منتديات الإسلام اليوم  
   

العودة   منتديات الإسلام اليوم > منتدى الإبداع الفكري > المدارسات الشرعية > زاوية الخلاف العقدي

اللإئحة التنظيمية
عدد الضغطات : 2,278
مواضيع مميزة
■  كتاب اتدارسه معكم الحلقة 1   ■  من أقوال الصالحين 1   ■  اسئلة لفضيلة الشيخ سلمان العودة   ■  من 1ل 3 اكتب 5 حاجات جنبك   ■  برنامج مسافر مع القران   ■  سلسلة -لانه قدوتي   ■  من خواطري  

 
 
ارتباط ذو صلة أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-04-2010, 09:21 AM   #1 (الرابط)
صديق ذهبي مميز
Lightbulb مفهوم اهل السنة بين التوسيع والتضييق =

مفهوم أهل السنة والجماعة
بين
التوسيع والتضييق



بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه المبين: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا.. ) ، والقائل: ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) .
والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: (وإنه َمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) ، والقائل: (عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة.. ) .
ورضي الله عن الصحابة والتابعين، الذين كانوا أشداء على الكفار، رحماء بينهم، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن اهتمامي بهذا البحث يعود إلى ما يقارب عشرين عاما، حيث كنت أدرس في المعهد العالي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأتداوله في صفحات كنقاط بحث وحوار مع عدد من الشيوخ والزملاء والدارسين في الدراسات العليا، رغبة مني في التقريب بين وجهات النظر حوله، وكنت أرى في المحاورين فيه المؤيد والمتحمّس له، كما أرى المخالف المعارض، والمقتنع المتحفظ الذي يخشى من سلبيات إثارته في المجتمع السعودي في ذلك الوقت.
وكنت أميل في وقتها إلى الموقف الثالث المتحفّظ، عملاً بقاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح).
ونظراً لشدة الحاجة إليه اليوم، وتجدد الصراعات حوله وفي أكثر من مكان بين بعض طلبة العلم من جهة، ونظراً لقلة سلبيات إثارته في المجتمع العلمي الكويتي المنفتح أكثر من غيره من جهة أخرى.
تجددت رغبتي في طرحه من جديد على مستوى محاضرة علمية، تفتح باب الحوار فيه ومناقشته، وتتقبل الملاحظات الواردة حوله من أهل العلم، والله من وراء القصد.
ولا يخفى على أحدٍ: أن من المسائل المهمة التي كثر حولها الكلام، وتوسعت فيه شقة الخلاف بين المسلمين ، مسألة تعدد المذاهب، وبتعبير بعضهم اليوم: المدارس العقدية فيهم، وتمسك أصحاب كل مدرسة من هذه المدارس بلقب (أهل السنة والجماعة)، وانتمائهم إليه، وإنكار بعضهم على غيرهم صحة هذا الانتماء، أو سلامة تلك النسبة، وعدهم من أصحاب الفرق الضالة التي أشار إليها حديث الفرق المشهور، وحكم بأنها في النار إلا واحدة.. مما أثار جدلاً طويلاً، وأعقب آثاراً وخيمة في حياة المسلمين، وشكل عقبة كبرى في طريق الدعوة الإسلامية المعاصرة، فباعد بين القلوب، وفرق بين الصفوف، وأضعف الكلمة.
من هنا: اهتممت ببحث هذه القضية، واعتنيت بها، عسى أن أصل فيها إلى الحق الذي يجمع بين القلوب، ويدفع الإشكالات والالتباسات حول هذه المسألة، فأساهم بذلك في جمع كلمة المسلمين، ودفع الفرقة والشقاق عنهم، مما يعد من أوجب الواجبات، وأسمى الأهداف، والله المستعان، وعليه التكلان، وهو ولي التوفيق.
وسيكون بحثي هذا في عدة نقاط، وهي:

1- تعريف أهل السنة والجماعة، وبيان نشأة هذا اللقب وحقيقته.
2- بيان أسباب الاختلاف في المسائل العقدية، ونشأته، والتحقيق في الفرق بينهما، وبين أسباب الاختلاف في المسائل الفقهية.
3- مناقشة القاعدة المشهورة القائلة: إن الاختلاف بين المسلمين إنما هو في الفقهيات لا في العقديات، وبيان حقيقتها.
4- بيان أثر الاختلاف في المسائل العقدية في نشأة الفرق.
5- بيان المدارس العقدية التي نشأت بين أهل السنة والجماعة، وأهم الفوارق بينها .
6- موقف جمهور العلماء السابقين من تعدد المدارس العقدية، وتطور هذا الموقف .
7- موقف بعض المسلمين اليوم من هذه المدارس، وبيان أسبابه وآثاره .
8- واجب المسلمين تجاه هذا الاختلاف .
9- ملحقان بالبحث:
أ - الملحق الأول: رسم دائرة لأهل السنة والجماعة خاصة، ودائرة للمسلمين عامة .

ب- الملحق الثاني: بيان المعالم الأساسية لأهل السنة والجماعة والسلف الصالح .

1- تعريف أهل السنة والجماعة، وبيان نشأة هذا اللقب وحقيقته:

