الظلم شؤمه وسوء عواقبه
الظلم شؤمه وسوء عواقبه
الظلم غبن الإنسان لأخيه واضطهاد يعلوه غضب عارم مليء بمشاعر الحزن و المرارة والخذلان وقهر تتوقد فتائله في سويداء القلب يقضي حر لهيبها على كل بادرة خير من بوادر الصفح والغفران يقلَّب المظلوم كيانه على ألواح وحُسر ربما حاقد .. لكنه .. بالتأكيد ناقم غاضب ومغلوب على أمره لا شيء يعزيه غير ( زفراته ، عبراته ، دمعاته ، وبؤس حسراته ).
يبعث عبر أثير الكون أنين شكواه للواحد سامعه ..
إذ أن الواحد الأحد أقسم على نفسه بنصرته وكشف ضره ومعضلته عاجل أم آجل ولا ريب أن عقابه واصل واقع مؤلم وموجع لا تجدي معه أصابع الندم وإن أُكلت !!
بيد أن رحمة الله بالمظلومين والمضطهدين فسيحة حانية ورحبة كفضاء الكون ووضاءة الأمل كطل بدأ ليائس من بعيد ..
والظلم متعدد الأشكال والصور والآليات، والرائع في رب العزة عدله الكريم الذي لا يفوته سحق الظلم صغُر شأنه أم كبُر ...
قال تعالى : " ألا لعنة الله على الظالمين " ، قال تعال : " ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون " قيل هذه تسلية للمظلوم ووعيد للظالم.
وقال تعالى : " إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها " وقال تعالى : " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ".
وقال صلى الله عليه وسلم : ( من أقتطع حق امرئ مسلم أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة .. فقال رجل : يا رسول الله ولو كان شيئاً يسيراً ؟!!
قال : ( ولو كان قضيباً من أراك ).
وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء إلا قال الله عز وجل لبيك عبدي حقاً لأنصرنك ولو بعد حين ).
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إلا أن الظلم ثلاثة ) :
1- ظلم لا يغفر.
2- ظلم لا يترك.
3- وظلم مغفور لا يطلب.
فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله قال تعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب فظلم العبد نفسه.
وقال علي رضي الله عنه : ( يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم).
وكان معاوية يقول : إني لأستحي أن أظلم من لا يجد علي ناصراً إلا الله.
وقال بعض الحكماء .. أذكر عند الظلم عدل الله فيك، وعند القدرة قدرة الله عليك .. لا يعجبك رحب الذراعين سفاك الدماء فإن له قائلاً لا يموت ..
وقال سحنون بن سعيد كان حاتم يقول : ما هبت شيئاً قط كهيبتي من رجل ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله فيقول حسبك الله، الله بيني وبينك.
وبكى على بن الفضل يوماً فقيل له ما يبكيك ؟! فقال أبكي على من ظلمني إذا وقف غداً بين يدي الله ولم تكن له حجة.
وقال أبو الدرداء : إياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام.
قال الشاعر :
وحـق الله إن الـظلم لــؤم * * * وإن الـظلم مـرتعه وخيـم
إلى ديـان يـوم الدين نمضـي * * * وعـند الله تجتـمع الخصـوم
ومما نقل عن الآثار الإسرائيلية : في زمن موسى ..
أن رجلاً من ضعفاء بنى إسرائيل كان له عائلة وكان صياداً يصطاد السمك ويقوت منه أطفاله وزوجته.
فخرج يوماً للصيد ليبيعها ويصرف ثمنها في مصالح عياله، فلقيه بعض العوانية فرأى السمكة معه فأراد أخذها منه فمنعه الصياد فرفع العواني خشبة كبيرة كانت بيده فضرب بها رأس الصياد ضربة موجعة وأخذ السمكة منه غصبا بلا ثمن فدعا الصياد عليه وقال : ( إلهي جعلتني ضعيفاء وجعلته قويا عنيفا فخذلي بحقي منه عاجلاً فقد ظلمني ولا صبر لي إلى الآخرة ).
فأخذ الظالم الغاصب السمكة إلى منـزله وسلمها إلى زوجته وأمرها أن تشويها، فلما شوتها قدمتها بين يديه ففتحت السمكة فاها ونكزته في إصبعه نكزة طار بها عقله، وصار لا يقر بها قراره فقام وشكا إلى الطبيب ألم يده وما حل بها ، فلما رآها قال له إن دواءها أن تقطع الأصبع لئلا يسري الألم إلى بقية الكف، فقطع إصبعه فأنتقل الألم إلى الكف واليد فقال الطبيب ينبغي أن تقطع اليد إلى المعصم لئلا يسري الألم إلى الساعد فقطعها فأنتقل الألم إلى الساعد فما زال هكذا حتى كلما قطع عضواً أنتقل الألم إلى العضو الآخر الذي يليه حتى خرج هائما على وجهه مستغيثا إلى ربه ليكشف عنه ما نـزل به فرأى شجرة فقصدها فأخذه النوم فنام ، فرأى في منامه قائلا يقول : يا مسكين إلى كم تقطع أعضاؤك ؟!!
أمضى إلى خصمك الذي ظلمته فأرضه .. فأنتبه من نومه وفكر في أمره فعلم أن الذي أصابه من جهة الصياد فدخل المدينة وسأل عن الصياد ، فأتى إليه ووقع بين يديه يتمرغ على رجليه وطلب منه الإقالة مما جناه ودفع إليه بعضاً من ماله وتاب من فعله فرضي عنه خصمه الصياد فسكت في الحال ألمه وبات تلك الليلة، فرد الله يده كما كانت ونـزل الوحي على موسى " يا موسى وعزتي وجلالي لولا أن ذلك الرجل أرضى خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته ".
وقال الشاعر :
بـغي وللبغي سـهام تنتـظر * * * أنـفذ في الأحشـاء من وخز الإبر
سـهام أيدي القانتين في السـحر
ومن القصص الحديثة التي عجبت من قدرة الله فيها ..
تلك الصورة التي أُخذت لعمارة في محافظة الدمام
كانت بأحسن حال على حياة صاحبها مكونة من طابقين وبها أكثر من خمس شقق هي المعين المادي لذلك الرجل ولأبنائه الصغار، قبل موته أوكل أمواله وأبناءه لولاية أخيه لكن الأخ أهمل ما عليه من مسؤليات وتغلغل الجشع إلى عمق قلبه الأناني فبدأ بوضع المردودات المالية في جيبه الخاص ضرب بالأوامر والمحظورات الإلهية عرض الأرض ، الحائط والسماء !!!
للقاري الصورة الحديثة للعمارة المسلوبة والتي هي مُلك لأيتام :
- تكسر زجاج النوافذ دون أدنى سبب.
- بدأت الأبواب بالسقوط الواحد تلو الآخر.
- أخذت أنابيب المياه تبرز من بيت ثنايا الجدران.
- نتأ الحديد بادياً للملأ عرضه وطوله كأعواد الخيزران.
- تصدعت الحيطان بأكملها.
- انهارت بنيتها التحتية.
- وماء الأمطار يخترق السقف على ساكنيها.
- هرب المستأجرون.
- وبقيت ماثلة الضم المُفرغ تلهو بجوفه الشياطين.
وأخيراً :
عجبً لقدرة الله ماألطفه وأروع عدله ..
ولا أقول غير :
ياذا الذي صـام عن الطعـم * * * ليـتك قد صـمت عن الظلم
هل ينفـع الصـوم امرأ ظالما * * * أحـشاؤه ومـلأى من الإثـم
وعلى هذا فليحذر المرء ظلم نفسه أولا ومن ثم الآخرين لأنه ولا بد لغمائمها من حتوف.
حــنان محمـــد الـثويني
الرياض |