهمة مثل :"زاد المعاد) لابن القيم (ت:751هـ) حققه شعيب الأرناؤوط , نشرته (الرسالة ) في خمسة أجزاء , وجزء للفهارس .
ومثل (رياض الصالحين) للنووي (ت: 676هـ) وهو كتاب مبارك جليل النفع حققه وخرجه كل من الألباني وشعيب الأرناؤوط.
وهناك تخريجات قديمة يجب الرجوع إليها والاستفادة منها , مثل تخريج زين الدين العراقي (ت:806هـ) لأحاديث (الإحياء) للغزالي (ت:505هـ) الذي سماه المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار) وهو مطبوع بحاشية (الإحياء) ولا يستغنى قاريء الإحياء عن الرجوع إليه , ليعرف درجة الحديث الذي استشهد به الغزالي , فكم فيه من أحاديث شديدة الضعف , وأخرى لا أصل لها , وثالثة محكوم عليها بالوضع ! , ومثل تخريج الحافظ ابن حجر العسقلاني لأحاديث تفسير الكشاف , وهو نافع بالنظر إلى كثير من الأحاديث التي يتداولها المفسرون , ويتناقلها بعضهم عن بعض .
وهناك (الشروح) للكتب المعروفة ,وأعظمها : فتح الباري في شرح البخاري لابن حجر , وهو الذي قال فيه الشوكاني : لا هجرة بعد الفتح ! .
وإن كان هناك شروح أخرى سابقة عليه ومعاصرة له , ولاحقة به , ينبغي الاستفادة منها جميعا, مثل شروح : الكرماني (ت:676هـ) والعيني (ت:855هـ) و القسطلاني (ت:923هـ) .
وهناك شروح مسلم , مثل شرح النووي , وشرح عياض والابي والسنوسي . وهناك شروح الموطأ مثل شرح أبي الوليد الباجي (474هـ) (المنتقى ) , وشرح السيوطي (تنوير الحوالك ) .
وشروح أبي داود , ومن أعظمها معالم السنن للإمام الخطابي (ت:388هـ) وتعليق ابن القيم عليه المسمى (تهذيب سنن أبي داود).
ومن الشروح الحديثة لعلماء الهند (عون المعبود) للديناوي , (بذل المجهود في حل أبي داود) للسهارنفوري (ت:1346هـ) بتعليق شيخ الحديث الكندهلوي , وتقديم السيد أبي الحسن الندوي , و (المنهل العذب المورود) للشيخ محمود خطاب السبكي مؤسس الجمعية الشرعية , وهو شرح حافل ظهر منه عشرة أجزاء , لم يتمه رحمه الله .
وشروح الترمذي , ومن أعظمها قديما (عارضة الأحوذي) للإمام أبي بكر ابن العربي (ت:543هـ).
وحديثا (تحفة الأحوذي) للمباركفوري .
ولم يشرح النسائي , كما شرح أبو داود والترمذي , ولكن توجد عليه حاشية للسيوطي , وأخرى للسندي (ت:1139هـ) . وهما مطبوعتان معه .
وهناك شروح (مشكاة المصابيح) وأشهرها شرح علي القاري (ت:1014هـ) المسمى ب(مرقاة المفاتيح) وهو مطبوع في خمسة أجزاء .
وله شرح حديث حافل يسمى (مرعاة المفاتيح) لعبيد الله المباركفوري من علماء الهند .
ولرياض الصالحين شرح معروف وهو (دليل الفالحين) لابن علان (ت:1057هـ) طبع ثمانية أجزاء .
وشرح حديث للمرحوم د.صبحي الصالح سماه : (منهل الواردين) , وآخر للدكتور مصطفى الخن و زملائه سمى (نزهة المتقين) .
كما أن لكتاب (الأذكار) للنووي أيضا شرحا لابن علان , سماه (الفتوحات الربانية) طبع في سبعة أجزاء .
ولكتابه الصغير الشهير (الربعين النووية ) أكثر من شرح , ولكن أجلها وأوسعها وانفعها هو شرح ابن رجب الحنبلي (ت:795هـ) المسمى (جامع العلوم والحكم) وقد كمل أحاديث الأربعين فأصبحت خمسين , وقد حققها د . محمد الأحمدي أبو النور , وإن لم يكملها بعد .
ومن الكتب النافعة هنا , والتي تشرح ما وراء الأحاديث من أسرار وحكم دينية واجتماعية : كتاب (حجة الله البالغة) للدهلوي (ت:1176هـ) .
والداعية البصير يعرف الكتب والأبواب التي يحتاج إليها أكثر من غيرها من مصادر الحديث .
فلا ريب أن كتب وأبواب الإيمان والتوحيد , والعبادات والعلم والأدب والزهد والرقاق , والذكر والدعاء , والقرآن والبر والصلة , وأحوال الآخرة والجنة والنار , والسيرة والمغازي , والقصص والتاريخ , ونحوها , وتجذب انتباه الداعية أكثر من الأحاديث التي تتعلق بالأحكام تعلقا مباشرا . وإن كان الداعية المتمكن الواسع الأفق , يستفيد من جميع أبواب الحديث .

