السلام عليكم
بداية احب ان ادعو لكم بالتوفيق و الثبات لكم ولنا على طريق الهدى ان شاء الله اليكم مشاركتي بعنوان (حيث بقي طفلا):
هي لحظات عاشها الزمان في ماضيه القريب. بعض الناس نسي الماضي البعيد وبعضهم
نسي الماضي القريب, وبعضهم المنسيّ الذي نسي الماضي الجديد.
كنا ذات يوم نتمشّى في مدن و ارياف الماضي القريب, فكنا نشاهد مناظر غريبة ما
عهدناها من قبل . كنا نشاهد في بعض الاوقات عظمة الجهل في نفوسنا وحقد الغباء
علينا. كنا نشاهد كم من صفحة في حياتنا طويت دون ان نقرأ كلماتها. كنا في ذاك
الماضي هكذا ولا زلنا في الماضي الجديد هكذا.
سرنا مطوّلا في المدن, منها المضيء ومنها المعتم, وكلها تتحدّث عن زمن واحد.
سرنا واللامبالاة تعمينا وسرنا ففتحت المفاجأة عيوننا. في اول نظرة لي رايت في
زاوية الشارع الخالي شجرة بالية مريضة. اقتربت منها فسمعت صوت الموت يتحدث
فيها, سمعت الوريقات اليابسة الصفراء تخاطب بعضها بعضا وتقول احداها: -هل تذكرين اول شخص سقى ترابنا؟ فترد الثانية:- لا اذكر فقد رحل فتكرر الاولى :-رحل ولكنك تذكرينه؟ فتجيبها:-انا انسى من نسيني دون ان اسال عن اسباب فاصمتي يا صديقتي وعودي
لسباتك
فاشتعل الحوار بين الوريقات وساد الضجيج تلك الناحية من الشارع. واذ هو الواقع
يقف متأملا ضاحكا. وتحوّلت عينا الوقع عن الناعسة وحدّق فيّ مليّا ثم اقترب
شيئا فشيئا واعطاني كتابا سميكا كثير الصفحات وقال:
هذا هو كتابك. ورحل .
ففتحت الكتاب سريعا وسرت بين الصفحات فكانت كلها فارغة ناصعة الا الاخيرة التي
كتب فيها :
اضحكي , اضحكي من الحياة فقد هجرتك انت و من معك اضحكي فكل تلك الورقات التي
قلّبتها خالية الا من اللامنظور, فان رايت ما هو غير منظور فلا تضحكي بعد, بل
ابكي انت و من معك .
اغلقت الكتاب عندها وما فهمت شيئا فيه حاولت ان افهم المقصودولكني وجدت الكلام
صغير التعبير .
اتى الليل واشباحه الى المدينة وغطّى جوانب الضوء وسوّى المهد لضجيج النهار
وبدأ بتحضير سهرة التخيّلات و التأمّلات. كنت عندها وحيدة اجلس على احد مقاعد
الشارع المخيف فاذ بي ارى ظلّ احدهم. كان طفلا صغيرا.... اتي ليجلس بقربي, اتى
لينتشلني من وحدة وضعي ومن وحشة ما حولي.... اتى وحيدا ولعلّه كان قبل ان ياتي
وحيدا.
قال لي: من اين اتيتِ ولماذا؟
فقلت: اتيت من الماضي الجديد لاستطلع صفحات تاريخكم, اليس من احد سواك يقيم
هنا ؟
فاجاب بنظرة غاضبة : انا وجميع اخواني نقيم هنا, انا وجميع الضحايا نسكن هنا,
اولم تقرأي اليافطة عندما دخلت هذا الشارع ؟
فقلت: بلى, كانت يافطة تقول ( عالم الطفولة) ولكن ايّ شيء يحدث عن الاطفال هنا
سواك ؟ فالمتاجر لا تحوي العابا, والصباح لم يحو ضحكات الامل ولا الاحلام
البريئة. والغروب لم يحمل معاني الهدوء الجميل بل حمل كل معنى للوداع المحرق
والتشتت. والليل ها هو قد اتى, ولست انظر احدا سوى نفسي التائهة , لا ادري اين
خط النهاية ولا اين ما كانت تقوله يافطة الشارع.....
ومرّت الثواني وشردت الروح ودمعت العين في جسد ذاك الطفل. نظر اليّ وانا في
غفلة, نظر اليّ و كنت اصوغ كلمات التفاهة ,نظر اليّ وظلم الناس كان يمحو خطوات
العودة... عندها فكّرت للمرّة الاولى في نظرته اليّ... وكأنّ النظرة كانت قلما
خطّ الوان الحزن على وجهي, ورسم اطياف التعاسة و المأساة في دروبي القادمة.
نظرته الي ذكّرتني بشيء لم اعشه من قبل , ذكّرتني بالمجهول وبذكرى لم تمر معي
ولم اسمع بها!
بماذا تراها ذكّرتني تلك الآلام بقلب البراءة او ذاك الهم على اكتاف البراعم ؟
بماذا ذكّرتني الامطار من سماء صافية سوداء ؟ بماذا ذكّرتني تلك المساحة
المليئة بأشجان الحياة ؟ كل ما اعرفه انه نظر اليّ فقتلني في داخلي . رفع راسه ناظرا الى السماء فقال انشودة طفولة الازمنة جميعا انشودة الماضي
الموحّد قال:
انظري النجم بعيدا انه يحدث بمدى شوقي لامي و ابي
انظري السماء المرصعة بقناديل تشهد على لحظة موتي
انظري القمر هناك يحدّثك عن جمال حياتك ويحدثني عن حقيقة الجمال والناس هناك خلف ستائر الظلمة لن تعرفيهم فان صفحة ماضيك بيضاء اليس كذلك ؟ هي
بيضاء لا ظلمة فيها
هنالك الاخيلة في تلك الغابة, كنت منذ قليل احادثها عن الرعب والخوف و عن
اطمئناني في احضانها
سيري معي الى حيث مخلدات العصور, سيري معي الى حيث قبور هذا الدهر و ذاك .....
انظري الى عالمي وعودي وحدثي بمختلجات مشاعري, او سيري معي هنا واستعجلي زمانك
فنهايتك هنا في منزلي
سيري معي والليل يؤينا واشباحه تحمينا
سيري معي حيث الرعب بات صديقا والضوء صار عدوا
سانديني في هذه اللحظة الجميلة سانديني.............
عانقي الليل الحالك, قبلي غموضه واغفي في احضان ذهوله
احملي اجنحة الدماء وحلّقي بها فوق ماضيك ودعي القطرات تدمع من عيون طائرك
الذبيح دعي هذه القطرات تملا صفحاتك البيضاء
اجعلي الحياة اسيرة تحرقاتك, اجعليها خضوعا لتاملاتك وصفحة قرأتها وصححتها اهمسي في عمق الاودية سّرك, ستتناقله الاشجار والعصافير والهضاب والصخور
الصامدة اهمسي سرّك ولا تخافي فهو ليس سرّا منذ ان انجبته هو حقيقة تعيشينها في
ظل الصفحة البيضاء
اسبحي في هذا البحر و خافي منه ,خافي موجه العاتي و حاربي هوله هاجمي اسد الغاب وعاني الموت من ارهابه, عاني الموت وقولي لي بعدها كيف صارت
صفحاتك ؟
فقلت له متسائلة :
كيف عرفت عن الصفحات البيض ومن قال لك انها لي ؟ لا هي ليست لي ! بل صفحاتي
غنتها قيثارة المساء وحاكتها انامل الاقمار والنجوم
صفحاتي أنشدها الغدير في الحقول وحاكاها النسيم عند الذبول
صفحاتي لَّونتها اشعّة الشمس وادفأت معانيها
صفحاتي ليست من صنعي انا بل ابتكرتها مواقع الجمال في الحياة. فصمتُّّ حينها ولم اعرف لصمتي اسباب, ولكن الولد الصغير, طفل هذا الشارع لم يصمت
بل فرد ضحكته على مساوىء الحقيقة وشدّ نظره بعيدا وقال بصمته : كم انت حمقاء!
ثم نهض واختفى .
فما كان مني الا ان قرّرت العودة الى زمني و اغلاق باب لطالما كان مغلقا قبل
اليوم.
ركضت الى داري حيث الالعاب وصيحات الطفولة وبهجة التطور والتقدم وحضنت كتاب
القصص العتيق وقرأت صفحات عمري الكاذبة من جديد.
وفي يوم من الازمنة الآتية, نزلت في زيارة هي نفس الزيارة الاولى ,الى نفس
المكان.
كنت قد كبرت و كما يقول البعض صرت بحاجة لخوض المغامرات واكتشاف الحياة كما هي.
و لكن حياتي لم تكن في الماضي القريب بل في ماضي اليوم فكيف عساني اتعلم واوسع
معرفتي في عالم ليس لي ؟
رغم ذلك كله نزلت على درج ذاك الماضي ووصلت الى اول
درجة حيث انفلت الشارع القديم امامي. فاذ بي ارى الشجرة الميتة مجددا واحاول
تذكّر الحوار الذي دار بين وريقاتها فلا استطيع .واقتربت منها فوجدت الاوراق
العفنة وقعت ارضا , ماتت الكلمة فيها . وقلت بحزن واسف :
اين من كان يسقيك ايتها الشجرة ؟ اتراه اراد لك هذا المصير ام حتّم عليه مصيره
البعد عنك ؟اتراه اليوم سمع آخر كلماتك ام هو اول صديق زرعك سمع نداك ؟ وفجاة سمعت صوتا يقاطعني فنظرت حولي ولم ار احدا. خفت واردت العودة ولكن كانت
الذكرى غامضة ودفعتني الى الامام واجبرتني على الوصول الى المقعد الخالي حيث
طوى الليل صفحات النهار وقعد متأملا في نفسه. هنا نزلت الغربة زائرا عندي و
اسمعتني بعضا من اقوالها :
تعالي يا تلك الشجرة اذكري معي اول دمعة ذرفتها عند قدميك, شربتها بسعادة و
طلبت المزيد... فأعطيتك وسقيتك مرارة دمعي. وانت يا زهرتي الحمراء اتذكرين طعم
الدم من جرحي, اتذكرين لذة تكسري ؟ وانت يا عظيمة في الدهور, اخبريني اول قصة
عندما مرضت لشدة حرارتك وحدثني يا ذاك الشتاء, اخبرني اول قصة عندما مرضت لشدةبرودتك .... تقتلني حرارتك و يقتلني بردك, تقتلني هذه الاحاسيس اللعينة و لكم
ارغب بطعنها بسكين اللقيا ,ارغب بتمزيقها وبحرقها وبتشتيت عباراتها! يا ايّها
النهار كنت واضحا و لم يلقني وضوحك درس الكتابة والتسطير,
و يا ايّها الليل لم أخفيت عني هذه اللحظة و محوتها من صفحاتي ؟
فأسكتّ الغربة ولم أرد سماع المزيد لانني لست بحاجة لمشاعر الشوق بل انا بحاجة
لمشاعر التجديد والتغيير .هكذا علّمونا, ان ناخذ ما يفيدنا من تراثنا الغالي
وننسى ما يضيّع فهمنا, ونعيش يومنا ونطمح لغدنا! هكذ1 كانت تعاليمهم ورغباتهم
التي جسّدوها فينا ومحوا بأثرها الكلمات من صفحات دهورنا, فجعلوها بيضاء كأبيض
نفوسنا.... محوا الكلمات بأرواحهم فباتت حالكة, نراها سوداء ولكننا لا نعرف
بدايتها او نهايتها... لا نعرف محتوياتها ,فهي ربما كالبحر تخفي اللؤلؤ و
المرجان وهي ربما كشيء آخر اخفوه عنا.
وفي حصيلة ما علّمونا, ان نصعد الى قمة المعارف ونتأرجح في سهول العلم
والاكتساب علّمونا اخذ الجيد من الماضي وترك ما هو سيّء. علّمونا هذا و لكنهم
نسوا انهم يكرّرون الماضي بنفس صوره او بصور اقبح, يكرّرونه اليوم وغدا و في
الامس وفي كل ساعات الطيش وكل آلام التعرف والتفهم و إدراك ما كان خفيّ .
علّمونا العبارات و الكلمات ولم يعلّمونا الاحاسيس و المشاعر... لم يسمحوا لنا
برؤية الصور البشعة التي رسمها فنانوهم لمستقبلنا فكذلك اخفوا عنا آثارهم
الفكرية العظيمة ...
يا ذاك الطفل, طفل الامس الجميل, يا طفل المحبّة والحياة وصدق الكلام والعبارة,
يا جمال الفعل وسموّ النتائج, ويا زهرة الحديقة الساكنة في اعماق الجنة, يا
احلى وأرقّ نسمة وصلت الي ... وانت يا غربة, تعالي عندي واسقي شتلاتي بدموع
هزيمتك, باركي الارض بأريج نزفك, انتشليني من يومي و عصري ومن هذا العزّ
الكاذب, اجعلي كبريائي ضدّهم وليس ضد الحقيقة الساطعة... اجعليني بسمة على شفاه
طفل الشارع القديم ,طفل الشارع القتيل, طفل الدمعة المتكلّمة والصمت المرعب
والاحزان و المآسي والحرمان ...طفل يتغنّى بدماء الحروب ويتمشّى بين القبور
,يحمل رفات نفوسنا بين ايديه ,يشمت منها ويعود ليتطهّر بأنفاس روحه....يعود
ليكون نقطة النهاية في صفحاتي البيضاء ونقطة البداية في جحيمه الاسود ,هناك
حيث بقي طفلا ..........