يظهر من التأمل في لقب أهل السنة والجماعة، اشتماله على الإضافة إلى وصفين، هما: السنة، والجماعة.
والسنة في اللغة: الطريقة، وفي الشرع: سنة النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وإقراره وسائر أحواله. والمراد بها هنا: طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يلحق بها من طريقة الخلفاء الراشدين التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتمسك بها، والعض عليها بالنواجذ، فقد جاء في الحديث الشريف: ( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) .
ومن هنا يتضح لنا أن المراد من قولنا: (أهل السنة): ( المتبعون لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين) الذين يقابلهم في الوصف: (أهل البدعة): ( المتبعون لبدع الأمور ومحدثاتها، المعرضين عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسنة خلفائه الراشدين من بعده).
والجماعة في اللغة: العدد الكثير من الناس، أو طائفة من الناس يجمعها غرض واحد، والمراد بها هنا: (جماعة المسلمين المجتمعين على قول واحد في أصول المسائل الشرعية، الواقفين موقفاً واحداً من كبرى القضايا الإسلامية) الذين يقابلهم في الوصف: (أهل الفرقة) أو (أصحاب الشذوذ) الذين تختلف أقواله ومواقفهم في ذلك.
وقد جاء في الحديث الشريف: ( عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنَُ) .
هذا عن معنى اللقب اللغوي والاصطلاحي وحقيقته.
أما نشأته:
فيرجع تاريخ هذا اللقب إلى الصدر الأول، حيث بدأت الفتنة في عهد الصحابة رضوان الله عليهم بمقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وظهرت في مقتل عثمان رضي الله عنه، وتوسعت بعد ذلك في عهد علي ومعاوية رضي الله عنه.
وذلك لاختلاف آراء المسلمين واجتهاداتهم في بعض القضايا الكبرى، فتعددت بذلك مواقفهم، فمن مؤيد لعلي رضي الله عنه، ومؤيد لمعاوية رضي الله عنه، ومن معتزل للفتنة متجنب لها، ومن متشيع لعلي رضي الله عنه، إلى خارج عليه، حيث أصبح لكل فرقة من هذه الفرق آراء واجتهادات متباينة تخالف الكتاب والسنة في بعض المسائل، حيث وصلت في بعضها إلى تكفير بعضهم بعضاً..
فحكم علماء الأمة في هذه المسائل والمواقف، ورأى الجمهور أن الحق مع علي رضي الله عنه في اجتهاده.
كما حكموا في مواقف الشيعة المغالين في علي رضي الله عنه، وفي الخوارج الذين خرجوا عليه، وكفروا غيرهم بالذنوب، ورأوهم قد خرجوا بذلك عن دائرة الاجتهاد المنضبط بالكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، وحكموا عليهم بالشذوذ والفرقة والضلال..
ومن هنا جاء لقب أهل السنة والجماعة تلقائياً واشتهر على ألسنة العلماء، مميزاً عامة المسلمين عن أصحاب هذه الفرق، وتعارف على ذلك الناس كما تعارفوا على تسمية المتشيعين لعلي رضي الله عنه والمغالين فيه (بالشيعة والرافضة)، وعلى تسمية الخارجين عليه (بالخوارج)، فكان لقب أهل السنة والجماعة مفهوماً في عصرهم، واضحاً في إطلاقه لا لبس فيه ولا غموض.
ذكر البخاري –رحمه الله- في صحيحه عن الإمام سعيد بن المسيب رضي الله عنه، أنه قال: ( وقعت الفتنة الأولى يني مقتل عثمان فلم تبق من أصحاب بدر أحداً، ثم وقعت الفتنة الثانية يعني الحرة، فلم تبق من أصحاب الحديبية أحداً، ثم وقعت الثالثة، فلم ترتفع وللناس طباخٌ) (أي لم تبق من الصحابة أحداً).
قال شارح العقيدة الطحاوية بعد ذكره لقول سعيد هذا: (فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى، والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة، فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعاً، يقابلون البدعة بالبدعة،
أولئك غلوا في علي، وأولئك كفروه، وأولئك غلوا في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد، أعني المرجئة.
وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه..) .
واستمر إطلاق لقب (أهل السنة والجماعة) على عمومه وشموله، وسعة دائرته حتى وُجدت المدارس العقدية عند أهل السنة، فانتسب قوم لأصحاب الحديث، وعرفوا (بالأثرية) وآخرون للإمام أبي الحسن الأشعري، وعرفوا (بالأشعرية)، وآخرون للإمام أبي المنصور الماتريدي، وعرفوا (بالماتريدية).
وأخذت كل طائفة منها تطلق هذا اللقب على نفسها ولا تنفيه عن غيرها من أصحاب هذه المدارس، وذلك تبعاً لانتشار هذه المدرسة في هذا الموطن أو ذاك.
فكان المشهور في ديار خراسان والعراق والشام أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة، والمشهور في أكثر الأقطار الواقعة في ديار ما وراء النهر، أن أهل السنة والجماعة هم الماتريدية .
والمشهور عند بعض أهل الحديث وجمهور الحنابلة أن أهل السنة والجماعة هم (الأثرية).
وبقي جمهور العلماء على ذلك، مع حسن نظرة بعضهم إلى بعض، وعدم إخراج مدرسة من هذه المدارس عن دائرة هذا اللقب .
وقد أفاد شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة –رحمه الله تعالى – في تعليقاته على مسودة هذا البحث بخط يده بما خلاصته: أن المعروف والمذكور أولا من اللقب (الجماعة) لما ورد في الحديث الشريف من مثل: عليكم بالجماعة، ويد الله على الجماعة، وجماعة المسلمين.. وأمثال ذلك، ثم أضيف إليه (السنة) في مقابلة (الشيعة) أو بمقابلة غيرها معها من الفرق الضالة.. (فلينظر).



يتبع
عودة الربيع غير متواجد حالياً  
قديم 04-04-2010, 09:26 AM   #2 (الرابط)
صديق ذهبي مميز
افتراضي

3- مناقشة القاعدة المشهورة القائلة: بأن الاختلاف بين المسلمين، إنما هو في الفقهيات لا في العقديات، وبيان حقيقتها:

لقد شاع بين العلماء والباحثين: أن الاختلاف بين المسلمين جائز وواقع في المسائل الفقهية لا في العقدية، حتى أصبح هذا القول أشبه بقاعدة مُسلَّمة، يتحرج كثير من أهل العلم أمامها من الخوض في بعض مسائل العقائد، ويتعجب للخلاف القائم في الماضي حول بعض هذه المسائل.
ولكن المتتبع لسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم – رضوان الله عليهم – لا يجد لمثل هذه القاعدة سنداً ولا أصلاً، وإنما يجد – كما رأينا في النقطة السابقة – أن الخلاف قائم بين السلف في كلا الميدانين لكنه ضاق الاختلاف في باب العقائد نسبياً، أمامَ الاختلاف في أبواب الفقه، تبعاً لما ذكرته سابقاً من اعتماد مسائل العقيدة غالباً على الأدلة القطعية من جهة، ولارتكاز أمور العقيدة على الجانب الغيبي من جهة أخرى، والأصل في باب الغيبيات التسليم والتصديق، وفي باب العمليات التعقل والتفهم..
وإلا.. فلا انفكاك في الشريعة الإسلامية بين الجانبين – العقدي والفقهي -، ولا قداسة فيها لأحكام دون أحكام، فالجميع أحكام الله وشرعه، والأولى في القاعدة أن يقال: الخلاف بين المسلمين إنما يكون في الفروع لا في الأصول.
والمراد بالفروع في هذه القاعدة: المسائل الفرعية المعتمدة غالباً على الأدلة الظنية، سواء من حيث ثبوتها أو دلالتها، وسواء أكانت في فروع العقيدة أم في فروع الفقه.
وذلك: مثل ما سبقت الإشارة إليه، من اختلاف في رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل ليلة المعراج، أو من اختلاف في تفسير الكرسي، أو من اختلاف في سبق الميزان أو الحوض يوم القيامة..
ومثل اختلافهم في القراءة خلف الإمام في الصلاة، وفي كيفية صلاة الوتر، وفي كثير من أحكام الصيام والحج وغيرها في باب الفقهيات.
فإن ثبوت الكرسي في القرآن الكريم قطعي لا مجال للاختلاف فيه، وهو مسألة أصلية في باب العقائد، أما تفسيره وكيفيته التي جرى فيها خلاف بين علماء السلف، فهو مسألة فرعية في باب العقائد .
وكذلك ثبوت الميزان والحوض يوم القيامة، فهو من المسائل الأصلية القطعية يوم القيامة، وإنما جرى الخلاف في أيهما أسبق ؟ لورود الأحاديث المحتملة، وهي مسألة فرعية .
والمراد بالأصول في هذه القاعدة: أمهات المسائل وأصولها المعتمدة على الأدلة القطعية سواء من حيث ثبوتها أو دلالتها، وسواء أكانت في أصول العقيدة أم في أصول الفقه.
وذلك: مثل الإيمان بالله، وبأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله، والإيمان باليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى، والإيمان بأن الجنة حق والنار حق، والصراط حق.. إلى غير ذلك من أمهات المسائل العقدية.
ومثل: وجوب الصلاة وبيان عدد ركعات الصلاة، ووجوب الزكاة، ووجوب الصوم والحج إلى غير ذلك من أمهات المسائل الفقهية.
وليس المراد بالأصول في هذه القاعدة: أصول الفقه وأدلته العامة، فإنه لا يخفى ما جرى من خلاف فيها أيضاً.
وإذا سَلِمَت الأدلة الأصلية الأربعة (القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس) من خلاف يذكر أو يعتمد في أصلها، فإن الأدلة التبعية الأخرى –على كثرتها - لا يكاد يسلم واحد منها من خلاف بين العلماء – كما هو واضح في كتب أصول الفقه-.
يقول الإمام ابن حزم – رحمه الله – (وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا، ونبذٍ يسيرةٍ من الاعتقادات) .
ومن هنا نلحظ أن الأئمة الذين وصفوا أهل السنة والجماعة بأوصاف تميزهم عن غيرهم، جمعوا في أوصافها بين القول بأمهات المسائل العقدية، وبعض المسائل الفقهية، ولا سيما المسائل التي أصبحت شعاراً لأهل السنة، وخالفهم فيها غيرهم.
فهذا هو الإمام عبد القاهر البغدادي يقول في أوصافها: (فأما الفرقة الثالثة والسبعون: فهي أهل السنة والجماعة، من فريقي الرأي والحديث، دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم، ومتكلموا أهل الحديث فيهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أبوب النبوة والإمامة، وفي أحكام العقبى، وفي سائر أصول الدين.
وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق.
وهم الفرقة الناجية، ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدمه، وقدم صفاته الأزلية، وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل.
مع الإقرار بكتب الله ورسله، وبتأييد شريعة الإسلام وإباحة ما أباحه القرآن، وتحريم ما حرمه القرآن، مع قبول ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واعتقاد الحشر والنشر، وسؤال الملكين في القبر، والإقرار بالحوض والميزان.
فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها، ولم يخلط إيمانه بها بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية، وسائر أهل الأهواء، فهو من جملة الفرقة الناجية – إن ختم الله له بها -، ودخل في هذه الجملة: جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأهل الظاهر ) .

وقد سبق إلى هذا الإمام أحمد بن حنبل ، حيث وصف المؤمن من أهل السنة والجماعة، فقال فيما رواه عنه محمد بن يونس السرخسي ما نصه:
(قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول:
صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة: من يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأقر بجميع ما أتت به الأنبياء والرسل، وعقد قلبه على ما أظهر من لسانه، ولم يشك في إيمانه، ولا يكفر أحداً من أهل التوحيد بذنب، وإرجاء ما غاب عنه من الأمور إلى الله عز وجل، وفوض أمره إلى الله تعالى، ولم يقطع بالذنوب العصمة من عند الله.
وعَلِمَ أن كل شيء بقضاء الله وقدره، والخير والشر جميعاً، ورجا لمحسـن أمـة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتخوف على مسيئهم، ولم ينزل أحداً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الجنَّة بالإحسان، ولا النار بالذنب اكتسبه، حتى يكون الله تعالى هو الذي ينزل خلقه حيث يشاء.
وعرف حق السلف الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقدم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم، وعرف حق علي بن أبي طالب، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن فضيل، على سائر الصحابة.
فإن هؤلاء التسعة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على جبل حراء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد). وكانوا: هؤلاء التسعة، والنبي صلى الله عليه وسلم عاشرهم.
وترحم على جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كبيرهم وصغيرهم، وتحدث بفضائلهم، وأمسك عما شجر منهم.
وصلاة العيدين، وعرفات، والجمعة والجماعات، مع كل بر وفاجر، والمسح على الخفين في السفر والحضر، والقصر في السفر.
والقرآن كلام الله عز وجل، منزل وليس بمخلوق، والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والجهاد ماض منذ بعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصابة يقاتلون الدجال ولا يضيرهم جور جائر.
والشراء والبيع حلال إلى يوم القيامة على حكم الكتاب والسنة، والتكبير على الجنائز أربعاً، والدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا تخرج عليهم بسيفك، ولا تقاتل في فتنة، وتلزم بيتك.
والإيمان بعذاب القبر، والإيمان بمنكر ونكير، والإيمان بالحوض والشفاعة، والإيمان بأن أهل الجنة يرون ربهم عز وجل، والإيمان بأن الموحدين يخرجون من النار بعدما امتحشوا.
كما جاءت الأحاديث في هذه الأشياء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نؤمن بتصديقها، ولا نضرب بها الأمثال، هذا ما اجتمع عليه العلماء في الآفاق) .
وفي مثل هذا يقول الإمام الشاطبي في الاعتصام ما خلاصته: ( إن الخلاف بين الفرق المخرج عن الفرقة الناجية هو الخلاف في معنى كلي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية.. ويجري مجرى القاعدة الكلية كَثْرةُ الجزئيات..) .
وأختم كلامي عن هذه النقطة، بكلام الإمام ابن تيمية رحمه الله، حيث يقول:
(فما زال في الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي ينفيه طائفة أخرى منهم، ومنهم من يُمسك عن النفي والإثبات جميعاً، ففيهم جنس التنازع الموجود في سائر الطوائف، لكن نزاعهم في مسائل الدِّق ، وأما الأصول الكبار فهم متفقون عليها، ولهذا كانوا أقل الطوائف تنازعاً وافتراقاً، لكثرة اعتصامهم بالسنة والآثار، لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبيّنة لما تنازع فيه الناس ما ليس لغيره.
وأقواله مؤيدة بالكتاب والسنة، واتباع سبيل السلف الطيب، ولهذا كان جميع من ينتحل السنة من طوائف الأمة – فقهائها، ومتكلمتها، وصوفيتها- ينتحلونه.
ثم قد يتنازع هؤلاء في بعض المسائل، فإن هذا أمر لا بد منعه في العالم، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هذا لا بد من وقوعه، وأنه لما سأل ربه أن لا يلقي بأسهم بينهم، مُنع من ذلك.
فلا بد في الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة من نوع تنازع، لكن لا بد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة، كما أنه لا بد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف، لكنه لا يزال في هذه الأمة طائفة قائمة بالحق، لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، حتى تقوم الساعة.
ولهذا: لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة، كان منتحلاً للإمام أحمد، ذاكراً أنه مقتد به، متبع سبيله.
وكان بين أعيان أصحابه، من الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد، ما هو معروف، حتى إن أبا بكر عبد العزيز يذكر من حجج أبي الحسن في كلامه مثل ما يذكر جميع أصحابه، لأنه كان عنده من متكلمة أصحابه..) .
فأقوال هؤلاء الأئمة وأمثالها، تؤكد أن الخلاف بين المسلمين جائز وواقع في المسائل الفرعية، عقدية كانت أو فقهية، كما أثبتناه في تصويب القاعدة القائلة: (الخلاف بين المسلمين إنما يكون في الفروع لا في الأصول)، وليس كما اشتهر عند بعضهم: من أن الخلاف في الفقهيات لا في العقديات.
2- بيان أسباب الاختلاف في المسائل العقدية، ونشأته، والتحقيق في الفرق بينهما وبين أسباب الاختلاف في المسائل الفقهية.
إن الاختلاف في المسائل العقدية بين المسلمين، ونشوء الفرق فيما بينهم إنما يعود إلى أسباب متعددة متباينة، يمكن بحثها في نوعين من أنواع هذا الاختلاف، وهو:
1- الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وبين غيرهم من أصحاب الفرق الأخرى.
2- الخلاف بين أهل السنة والجماعة أنفسهم.

أما النوع الأول: وهو الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وبين غيرهم من أصحاب الفرق الأخرى، فإن أسبابه غالباً تعود إلى أمور، منها:
أ - تحكيم طوائف من الناس للعقل في باب العقديات، وتقديمه على النقل في كثير من المواطن، كما فعلت المعتزلة.
ب- تأثر بعضهم بشبه اليهود والنصارى في جانب العقائد من جهة، وبفلسفة المجوس والصابئين وكلامهم من جهة أخرى.
ج- الكيد الخفي لهذا الإسلام الذي ظهرت آثاره أيام الفتنة، حيث دخل في الإسلام مع المسلمين الأوائل أصناف من الناس منهم: 1-
بعض الأعراب الذين دخلوا فيه تبعاً لغيرهم، ولما يحسن إسلامهم، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. 2-
ومنهم بعض أهل الأديان الأخرى، وعلى الأخص (اليهودية والمجوسية) وذلك أيام الفتوح، الذين بقيت في صدورهم بعض الأحقاد والضغائن على المسلمين من جهة، ولا يزال يشدهم الحنين إلى دينهم من جهة أخرى. 3-
ومنهم: جماعة من دهاة أهل الأديان الذين تظاهروا بالدخول في الإسلام، وأضمروا في نفوسهم الكفر، وأخذوا يتحينون الفرصة للانقضاض على هذا الدين، الذي بسط سلطانه على رقعة الأرض، ويعملون في الخفاء لإيجاد هذه الفرصة إن لم تُواتهم من تلقاء نفسها، ويهيئون أذهان الطائفتين السابقتين وقلوبهم وجهودهم للقيام معهم فيما يعتزمون القيام به، وما يزالون يفتلون بالذروة والغارب، لتواتيهم الظروف، وتتهيأ لهم الفرص، فَيلْبَسون للناس مُسوح الصلاح تارة، ومسوح الحرص على تعاليم الدين تارة أخرى، ثم يَلْبَسون لهم مُسوح محبة الرسول وآل بيته الطاهرين حين وجدوا من آل البيت قوماً يذكرون اهتضام حقوقهم، وانصراف بعض الناس عنهم ، فقد عمل هؤلاء على إثارة الفتنة بين المسلمين، وتعميق الخلاف في صفوفهم حتى أصبحوا فرقاً متعددة، ومذاهب شتى.
أما النوع الثاني: وهو الخلاف بين أهل السنة والجماعة أنفسهم: فإن المتتبع لمسائل الاختلاف في الأحكام العقدية عندهم، لا يجد اختلافاً بين أسبابها وبين أسباب الاختلاف في المسائل الفقهية عندهم، إذ أن الاختلاف فيهما جميعاً إنما يعود إلى السببين الأساسيين من أسباب الاختلاف ، وهما:
أ - الاحتمال في طبيعة بعض النصوص الشرعية، الذي يجعل الدلالة فيها ظنية.
ب- التفاوت بين العلماء في فهم النصوص، واختلاف مداركهم وإمكاناتهم من جهة، وتنوع بعض مناهجهم وقواعدهم في الوصول إلى الأحكام من جهة أخرى.
ومن مثل هذين السببين من أسباب اختلاف العلماء، نشأ الاختلاف منذ العصر الأول في بعض المسائل العقدية والفقهية، وناقشها العلماء مصححين ومخطئين دون تفرقة بين الميدان الفقهي أو العقدي.