التحري عند الاستشهاد بالحديث

والشيء المهم للداعية هنا أن يتحرى عند إيراد الحديث مستشهدا به على معنى من المعاني , أو قيمة من القيم , أو موقف من المواقف , وهذا في الواقع واجب أهل العلم جميعا : أن يعتمدوا على المصادر الموثقة , وإن يحرروا ثقافتهم من الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة والتي لا أصل لها , التي تنتفخ بها بطون كثير من الكتب في ثقافتنا الدينية , فتختلط بغيرها من الصحاح والحسان , دون تمييز بين الصنفين : المقبول والمردود , وبعض الناس تغره شهرة الحديث بين الناس , وشيوعه فبي الكتب أو على الألسنة , فيحسب هذا كافيا في توثيقه , وإعطائه جواز المرور والقبول .
ومما هو معروف لدى المحققين أن الحديث قد يشتهر على الألسنة , بل قد يشتهر في كتب أهل العلم , ويتناقله بعضهم عن بعض , وهو ضعيف جدا . بل ربما لم يكن له أصل , او كان حديثا موضوعا.
وهذا ما جعل عددا من علماء الحديث يؤلفون في بيان قيمة الأحاديث المشتهرة على الألسنة , من ذلك كتاب الزركشي(ت:794هـ) المسمى (التذكرة بالأحاديث المشتهرة ) وكتاب اليبع(تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث) وكتاب الحافظ ابن حجر (ت:852هـ) (اللالئ المنثورة في الحاديث المشهورة) , وككتاب السيوطي(ت:911هـ) ( الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة ) , وكتاب السخاوي(ت:902هـ) (المقاصد الحسنة فيما اشتهر من الحديث على الألسنة) والذي اختصره الزرقاني (ت:1122هـ) .
وأجمعها (كشف الخفاء ومزيل الألباس , عما اشتهر من الحديث على ألسنةالناس) للعلجلوني (ت:1162هـ) .
كما ان الكتب الخاصة ببيان الأحاديث الموضوعة : لابن الجوزي السيوطي والقاري والشوكاني واللكنوي وابن عراق الألباني وغيرهم مهمة في المجال .
وفي كتب التصوف والوعظ والرقاق كثير من هذا النوع من الأحاديث , فليحذر منها قارئها .
وكذلك في كتب التفسير , وخصوصا ما يتعلق بفضائل السور وقصص الأنبياء والصالحين , وأسباب النزول , فلم يصح منها إلا قليل .
في مؤتمر قريب استشهد أحد الباحثين بقصة ثعلبة بن حاطب , التي ذكرها المفسرون سببا لنزول قوله تعالى في سورة التوبة "وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ"!.
وإسناد القصة ـ كما قال الحافظ بن حجر في تخريج الكشاف ـ واه جدا(12).

آفة كثير من المواعظ

وآفة كثير من الواعظ وخطباء المساجد في أكثر البلاد الإسلامية أنهم حاطبوا ليل , همهم ما يحرك العامة من الأحاديث , وإن لم يكن لها سند صحيح ولا حسن , ولا أكاد أشهد خطبة جمعة , أو درس وعظ , إلا سمعت جملة من الأحاديث الضعيفة , بل الشديدة الضعف , ربما الموضوعة .
حضرت في بعض البلاد خطبة أظنها كانت بمناسبة من مناسبات السيرة النبوية , لهذا كان محورها شخصية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وطهارة سيرته , وروعة مواقفه , وعظمة خلقه , وهو موضوع ثري حافل بالحقائق الثابتة من صريح القرآن , وصحيح السنة .
لكن الخطيب لم يذكر مما صح أو حسن من الحديث إلا اثنين أو ثلاثة , في حين أفرغ من جعبته جملة وافرة من الأحاديث الواهية , أو المنكرة , أو الموضوعة , أو التي لا يعرف لها أصل , مما قال فيه العلماء : لا خطم لها ولا أزمّة !
أذكر من ذلك بعض الأحاديث :ـ
"أول ما خلق اللهنور النبي صلى الله عليه وسلم ".
"وأن الله أحيا أبويه له فأسلما على يديه"
" وأن من تسمى باسم (محمد) وجبت له الشفاعة).
وأحاديث الخوارق التي حدثت عند مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ ...الخ...
ومن غرائب ما سمعته في فضل أمته عليه الصلاة والسلام حديث:ـ
علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"
والحديث مما اشتهر وضعه , ونص العلماء في كتب المصطلح على أنه مكذوب .
وقد دلل الخطيب المذكور على صحة الحديث بحكاية ذكرها , مضمونها : أن الإمام أبا حامد الغزالي لقى سيدنا موسى في الرؤيا أو في عالم الرواح , فقال له كليم الله موسى : ما اسمك؟ قال محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ...الخ... قال : سألتك عن اسمك ولم أسالك عن نسبك , قال وأنت سألك الله عما بيمينك فلم تقل عصا , وتسكت , بل قلت : ( هي عصاي أتوكأ عليها , وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى)!
قال : فحج الغزالي موسى عليه السلام !! وبهذا أثبت الخطيب صدق الحديث المكذوب , وهكذا نروج البضاعة الكاسدة من غرائب الحكايات والمنامات والإسرائيليات في غيبة البضاعة الطيبة من الأحاديث الصحاح والحسان . وتطرد العملة الرديئة العملة الجيدة , كما يقول الاقتصاديون !
وهذه آفة قديمة , حتى إن بعض العلماء المتشددين في رواية الحديث , والذين هم من اهل الثقة والمعرفة , إذا ألفو في الموضوعات الوعظية تساهلوا غاية التساهل كما رأينا ذلك في كتب أبي فرج ابن الجوزي (ت:597هـ) الوعظية مثل (ذم الهوى) مع تشديده في كتاب (الموضوعات) و(العلل المتناهية) ونحوها ....
ومثل ذلك الحافظ النقاد شمس الدين الذهبي , فقد تساهل كثيرا في كتابه (الكبائر) لما له من طبيعة وعظية .
وكذلك الحافظ المنذري في كتابه الجامع(الترغيب والترهيب) فقد ذكر فيه عددا كبيرا من الحاديث الواهية المنكرة بل الموضوعة , ما كان أغناه عنها رحمه الله ولكنه نبه على ذلك بإشارات ومصطلحات ذكرها في مقدمته فأبرأ ذمته بذلك , وإن أغفلها قراؤه , وخصوصا في عصرنا .
وهذا ما دفعني للعمل على إخراج (المنتقى) من احاديثه الصحاح والحسان في جزأين , صدرا عن مركز بحوث السنة والسيرة في قطر.

فتوى ابن حجر الهيثمي

ولقد أحسن ابن حجر الهيثمي الفقيه الشافعي المعروف , الذي طالب بصراحة من حكام زمنه منع كل خطيب لا يبين مخرجي الأحاديث , ويخلط الصحاح بالأباطيل .
ففي فتاواه الحديثة ما نصه :"وسئل رضي الله عنه في خطيب يرقى المنبر في كل جمعة , ويروي أحاديث كثيرة , لم يبن مخرجيها , ولا رواتها (وذكر في ذلك حديثا معينا) فما الذي يجب عليه ؟ فأجاب بقوله :
"ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها , أو من ذكرها , فجائز , بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث , أو ينقلها من كتاب مؤلفه كذلك , وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث , أو في خطب ليس مؤلفها كذلك , فلا يحل ذلك , ومن فعله عُزَّر عليه التعزير الشديد . وهذا حال أكثر الخطباء , فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها وخطبوا بها , من غير أن يعرفوا أن تلك الأحاديث أصلا أم لا , فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك , ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه , من ذلك إن ارتكبه ." ثم قال :"فعلى هذا الخطيب أن يبين مستنده في روايته , فإن كان مستندا صحيحا , فلا اعتراض عليه , وإلا ساغ الاعتراض عليه , بل وجاز لولي الأمر أن يعزله من وظيفة الخطابة زجرا له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنية بغير حق "(13) انتهى ملخصا.
وليت خطباء زمننا يطبق عليهم هذا . إذن لزل الكثير منهم , لجهلهم بالحديث وخلطهم المقبول بالمردود .

