مصطلح السلفية بين التعميم والإختطاف
مصطلح السلفية بين التعميم والاختطاف
مصطلح السلفية من المصطلحات التي يكثر تردادها اليوم بين الناس بعامة والنخب السياسية والمثقفة بخاصة بل حتى الدوائر الغربية توليها مزيدا من الاهتمام وذلك ناتج من الربط الخاطئ بين السلفية وكثير من "أعمال العنف " التي نعايشها .
ومع كثرة تكرار هذا المصطلح إلا أن مفهومه ملتبس على كثير من الباحثين بل وكثير من " السلفيين الجدد" إذا صح التعبير ، لأسباب متعددة من أهمها ندرة الكتابات المنهجية في تأصيل هذا المفهوم بشموله المعرفي من أتباع المنهج السلفي و الكتابات السطحية لكثير من الباحثين دون تعمق وبحث في الفكر السلفي .
فكثير من الباحثين حين يستعرض الحركات والجماعات السلفية يلجأ إلى التقسيم التالي : السلفية الإصلاحية ( الأفغاني ومحمد عبده )، السلفية الوطنية ( علال الفاسي ) ، السلفية الجهادية ( السنوسية والمهدوية ) ، وفي العصر الحاضر يمثل للسلفية الجهادية بالجماعة الإسلامية والجهاد بمصر ، وجهيمان في السعودية وحركة أبو يعلى بالجزائر ومن ثم تنظيم القاعدة وللسلفية الإصلاحية بالدعاة في السعودية وجبهة الإنقاذ بالجزائر وهناك السلفية التقليدية ويقصدون بها العلماء السلفيين المنشغلين بالعلم والدعوة دون تصادم مع الأنظمة القائمة .
وهذا التقرير والتقسيم مجانب للصواب وذلك أن السلفية ذات مضمون محدد وواضح لكن إذا جهله بعض الناس أو أطلقوه على غير محله فهذه مشكلتهم وليست مشكلة المصطلح .
والسلفية هي التزام فهم الصحابة والتابعين لأصول الدين والتزام طريقتهم في فهم النصوص الشرعية ومنهج الاجتهاد عموما وإن خالف ما قرره الصحابة والتابعين لجهل بالمسألة أو تأويل .
فهذا هو مفهوم السلفية الشرعي لكن درج المفكرون المعاصرون والمترجمون غير المختصين على إطلاق مصطلح السلفية على مجموعتين :
المجموعة الأولي : كل تيار أو جماعة تتمسك بالمنابع الفكرية الخاصة بها فتراهم يطلقون مصطلحات مثل السلفية اليهودية والماركسية وغيرها .
ولذلك حين درس هؤلاء تاريخ بعض الشخصيات و الحركات الإسلامية وجدوها ترفض ترك الدين و الانجرار خلف المدنية الغربية أو الانصهار في ثقافة المحتل فأطلقوا عليها مصطلح شخصيات سلفية أو حركات سلفية . وهذا لا يصح فمثلا ً الأفغاني ومحمد عبده فإنهم لم يكونوا على معتقد السلف أو طريقتهم فالأفغاني الراجح أنه شيعي ! وعبده كان عقلانيا وبعضهم يجعله في طرف المحتل وكذلك المهدوية هي حركة صوفية غلت حتى ادعت العصمة لمؤسسها الذي كفر كل من أنكر مهديته .
فكيف يصح أن يطلق على هؤلاء اسم السلفية وهم يخالفون معتقد السلف وطريقتهم في فهم الدين ؟ وهم أيضا كانوا على خلاف مع العلماء السلفيين المعاصرين لهم ؟ فهذا من تعميم مصطلح السلفية .
ونوع آخر من التعميم وهو إذا تشابه موقف أو قناعة تيار أو مصلح في قضية بعينها مع المنهج السلفي أدخله البعض في مسمى السلفية فتراهم يقولون " سلفية البنا وسلفية المودودي .... وهذا لا يصح لأن للبنا و المودودي منهجا مستقلا يلتقي مع السلفية في محاور أساسية ولكنه يخالفها في محاور أخرى أساسية تنقض إطلاق مسمى السلفية على من أخذ بها .
المجموعة الثانية : التيارات " الجهادية " التي تستقي فكرها من كتابات لشخصيات سلفية تاريخية مع القطيعة للرموز المعاصرة التي تنتمي لهذه الشخصيات، وهذه التيارات غالبا ما كانت نشأتها منفصلة تماما عن التيار السلفي المعاصر لها في بلدها ، بل هي جزء من حركات تعادي السلفية لكن لما وجدت أن قياداتها ترفض " الجهاد " لجأت لمقولات سلفية اجتزأتها عن سياقها من جهة ولم تتبنى بقية المنظومة الفكرية لها في أبواب الشريعة الأخرى ، ولذلك تجد هذه الجماعات الجهادية لا تعرف من السلفية إلا البراء من الحكام والطواغيت السياسيين وليس لهم اهتمام يذكر بأصل التوحيد وهو إفراد الله بالعبادة فتجد أن مسائل الشرك والبدع لا وجود للحديث عنها غالبا عندهم إن لم يقعوا فيها . ومع ذلك تجدهم يعتبرون أنفسهم السلفيون فقط ومن رفض قولهم من العلماء السلفيين الذين أوصلوا لهم منهج السلف لما بلغوا سن التكليف أو تابوا من فسقهم فإنهم ينبذونهم بألقاب بشعة . وهذا من خطف مصطلح السلفية .
ونوع آخر من الخطف لمصطلح السلفية هو قصر السلفية على من تبنى مسائل محددة مما كثر فيه الجدال مؤخرا . وكأن السلفية تحولت من منهج للفهم والعمل إلى مذهب محدود في قضايا مقننة .
وعليه فإن مصطلح السلفية يطلق ويراد به معنيان :
الأول : وهو المعني الشرعي الدقيق الذي يطلق على كل من التزم فهم الصحابة والتابعين لأصول الدين والتزام طريقتهم في فهم النصوص الشرعية ومنهج الاجتهاد عموما وإن خالف ما قرره الصحابة والتابعين لجهل بالمسألة أو تأويل . وهؤلاء لهم أعلام معروفة لا تخفي و لا تنقطع في كل عصر ومصر فمن سار في ركابهم فهو السلفي على الحقيقة .
الثاني : وهو معنى عام يقصد به كل المسلمين الذين يتمسكون بما يعرفونه أو يظنونه حقيقة الإسلام ضد دعوات التغريب و نبذ الدين . ويستخدمه أهل الإعلام والساسة .
إن الباحث المنصف الذي يريد أن يستعرض الحركات السلفية القديم والمعاصرة لابد له من أن يعرف القضايا الكبرى التي يقوم عليها المنهج السلفي وهي :
1. الدعوة للتوحيد ومحاربة الشرك والوثنية والخرافة .
2. الإقتداء والتأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام ونبذ البدع .
3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
4. نشر العلم ومحاربة الجهل .
5. تزكية النفس بالأخلاق النبوية .
وبعد معرفة هذه القضايا يبحث عن الجماعات والحركات التي تنهض فعلا ً بهذه الأسس فتكون هي الجماعات والحركات السلفية المعاصرة ، وليس من أخذ بجزئية من المنهج السلفي ، أو إدعاها زورا وبهتانا ً . |