يتبع
عودة الربيع غير متواجد حالياً  
قديم 04-04-2010, 09:30 AM   #3 (الرابط)
صديق ذهبي مميز
افتراضي

فكما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في كثير من المسائل الفقهية، اختلفوا في بعض المسائل الاعتقادية، وذلك مثل اختلافهم في رؤية الرسول لربه عز وجل ليلة الإسراء والمعراج، واختلافهم في تفسير قوله تعالى: وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ .
واختلافهم في تعريف الكرسي، وفي أيهما أسبق؟ الميزان أو الحوض يوم القيامة، وفي الإسراء هل كان بالروح فقط؟ أو بالروح والجسد معاً، واختلافهم في فهم حديث: (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه) المتفق عليه ، إلى غير ذلك من مسائل تعرف بتتبع كتب العقيدة والأحكام.. .
وسأكتفي هنا بتفصيل مسألة واحدة من هذه المسائل، وهي:
الاختلاف في رؤية الرسول لربه عز وجل ليلة الإسراء والمعراج، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمسروق حين سألها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمد رأى ربه فقد كذب) متفق عليه .
وحكى القاضي عياض في كتابه (الشفا) ، اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم في رؤيته ، وإنكار عائشة رضي الله عنها.
وقال جماعة: بقول عائشة رضي الله عنها، وهو المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة، واختلف عنه.
وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وعن ابن عباس : أنه رآه بعينه.
أخرج ابن خزيمة في (التوحيد) ، من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة، قال ابن عباس : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) قال: رؤيا عين أريها النبي ليلة أسري به.
ثم قال القاضي عياض: وأما وجوبه لنبينا ، والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع ولا نص، إذ المعول فيه على آية النجم ، والتنازع فيها مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثرٌ قاطع متواتر عن النبي .
قال شارح العقيدة الطحاوية القاضي محمد بن أبي العز الدمشقي- بعد عرضه لما سبق – ( وهذا القول الذي قاله القاضي عياض –رحمه الله- هو الحق.. إلخ) .
فهذه الاختلافات في المسائل العقدية، وأمثالها كثير في حياة الصحابة الكرام والسلف الصالح رضوان الله عليهم، تؤكد أنه لا فرق عند أهل السنة والجماعة، أن يختلف العلماء في مسألة عقدية أو فقهية، ما دامت محلاً للاجتهاد والاختلاف، والاتفاق إنما يكون في المسائل القطعية غالباً.
وإذا كان ثمة فرقٌ بين الميدانين، فإنما هو في سعة ميدان الاختلاف في المسائل الفقهية، وفي ضيقه في المسائل العقدية، حيث تعتمد مسائل العقيدة غالباً على الأدلة القطعية في ثبوتها ودلالتها، خلافاً لغيرها من معظم المسائل الفقهية .

6- موقف جمهور العلماء السابقين من تعدد هذه المدارس العقدية، وتطور هذا الموقف:

جرت سنة العلماء المتقدمين – رحمهم الله – على حسن ظن بعضهم في بعض، ووسعت صدورهم –غالباً- ما طرأ من خلاف في بعض المسائل الفرعية بين أهل السنة والجماعة، واعتبروه أمراً طبيعياً مقبولاً، سواء أكان الخلاف في فروع العقيدة أم في فروع الفقه.
فنظر الأشاعرة إلى الأثرية والماتريدية – على الرغم من وجود اختلاف بينهم- نظرة احترام وتقدير، ولم ينقدوا منهم إلا مَنْ غالى في خلافه، وكان أقرب إلى الفرق الأخرى منه إليهم.
وكذلك نظر الأثرية إلى الأشعرية والماتريدية هذه النظرة، وأطلقوا لقب أهل السنة والجماعة على هذه الطوائف جميعها، ولم يخرجوا منها إلا من شذّ أو غالى وتطرف..
وفي هذا يقول الإمام ابن عساكر في مناقبه:
(مازالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير متفرقين، حتى حدثت فتنة ابن القشيري ..) .
وسبق معنا قول السفاريني -رحمه ،tالله-: (أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية وإمامهم الإمام أحمد بن حنبل والأشعرية، وإمامهم الإمام أبو الحسن الأشعري -رحمه الله-، والماتريدية وإمامهم الإمام أبو منصور الماتريدي..) .
وقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: (فلا بد في الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة من نوع تنازع، لكن لا بد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة، كما لا بد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف، لكنه لا يزال في هذه الأمة طائفة قائمة على الحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة..
ولهذا.. لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى أهل السنة والجماعة، كان منتحلاً للإمام أحمد ، ذاكراً أنه مقتد به متبع سبيله، وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف..) .
ويقول في مقام آخر يقارن فيه بين الإمام الأشعري والإمام ابن حزم –رحمهـما الله-:
(لكن الأشعري ونحوه، أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن والصفات، وإن كان أبو محمد بن حزم في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره، وأعلم بالحديث، وأكثر تعظيماً له ولأهله من غيره، لكنه قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات، ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك، فوافق هؤلاء في اللفظ، وهؤلاء في المعنى. ) .
كما سبق معنا قول الشيخ تاج الدين السبكي -رحمه الله- في طبقات الشافعية الكبرى: ( ثم تفحصت كتب الحنفية فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبين الحنفية خلاف فيها: ثلاث عشرة مسألة، منها معنوي: ست مسائل، والباقي لفظي.
وتلك الست المعنوية: لا تقتضي مخالفتهم لنا، ولا مخالفتنا لهم فيها تكفيراً ولا تبديعاً، صرح بذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي وغيره من أئمتنا وأئمتهم، وهو غني عن التصريح لظهوره ) .
ويقول الحافظ الذهبي -رحمه الله-: ( الأصحاب مع اختلافهم في بعض المسائل كلهم أجمعون: على ترك تكفير بعضهم بعضاً مجمعون، بخلاف من عداهم من سائر الطوائف، وجميع الفرق، فإنهم حين اختلفت بهم مُسْتَشْنعاتُ الأهواء والطرق، كفّر بعضهم بعضاً، ورأى تبريه ممن خالفه فرضاً).
يقول الشيخ تاج الدين السبكي -رحمه الله- بعد نقله لكلام الحافظ الذهبي هذا: (قلت: وهذا حق، وما مثل هذه المسائل إلا مثل مسائل كثيرة اختلفت الأشاعرة فيها، وكلهم عن حمى أبي الحسن يناضلون، وبسيفه يقاتلون، أفتراهم يبدّع بعضهم بعضاً؟) .
ولما استفتى بعضهم الحكام والناس في لعن الأشاعرة على إثر الفتنة التي نشأت بين المدارس العقدية، أفتى العلماء من الأثرية وغيرهم بعدم جواز لعنهم، بل بتعزير من يلعنهم، وعلل الدامغاني فتواه: بأنهم من طائفة المسلمين، كما علل أبو إسحق –مع ذلك- بأن لهم ذباً ورداً على أهل البدع المخالفين للسنة .
يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا: (وكذلك رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد فتوى طويلة ، فيها أشياء حسنة قد سئل فيها عن أشياء متعددة، قال فيها: وذكر عدداً من فتاويه، ثم قال: ومن ذلك قوله: أما لعن العلماء لأئمة الأشاعرة، فمن لعنهم عُزِّر، وعادت اللعنة عليه، فمن لعن من ليس أهلاً للعنة، وقعت اللعنة عليه، والعلماء أنصار فروع الدين، والأشعرية أنصار أصول الدين ) .
ويقول العلامة السفاريني -رحمه الله- في معرض حديثه عن مسألة القدر: (وأما المتوسطون: فهم أهل السنة والجماعة، فلم يفرطوا تفريط القدرية النفاة، ولم يفرطوا إفراط الجبرية المحتجّين بالقدر على معاصي الله، وهؤلاء –أي أهل السنة والجماعة- على مذهبين: مذهب الأشعري ومن وافقه من الخلف، ومذهب سلف الأمة وأئمة السنة..) .
وإن أي نظرة فاحصة في تراجم العلماء وكتب الطبقات، تؤكد أن كل طائفة من طوائف أهل السنة والجماعة ترجمت للأخرى، ونسبت هذا العالم أو ذاك لهذه الطائفة أو تلك، دون تحرج من النسبة أو الطعن فيها.
وبقي الأمر على هذه الحال، اللهم إلا عند بعض المتشددين من المتقدمين، وكثير من متعصبي المتأخرين.
فوجد في الأشاعرة والماتريدية من يطعن في الأثرية، ويتهم بعض أصحابها بالتجسيم، كما وجد في الأثرية من يطعن في الأشعرية والماتريدية، ويخرجهم عن وصف أهل السنة والجماعة، ويلحقهم بأصحاب الطوائف والفرق الأخرى..




يتبع
عودة الربيع غير متواجد حالياً  
قديم 04-04-2010, 09:32 AM   #4 (الرابط)
صديق ذهبي مميز
افتراضي

وسأكتفي في هذا المقام بذكر نموذج واحد من هذه المواقف عسى أن يظهر شذوذ الموقف للقارئ الكريم، بمقارنته بما سبق نقله من كلام الأئمة والمتقدمين –رحمهم الله تعالى-.
يقول المعلق على كتاب (لوامع الأنوار البهية) للسفاريني -رحمه الله-، حيث يقول: (أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية.. والأشعرية.. والماتريدية) ما نصه في الحاشية: (هذا مصانعة من المصنف -رحمه الله- في إدخاله الأشعرية والماتريدية في أهل السنة والجماعة، كيف يكون من أهل السنة والجماعة من لا يثبت علو الرب سبحانه في سماواته، واستواءه على عرشه، ويقول: حروف القرآن مخلوقة، وإن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، ولا يثبت رؤية المؤمنين ربهم في الجنة بأبصارهم، فهم يقرون بالرؤية، ويفسرونها بزيادة علم يخلقه الله في قلب الرائي، ويقولون: الإيمان مجرد التصديق، وغير ذلك من أقوالهم المعروفة المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.) .
وفي تعليق للشيخ عبد الله بابطين -رحمه الله- على كلام السفاريني ما نصه: (تقسيم أهل السنة والجماعة إلى ثلاث فرق فيه نظر، فالحق الذي لا ريب فيه أن أهل السنة والجماعة فرقة واحدة، حين سئل عنها بقوله: هي الجماعة، وفي رواية:rوهي الفرقة الناجية التي بينها النبي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي، إلى أن قال: وبهذا عرف أن أهل السنة والجماعة هم فرقة واحدة (الأثرية) والله أعلم ) .
ولا أدري كيف أجاز المعلق – غفر الله له – لنفسه أولاً: اتهام العلامة السفاريني الأثري بالمصانعة في باب العقائد، لأنه وسّع دائرة أهل السنة والجماعة، وهو المعروف بعلمه والمشهود بفضله!!
وغفل عن أن قول السفاريني هذا هو قول معظم العلماء المتقدمين والمتأخرين –كما رأينا سابقاً في نقل هذا المعنى عنهم-.
ولو دقق أمثال هؤلاء ثانياً: في حقيقة هذه المسائل المختلف فيها، لرأوها مسائل فرعية، لا يضر اختلاف المسلمين فيها من جهة، ووجدوا بعضها يدخل في دائرة الخلاف اللفظي والصوري كما صرح بذلك بعض المحققين من جهة أخرى .
يقول شارح الطحاوية في بحثه لما يقع عليه اسم الإيمان، واستعراضه لخلاف الأئمة فيه: ( وحاصل الكل يرجع إلى أن الإيمان: إما أن يكون ما يقوم بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما ذهب إليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم – رحمهم الله – كما تقدم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح، كما ذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه، أو باللسان وحده، كما تقدم ذكره عن الكرامية، أو بالقلب وحده، وهو إما المعرفة كما قال الجهم، أو التصديق كما قاله أبو منصور الماتريدي -رحمه الله-، وفساد قول الكرامية والجهم بن صفوان ظاهر.
والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة، اختلاف صوري، فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءاً من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد..) .



يتبع
عودة الربيع غير متواجد حالياً  
قديم 04-04-2010, 09:34 AM   #5 (الرابط)
صديق ذهبي مميز
افتراضي

7- موقف بعض المسلمين اليوم من هذه المدارس، وبيان أسبابه وآثاره:

لقد تطور موقف بعض المسلمين اليوم من تعدد المدارس العقدية عند أهل السنة والجماعة تطوراً كبيراً، واختلفت نظرتهم إليها عن نظرة أسلافهم.
فنظر بعضهم إلى أصحاب هذه المدارس المتعددة نظرتهم إلى الفرق الأخرى الخارجة عن أهل السنة والجماعة، فحكموا على بعضها بالضلال والخروج عن الجادة، وسحبوا عنها لقب ( أهل السنة والجماعة) وحصروه في أصحاب مدرستهم، كما وقع لبعض الأشاعرة والمتاتريدية المتأخرين، ولكثير من متأخري الأثرية .
ونظر الآخرون إليها نظرة واحدة، فشمل عندهم لقب ( أهل السنة والجماعة) جميع المسلمين من الأثرية والأشعرية والماتريدية إلا من شذ منهم، وعلى هذا اليوم جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
ويمكننا إرجاع أسباب هذه المواقف إلى عدة أمور،أهمها:

1- اختلاف أصحاب هذه المدارس العقدية فيما بينهم في بعض المسائل التي يعتبرها بعضهم من مسائل الأصول التي لا يجوز فيها الخلاف، كما وقع للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين، المتوفى عام 1282 هـ، وغيره من المعلقين على كتاب (لوامع الأنوار البهية)-كما أشرتُ إليه سابقاً- .
2- وجود تشابه أحياناً في بعض المسائل، بين أقوال بعض أصحاب هذه المدارس، وأقوال بعض أصحاب البدع والفرق الأخرى، فحكموا عليهم بالخروج عن دائرة أهل السنة والجماعة لمجرد المشابهة بين الأقوال.
3- حصر الحديث الشريف – الوارد في تفرق الأمة إلى فرق شتى – للفرقة الناجية بواحدة من هذه الفرق، فقد جاء في الحديث: ( إن أهل الكتابين، افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة – يعني الأهواء – كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وفي رواية للترمذي: قالوا: من هي يارسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) .
فاستشكل بعضهم إدخال هذه المدارس الثلاث في هذه الفرقة الناجية الواحدة المنصوص عليها، فحمل النص على واحدة منها، ولا سيما بعض أصحاب المدرسة الأثرية الذين رأوا في قول النبي : ( ما أنا عليه وأصحابي) دليلاً على قولهم.
حتى وقع في هذا بعض محققيهم وعلمائهم، الذين يرون سعة مدلول لفظ (أهل السنة والجماعة)، ولكنهم استشكلوا هذا الحديث، فاضطربت أقوالهم في ذلك.
كما حدث للعلامة السفاريني -رحمه الله- الذي سبق أن نقلتُ عنه قوله: بأن أهل السنة والجماعة ثلاث فرق، وبين أنها الأثرية والأشعرية والماتريدية .
فإننا نراه بعد هذا القول بقليل يستشكل ذلك الإشكال، ويضطرب قوله فيقول: ( قال بعض العلماء: هم – يعني الفرقة الناجية-: أهل الحديث، يعني: الأثرية، والأشعرية، والماتريدية، ثم يتعقب ذلك بقوله: قلت: ولفظ الحديث يعني قوله – إلا فرقة واحدة – ينافي التعدد ولذا قلت:
وليس هذا النص جزما يُعتَبر في فرقةٍ إلا على أهل الأثر
إلى أن قال في شرح هذا البيت: ( أي: لا ينطبق ويصدق على فرقة من الثلاث وسبعين فرقة، إلا على فرقة أهل الأثر، وما عداهم من سائر الفرق، قد حكموا العقول وخالفوا المنقول عن النبي ، والواجب أن يُتلقى بالقبول، فأنى يصدق عليهم الخبر، أو يطبق عليهم الأثر !!) .
هذه هي أهم الأسباب التي أدت إلى هذا الموقف في نظري، إضافة إلى ما خلفته المناقشات الشديدة والمجادلات العقيمة من ردود الأفعال بين أصحاب هذه المدارس.
وفي مناقشة هذه الأسباب أقول:

1- إن الخلاف المذكور بين الأشاعرة والماتريدية والأثرية في بعض المسائل العقدية، لا يعتبر عند التحقيق والتدقيق من الخلاف في الأصول التي لا يجوز فيها الخلاف.
وإنما يُعتبر من الخلاف في المسائل الفرعية العقدية التي يمكن أن تختلف فيها الأنظار، وتتفاوت فيها الأفهام، وتتنوع فيها المناهج..
كما لا يخرج الخلاف فيها عن دائرة (الخطأ والصواب) ولا يصل إلى دائرة الهدى والضلال، والحق والباطل – كما تصور بعضهم-.
وإن حدث شيء من ذلك لبعض العلماء من أصحاب هذه المدارس، فإنما ينسب إلى قائله، لا إلى أصل مدرسته.
ولكم حدثت مواقف شاذة أو صدرت أقوال منكرة من بعض العلماء في بعض المواقف والمسائل قديماً وحديثاً!! أو حدث تعصب مذموم من بعض العامة وأشباههم أدى إلى التباعد والتباغض، والتنابذ بالألقاب!!
أما المحققون من العلماء، فنراهم يناقشون المسائل وأدلتها، ويحكمون بخطئها أو صوابها، أو يُوفِّقون بين الأقوال، ويجمعون بينها على وجه من أوجه الجمع الذي يجعل كثيراً من الاختلاف في المسائل خلافاً لفظياً أو صورياً، أو خلافاً تاريخياً أحاطت به ظروف وملابسات خاصة دعت إلى ذلك الخلاف.
كما رأى بعضهم ذلك في الاختلاف في مسألة الإيمان وتعريفه، وزيادته ونقصانه، كما أشرتُ إلى ذلك سابقاً .
2- أما عن وجود التشابه بين أقوال بعض أصحاب هذه المدارس، وببين أقوال بعض المبتدعة، فإن ذلك طبيعي لا يستلزم أن يعود إلى التشابه في العقيدة بين القائلين، وإنما قد يعود إلى اتفاق العقول على بعض الأقوال في المسائل الاجتهادية.
كما أنه ليس كل أقوال أصحاب البدع بدعة أو باطلاً،فقد يكون لهم أقوال يوافقون فيها الحق وقد يكون الحق ممزوجاً بباطل، أو يكون الباطل ممزوجاً عند آخرين بحق.
وإنما حكم على أهل البدع والفرق الأخرى بالخروج والابتداع لخروجهم في أصول المسائل لا في فروعها، ولمخالفتهم في بعض المنطلقات العلمية والموازين الاجتهادية، لا في جميع أقوالهم ومسائلهم.
وإلا، فكم من أقوال متشابهة في مسائل متعددة بين أصحاب الفرق والطوائف جميعها، على مختلف عقائدهم ومللهم!!
وإلى هذا المعنى يشير شارح الطحاوية حيث يقول: (لكن نجد كثيراً من هؤلاء، قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقاً ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلاً في البعض، كما كان الأول مبطلاً في الأصل، وهذا يجري كثيراً لأهل السنة ) .
ويقول في موطن آخر حول الاختلاف في الكتاب وتنزيله: (فالأول: كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته، لكونه مخلوقاً في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ببعض الحق، وكذبت بما تقوله الأخرى من الحق..) .
ويقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في سياق حديثه عن إثبات جنس الصفات: (وقدمنا فيما تقدم: أن جميع أئمة الطوائف هم من أهل الإثبات، وما من شيء ذكره أبو الفرج وغيره مما هو موجود في الحنبلية – سواء كان الصواب فيه مع المثبت أو مع النافي، أو كان فيه تفصيل –إلا وذلك موجود فيما شاء الله من أهل الحديث والصوفية والمالكية والشافعية والحنفية ونحوهم.
بل هو موجود في الطوائف التي لا تنتحل السنة والجماعة، والحديث ولا مذهب السلف، مثل الشيعة وغيرهم..) .
ويقول: (فما زال في الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي ينفيه طائفة أخرى منهم، ومنهم من يمسك عن النفي والإثبات جميعاً، ففيهم جنس التنازع الموجود في سائر الطوائف، ولكن نزاعهم في المسائل الدّق، وأما الأصول الكبار فهم متفقون عليها، ولهذا كانوا أقل الطوائف الأخرى تنازعاً وافتراقاً..) .

3- أما إشكال الحصر في الحديث الشريف للطائفة الناجية بطائفة واحدة منها، فهو حصر حقيقي واضح، لا يتعارض مع تعدد المدارس والمناهج في الفرقة الواحدة.
وإنما يتعارض مع تعدد العقائد والملل، ولا تلازم بين اختلاف الأسماء واختلاف العقائد، كما أنه لا يتعارض بين تعدد الأسماء واتفاق العقائد. كما هو واقع بين أصحاب الطوائف الثلاث.
وإذا كان تعدد المذاهب الفقهية والأقوال الاجتهادية، لا يخرج أقوال أصحابها عن دائرة فقه أهل السنة والجماعة باتفاق العلماء، على الرغم من اختلافهم في بعض الأصول وأكثر الفروع.
فكذلك لا يخرج اختلاف أصحاب هذه المدارس العقدية في بعض المسائل العقدية، في الإطار الأضيق أصحاب هذه المدارس عن دائرة عقيدة أهل السنة والجماعة، فالدائرة أوسع من ذلك، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في مواطن عديدة من هذا البحث.
ومن العجب أن ينصرف بعض الناس إلى تعيين هذه الفرق، وتحديد الفرقة الناجية منها، وكأن الحديث الشريف يطالبهم بمثل هذا الحصر والتبيين!
في الوقت الذي جاء فيه الحديث الشريف محذراً من الافتراق في الدين ومؤكداً على أهمية الاقتداء بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.
وهناك ملاحظة مفيدة حول اضطراب كتابات العلماء في حصر الطوائف الأخرى بما ينسجم مع العدد الوارد ذكره في الحديث الشريف.
فقد وقف العلماء الأقدمين من حديث الفرق الذي سبق ذكره ثلاثة مواقف:

أ- عدم التعرض له بنفي ولا إثبات، ومن أصحاب هذا الموقف الإمام أبو الحسن الأشعري، وفخر الدين الرازي، فقد ألف كل منهما في العقائد دون تعرض لهذا الحديث .
ب- عدم الأخذ به وتضعيفه، ومن أصحاب هذا الموقف الإمام ابن حزم، فقد عرض لهذا الحديث في كتابه (الفصل بين الملل والنحل) وحكم بضعفه .
ج- التعرض للحديث الشريف، والأخذ به، ومن أصحاب هذا الموقف الإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق)، والإمام الاسفرائيني، صاحب كتاب (التبصير في الدين) وغيرهما .