تحقيق القول في رواية الحديث الضعيف في الترغيب والترهيب
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 09:48 AM   #9 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي

ثانياً
السنة في مجال الدعوة والتوجيه

السنة النبوية ـ بعد القرآن الكريم ـ هي المورد الذي لا ينضب , والكنز الذي لا ينفد , ليستمد منه الداعية في خطبته إذا خطب , في موعظته إذا وعظ , وفي درسه إذا درس .
ففيها من التوجيهات المشرقة , والحجج الدامغة , الحكم البالغة , والكلم الجامعة , والمواعظ المؤثرة , والأمثال المعبرة , والقصص الهادفة , وألوان الأمر والنهي , والوعد والوعيد , والترغيب والترهيب , ما يلين القلوب الجامدة و ويحرك العزائم الهامدة , وينبه العقول الغافلة , فهي تسير في خط القرآن في مخاطبة كيان الإنسان كله : عقله وقلبه , وهي تعمل على تكوين الشخصية المسلمة المتكاملة , ذات العقل الذكي والقلب النقي , والجسم القوي .
وفي كتب السنة ثروة طائلة للداعية الموفق , يتخذ منها زاده , ويملأ منها جعبته , ويتكون منها ـ مع معرفته القرآنية ـ محصوله الأساسي للدعوة والتوجيه .
وأول ما ينبغي على الداعية أن يعتمد عليه وينهل من معينه , من كتب السنة : الصحيحان : صحيح البخاري ومسلم , واللذان تلقتهما الأمة بالقبول . ولم ينتقد عليهما إلا أحاديث معدودة , يتعلق النقد في جلها بأمور شكلية وفنية .
ثم عليه أن ينتقي من كتب السنة الأخرى مثل كتب السنن الأربعة , وموطأ مالك ومسند أحمد وسنن الدارمي , وصحيح ابن خزيمة , وابن حبان , ومستدرك الحاكم , ومسانيد أبي يعلي , والبزار , ومعاجم الطبراني , وغيرها ـ ما نص الحفاظ النقاد على صحته أو حسنه من الأحاديث , وألا يعتمد على الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة , التي غدت ـ للأسف الشديد ـ بضاعة كثير من الخطباء والمرشدين الدينيين .
ومن فضل الله تعالى أن عددا من كتب السنة الأساسية قد خدم وحقق , فظهر (موطأ مالك) و (صحيح مسلم) و (سنن ابن ماجه ) محققة مرقمة مفهرسة من عمل خادم السنة محمد فؤاد عبد الباقي ـ رحمه الله ـ وكذلك ظهر كتاب (سنن أبي داود) و (سنن الترمذي) محققين مرقمين مفهرسين من عمل أخينا الأستاذ الدعاس .
وأعظم من ذلك : القيام بمهمة التخريج , وبيان درجة الحديث , وتمييز صحيحه من سقيمه . فظهر ابن ماجة , وصحيح الترمذي , وصحيح النسائي للمحدث الشيخ ناصر الدين الألباني(10) ويوشك أن يصدر له صحيح أبي داود , كما يوشك أن تكتمل أجزاء صحيح ابن حبان بتحقيق وتخريج الشيخ شعيب الأرناؤوط(11) , وقبل ذلك ظهر ما عثر عليه من صحيح ابن خزيمة بتحقيق د . محمد مصطفى الأعظمي , وتخريج الألباني .
وقد ظهر قبل ذلك من مسند أحمد خمسة عشر جزءا بتحقيق وتخريج العلامة أحمد محمد شاكر , وهو قريب من ثلث الكتاب , وقبل ذلك كان الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا قد رتب المسند حسب الموضوعات وشرحه وخرجه في ثلاثة وعشرين مجلدا .
كما أن الشيخ شاكر حاول أن يخرج من تفسير الحافظ ابن كثير منتقى مهذبا مخرجا سماه (عمدة التفسير) ونشر منه خمسة أجزاء , ولكن لم يقدر له إكماله .
وكذلك أخرج هو وشقيقه الأديب المحقق محمود محمد شاكر بضعة عشر جزءا من تفسير الإمام الطبري (ت:310هـ) .محققة مخرجة الأحاديث والآثار , ثم توفى الأخ الأكبر الشيخ أحمد , وأصدر الأستاذ محمود من بعده جزأين , ثم توقف هذا العمل العلمي الكبير .
وكذلك ظهر كتاب (المصنف) لعبد الرازق الصنعاني(ت:211هـ) في أحد عشر جزءا بتحقيق محدث الهند الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي .
وكذلك حققت بعض كتب الجميع المهمة مثل :"مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي (ت:737هـ) حققها الأباني , وخرجها بإيجاز . ومثل تمييز (صحيح الجامع الصغير وزيادته) للسيوطي عن (ضعيفه) للألباني .
ومثل (جامع الأصول) لابن الأثير(ت:606)حققه وخرجه عبد القادر الأرناؤوط.
ومن قبل ظهر (مجمع الزوائد) لنور الدين الهيثمي(ت:807هـ) وإن لم يكن محققا , وميزته أنه يحكم على الأحاديث تصحيحا وتضعيفا , وهو يضم : ما زاد على الكتب الستة من أحاديث : مسند أحمد , ومسند البزار , ومسند أبي يعلي , ومعاجم الطبراني الثلاثة .
