أخواني و أخواتي
هذا مقال نشرته قبل فترة تفاعلا مع قضية الرسوم و سلاح المقاطعة
و قد كان حزني عميقا عندما كانت ردود الافعال لا تقودها المؤسسات العلمية و الهيئات الاستراتيجية
و قد تركت الادارة للقوى الشعبية لتحدد كل أبعادها
و بعد أن عقد المؤتمر
و بعد أن صدر بيان شركة لارا
استبشرت كثيرا بالعواقب حيث تكون العقلانية سيدة الموقف
و الحقيقة
أنني تعرضت لهجمة شديدة بعد هذا المقال
و قد اتهموني في ديني ووجدوا في اقامتي الطويلة في امريكا ذريعة لالقاء التهم
فسامحهم الله
و الشكر لعلمائنا الأفاضل
أترككم مع المقال
تحياتي
علي الحمدان
نبراسكا الأمريكية
لقد كان العالم الاسلامي خلال أيامه الماضية مع موعد تلقى فيه صفعة لم يحتملها ,آذت مشاعره ,و هزت عواطفه, من جريدة دانمركية مشهورة. كانت الاساءة تجاه رمز الاسلام الأعظم, ذلك النبي الذي قد بعث رحمة للعالمين ليهدي البشرية الى الصراط المستقيم. وقد رأى المسلمون أن هذه اهانة لا تقبل. و لذلك أجمعت قوى العالم الاسلامي باختلاف أطيافيها في اتحاد نادر على استنكار ما جرى. وهذا ان دل على شيء فانه يدل على محبة سيدنا المصطفى صلى الله عليه و سلم في نفوسنا مهما بلغت اختلافاتنا.
لكن ردود الأفعال تجاه هذا التصرف كانت محل جدل و نقاش في العالم كله و على كافة المستويات. وقد كنا في الفترة الماضية في الولايات المتحدة الأمريكية نتابع تغطية وسائل الاعلام لهذه القضية. ومن خلال ذلك نحلل مشاركات المسؤولين و العامة و نقرأ الرسائل التي تضمنتها. وفي نفس الوقت نهتم بتغطية الصحف العربية حول القضية التي شغلت الشارع.
لن أتوقف كثيرا لأتحدث عن استخدام العنف لمواجهة الاعتداء. فموقف عامة المسلمين هو استنكار ما حدث لمخالفته بديهيات الشريعة الاسلامية. ولكن أحب أن أنبه الى حقيقة مهمة حول ردود أفعال الأمريكيين تجاه أي عنف مستخدم. لقد كانت رسائل ابن لادن و الظواهري و الممارسات المتطرفة ورقة يضخم من قيمتها الاعلام ليبث روح التحدي في نفوس عامتهم حتى تنال الرئاسة مزيدا من الثقة و الدعم. و يخطئ الذين يعتقدون أن بث هذه الممارسات المتطرفة سبيل لتخويف الرئيس بوش و قومه ووسيلة تجبره على انسحاب سياسي و عسكري مبكر من اقليمنا الجريح. كان يجب أن يخرج العرب من تلبيساتم و أن يدركوا أن مقومات التقدم عند أمريكا جعلت شعبها يدرك أنه الأهم و الأرقى. وأن أي تجاوز بسيط يمكن أن يعتبره اهانة تعطل كل القوانين الدولية خصوصا اذا كان من أمة تجاهر لغة الأرقام بضعفها. لقد كانت الانتخابات الأخيرة دليلا على ما ذكرت. فرغم الأرقام التي أثبتت خسائر بوش في تحركاته العسكرية و بعض قراراته المتعلقة بالمصالح المدنية الا أن الشعب قرر أن يدعمه نكاية في ابن لادن و الارهاب و الممارسات المتجاوزة ضد الأمة الأولى. هذا في الوقت نفسه الذي يدرك كل أمريكي أن ادارة بوش قد أخفقت في اثبات وجود أسلحة دمار شامل جرت الجيوش لاستئصالها. والشكر موجه لأصحاب العنف عندما جعلوا أمريكا تغض الطرف عن كذبة زعيمها بارادتها لتحافظ على كبريائها بقوتها. فهل يرى العاقل المسلم أن الوقت قد حان لاستفزاز أمريكا و الغرب لخوض مواجهة مكشوفة تسحق احدى القوتين؟؟
و الحديث الأهم هنا متعلق بردة الفعل الأخرى و هي المقاطعة. وقد يكون فيه سباحة بعكس اتجاه التيار. لكن مقالة الدكتورة ليلى الأحدب قد فتحت بابا لرؤية متعقلة تناقش القرارات العاطفية المحضة. وجهة نظري البسيطة تعتبر سلاح المقاطعة أحدى الوسائل المشروعة التي قد تحقق نتائج مبهرة عندما يحسن استخدامها. لكنه كأي قرار يجب أن يكون مقترنا بظروف معينة حتى يحصل على ثمرته المرجوة. و هو قرار تتخذه الدول المسيطرة لتهلك به الأمم المعتمدة عليها كما يحدثنا بذلك التاريخ. فقد لا يغيب عن ذهنكم مقاطعة قريش لبني هاشم أثناء الفترة المكية و الضرر الذي الحقته بتلك العصبة القليلة العائلة. ومثل ذلك تهديد ثمامة ابن أثال بمقاطعة قريش عندما ألقي القبض عليه و منعوه من أداء العمرة و قد قال قائل من قريش عندما أسروه "و الله إن أصبتموه بسوء قطع قومه عنا الميرة وأماتونا جوعا". و الذي غاب عن بعض علمائنا و ساساتنا معرفتهم بواقع المواجهة .فقد هيئوا لأنفسهم و أنفسنا أننا الأكثر سيطرة رغم تلك التصريحات من بعض المسؤولين الدانمركين التي هونت من تأثير المقاطعة. ولعل ما صدمني هو ذلك التصريح الأخير الذي أثبت أن صادرات الدانمارك للعالم الاسلامي لا تصل الى ثلاثين بالمائة من مجموع ما يصدر للعالم مما يقلل من أهمية تأثير السلاح في مواجهة كهذه. وحتى و ان استخدم السلاح فانه لن يتسبب في تجويع الدانمركيين كما نحلم. ويجب أن نضع في اعتبارنا أن أي ممارسة شرسة قد تهيئ للدانمركيين تحالفات سياسية و اقتصادية -- لم يحلموا بها -- تعوض أي خسائر محتملة و تزيد من كيان التحالف العسكري العالمي الذي ينبش عن الارهاب في بلادنا المسلمة ليبرر انتهاكاته. ومن غير المعقول أن تتراكم أخطاؤنا بأيدينا لتضعنا يوما في صدام مباشر لا تحمد عواقبه ضد دول العالم جميعها. وكما ذكرت أعلاه, ينبغي استيعاب عقلية الشعب الغربي و استخدامها لصالحنا عن طريق حوارات حضارية ثقافية فعالة تسهم في الحصول على تأييده لنتشارك جميعا لنصرة قضايانا. أما استفزاز القوي فانه يبرر له استخدام بطشه لحسم المواجهة و في الجولة الأولى.
و استخدام سلاح المقاطعة متعلق بأمر آخر. فهو يحتاج الى متمرسين مؤهلين يحسنون استخدامه و يطيقون الفترة الطويلة التي يحتاجها حتى يؤتي أكله و يحقق الغاية. ولعله غاب أيضا عن قادة المقاطعة ضعف شعوبهم و قلة صمودهم كما يحدثنا واقعهم. فشعوبنا للأسف تحسن التفاعل المؤقت مع ردود الأفعال و يندر أن صمدت في تحقيق أهداف و مشاريع طويلة المدى. وهذه الانهزامات المبكرة و تراكماتها لها تأثيرها الخطير في المستقبل. ويمكن أن نعقد مباحث تتكلم عن تلك الآثار النفسية عند المسلم المريض و التي تشكلت عن تراكم تلك القرارات الخاطئة التي أثبتت فشلها مع الأيام. واللوم على بعض العلماء و أصحاب القرار عندما بدؤا بصرف تلك المسكنات ذات النتائج العكسية على المدى الطويل دون أن يدخلوا المريض في برنامج طويل المدى لحل بعض العقد وقد أصبحت قاتلة. لذلك يجب تحري العلم قبل تفعيل قرارات تزيد من جراحاتنا حتى لا تصل الى مرحلة يتعذر علاجها.
قد ينطلق بعض علمائمنا مما لا نشك في اخلاصهم من منطلق خاطئ يبرر هذه القرارات. فالغرب - من وجهة نظرهم - يجب أن يعرف أننا أمة لا تقبل الاهانة. وقد اعتقدوا أن الغرب ينظر بمنظارهم الضيق للأحداث. وما علموا أن الأمة المتقدمة تعتمد على رؤية كاملة شاملة لأمة استبيحت أراضيها و أريقت دماؤها و أثبتت فشلها في الدفاع عن أبسط حقوقها.وهذه حقيقة مرة. فهذا الموقف لن يغير كثيرا من تلك الصورة السيئة. فتاريخنا القريب لم يساهم في رسم صورة مختلفة يراها الجميع على الواقع. وأمة لا تحترم نفسها لن تحظى باحترام الانسان الغربي و لا بقره. فمن العيب علينا أن نفضح أنفسنا و ضعفنا أمام العالم كله. ولعل دموعي لا تصمد هنا عندما تمضي أيام قليلة و ينسى الشارع المسلم غضبه - ممارسا عادته - لتضعنا أمام نتيجة مؤسفة : عندما تهزم زبدة لورباك لوحدها حب محمد في قلوب أتباعه مجتمعين لتكشف حقيقتنا -- كما يعرفها الغرب -- أمة منافقة تقول مالا تفعل.
ان صرخة شابة لا تريد أن تتعقد أمور أمتها أكثر. ولا تريد لخسائرنا المستمرة بأيدينا أن تعقد من خطواتنا الاصلاحية. أخشى من ذلك اليوم الذي نضطر فيه للترويج لعقيدة الارجاء عندما تخرج أعمالنا عن امكانية التصحيح و المراجعة لفسادها كليا. وقد يضطر المصلحون يومها لاخراج العمل من دائرة الايمان حتى تنتهي عقدة أعمالنا الخاطئة في نفس مسلمنا المريض. فالطبيب قد يجبر على الكذب أحيانا عندما يهون من مرض خطير. وهذه سبيل نهون من خلالها أي خسائر متراكمة لأعمال لم تخلق لتصمد حتى لا نخسر المسلم يوما. وقد يكون تقصير العلماء في توظيف طاقات الأمة في مشاريع تهتم بالفعل لا بردة الفعل مستقبلا كما هو الآن مبرر آخر للترويج لعقيدة فاسدة. وعندها نصيح "وا اسلاماه".
أكتب كل هذا الكلام و أنا أستمع لحوار اذاعي يناقش أثر المقاطعة الاسلامية. و يأتي اتصال من أحدهم ليستهزئ بقدرتنا على الصمود قائلا: "وهل نسيت مقاطعتهم لمنتجاتنا الأمريكية فترة من الزمن, وماهي النتيجة الآن؟؟؟ هو مجرد تفاعل مؤقت يخرجهم من حياة بائسة"
فهل من أمة تعي و تثبت قدرتها على أرض الواقع!!!
تحياتي
علي الحمدان
نبراسكا الأمريكية
06/14/02