.
.
.
مقدمة سلسلة نحو صحوة راشدة:
سأتناول المقدمة في موضوع مسقل ان شاء الله لأوضح الدوافع وراء هذا العمل. و سأبدأ في مقالي هذا لأتناول مشكلة ذات صلة تتعلق بما اصطلحت على تسميته بالأقلية المطلقة. وقد كانت الأفكار الأساسية للمقال مشروع مداخلة مباشرة قد رتبتها مع الأعضاء القائمين على اعداد برنامج الحياة كلمة في الحلقة الأخيرة من الحياة الزوجية للشيخ سلمان العودة. لكن ظروف الاتصالات منعت المشاركة من الظهور, عندها قررت اضافة مزيد من الأبعاد حتى تستحق العناصر تشكيل مقال مستقل يضاف في هذه الزاوية المتميزة. و بما أن المداخلة التلفزيونية لم تتحقق, فاني أطلب ممن هو قريب من شيخنا أن يوصل له مشاركتي و رؤيتي حول الموضوع.
و شكر خاص موجه لعين الحياة, ذرة ضوء, أبي البهاليل
و معهم من قام بطباعة المقال صديقي أحمد الدبيكل.
نسأل الله التوفيق و السداد
علي الحمدان
نبراسكا الأمريكية
06/25/05
سلسلة نحو صحوة راشدة (1) :
عوائق تمنع الأقلية المطلقة من الاندماج الايجابي في المجتمع
تتجه أنظار القوى المؤثرة في العالم اليوم لتتفاعل مع قضية للأقليات ذات الكيان الموجود في أغلب المجتمعات المعاصرة. وقد كانت أغلب الحضارات تاريخيا تمارس كل أنواع الاضطهاد ضد الفئات الشاذة في أراضيها. ولم تكن هنالك حملات إصلاحية جادة لتصحيح الأوضاع القائمة عدا تلك الفترات المتقطعة أبان سيادة الحضارة الإسلامية. وفي العصر الحديث, تقدمت وسائل الاتصالات فربطت الفئات الأقلية بمن يمثلها من الناحية الثقافية أو العرقية في أرجاء المعمورة ليشكل ورقة ضغط استراتيجية لتحقيق أهداف هامة و تحصيل الحقوق الفائتة. ونظرا لزيادة حجم المصالح المشتركة بين دول العالم الحديث, كان على كل ثقافة إعادة النظر لكل البواعث الثقافية الدافعة للاضطهاد والظلم خصوصا أن القوة المتزايدة للأقليات قد يشكل خطرا متربصا في نطاقها الإقليمي. ولذلك كانت أحكام الضرورات تفرض إعادة النظر في مراجعة الخطابات الثقافية حتى تسيطر على مثل هذا النوع من التحديات القائمة. و أصبحت هنالك قناعة عالمية سائدة تفرض تمهيد سبل اندماج للأقليات بشكل أكثر إيجابية في المجتمع للخروج السلمي من الأزمات القادمة.
وقد أبرز المجتمع المدني الحديث تعريفا هاما للأقلية يضم ويضخم من تزايد الفئة المهمشة والمضطهدة ثقافيا. فأدخل عموم الاضطهاد الثقافي بكل أبعاده المختلفة ليشمل ما هو أوسع من المفهوم التاريخي للأقلية الذي اقتصر على الاختلاف العرقي أو الديني. و هو ما أصبح ثورة في البعد الحضاري للمفهوم ليشمل كل جماعة لا تمارس حقوقها المدنية المتفق عليها لأي سبب ما حتى وان اشتركت مع الكيان السائد المسيطر بروابط الدين و العرق و الجنس.
وان كانت المجتمعات المتقدمة قد أدركت الأهمية الثقافية و الاستراتيجية لمشاركة الأقليات مهما كانت شاذة, فكيف سنقيم علاقتنا مع فئة نمارس معها أقصى أنواع التمييز و الاضطهاد بسبب معيار استاتيكي طبيعي لا يمكن دفعه, و غير مرتبط بأي أيدلوجية مخالفة حيث نتشارك و إياها بكافة أنواع الارتباطات الأساسية. وهذا ما يجعل اضطهاد المطلقات – موضوع حديثنا – جريمة بشعة مقارنة بالاضطهادات الأخرى التي تقتبس شرعيتها لأسباب قد يكون لها بعد موضوعي.
وقد ذكرنا أن وجود الأقليات عموما أصبح مصدر إثراء لمصادرها الثقافية حتى من الناحية المعرفية الفكرية البحتة. فالأقلية المطلقة – كما اصطلحت على تسميتها – ستكون أحد الأوراق الرابحة التي ستفعل تجديد الخطاب الثقافي عموما و الديني خصوصا لتكون أكثر رشدا في جدواها و فعاليتها لدخول معترك التنافس لقيادة الأمور العامة. و كم تعلمنا من التاريخ أن الأزمات هي موطن خصب لخلق الإبداع. فتزايد أعداد المطلقات و ضعف الاستجابة لاستيعابهن في كافة الحقول السياسية و الاجتماعية هي أحد الأزمات التي يعيشها خطابنا الثقافي عموما. و قضية الأقلية المطلقة تدخل عموما تحت قضية المرأة المعاصرة التي تتطلب عناية أكثر جدية و فاعلية. فقبل أن تتفجر الأزمة تماما, سيتنبه التيار الإصلاحي الإسلامي لأهمية تعبيد الطرق لهذه الفئة لتأخذ حقها في الاندماج الإيجابي في المجتمع. وسيكون التفاعل لتعبيد العوائق - كما سنرى - مصدر إثراء معرفي سيوجه الخطاب الإسلامي لمراجعات مفيدة قيمة تحل كثيرا من الأزمات الفكرية القائمة. عندها ستساهم الأقلية المطلقة بشكل مباشر و غير مباشر في انتقال الخطاب الإسلامي إلى مرحلة يستطيع من خلالها بناء النهضة الإسلامية الشاملة المنتظرة. و بذلك نسلم لحقيقة لها طابع سنني أن الأحداث و الأزمات لا تحمل خيرا أو شرا مطلقا و إنما ترجع لطبيعة تفاعلنا معها. و لعل هذا يتضح في ثنايا حديثي عن بعض العوائق القائمة التي تمنع اندماج الأقلية المطلقة إيجابيا في المجتمع.
أولا: الاستجابة للحيل النسقية الثقافية:
لا يستطيع غالبية الناس عند معالجة القضايا أن يتخلصوا من تأثير الأنساق الثقافية و حيلها. و هو ما يدفعهم أحيانا لتسطيح القضايا معتمدين على بواعث نسقية تتسمى حيلة بالقناعات الفطرية لتمرير مشاريعها, وهو ما يقف عائقا أمام تفسيرات أخرى أكثر منطقية بحجة أنها تشاكس ما هو فطري أو سنني. و البواعث النسقية قد تتجسد في بعض الجمل المتوارثة و الخطيرة كتلك التي تقول أن العقل ذكر و العاطفة أنثى. فنجد أن هذه الحيلة النسقية تقف عائقا لتغيير الصورة المحطمة نفسيا للمرأة بعد فشل ارتباطها الزوجي - لسبب من الأسباب - و لها قوة فاعلة في تقييد أيادي المصلحين و أصحاب القلوب الرحيمة. فقناعتنا الباطنية أن المرأة كيان عاطفي بحت لا عقل له – وان لم نصرح بهذا – تصور لنا أن المأساة التي تمر بها المطلقات هي سنة إلهية متناسقة مع طبيعة المرأة تبعا للمنطق الذي يقول أن من يُِشنق سيموت حتما. مما أحدث استعبادا نسقيا ساهم في تكيفنا مع غفلتنا عن المشاريع الإصلاحية و ساعد على سيادة منطق سطحي يبرر واقعية التباين بين ردود أفعال الرجل و المرأة بعد الطلاق. وسيكون الحديث أوسع عن الحيل النسقية وقضية المرأة في مقال مستقل آخر بإذن الله.
ثانيا: قلة وسائل تحقيق الذات للأقلية المطلقة:
عندما نتهم الحيل النسقية في عرقلة المسيرة الإصلاحية, تكون مهمتنا البحث عن الأسباب الموضوعية بشكل علمي تجريدي لإدراك عوائق الاندماج الحقيقية. و سنستفيد من التباين في ردود الأفعال بين الرجل و المرأة بعد الطلاق لإيجاد الحلقة المفقودة بعد أن نفعل من قيمة مساحة التشابه الكبيرة بين الجنسين عند النظر. فلا بد أن هنالك نوع من التمييز الذي يقدمه المجتمع للرجل ليجعل التباين واسعا بغض النظر عن درجة الاختلاف من الناحية النفسية و الفسيولوجية و العضوية.
نريد أن نقرر أن الاندماج الإيجابي يتطلب وجود عوامل محفرة لتحقيقه, و الإنسان بفطرته يسعى لهذا الاندماج و يندفع نحوه عن طريق تحقيق ذاته, فحجم الفرص المتاحة لتحقيق الذات يتناسب بشكل طردي مع مساحة و إيجابية الاندماج. و كأن هذا مقياس له دلالة دقيقة تفصح عن المستوى الحضاري في إقليم معين و وسيلة من أهم وسائل تحقيق الأمن و الاستقرار الإقليمي. فهدف المجتمعات المتقدمة حضاريا هو استثمار طاقة كافة الأفراد و الأقليات الموجودة لخدمة المنظومة الثقافية الشاملة لقوتها المسيطرة.
و عند النظر, نجد أن الرجل بعد الطلاق أمام مجموعة لا تحصر من الفرص المتاحة لتحقيق ذاته. فقوانين المجتمع العرفية و المدنية ترحب بمزيد من الارتباطات العاطفية و الزوجية حتى و إن كان الرجل يتحمل أسباب الطلاق وحده. و لم نسمع عن رجل ضاقت به الأرض بما رحبت و لم يستطع إيجاد زوجة حتى و إن كان مدمنا سفاحا. كما أن الرجل قادر على استغلال فرص أخرى لتحقيق الذات كالبروز في العمل الذي لا تعترضه آثار الفشل في الحياة الزوجية غالبا. و لا نغفل فرصا أخرى كالتجارة و جمع المال و غيرها الكثير مما هو متاح.
و في المقابل نجد أن مخرجات التعليم و الثقافة تحصر من الناحية الواقعية – بوعي أو بدون وعي – تحقيق ذات المرأة في الارتباط الزوجي أيا كان نوعه. و هذه المخرجات على تنوعها تعمل على تزهيد المرأة بحقها في العمل و التعليم و التجارة منذ فترة مبكرة من ارتباطها الزوجي. ويتم ذلك تحت ضغط من رغبة غير منصفة للزوج تتجاوز الأسباب الموضوعية التي تفرض التحقق من كفاءة الزوج و أهليته لاتخاذ مثل هذه القرارات ذات الطابع السلطوي. و هذا يفصح لنا عن خطيئة صارخة عندما يعرض المجتمع على المرأة استثمارا بفرصة واحدة لتحقيق الذات و ضمان السعادة و هو ما يعبر عنه الاقتصاديون بالاستثمار الانتحاري الرديء حيث يعتمد على المجازفة فقط.
و ما يزال الحراك الثقافي بطيئا في استجابته لمتطلبات هذه النسبة المتزايدة من المطلقات, ولم يحرك ساكنا لتوفير بدائل استثمارية أخرى لتحقيق الذات لتستفيد منها هذه الأقلية. فالواقع يكشف لنا عن نكران المجتمع و الخطاب الثقافي ليكون كالذي يقتل القتيل و يمشي في جنازته.
فالقوانين السائدة في المجتمع تتيح حال الضرورة عمل المرأة في الأماكن التي تلتزم بضوابط مثالية يحددها غالبا فقه الأحوطيات و ابن عمه فقه الأعراف, وهو ما جعل 82 % من النساء العاملات في السعودية في قطاع التعليم وحده الذي يتطلب شهادة مرتفعة نسبيا, وهذا يعرقل توظيف كثير من المطلقات في هذا المجال بعد أن حثها الخطاب الثقافي و الديني في وقت مضى على الانسحاب من الجامعة بأمر ذكوري استبدادي. و لا يكتفي الخطاب الديني بهذه الصورة البشعة التي رسمها لنفسه, بل يزيدنا من الشعر بيتا و بيتا حين يرفض رجوعها للتعليم بعد مدة محدودة من الانقطاع. و إذا تجاوزت ما مضى من عقبات, كانت أمام وظيفة مردودها ضعيف قد يجيزها الخطاب الديني, ثم يسلب منافعها بطرق أخرى عن طريق إثقالها بكثير من الالتزامات المالية من وراء النقل و النفقة. و لذلك يفتقد الخطاب الديني طريقه نحو تحقيق المقاصد الشرعية الإسلامية ليطبق نماذج لها أبعاد اشتراكية سلبية لا تتناسب و إنسانية الإنسان, و تقف عقبة في سبيل الاندماج الفطري الإيجابي.
ثالثا: ابتعاد بعض النخب المشاركة في صياغة الخطاب الثقافي عن واقع الناس البسيطة و مشاكلها:
و مما لاحظت بشكل جلي فيمن يصوغ الخطاب الثقافي, وخصوصا الخطاب الديني, أن أغلبهم لا ينتمي لفئة الناس البسيطة. فطبيعة حياتهم فرضت نمطا لا يتفاعل مع متطلبات البسطاء و حاجاتهم. فنجد فئة تسكن القصور الضخمة و تركب السيارات الفارهة و لها تميز اجتماعي و سياسي يتجاوز كل قوانين المجتمع. وحتى و إن فشلت قريبة مثل هؤلاء في زواجها فهي أمام تعاطف سيهيئ لها كل وسائل الاندماج الإيجابي من تعليم و وظيفة على بعد أمتار من القصر الكبير. وقد قلت لأحدهم أني لا أتوقع تفهم عالم تقدر لوحة سيارته بخمسمائة ألف ريال مع مشاكل مطلقة لم تجد وظيفة إلا على بعد مائتين ميل من منزلها على بند الأجور.
و لا يمكن أن ندعي أن كل علمائنا على هذه الصفة, لكن جمهور الآخرين نراهم كفئة زاهدة في متطلباتها الحياتية. وهذا ما يجعل تفاعلها مع المتطلبات الجماهيرية الحياتية شديدة الضعف خصوصا عندما تقترن بأي نوع من أنواع المفسدة الصورية أو الحقيقية. وقانون هؤلاء أن دفع مفسدة مقدم على جلب المصالح مع تغييب كامل لمنهج الموازنات بين المصالح و المفاسد. و هذا النوع من الرهبانية لم تكن طريقة مجدية لقيادة الحياة العامة في أي فترة من فترات التاريخ الإسلامي. و لو استخدمنا منهج هؤلاء بشكل مطرد لحرمنا أصناف البيوع لأنها تفتح بابا لانتشار الربا, و لحرمنا الزواج لأنه بوابة لممارسة الظلم و هكذا. فمدار الأحكام عند الفقيه الحاذق على حجم المصالح. و الحقيقة أننا مازلنا نشكو ضعف حضور التيار الوسطي ليقاوم هاتين الجبهتين حتى أصبحت المرأة عندنا بين المطرقة و السندان.
.
.
يتبع
.
.
.