ومن الكتب المهمة التي طبعت مرارا , ولكنها لم تحقق وتخرج : مستدرك الحاكم (ت:405هـ) وتلخيصه للذهبي (ظظظت:748هـ) .
كما حققت وخرجت كتب مهمة مثل :"زاد المعاد) لابن القيم (ت:751هـ) حققه شعيب الأرناؤوط , نشرته (الرسالة ) في خمسة أجزاء , وجزء للفهارس .
ومثل (رياض الصالحين) للنووي (ت: 676هـ) وهو كتاب مبارك جليل النفع حققه وخرجه كل من الألباني وشعيب الأرناؤوط.
وهناك تخريجات قديمة يجب الرجوع إليها والاستفادة منها , مثل تخريج زين الدين العراقي (ت:806هـ) لأحاديث (الإحياء) للغزالي (ت:505هـ) الذي سماه المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار) وهو مطبوع بحاشية (الإحياء) ولا يستغنى قاريء الإحياء عن الرجوع إليه , ليعرف درجة الحديث الذي استشهد به الغزالي , فكم فيه من أحاديث شديدة الضعف , وأخرى لا أصل لها , وثالثة محكوم عليها بالوضع ! , ومثل تخريج الحافظ ابن حجر العسقلاني لأحاديث تفسير الكشاف , وهو نافع بالنظر إلى كثير من الأحاديث التي يتداولها المفسرون , ويتناقلها بعضهم عن بعض .
وهناك (الشروح) للكتب المعروفة ,وأعظمها : فتح الباري في شرح البخاري لابن حجر , وهو الذي قال فيه الشوكاني : لا هجرة بعد الفتح ! .
وإن كان هناك شروح أخرى سابقة عليه ومعاصرة له , ولاحقة به , ينبغي الاستفادة منها جميعا, مثل شروح : الكرماني (ت:676هـ) والعيني (ت:855هـ) و القسطلاني (ت:923هـ) .
وهناك شروح مسلم , مثل شرح النووي , وشرح عياض والابي والسنوسي . وهناك شروح الموطأ مثل شرح أبي الوليد الباجي (474هـ) (المنتقى ) , وشرح السيوطي (تنوير الحوالك ) .
وشروح أبي داود , ومن أعظمها معالم السنن للإمام الخطابي (ت:388هـ) وتعليق ابن القيم عليه المسمى (تهذيب سنن أبي داود).
ومن الشروح الحديثة لعلماء الهند (عون المعبود) للديناوي , (بذل المجهود في حل أبي داود) للسهارنفوري (ت:1346هـ) بتعليق شيخ الحديث الكندهلوي , وتقديم السيد أبي الحسن الندوي , و (المنهل العذب المورود) للشيخ محمود خطاب السبكي مؤسس الجمعية الشرعية , وهو شرح حافل ظهر منه عشرة أجزاء , لم يتمه رحمه الله .
وشروح الترمذي , ومن أعظمها قديما (عارضة الأحوذي) للإمام أبي بكر ابن العربي (ت:543هـ).
وحديثا (تحفة الأحوذي) للمباركفوري .
ولم يشرح النسائي , كما شرح أبو داود والترمذي , ولكن توجد عليه حاشية للسيوطي , وأخرى للسندي (ت:1139هـ) . وهما مطبوعتان معه .
وهناك شروح (مشكاة المصابيح) وأشهرها شرح علي القاري (ت:1014هـ) المسمى ب(مرقاة المفاتيح) وهو مطبوع في خمسة أجزاء .
وله شرح حديث حافل يسمى (مرعاة المفاتيح) لعبيد الله المباركفوري من علماء الهند .
ولرياض الصالحين شرح معروف وهو (دليل الفالحين) لابن علان (ت:1057هـ) طبع ثمانية أجزاء .
وشرح حديث للمرحوم د.صبحي الصالح سماه : (منهل الواردين) , وآخر للدكتور مصطفى الخن و زملائه سمى (نزهة المتقين) .
كما أن لكتاب (الأذكار) للنووي أيضا شرحا لابن علان , سماه (الفتوحات الربانية) طبع في سبعة أجزاء .
ولكتابه الصغير الشهير (الربعين النووية ) أكثر من شرح , ولكن أجلها وأوسعها وانفعها هو شرح ابن رجب الحنبلي (ت:795هـ) المسمى (جامع العلوم والحكم) وقد كمل أحاديث الأربعين فأصبحت خمسين , وقد حققها د . محمد الأحمدي أبو النور , وإن لم يكملها بعد .
ومن الكتب النافعة هنا , والتي تشرح ما وراء الأحاديث من أسرار وحكم دينية واجتماعية : كتاب (حجة الله البالغة) للدهلوي (ت:1176هـ) .
والداعية البصير يعرف الكتب والأبواب التي يحتاج إليها أكثر من غيرها من مصادر الحديث .
فلا ريب أن كتب وأبواب الإيمان والتوحيد , والعبادات والعلم والأدب والزهد والرقاق , والذكر والدعاء , والقرآن والبر والصلة , وأحوال الآخرة والجنة والنار , والسيرة والمغازي , والقصص والتاريخ , ونحوها , وتجذب انتباه الداعية أكثر من الأحاديث التي تتعلق بالأحكام تعلقا مباشرا . وإن كان الداعية المتمكن الواسع الأفق , يستفيد من جميع أبواب الحديث .