يتبع
عودة الربيع غير متواجد حالياً  
قديم 04-04-2010, 09:36 AM   #6 (الرابط)
صديق ذهبي مميز
افتراضي

وقد حاول هؤلاء حصر الفرق التي نجمت تحت ظلال الإسلام في ثلاثة وسبعين فرقة، إحداها ناجية، وهي أهل السنة والجماعة.
يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد -رحمه الله- في مقدمته لكتاب (الفرق بين الفرق) بعد الإشارة إلى هذه المواقف الثلاثة: (والحق أن أصول الفرق لا يصل إلى هذا العدد، بل إنه لا يبلغ نصفه ولا ربعه، وأن فروع الفرق يختلف العلماء في تفريعها، وأنت في حيرة حين تأخذ بالعد، ثم يقول: وفي الحق أنه – على فرض صحة الحديث- لا ينحصر الافتراق كما كان في العصور الأولى، ومن قبل أن يدون هؤلاء العلماء الأعلام مصنفاتهم، بل لا يزال الأمر يسير على المنهج الذي سار عليه أول الأمر.
تكون الفرقة واحدة، ثم يكون من رجالها اثنان أو أكثر يبتدعون في مقالاتهم شيئاً لم يكن عليه أسلافهم، فيصبح كل واحد منهم فرقة منفصلة عن قُداماها في كل ما كانوا ينتحلون أو في بعضه.. إلى أن قال:
من أجل ذلك كله : رأينا أن الأخذ بهذا الحديث على ظاهره، ومحاولة إيجاد هذا العدد من الفرق من أهل القرون الثلاثة الأولى التي جاء في أعقابها هؤلاء المؤلفون، قصورٌ وتقصير وقصر نظر.
فإن حديث الترمذي يتحدث عن افتراق أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمته مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، فيجب أن يتحدث في كل عصر عن الفرق التي نجمت في هذه الأمة من أول أمرها إلى الوقت الذي يتحدث فيه المتحدث، ولا عليه إن كان العدد قد بلغ ما جاء في الحديث أو لم يبلغ.
ونحن نجزم أنه إذا كان الحديث صحيحا، وأن رسول الله قد قاله، فلا بد أنه كائن على الوجه الذي أراده عليه الصلاة والسلام ، لأنه صادق في كل ما يقوله...إلخ) .
وبعد هذا كله أقول: إذا صح أن يوجد اختلاف بين العلماء في تعداد الفرق بما ينسجم مع العدد المذكور في الحديث، فلا يصح أن يكون هناك خلاف في حدود دائرة أهل السنة و الجماعة نفسها!!
وما جاء في الحديث الشريف من وصفهم بأنهم (ما أنا عليه وأصحابي) يشمل بعمومه وإطلاقه جميع العلماء الذين يجتهدون في إتباع ذلك، ويصرحون به، مهما اختلفت مناهجهم وأساليبهم في فهمه، فالجميع حريص على ذلك سواء في فروع الفقه أو في فروع العقائد.
وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: (.. وكذلك مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وغيرهم، إنما نبلوا في عموم الأمة، وقبل قولهم لما وافقوا فيه الحديث والسنة، وما تكلم فيمن تكلم فيه منهم، إلا بسب المواضع التي لم يتفق له متابعتها من الحديث والسنة، إما لعدم بلاغها إياه، أو لاعتقاد ضعف دلالتها، أو رجحان غيرها عليها، وكذلك المسائل الاعتقادية الخبرية..) .
ولا تخفى على أحد الآثار السيئة التي خلفها هذا الموقف بين صفوف المسلمين، حيث أصبح بعضهم يعتقد في نفسه أنه (أهل السنة والجماعة) ويخرج عن هذا اللقب كل من خالفه، أو لم ينتسب بنسبته، حتى ولو كان هؤلاء المخرجين عن الدائرة من أكابر علماء الأمة ومحديثيهم ومفسريهم وفقهائهم، مما دعا كثيراً من أصحاب الطرف الآخر، يقابلون الإخراج بالإخراج، والطعن بالطعن، انتصاراً لأنفسهم وغيرة على المخرجين منها..
وما أخطر أن تقع الأمة المسلمة في الشقاق، وتتبادل بين أفرادها الاتهامات وتتنابز بالألقاب..!
وقد أكد الإمام الشاطبي -رحمه الله- ضرورة عدم تعيين الفرق التي أشار إليها الحديث الشريف، وعلل ذلك بأمرين هما:

1- لأن منهج الشريعة الإشارة إلى أوصاف أهل الفرق من غير تصريح بها وتعيين لها إلا نادراً، كما جاء في الخوارج والقدرية.
2- ولأن عدم التعيين هو الذي ينبغي أن يلتزم ليكون ستراً على الأمة، كما سُترت عليهم قبائحهم، فلم يفضحوا في الدنيا بها في الغالب.
وللستر حكمة أخرى وهي : أنها لو أظهرت -مع أن أصحابها من الأمة-، لكان في ذلك داع إلى الفرقة وعدم الألفة التي أمر الله ورسوله بها..
فإذا كان من مقتضى العادة: أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة بينهم والفرقة، لزم من ذلك أن يكون منهياً عنه، إلا أن تكون البدعة فاحشة جداً كبدعة الخوارج، ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة أو قريب منه بحسب نظر المجتهد، وما عدا ذلك فالسكوت عنه أولى..
ثم يستدل لهذا بحديث صحيح أخرجه أبو داود في سننه عن عمر بن أبي مرة قال:
( كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ فَكَانَ يَذْكُرُ أَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ لأُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْغَضَبِ، فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ حُذَيْفَةَ فَيَأْتُونَ سَلْمَانَ فَيَذْكُرُونَ لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ، فَيَقُولُ سَلْمَانُ: حُذَيْفَةُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى حُذَيْفَةَ فَيَقُولُونَ لَهُ: قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَكَ لِسَلْمَانَ فَمَا صَدَّقَكَ وَلا كَذَّبَكَ، فَأَتَى حُذَيْفَةُ سَلْمَانَ وَهُوَ فِي مَبْقَلَةٍ فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَدِّقَنِي بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَغْضَبُ فَيَقُولُ فِي الْغَضَبِ لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَرْضَى فَيَقُولُ فِي الرِّضَا لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَمَا تَنْتَهِي حَتَّى تُوَرِّثَ رِجَالا حُبَّ رِجَالٍ وَرِجَالا بُغْضَ رِجَالٍ وَحَتَّى تُوقِعَ اخْتِلافًا وَفُرْقَةً، وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ خَطَبَ فَقَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً أَوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً فِي غَضَبِي فَإِنَّمَا أَنَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لأَكْتُبَنَّ إِلَى عُمَرَ )، ثم يقول الشاطبي : فتأملوا ما أحسن هذا الفقه من سلمان ، وهو جار في مسألتنا.
فمن هنا: لا ينبغي للراسخ في العلم أن يقول: هؤلاء الفرق هم بنو فلان، وبنو فلان، وإن كان يعرفهم بعلاماتهم بحسب اجتهاده، اللهم إلا في موطنين:
أحدهما: حيث نبه الشارع على تعينهم كالخوارج.
والثاني: حيث تكون الفرقة تدعو إلى ضلالها، وتزينه في قلوب العوام، ومن لا علم عنده.
فإذا فقد الأمران، فلا ينبغي أن يذكروا، ولا أنْ يعينوا إن وجدوا، لأن ذلك أول مثير للشر وإلقاء العداوة والبغضاء، ومتى حصّل باليد منهم أحد، ذاكره برفق، ولم ير أنه خارج عن السنة، بل يريه أنه مخالف للدليل الشرعي، وأن الصواب الموافق للسنة كذا وكذا..

8- واجب المسلمين تجاه هذا الاختلاف :

أمام هذا الاختلاف القائم اليوم في نظرة بعض المسلمين إلى بعض من جهة، ومخالفة هذا الموقف لموقف العلماء المحققين من السلف –رحمهم الله تعالى- من جهة أخرى..
نرى وجوب العودة إلى ما كان عليه السلف، من سعة الصدر ورحابته، وجمع الصف ووحدة الكلمة، ولا سيما أننا أصبحنا في عصر لا تحتمل حال المسلمين فيه الاختلاف في أي أمر من الأمور مهما صغر أو حقر.
فكيف بنا نفترق في النسبة العقدية، ونختلف في أخطر الأوصاف الإسلامية، ونتنابز بالألقاب؟
لقد أصبحنا في عصر لم تعد تغني فيه الادعاءات ولا الانتماءات، حيث انفتح الناس فيه بعضهم على بعض، وكثرت رحلاتهم ومخالطاتهم، فلم تعد تحجبهم فيه الحواجز عن بعضهم، وسيحكم الناس فيه بعضهم على بعض من جراء الالتقاء والاحتكاك المباشر، لا بمجرد الادعاء والانتماء..
وإذا كانت لا تزال ثمة خلافات متنوعة بين المسلمين فإن أسلوب الالتقاء والتحاور والتفاهم هو الطريق الوحيدة التي تضيّق من دائرة الاختلاف، وتوسع من دائرة الاتفاق.
أما طريق المناظرات والمناقشات بين المختلفين – مع بعد بعضهم عن بعض، وسوء الظن المتبادل- فما أدى في الماضي، ولن يؤدي في الحاضر إلا إلى تكريس الخلاف وتصعيده، وإقامة الحواجز النفسية بين المختلفين، وجعلهم أمما وأحزاباً تذهب به ريحهم، وتضعف شوكتهم.
وليطمئن جميع الأطراف المختلفين، من أصحاب المدارس العقدية، ولا سيما الأثرية منهم، إلى أن الالتقاء والتحاور والتفاهم هو الذي يقرب المسلمين جميعاً من مذهب السلف الصالح، ويقنعهم أن السلامة في باب العقائد تكمن في التمسك بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والسير على منهج السلف الصالح فيها.
فقد مال كثير من علماء الأشاعرة وغيرهم في الماضي، ولا يزالون يميلون إلى ترجيح مذهب السلف على مذهب الخلف في مسألة الصفات، على الرغم من البعد القائم بين الطوائف، فكيف بهم إذا تقاربوا وتحاورا وتناصحوا؟
ومن هنا: أرى أنه لابد للمسلمين من أن يخطوا خطوات عاجلة في هذه الطريق، ويقفوا ذلك الموقف السليم تجاه تعدد المدارس العقدية بين المسلمين، ولا بد لمثل هذا الموقف أن يشتمل على الخطوات التالية:

1- تصحيح مفهوم أهل السنة والجماعة وتوسيع دائرته، بما يدخل فيه أصحاب جميع المدارس العقدية من أثرية وأشعرية وماتريدية، ومن انتسب إليها من علماء في الماضي والحاضر، على تنوع علومهم واختصاصاتهم، ومختلف أزمانهم.
فما أصعب أن يخرج المسلم عن هذه الدائرة الواسعة ثلة من أجلّ العلماء والمحققين في التفسير والحديث والفقه الذين ارتضوا لأنفسهم النسبة لهذه المدرسة أو تلك!! .
وهم الذين ندين إليهم جميعاً بما قدموه من علم، وبذلوا من جهود عظيمة في سبيل خدمة هذا الدين ونصرته! .
2- إعادة النظر في فهم الخلاف الذي حدث بين المسلمين عامة، وبين أهل السنة خاصة، ولا سيما في المسائل العقدية، والوقوف على نشأته وأسبابه، وتصحيح النظرة إليه.
3- تصحيح القاعدة المتداولة المشهورة القائلة: بأنه لا خلاف بين المسلمين في العقديات، وإنما ينحصر خلافهم في الفقهيات، وإرجاعها إلى أصلها الصحيح المُثْبِت: أن الخلاف بين المسلمين ممكن في الفروع لا في الأصول، سواء أكانت هذه الفروع المختلف فيها عقدية أم فقهية - كما سبق معنا-.
4- التأكيد على أن الخلاف بين أهل السنة والجماعة في أي مسألة من المسائل، لا يخرج عن كونه خطأ أو صواباً، ولا يصل إلى دائرة الحق والضلال، ولا يترتب عليه تكفير ولا تبديع.
وذلك تقديراً للاجتهاد، واحتراماً لأهله من جهة، وتفريقاً بين خلاف أهل السنة والجماعة، وبين خلافهم مع غيرهم من أهل الفرق من جهة أخرى.
5- حمل ما وقع لبعض علمائنا وأسلافنا فيما بينهم – غفر الله لهم جميعاً – من عبارات التبديع أو التضليل، على أنه خطأ بشري في الاجتهاد أو في الأسلوب، جرّهم إليه الغفلة والابتعاد عن منهج السلف الصالح في ذلك، والانطلاق من ردود الأفعال في المناقشات والمواقف..
فإن من حق مثل هذه العبارات أن تهمل وتدفن، لا أن تحُيى وتبعث من جديد!
6- حصر مسائل الخلاف بين أهل السنة والجماعة، والتمحيص بين الخلاف الحقيقي واللفظي، ومتابعة الحوار والمناقشات العلمية في المسائل المختلف فيها، وحصر ذلك في دائرة العلماء، وذلك تضيقاً لدائرة الاختلاف، وتوسيعاً لدائرة الاتفاق.
7- المحافظة على سلامة القلوب، وصفاء الصدور بين المسلمين، وحسن ظن المختلفين بعضهم في بعض، مما يجعلهم يعذرون المختلفين المخالفين لهم في الاجتهاد، ويدفعهم إلى التعاون فيما بينهم في المتفق عليه، ويزيد من حرصهم على متابعة الحوار والتناصح..
8- الوقوف صفاً واحداً أمام أصحاب العقائد الباطلة، قديمها وحديثها، والتعاون على توضيح العقائد الصحيحة، وتفنيد العقائد الباطلة.

فإنه بهذه الخطوات الكريمة، وأمثالها، يمكن أن تعود للمسلمين عزتهم، وتتوحد كلمتهم، ويخشى جانبهم.
قال تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وََا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) .
وقال سبحانه: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) .
وقال عز من قائل: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) .
وأختم بحثي هذا بكلام جميل نقله الإمام الشاطبي في مثل هذا المقام عن الإمام الغزالي واستحسنه، حيث يقول: ( قال الغزالي في بعض كتبه: أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهّال أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإذلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا: أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة، ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء، لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقراً في قلب مجنون، فضلاً عن قلب عاقل! انتهى كلام الغزالي. ثم قال الشاطبي: وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية، فالواجب تَسْكين الثائرة ما قُدر على ذلك، والله أعلم .
والحمد لله رب العالمين..

وكتبه:
د. محمد أبو الفتح البيانوني
الأستاذ المساعد بقسم الفقه وأصول الفقه بكلية الشريعة
والدراسات الإسلامية، بجامعة الكويت
عودة الربيع غير متواجد حالياً  
قديم 07-04-2010, 12:00 PM   #7 (الرابط)
موقوف
افتراضي

بحث عميق رائق ... بارك الله في أبي الفتح و الناقل صاحب الفتح :d
و إن لم أنس أقص عليكم في القصص المذهلة قصة الشيخ البيانوني !؟!
غريب الغربتين غير متواجد حالياً  
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع



الساعة الآن 11:07 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
المواضيع والتعقيبات لاتمثل بالضرورة الرأي الرسمي للمنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها