اعذروني فلن أشارك.....
بسم الله الرحمن الرحيم
اعذروني فلن أشارك.....
اللهم سلمني من الأدواء والأهواء ، وأرشدني في هذه الأرجاء وتولني وسط حلكة الظلماء..
ليست دعوات يائس!! لكنه مرتعد خائف، تحدق من حوله المخاطر، فيرتعد وهو يستعرض الواقع الحالي للأمة وحالها والدعوة ومسارها، بعد أن سهل على شباب الدعوة حاملي رسالة الله للعالم الوصولُ إلى كل بيت على وجه الأرض، ليرسلوا أصوات الهداية وهم في بيوتهم قرب المدافئ في برد الشتاء، وأمام نسيم المكيفات في حر الصيف عن طريق الشبكات والقنوات، أنْ هلمّوا عن النار وفارقوا الضجر والشقاء والضياع، ..ومع كل هذه التسهيلات التي ما حلم بها أولئك الذين قطعوا مفاوز الصحراء والبحار لإيصال معنى الهداية إلى الضائعين والحائرين.. لم نتوصل إلا لقليل من قليل من قليل،!! منشغلين عن ملايين الناس منهمكين في تنازع القيادة وقد أمسك الصغير والكبير والجماعات والأفراد بمقود الدعوة يتصارعون عليه واقفين صامتين كاستعراضٍ غير مشرّفٍ أمام المتحيرين والمتكبرين من البشر.
ما أشده وأقساه من امتحان، نمارسه على حافة مهلكة نقتحمها مرحبين بالمسؤولية أمام العزيز الجبار، فما بين الرجل وبين أن يشار إليه بالبنان ويُسمِعَ صوته للعامة ويتكلمَ بأمر الأمة إلا رياضة فكٍ أو مرونة قلمٍ، ليزحف بجماهيرَ من المنجرفين مع الشعارات والأصوات إلى حيث يريد، دون أن يفكر برقيب عتيد، وبوصول إلى ملتقى مهيب شديد، حيث تزول عندها عن القلب الأوهام وتتكشف الأهواء ويسأله الله عن كل موقف وخطبة ورسالة وبريد ومشاركة وتعليق.
أفديك بروحي يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كيف كنت تتوقف وأنت أفضل خلق الله تقول (أشيروا على أيها الناس) ….. صلى عليك الله وسلم وبارك، فقد قلت لنا ( لو تعلمون ما أعلم) ولكنا والله لا نعلم ولن نعلم ما تعلم. فالفكرة لا تكاد تتولد من خيالنا حتى نوزعها على العالمين، ونوجه عامة الأمة لما تراه سرعة بديهتنا..! دون استشارة ولا استخارة ولا تضرع ولا التجاء إلى الله طلباً للرشد والسلامة في هذا الدور الخطير.
يسمع الرجل قصة تزعجه من أحد القصاصين أو النقالين والنمامين أو تحلو له خاطرة أو فكرة وهو في طريقه إلى منبر ما من المنابر المختلفة، فيعلو المنبر ويبث أوجاعه أو أوهامه في وجه الأمة والشباب ليترجَم كلامه إلى عمل أو فكر يؤثر في مسيرة أمة ونشاط دعوة ، دون أن تعرض هذه المشاركة الاجتهادية العشوائية المجانية على أهل الخبرة والاختصاص والعلم، وقبل أن تمر في أي مرحلة من مراحل النضج والتريث، بل تصدر وعليها أصباغ من الثقة بالنفس والوصاية على الدين والإلزام بها والإسقاط لما يخالفها، عارية من لباس الخوف والمراقبة، سليمةً من تردد الراسخين، وقد طغت عليها روائح الفردية والارتجال.
لقد تسارع كثيرون إلى مسامع الأمة يسطرون في الوسائل الإعلامية المتيسرة ما يحلو لهم وما يدور في بواطنهم ، وما اجتهدوا ولا صبروا ولا استشاروا ولا استخاروا، ينقلون الفتاوى والآراء ويدافعون عنها وما تثبتوا منها ولا بحثوا فيها، ويرفع آخرون ألويةً ويحتكرون شعاراتٍ ومفاهيم، ويقتحمون قضايا تحدد مصير الأمة، وتتزايد في كل يوم المواقع والصحف والكتب يمتطيها البعض ليصلوا إلى أخطر المراكز عند الله تعالى فيزجون أنفسهم بها وقد بدت على محياهم نشوة الوصول الذي قد يكون على شفا العذاب والعياذ بالله والعياذ بالله والعياذ بالله.
معاذ الله أن أقصد من ذلك أن نتغافل عما أوجبه الله من فروض الفتوى والاجتهاد والعمل.. لكن معاذ الله أن نستسيغ اقتحام هذه المهمات العظام من غير أبوابها وأخذ من لا يحق له بزمامها، خصوصاً عندما تشتبه المطالب ( فالواقع في حمى المشتبهات – كما يقول الشاطبي – هو المخصوم، والواقف دونها هو الراسخ المعصوم، وإنما العار والشنار على من اقتحم المناهي فأوردته النار).
والأدهى من ذلك والأخفى منه أن يعمل هؤلاء القابعون على مقاعد إدارة الدعوة في بعضهم البعض على سمع العالم، يريد كل منهم إيقاف الآخر، ويخطط ويمكر ويحتال في سبيل النيل من الآخرين والتقاط الهفوات والسقطات، ويمارس كل منهم خبرته في الإدارة والقيادة على إخوته، وتضيق نفسك ولا ينطلق لسانك حيث تشاهد في التعامل بين هؤلاء وهؤلاء بروتوكولات واسترتيجيات وحتى مثل المعاهدات التي لا تخلو من السجال وسبر نتائج المناورات فحسبي الله ونعم الوكيل، فقد لا تكون الخلافات متعدية الإطار الظني والاجتهادي.
اعذروني فلن أشارك... وإن لم تعذروني فاعزلوني واتركوني ...فهي حياة واحدة لا تحتمل التجريب والمجازفة.
لن أشارك في كثير من حواراتكم وسهراتكم، سدد الله خطاكم وحماكم وأعدكم بالدعاء لكم.
وإنني أجد إذ أترك ساحات النـزاع والنـزال وساحات أخرى لا أتقنها، ساحات أخرى واسعةً من عمل الخير والدعوة قد خلت أو كادت، وإنجاز واحد فيها خير من حمر النعم، فأسأل الله أن لا يعاقبنا فيلبسنا شيعاً ويذيق بعضنا بأس بعض.
فاعذروني... ومن دعواتكم لا تنسوني.. والسلام عليكم ورحمة الله.
محمد الحارث
3/1/ 2005 |