التحري عند الاستشهاد بالحديث

والشيء المهم للداعية هنا أن يتحرى عند إيراد الحديث مستشهدا به على معنى من المعاني , أو قيمة من القيم , أو موقف من المواقف , وهذا في الواقع واجب أهل العلم جميعا : أن يعتمدوا على المصادر الموثقة , وإن يحرروا ثقافتهم من الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة والتي لا أصل لها , التي تنتفخ بها بطون كثير من الكتب في ثقافتنا الدينية , فتختلط بغيرها من الصحاح والحسان , دون تمييز بين الصنفين : المقبول والمردود , وبعض الناس تغره شهرة الحديث بين الناس , وشيوعه فبي الكتب أو على الألسنة , فيحسب هذا كافيا في توثيقه , وإعطائه جواز المرور والقبول .
ومما هو معروف لدى المحققين أن الحديث قد يشتهر على الألسنة , بل قد يشتهر في كتب أهل العلم , ويتناقله بعضهم عن بعض , وهو ضعيف جدا . بل ربما لم يكن له أصل , او كان حديثا موضوعا.
وهذا ما جعل عددا من علماء الحديث يؤلفون في بيان قيمة الأحاديث المشتهرة على الألسنة , من ذلك كتاب الزركشي(ت:794هـ) المسمى (التذكرة بالأحاديث المشتهرة ) وكتاب اليبع(تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث) وكتاب الحافظ ابن حجر (ت:852هـ) (اللالئ المنثورة في الحاديث المشهورة) , وككتاب السيوطي(ت:911هـ) ( الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة ) , وكتاب السخاوي(ت:902هـ) (المقاصد الحسنة فيما اشتهر من الحديث على الألسنة) والذي اختصره الزرقاني (ت:1122هـ) .
وأجمعها (كشف الخفاء ومزيل الألباس , عما اشتهر من الحديث على ألسنةالناس) للعلجلوني (ت:1162هـ) .
كما ان الكتب الخاصة ببيان الأحاديث الموضوعة : لابن الجوزي السيوطي والقاري والشوكاني واللكنوي وابن عراق الألباني وغيرهم مهمة في المجال .
وفي كتب التصوف والوعظ والرقاق كثير من هذا النوع من الأحاديث , فليحذر منها قارئها .
وكذلك في كتب التفسير , وخصوصا ما يتعلق بفضائل السور وقصص الأنبياء والصالحين , وأسباب النزول , فلم يصح منها إلا قليل .
في مؤتمر قريب استشهد أحد الباحثين بقصة ثعلبة بن حاطب , التي ذكرها المفسرون سببا لنزول قوله تعالى في سورة التوبة "وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ"!.
وإسناد القصة ـ كما قال الحافظ بن حجر في تخريج الكشاف ـ واه جدا(12).

آفة كثير من المواعظ

وآفة كثير من الواعظ وخطباء المساجد في أكثر البلاد الإسلامية أنهم حاطبوا ليل , همهم ما يحرك العامة من الأحاديث , وإن لم يكن لها سند صحيح ولا حسن , ولا أكاد أشهد خطبة جمعة , أو درس وعظ , إلا سمعت جملة من الأحاديث الضعيفة , بل الشديدة الضعف , ربما الموضوعة .
حضرت في بعض البلاد خطبة أظنها كانت بمناسبة من مناسبات السيرة النبوية , لهذا كان محورها شخصية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وطهارة سيرته , وروعة مواقفه , وعظمة خلقه , وهو موضوع ثري حافل بالحقائق الثابتة من صريح القرآن , وصحيح السنة .
لكن الخطيب لم يذكر مما صح أو حسن من الحديث إلا اثنين أو ثلاثة , في حين أفرغ من جعبته جملة وافرة من الأحاديث الواهية , أو المنكرة , أو الموضوعة , أو التي لا يعرف لها أصل , مما قال فيه العلماء : لا خطم لها ولا أزمّة !
أذكر من ذلك بعض الأحاديث :ـ
"أول ما خلق اللهنور النبي صلى الله عليه وسلم ".
"وأن الله أحيا أبويه له فأسلما على يديه"
" وأن من تسمى باسم (محمد) وجبت له الشفاعة).
وأحاديث الخوارق التي حدثت عند مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ ...الخ...
ومن غرائب ما سمعته في فضل أمته عليه الصلاة والسلام حديث:ـ
علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"
والحديث مما اشتهر وضعه , ونص العلماء في كتب المصطلح على أنه مكذوب .
وقد دلل الخطيب المذكور على صحة الحديث بحكاية ذكرها , مضمونها : أن الإمام أبا حامد الغزالي لقى سيدنا موسى في الرؤيا أو في عالم الرواح , فقال له كليم الله موسى : ما اسمك؟ قال محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ...الخ... قال : سألتك عن اسمك ولم أسالك عن نسبك , قال وأنت سألك الله عما بيمينك فلم تقل عصا , وتسكت , بل قلت : ( هي عصاي أتوكأ عليها , وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى)!
قال : فحج الغزالي موسى عليه السلام !! وبهذا أثبت الخطيب صدق الحديث المكذوب , وهكذا نروج البضاعة الكاسدة من غرائب الحكايات والمنامات والإسرائيليات في غيبة البضاعة الطيبة من الأحاديث الصحاح والحسان . وتطرد العملة الرديئة العملة الجيدة , كما يقول الاقتصاديون !
وهذه آفة قديمة , حتى إن بعض العلماء المتشددين في رواية الحديث , والذين هم من اهل الثقة والمعرفة , إذا ألفو في الموضوعات الوعظية تساهلوا غاية التساهل كما رأينا ذلك في كتب أبي فرج ابن الجوزي (ت:597هـ) الوعظية مثل (ذم الهوى) مع تشديده في كتاب (الموضوعات) و(العلل المتناهية) ونحوها ....
ومثل ذلك الحافظ النقاد شمس الدين الذهبي , فقد تساهل كثيرا في كتابه (الكبائر) لما له من طبيعة وعظية .
وكذلك الحافظ المنذري في كتابه الجامع(الترغيب والترهيب) فقد ذكر فيه عددا كبيرا من الحاديث الواهية المنكرة بل الموضوعة , ما كان أغناه عنها رحمه الله ولكنه نبه على ذلك بإشارات ومصطلحات ذكرها في مقدمته فأبرأ ذمته بذلك , وإن أغفلها قراؤه , وخصوصا في عصرنا .
وهذا ما دفعني للعمل على إخراج (المنتقى) من احاديثه الصحاح والحسان في جزأين , صدرا عن مركز بحوث السنة والسيرة في قطر.

فتوى ابن حجر الهيثمي

ولقد أحسن ابن حجر الهيثمي الفقيه الشافعي المعروف , الذي طالب بصراحة من حكام زمنه منع كل خطيب لا يبين مخرجي الأحاديث , ويخلط الصحاح بالأباطيل .
ففي فتاواه الحديثة ما نصه :"وسئل رضي الله عنه في خطيب يرقى المنبر في كل جمعة , ويروي أحاديث كثيرة , لم يبن مخرجيها , ولا رواتها (وذكر في ذلك حديثا معينا) فما الذي يجب عليه ؟ فأجاب بقوله :
"ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها , أو من ذكرها , فجائز , بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث , أو ينقلها من كتاب مؤلفه كذلك , وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث , أو في خطب ليس مؤلفها كذلك , فلا يحل ذلك , ومن فعله عُزَّر عليه التعزير الشديد . وهذا حال أكثر الخطباء , فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها وخطبوا بها , من غير أن يعرفوا أن تلك الأحاديث أصلا أم لا , فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك , ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه , من ذلك إن ارتكبه ." ثم قال :"فعلى هذا الخطيب أن يبين مستنده في روايته , فإن كان مستندا صحيحا , فلا اعتراض عليه , وإلا ساغ الاعتراض عليه , بل وجاز لولي الأمر أن يعزله من وظيفة الخطابة زجرا له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنية بغير حق "(13) انتهى ملخصا.
وليت خطباء زمننا يطبق عليهم هذا . إذن لزل الكثير منهم , لجهلهم بالحديث وخلطهم المقبول بالمردود .

