.
.
.
.
عندما يتجاوز الانسان طفولته, و ينتقل الى ما بعدها من المراحل, يكون في مصادمة مع واقع يفرض عليه مواجهة كبيرة مع مجموعة من القرارات المصيرية التي تلقي بظلالها على تفاصيل مستقبله. وأهم هذه المراحل و أكثرها حساسية هي تلك التي تلي مرحلتي الطفولة و المراهقة و قد اكتسب الانسان فيها طرفا من الرشد يهيؤه للتفكير في مجموعة من الأسئلة الكبرى.
وتتحكم ظروف كثيرة تتنافس في توجيه العقلية الناشئة بما يخدم تصورها. وهذا ما يفسر تلك الكمية الهائلة من الطرح في القنوات الاعلامية و الاصدارات الفكرية و الخطب الوعظية للتأثير على عقلية لها خاصية المرونة, التي تستجيب للتشكيل حتى وان اتخذ أبعادا متطرفة. فهذه المرونة مؤقتة جدا, و تتحول الى شكل محدد له قساوة شديدة تتخذ الشكل الأخير الذي أعده العامل المؤثر الأقوى. ومن خلال هذه العقلية تتحدد كثير من النقاط المحورية التي يتعلق بعضها بالانتماء الأيدلوجي, والدراسة الجامعية, وطبيعة المجال الوظيفي, والمستوى الاقتصادي, و نوعية العلاقة العاطفية و المستقبل الأسري.......الخ
و لعل أهم قرارات المرحلة هو قرار الزواج و الارتباط بشريك الحياة. وهو قرار يحظى باهتمام الناشئة و بمساحة من الحوار في المجالس الخاصة و المنتديات العامة. بل أصبحت مشاركة المؤسسات التعليمية و الشركات التجارية على نطاق أوسع مما كان في السابق. وهناك عشرات الدورات التدريبية التي تناقش أبعادا دقيقة تتناول الحديث عن سيكلوجية الذكر و الأنثى و طريقة التعامل معها. وهناك الكتب التثقيفية و البرامج التلفزيونية التي تتحدث عن الحب و عن التربية. وآخر ما جد من ابتكارات القنوات المؤثرة هي تلك الدورة التي عقدها موقع اسلامي مشهور سماها "ألف باء فراش الزوجية". ومعظم هذه النشاطات هي استجابة لطلبات ملحة تريدها الناشئة لتستعين بها على اتخاذ قرار صائب يكفل علاقة مشروعة ناجحة.
فالنقاش حول الارتباط الزوجي أصبح له جاذبية كبيرة ملموسة لا تجد منافسا قويا. فعندما تطرح هذا الموضوع في أحد الاجتماعات تستطيع أن تستقطب الاهتمام لتستمع الى مشاركات واسعة تنطلق من زوايا و أبعاد مختلفة. فهنالك من يتحدث عن التوافق الفكري أو عن التكافؤ العلمي, وفئة تتحدث عن أهمية التماثل الاجتماعي, ولا نغفل فئة كبيرة يسيطر عليها المؤثر الرومانسي وتعيش نقصا عاطفيا يصل الى درجات حادة أحيانا, فيحاول أحدهم أن يبحث عن شريك رسمته قصة خيالية عاش فيها حبا وهميا. وما يجمع تلك الأصناف هو كثرة المتطلبات الدقيقة التي يريدها كل طرف في شريكه بغض النظر عن ماهيتها.
و اذا أردنا أن نعود الى الوراء و نناقش ظروف القرار الحالية مع تاريخها, فسنجد أنه يمر بمرحلة استثنائية حرجة. فقد مر العالم بمتغيرات كثيرة متسارعة عصفت بكثير من القوانين السائدة حينها و اقتلعت كثيرا من الجذور. ولم تكن نتيجة هذه المتغيرات وضعا سائدا بديلا له ملامحه الدقيقة على أفراد المجتمع كما كان في السابق. فالمجتمع في السابق كان يعيش في توافق ثقافي تحدده مجموعة من العادات و التقاليد ذات الصبغة المشتركة على نطاق اقليمي. فمعرفة اسم القرية أو الأسرة كفيل بمعرفة المواصفات الخلقية و الخلقية. ولم تكن العولمة بشموليتها قد بدأت تحكم العالم لتعبث في مصادر التلقي و تفتت ذلك الانسجام الذي عايشته كل الأمم في سابق عهدها. ولذلك أصبحت الوسائل التقليدية في الارتباط الزوجي ذات مفعول أضعف لأنها أداة تعتمد على واقع مختلف قد اضمحل.
و الذكور بطبيعة الحال بدأت تشتكي من قلة فاعلية الوسائل التقليدية. فتلك الوسائل لا تملك الكفاءة لتوفير قائمة المتطلبات الطويلة التي يريدها الذكر. وجل هذه المتطلبات لم تستوعبها عقلية الجيل القديم المتمثل في الوالدين و هما من يقوم بالبحث و العرض. كما أن التفكك الذي تعيشه العلاقات الاجتماعيه أقفل السبل المتاحة الى معرفة الفتاة عن قرب حتى من قبل النساء. فحتى تلك الثلة القليلة التي تستوعب متطلبات الأبناء لا تجد بيئة مناسبة تهيئ لها البحث و الاختيار مما يساهم في تعقيد الأزمة للأسف.
وجزء محوري من القضية يرجع الى المرحلة الجديدة التي تعيشها الأنثى في عصرنا الحالي. فقد ساهمت عوامل كثيرة في رفع الحظر المعرفي الذي فرضه الذكر على الأنثى لتمارس كثيرا مما كان محرما. وكان غياب هذه الأدوات المعرفية كفيلا بمنع الأنثى من الارتقاء لصياغة ما يمكن أن يسمى فكرا و نظرية لها استقلالية المقاومة. وقد فرضت على المرأة تاريخيا ما يسمى ب "الحكواتية" حتى لا تشكل خطرا و تهديدا على الثقافة الذكورية الاستبدادية. وأما الآن فقد أصبحت شريكا و ركنا في اتخاذ القرار المصيري مما يجعل المسألة أكثر تعقيدا مما كانت عندما كان الاختيار و التبعية تحت امرة الطرف الذكوري وحده.
و أصبحت هنالك اندفاعات كبيرة نحو التمرد على الوسائل التقليدية. فالذكر بدأ بسحب الثقة من أهله محاولا الاعتماد على نفسه و استكشاف وسائل جديدة. والانثى لم تعد تقبل الدخول على رجل لا تعرف طريقة تفكيره و طبيعة ميوله. وكانت الشبكة العنكبوتية أقرب الحلول و أيسرها للتعارف بين الطرفين. وقد استفادوا من جهل الأهل بطبيعة الشبكة فتحرروا من تلك القيود التي قد فرضت على الهاتف لتكون الشبكة العنكبوتية ساحة واسعة شهدت كثيرا من الحوارات الجادة و العابثة حول هذا الموضوع.
لكن طبيعة المرحلة العمرية التي تحدثنا عنها في بداية المقال قد أثرت سلبيا على القرار. فالناشئة بحكم محدودية ثقافتها تتأثر كثيرا بتلك العوامل التي ذكرناها آنفا. وخطورة العوامل تكمن في تبشيرها للتصور الشمولي الذي تحمله. فيحمل الفرد بسببها آراء كثيرة في مختلف المجالات و يراهن على صحتها رغم أنها في الحقيقة لم تكن نتيجة تفكير موضوعي سليم. وهذا ما يفسر تعصب الناشئة في كل حوار يتعلق بالمجال الديني و السياسي و الاقتصادي .....الخ بشكل يبعث الدهشة و القلق. وهذا التعصب و النظرة الشمولية الهشة قد انتقلت لتشمل تفاصيل النقاش في قضية الارتباط بالطرف الآخر وكان سببا في المشاكل قبل الزواج و بعده للأسف. ويعتقد الناشئة أن خوضهم حوار الشبكة هو من أجل التعارف و ايجاد الطرف المناسب ممن يوافقهم في تفاصيل لا تنتهي. ومعظم هؤلاء لا يعقد حوارا بمعناه العلمي بل نؤمن أن جلهم يمارس استبدادا ثقافيا سافرا لاخضاع الطرف الآخر لرؤيته و آرآئه
و لذلك أوجه عتبا كبيرا للناشئة ذكورا و اناثا رغبة في ترسيخ الوعي بأهمية نشر مفاهيم التسامح و التعايش بعد الارتباط بالثوابت الحقيقية. انني أطالب العقلية الناشئة الواعية باستدراك اخطائها و اعادة صياغة الارتباط الزوجي بما يوافق المتغيرات الحديثة. فالموضوعية تحتم علينا تقليص الثوابت الكثيرة المزعومة لتكون في اطارها الطبيعي الصحيح. فمعظم أفكارنا لا تستحق منا الكفاح و التعصب لأنها مجموعة من الرؤى التي لا تستند الى ركائز قويمة. ولذلك لا ينبغي أن تكون محل جدل قد يعرقل مسألة الارتباط. ان تقليص الثوابت لتأخذ حجمها الطبيعي يصنع عقلية متعايشة تقبل الخلاف في اطاره و تحترمه بل و تعتبره أحد أهم وسائل الاثراء المعرفي. لقد تجرعنا كثيرا من عقلية الصراع التي توارثتها الأجيال و ساهمت في انحدار الأمة المسلمة في كافة المجالات. أما العقلية الواعية فسوف تتفاعل ايجابيا مع كل المتغيرات و الظروف الحالية لتجعل الارتباط سهلا ميسرا. حيث يجد الشاب كثيرا من الفتيات المؤهلات للارتباط و كذلك بالنسبة للفتاة دون الدخول في معمعة من التعقيدات و القيود التي كبلنا بها أنفسنا, والله ولي التوفيق
نسأل الله أن يجعل هذا في طاعته
علي الحمدان
نبراسكا الجريحة
.
.
.