أيام من العذاب !!
لا أعجب في عظيم حب بذلت أقطابه لجسد فتاة صغيرة لم تجاوز الخمس عشرة ربيعاً ، وقد تحلق حولها المحبون وتراقصوا بابتساماتهم وحفلوا بجمال منظرها وبهائه ، دون أن يدركوا أن أبواب العذاب تفتح على مصراعيها لتلفح وجوهاً وتعري تلك الابتسامات وتندثر معالمها مع آهات من الألم والمرارة ، ولا يتسنى للمرء عند وقوع الخطب الكئيب سوى التسليم للقدر الإلهي ، وبذل الحلول لإدراك ما يمكن إدراكه ، وهي حياة أب عظيم ، رجل بشوش جميل القسمات بديع الطلعة ، ظريف وذو ابتسامة صافية ، يتأمل فتاته الوحيدة وقد تراقصت أمامه بعمرها الجميل ، وبطلتها البهية ، دون أن يفكر في لحظة متأنية شقاء المرحلة القادمة ، ابنته الجميلة تتبسم وتثري الحياة بزهرها الفواح ، يرقبها وبمحبة وقد اختلج في قلبه حبها وجمال ما تصنعه ، وفي لحظة تهاوى صرح الجمال أمام عينيه ، وفزع وكادت عينيه أن تخرجا من محجريهما ، وانطلق بربكة عارمة نحوها ، يحس بغرابة تغمره وتخنق الأجواء عليه ، حملها بين ذراعيه ، لا يدري كيف طاق ذلك مع كهولته وضعف بدنه ، لم يدرك ماهية ما حدث ، ظل يرقب وينتظر وهو يشاهد الطبيب يفحص ابنته الحبيبة ، ماذا جرى يا دكتور ؟! أفصح عما تخبئه بين ثنايا صدرك !! ، صاعقة مؤلمة وخبر مهول مزلزل ، وردتي الفواحة تعاني من قصور في نبضات القلب ، وصعوبة ضخ الدم منه وإليه ، أب يواجه خبراً كهذا ليقين أنه سيصرع ألماً وحسرة ، ولكنه تماسك وبتعقل وهدوء قام بإجراء عملية إدخالها إلى المستشفى ، يدور في خلده حديث طويل ، أيعقل هذا ؟! كانت تلعب من حولي وتملأ علي حياتي ، أيعقل أن تغيب تلك الابتسامة عن شفتيها الوردتين ، وتغيب ابنتي الجميلة ويحل شبح محلها ، هي مرارة الأيام لا تشقى ولا تكل من مرارتها ، غابت أيام الجمال والسعادة ، وتوطنت لحظتها معان الألم والعذاب والحسرة ، وأي قلب أب يطيق آلام ابنته وقد صرخت بين فينة وأخرى تشكو من صدرها وضيق أرجائه ، فماذا يصنع الأب حيال ذلك ، وقد عجزت أطرافه على أن تقوده وامتنعت من مواكبة آماله في الوصول إلى ألم ابنته فيقطعه ويريحها من عناء الألم ، شرد ذهنه قليلاً يتأمل هناك في حياة مضت وكيف استقرت على نمط لم يكن يتوقعه ولا حتى يتأمله ، كيف ذبلت الوردة الحمراء التي أينعت مجرى الحياة ، كيف تساقطت وريقاتها وخفت بريقها وذهب لونها واختفى أريجها ، كيف استطاعت الأيام أن تجري تلك الأعباء في جسد رقيق فزادت من هزله واختلاله ، أي حياة تطاق وقد حاصرتها الآلام من كل جانب ، ولأخشى من جزع يتسلل إلى نياط القلب فيحدث فيه الويل والثبور ، ولأخشى من تناقص صبر وانهيار جدرانه واختلال أركانه ، فلا يطيق بعد ذلك من حياة ، ما أطولها الأيام المريرة تمر ببطء وتثاقل شديد ، وكأنها سنين مضت خلفت آثارها على القسمات من تجاعيد وانكسار ، وعلى الشعر من بياض وانصهار ، وعلى الجسد من انحناء وانهيار ، لكم هي ممتدة طويلة ، كئيبة ومملة ، ولكم من الأماني تتلاحق ترجوا اضمحلالها ، ولكم من الأمنيات تتابع تأمل في زوالها ، وهي أمنيات غاب الرجاء في تحققها ، مع كل نظرة أبصر فيها إلى ذلك الوجه الأصفر الباهت ، وشبح من الحياة يرتسم حوله ، ينذر بهجرة إلى العالم الآخر ، التف الجميع حولها يأملون ويرجون من تغيير وتحسن عله يطرأ ، جهاز تخطيط القلب يشير بأزيز مزعج إلى مؤشرات نبضات قلبها ، وكيف بدت بطيئة ، كأن النبضة تلحق بالأخرى بعد سنين !! ، تفتح عيناها وبصعوبة ، تنظر بنصف عينها ، رمقتني ، بدأت تحدق في ، شعرت بالخوف والفزع ، ماذا جرى ؟! ، رفعت إلي يدها بعجز وصعوبة ، تلقفتها وأحطتها بكفي وضممتهما إلى صدري ، وقد شملتها بحنان ومحبة ، تحاول أن تتكلم ، تحاول وبجهد ، وقد تشققت شفتيها ليبس أحاطهما ، نطقت بحروف متقطعة ، بكلمات ألمت علي الأمراض ، بعبارات تصيبني بالبكاء ما حييت ، ( أحبك يا أبي ) كانت آخر ما قالته قبل أن تسلم روحها لباريها ، تحبني !! نعم تحبني كانت آخر كلماتها ، أكانت تحاول تخفف علي المصاب ؟! ، أكانت عباراتها كيد حانية تربت علي لئلا أجزع ؟! ، أكان صوتها الندي الضعيف رسالة لتخفف من روعي وتزيد من الطمأنينة في قلبي أنها في رعاية الله ، لا أدري بم أفسر تلك اللحظة ، ولكن أدرك أن حبي لها عظيم وأنها قطعة من القلب قد اجتزت مني ، ولا زال القلب ناقص منذ ذلك الحين ، ولأقسم بأن الذاكرة لا تغفلها لحظة واحدة ، وأن زهرة في قلبي قد اقتطفت ففقدتها ولكن لن أفقد عبيرها في قلبي وقد فاح في الأرجاء قاطبة ، ولن أنساها البتة .
لكم يؤلم أن تخترق تلك الكلمات سمعك مشافهة ، وقد شاركتها دموع على الأهداب ونشيج شديد يضفي الحزن على الأجواء ، هاهو أب في لحظة من العمر يفقد ابنته الحبيبة ، وقد عبرت عن حبها له في آخر لحظات حياتها ، لكم يؤلم أن تسمع هذه الأحداث من صاحبها وقد سطر من الكلام ما عجز معه العقل عن الاختزال والبنان عن التعبير بكل ما جال ، أب يكلم جرحه لحظة بعد لحظة وزهرته لا تغيب عنه بتاتاً ، يذكر حديثها وضحكاتها العذبة وقد تردد صداها في عقله ، فآلمه وأدماه .
فما من بد من صبر يطيق هذه المرارة ، ويتحمل كل الآلام ، وما من وسيلة ناجعة غير ذلك ، حتى تعود حياته كما كانت قبل أن تستحيلها الأيام إلى آهات وآهات ، وكلنا تمر علينا أحداثاً لا نرغبها ولا نستسيغ سماعها ، وعلى الرغم من ذلك نجاهد للنجاة وللحفاظ على وتيرة حياة كنا نعايش أمتع لحظاتها ، فجدار الصبر لا بد أن يكون مرصوصاً ، صلبة عمدانه قوية أركانه فما من عارض إلا ويتلقاه ويتصدى له ، فلا يقوده إلى جزع وانحدار ، فالحياة صفحات تلو صفحات ، ولنفتح رحاب صفحة جديدة نرغد بالعيش في روضاتها الزاهية وبين مروجها الباهية ، ولنفتح للسعادة باباً من جديد ليغدق علينا أفراحه وظلاله السعيدة ، وحتى لا تكون أيامنا كلها عذاباً وشقاء وبؤس ، ولنأمل في بشاشة تسمو على القسمات ، تزرع حمرة سعيدة على الوجنتين ، وتشق الفرحة وتمطر مياهها بقية الحياة . |