تحقيق القول في رواية الحديث الضعيف في الترغيب والترهيب
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 09:57 AM   #10 (الرابط)
صديق مشارك
افتراضي

رفض بعض العلماء الحديث الضعيف ولو في الترغيب والترهيب

الحقيقة الأولى :
أن من العلماء قديما وحديثا من سوى بين أحاديث الترغيب والترهيب والرقاق والزهد وغيرها من أحاديث الأحكام , فلم يقبل من الحديث إلا الصحيح والحسن . وابن رجب في (شرح العلل) :ـ
" وظاهر ما ذكره مسلم (ت 261هـ) في مقدمته يقتضي ألا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام"(18).
" فقد شنع في مقدمة صحيحه على رواة الأحاديث الضعيفة , والروايات المنكرة"(19) .
والظاهر أنه مذهب الإمام البخاري(ت:233هـ) أيضا , وهو مذهب إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين(ت:456هـ) والقاضي ابن الغربي من المالكية(ت:543هـ) , وأبو شامة من الشافعية (20) .
ومن المعاصرين : الشيخ أحمد محمد شاكر , والشيخ محمد ناصر الدين الألباني .
يقول العلامة شاكر في كتابه (الباعث الحثيث) الذي شرح (اختصار علوم الحديث) لابن كثير , بعد أن ذكر ما أجازه بعضهم من رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروطه التي ذكرناها ـ يقول :ـ
" والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب على كل حال , لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح , خصوصا إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك , وأنه لا فرق بين الحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة , بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حديث صحيح أو حسن , وأما ما قاله أحمد بن حنبل وابن مهدي وابن المبارك : ... وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا فإنما يريدون به ـ فيما أرجح والله أعلم ـ الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة , فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقرا واضحا , بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة والضعف فقط "(21). اهـ . بتصرف قليل .
وللإمامين ابن تيمية وابن القيم كلام في هذا المعنى نفسه فسَّرا به ما روي عن الإمام أحمد أنه يأخذ بالحديث الضعيف , ويقدمه على الرأي والقياس , فأفاد أن مراده الحسن , إذ الترمذي هو الذي شهر هذا التقسيم , كما هو معروف .
وأما الشيخ الألباني فقد أفاض في ذلك في مقدمات عدد منتبه وبخاصة صحيح الجامع الصغير وزيادته , وصحيح الترغيب والترهيب .

عدم رعاية الشروط التي اشترطها الجمهور
الحقيقة الثانية :
أن الشروط الثلاثة التي اشترطها الذين أجازوا رواية الضعيف في الترغيب والترهيب والرقائق ونحوها , لم تراع ـ للأسف ـ من الناحية العلمية , فأكثر الذين يشتغلون بأحاديث الزهد والرقائق ,لا يميزون بين الضعيف وشديد الضعف , ولا يدققون في أن يكون الحديث مندرجا تحت أصل شرعي ثابت بالقرآن , أو بصحيح السنة , بل ربما يغلب عليهم ـ كما قلت من قبل ـ الشغف بما كان فيه إثارة وإغراب , ولو منكرا شديد النكارة , أو تلوح عليه دلائل الوضع .

منع الرواية بصيغة الجزم
الحقيقة الثالثة :
أن العلماء ذكروا هنا تنبيها مهما , وهو ألا يقول في الحديث الضعيف : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هكذا بصيغة الجزم والقطع .
قال ابن الصلاح في النوع الثاني والعشرين من (علوم الحديث) :ـ
" إذا أردت رواية الضعيف بغير إسناد , فلا تقل فيه : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " كذا كذا " وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة , بأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال كذلك وإنما تقول فيه : روي عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذا وكذا , أو بلغنا عنه كذا وكذا , أو ورد عنه , أو جاء عنه , أو روى بعضهم وما أشبه ذلك .
وهكذا الحكم فيما تشك في صحته و ضعفه , وإنما تقول : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما ظهر لك صحته بطريقه الذي أوضحناه اولا . والله اعلم (22) ".
وما قاله ابن الصلاح وافقه عليه النووي , وابن كثير , والعراقي , وابن حجر , وكل من كتب في مصطلح الحديث .
ولكن الخطباء , والمذكَّرين والمؤلفين الذين يرون الأحاديث الضعيفة لا يلقون بالا لهذا التنبيه , ويصدرون أحاديثهم دائما بقولهم : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

في الصحيح والحسن ما يغني
الحقيقة الرابعة:
أنه إذا كان لدينا في الموضوع الواحد حديث أو أكثر من صنف الصحيح والحسن , وحديث أو أكثر من صنف الضعيف , فالأجدر بنا أن نستغني بما لدينا من الصنف الأول عن الثاني , ولا داعي لأن نعبئ حوافظنا من الضعيف , فإن ذلك سيكون حتما على حساب الصحيح .
ولهذا ورد عن الصحابة : ما اجتهد قوم في بدعة إلا أضاعوا مثلها من السنة .
وهذا أمر مشاهد .
ومن هنا روى الخطيب في (الكفاية) عن الإمام ابن مهدي , قال : لا ينبغي للرجل أن يشغل نفسه بكتابة أحاديث الضعاف , فإن أقل ما فيه أن يفوته ـ بقدر ما يكتب من حديث أهل الضعف ـ يفوته من حديث الثقات(23) ...
وغذا كانت طاقة الإنسان في الحفظ والتذكر والاستيعاب والهضم محدودة ولا بد فليصرفها إذن فيما هو أحق وأولى , ولا يختلف اثنان أن الصحيح أولى بان توجه إليه الطاقات , وتصرف إليه الجهود و الأوقات من الضعيف .

التحذير من اختلال النسب بين الأعمال
الحقيقة الخامسة :
أن أحاديث الرقائق والترغيب والترهيب ـ إن كانت لا تشتمل على حكم يحلل
أو يحرم ـ نجدها تشتمل على شيء آخر , له أهميته وخطورته , وإن لم يلتفت إليه أئمتنا السابقون , وهو ما يترتب عليها "اختلال النسب" التي وضعها الشارع الحكيم للتكاليف والأعمال , فلكل عمل ـ مأمور به أو منهي عنه ـ وزن أو "سعر" معين في نظر الشارع بالنسبة لغيره من الأعمال , ولا يجوز لنا أن نتجاوز به حده الذي حده له الشارع , فنهبط به عن مكانته , أو نرتفع به فوق مقداره .
ومن أشد الأمور خطرا إعطاء قيمة لبعض الأعمال الصالحة , أكبر من حجمها وأكثر مما تستحقه , بتضخيم ما فيها من ثواب , حتى تطغى على ما هو أهم منها وأعلى درجة في نظر الدين .
وفي مقابل ذلك إعطاء أهمية لبعض الأعمال المحظورة , وتضخيم ما فيها من عقاب بحيث تجور على غيرها .
وقد ترتب على التهويل والمبالغات في الوعد بالثواب , والوعيد بالعقاب : تشويه صورة الدين في نظر المثقفين المستنيرين , حيث ينسبون هذا الذي يسمعونه أو يقرءونه إلى الدين نفسه , والدين منه براء .
وكثيرا ما أدت هذه المبالغات ـ وخصوصا في جانب الترهيب ـ إلى نتائج عكسية واضطرابات نفسية , وكثيرا ما بغَّض هؤلاء المبالغون رب الناس إلى الناس , ونفَّروهم منه , وأبعدوهم عن رحابه .
والواجب أن نبقي الأعمال على مراتبها الشرعية , دون أن تقع في شرك المبالغات التي تشدنا إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط , كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : عليكم بالنمط الوسط , الذي يرجع ليه الغالي (أي المبالغ) ويلحق به التالي .

رواية الحديث الضعيف في فضائل الأعمال لا تعني إثبات حكم به
الحقيقة السادسة:
أن العلماء الذين أجازوا رواية الضعيف بشروطه , وبعبارة الأقدمين منهم :
تساهلوا في أسانيد رواته , إنما قصدوا بذلك الحث على عمل صالح ثبت صلاحه بالأدلة الشرعية المعتبرة , أو الزجر عن عمل سيء ثبت سوءه بالأدلة الشرعية , ولم يقصدوا أن يثبتوا بالحديث الضعيف صلاح العمل أو سوءه , ولكن كثيرا من عامة الناس ـ بل من المحدثين أنفسهم ـ لم يفرقوا بين جواز رواية الضعيف بشروطه وإثبات العمل به .
ولهذا رأينا أكثر بلاد المسلمين يحتفلون بليلة النصف من شعبان , ويخصون ليلتها بالقيام , ونهارها بالصيام , بناء على الحديث المروي فيها , عن علي رضي الله عنه مرفوعا:" إذا كانت ليلة النصف من شعبان , فقوموا ليلها وصوموا يومها : فإن الله تبارك وتعالى يزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا , فيقول : ألا من مستغفر فأغفر له ...الحديث" رواه ابن ماجه , وأشار المنذري إلى ضعفه , وكذا ضعفه البوصيري في زوائد ابن ماجه (24) .
ورأينا أكثر بلاد المسلمين كذلك يحتفلون بيوم عاشوراء , يذبحون الذبائح , ويعتبرونه عيدا أو موسما, يوسعون فيه على الأهل والعيال , اعتمادا على حديث ضعيف , بل موضوع في رأي ابن تيمية وغيره , وهو الحديث المشهور على الألسنة :"من أوسع على عياله يوم عاشوراء , أوسع الله عليه سائر سنته " قال المنذري : رواه البيهقي وغيره من طرق عن جماعة من الصحابة .
وقال البيهقي : هذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أخذت قوة , والله أعلم .
وهذا القول فيه نظر .
وقد جزم ابن الجوزي , وابن تيمية في (منهاج السنة) وغيرهما بأن الحديث موضوع , وحاول العراقي وغيره الدفاع عنه وإثبات حسنه لغيره ! وكثير من المتأخرين يعز عليهم أن يحكموا بالوضع على حديث !
والذي يترجح لي أن الحديث مما وضعه بعض الجهال من أهل السنة في الرد على مبالغات الشيعة في جعل يوم عاشوراء يوم حزن وحداد , فجعله هؤلاء يوم اكتحال واغتسال , وتوسعة على العيال !!
وكثير من المفاهيم المغلوطة , والبدع المنتشرة بين جماهير المسلمين , ترجع إلى أحاديث ضعيفة , راجت في عصور التخلف بينهم , وتمكنت من عقولهم وقلوبهم , وطاردت الأحاديث الصحاح التي يجب أن تكون ـ بجوار القرآن الكريم ـ أساس الفهم والسلوك , كما بين ذلك الإمام الشاطبي في (الاعتصام).
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام ناصع في بيان المراد بقول العلماء : يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال أو في الترغيب والترهيب , قال :ـ
(... ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به , فإن الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل شرعي , ومن خبر عن الله أنه يجب عملا من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله , كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم , ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب , كما يختلفون في غيره , بل هو أصل الدين المشروع .
وإنما مرادهم بذلك أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله , أو مما يكرهه الله بنص أو إجماع , كتلاوة القرآن , التسبيح و الدعاء والصدقة , والعتق , والإحسان إلى الناس , وكراهة الكذب والخيانة , ونحو ذلك ... فإذا روى حديث في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها , وكراهة بعض الأعمال وعقابها , فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه , إذا روى فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به , بمعنى : أن النفس ترجو ذلك الثواب , أو تخاف ذلك العقاب , كرجل يعلم أن التجارة تربح , ولكن بلغه أنها تربح ربحا كثيرا فهذا إن صدق نفعه , وإن كذب لم يضره .
ومثال ذلك : الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات , وكلمات السلف والعلماء ووقائع العلماء , ونحو ذلك مما لا يجوز إثبات حكم شرعي به , ولا استحباب ولا غيره , ولكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب , والترجية والتخويف . فما حسنه أو قبحه بأدلة الشرع , فإن ذلك ينفع ولا يضر , وسواء كان في نفس الأمر حقا أو باطلا , فما علم أنه باطل موضوع لم يجز الالتفات إليه , فإن الكذب لا يفيد شيئا , وإذا ثبت أنه صحيح أثبت به الأحكام , وإذا احتمل الأمرين روى لإمكان صدقه ولعدم المضرة في كذبه , وأحمد إنما قال :"إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد" ومعناه : إنما نروى في ذلك بالأسانيد , وإن لم يكن محدثوها من الثقات الذين يحتج بهم .وكذلك قول من قال : يعمل بها في فضائل الأعمال , وإنما العمل بما فيها من الأعمال الصالحة , مثل التلاوة والذكر , والاجتناب لما كره فيها من الأعمال السيئة .
فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرا وتحديدا , مثل : صلاة في وقت معين بقراءة معينة , أو على صفة معينة لم يجز ذلك , لأن استحباب هذا الوصف المعين لم يثبت بدليل شرعي بخلاف ما لو روى فيه :" من دخل السوق فقال :" لا إله إلا الله ...كان له كذا وكذا "(25) . فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله بين الغافلين , كما جاء في الحديث المعروف :"ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء بين الشجر اليابس (26) ".
فأما تقدير الثواب المروي فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته .
فالحاصل : أن هذا الباب يروى و يعمل به في الترغيب والترهيب , لا في الاستحباب , ثم اعتقاد موجبه وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف على الدليل الشرعي (27) أهـ .
ورغم هذا البيان رأينا الكثيرين يثبتون التحديدات والتقديرات بالحديث الضعيف .

شرطان مكملان لقبول رواية الضعيف
الحقيقة السابعة والأخيرة :
أننا إذا أخذنا برأي الجمهور في جواز رواية الضعيف في الترغيب والترهيب بالشروط الثلاثة التي ذكروها , فينبغي ـ في نظري ـ أن نضيف إليها شرطين مكملين ذكرتهما في كتابي (ثقافة الداعية) وهما :ـ
1 ـ ألا يشتمل على مبالغات وتهويلات يمجها العقل أو الشرع أو اللغة , وقد نص أئمة الحديث أنفسهم أن الحديث الموضوع يعرف بقرائن في الرواي أو المروي .
فمن القرائن في المروي , بل من جملة دلائل الوضع , أن يكون مخالفا للعقل , بحيث لا يقبل التأويل , ويلحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة .
أو يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة , أو الإجماع القطعي , منافاة لا يمكن معها الجمع بينها (أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا ) أو يكون خبرا عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع ثم لا ينقله منهم إلا واحد !.
ومنها الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير , أو الوعد العظيم على الأمر الحقير , وهذا كثير في أحاديث القصاص .
ومما يؤسف له كثيرا من المحدثين لا يطبقون هذه القواعد عندما يروون في الترغيب والترهيب ونحوه , وربما كان لهم عذر من طبيعة عصرهم . أما عقلية عصرنا فلا تقبل المبالغات , ولا تهضمها , و ربما تتهم الدين ذاته إذا ألقى مثل هذه الأحاديث .
ومما تمجه اللغة : كثير من الأحاديث التي رواها بعض القصاص , مثل : دراج أبي السمح في تفسير كلمات من القرآن الكريم لها مدلولاتها الواضحة في اللغة , فروى لها تفسيرات غاية في الغرابة والبعد عن المدلول اللغوي .
فمن حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا " ويل : واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا , قبل أن يبلغ قعره " رواه أحمد والترمذي بنحوه إلا أنه قال : " سبعين خريفا" مع أن "ويل " كلمة وعيد بالهلاك معروفة قبل الإسلام وبعده .
ومثل ذلك ما جاء عند الطبراني والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه من تفسير "الغي" في قوله تعالى :" فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا" (مريم:59) قال : " واد في جهنم " , وفي رواية " نهر في جهنم ".
وكذلك ما رواه البيهقي وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله :" وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا" (الكهف:52) قال : واد من قيح ودم " .
وأغرب منه ما رواه ابن أبي الدنيا عن شفى بن مانع :أن في جهنم واديا يدعى"أثاما" فيه حيات وعقارب ...إلى آخره , يشير إلى قوله تعالى :" وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا" (الفرقان:68) .
ومما يؤسف له أن الإمام المنذري رحمه الله ذكر هذه الأحاديث في كتابه " الترغيب والترهيب".
ولهذا أعرضنا عنها في كتابنا (المنتقى من الترغيب والترهيب".
2ـ ألا تعارض دليلا شرعيا آخر أقوى منها :ـ
مثال ذلك : الأحاديث الضعيفة التي رويت في شأن عبد الرحمن بن عوف : أنه يدخل الجنة حبوا بسبب غناه .
فقد يقال : إن مثل هذه الأحاديث تندرج تحت أصل التحذير من فتنة المال , وطغيان الغنى , ولكن يجب أن نذكر أنها تعارض أحاديث صحيحة جعلت عبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرين بالجنة , فضلا عن وقائع ثابتة , وروايات مستفيضة , ثبت أنه كان من خيار المسلمين , وكبار المتقين , وأنه يمثل الغني الشاكر حقا , ولهذا توفى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم , وهو عنه راض , وجعله عمر رضي الله عنه في الستة أصحاب الشورى , وجعل لصوته ميزة ترجيحية على غيره عند تساوي الأصوات .
ولهذا رد الحافظ المنذري ما قد ورد من غير ما وجه ومن حديث جماعة من الصحابة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه , يدخل الجنة حبوا لكثرة ماله ....
قال : وقد ورد من غير ما وجه , ومن حديث جماعة من الصحابة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ يدخل الجنة حبوا لكثرة ماله , و لا يسلم أجودها من مقال , ولا يبلغ منها شيء بانفراده درجة الحسن . ولقد كان ماله بالصفة التي ذكر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" نعم المال الصالح للرجل الصالح " فأنى تنقص درجاته في الآخرة أو يقصر به دون غيره من أغنياء هذه الأمة ؟ فإنه لم يرد هذا في حق غيره , وإنما صح سبق فقراء هذه الأمة أغنيائهم على الإطلاق والله أعلم (28).


من فقه الداعية
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع



الساعة الآن 05:42 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
المواضيع والتعقيبات لاتمثل بالضرورة الرأي الرسمي للمنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها