هم على هم
( هم على هم ) عنوان معبر اختاره أخونا الحبيب أبو جهاد حسين الزومي من ( باجل ) في
اليمن لتعليقته الجميلة حول التخطيط للمستقبل .
أخي حسين : طرحك متميز ... فلا تقنع بما دون النجوم .<p align="center"><font color="red">*****</font></p><p align="left"><font color="green">(المشرف على النافذة)</font></p><p align="justify">{مداخلة جزئية محورية على ما خطه شيخنا العلامة أبو معاذ العودة بعنوان (قراءة في هموم العمل الإسلامي)}<p align="center"><font color="green">هم على هم ..(التخطيط المستقبلي)</font></p><p align="justify">لا زالت مخيلتي تتردد بين أمجاد للمسلمين كانت وبين واقع مؤلم عاشته أمتنا .. لقد سقطنا في انحطاط حضاري فظيع كان المولود الوحيد للعقود القليلة السابقة .. فلم يكن إلافاجراً كفاراً .. فقد كنا ( بلا وعي ) .. وأصبحنا نسير ضمن ( وعي منظم ) ! لم يرد منه إلا قذفنا في السافلة .
تسير أفكارنا وأشخاصنا كالدمى .. في لعبة عظيمة .. كلعبة ( مايلز كوبلاند ) .. أو أحجار ( وليم كار ) .. ونقع ضحية في فخ نصبه ( تاجر البندقية ) .
لكن المشكلة في حد ذاتها ليست هنا .. المشكلة استمراؤنا لهذا الغزو الحضاري الرهيب .. الذي استطاع أن يطمس الكثير من معالم الشخصية الإسلامية .. وتوزيع هوية الفرد إلى انتماءات وولاءات عقيمة ، جرتنا إلى ويلات وتلقينا بسببها صفعات متكررة .. ووضعتنا في دوامة يسحق بعضنا بعضاً فيها .
وهانحن بدأنا نفيق ونصحو .. وكانت ( العودة ) في ظل الصدمة تحمل الكثير من ( الفوضوية ) .. ومع فرحنا واستبشارنا إلا أننا نظل في خوف ! لا على قتلها ووأدها .. لا ، فهي قد أصبحت من القوة بمكان بحيث لا يستطيع أحد إيقاف مدها .. ولكن بسبب التمدد اللامنهجي ، والدعوة السطحية التي تصل في بعض الأحيان إلى ( كن في صفي وستدخل الجنة ! ) .. وهذا باب عليه فروع طويلة .. ولكن لعل من أهم ما نعاني منه حالياً نقصنا في دراسة الأحوال المستقبلية .. والاستعداد لما قد يواجهنا من أوضاع ربما لا نستطيع حلها في وقتتها .. وتبقى مهمتنا هي
( إطفاء الحرائق ) هنا وهناك ..وهذا داء عضال أصيبت به الحركة الإسلامية .. مع أن التيارات الوافدة تدرس وتخطط ، وتعمل في الخفاء للوصول لمآربها بأسهل طريق .. وليس ذلك فحسب ، بل إن هناك في الغرب العديد من المعاهد المتخصصة والمراكز التي تهتم بدراسة أوضاع ( الشرق الأوسط )... وسأضع هنا النقاط التي جعلت ( الحركة الإسلامية ) تتأخر في عملية ( التخطيط ) والإعداد في حل قضايا الأمة، وسيقتصر حديثي بذكر الأسباب المفضية للتقهقر في باب (التخطيط المستقبلي) للقضايا الراهنة التي تعصف بأمتنا الاسلامية ..والرؤية الواهنة الضبابية لما (بعد ذلك)!..وهو شيء من فقه (الكارثة ).. وهذه الأسباب الخاصة -بغض النظر عن الأسباب العامة - هي الأهم من وجهة نظري :-
( أ ) الاهتمام بالمشاكل الذاتية التي تواجه الجماعة الإسلامية من الداخل .. فكم قد ضربت الحركة الإسلامية عدة ضربات، أحياناً تكون قوية ومتلاحقة .. مما حدا بالحركة ورجالاتها الالتفات إلى (الآني ) ، ومحاولة إيجاد مخارج سريعة لا تعدو وقتها .. ولذلك فقد تعلمنا كثيراً كيف نحافظ على أن نكون ( رجال الموقف ) .. لكننا لم نفكر في أن نكون رجال ( ما بعد الموقف ) .. ونكمل المسار من نقطة ( الوقوف ) لا من نقطة ( البداية ) !
بل إننا في كثير من الأحيان نختلق ( الموقف ) بأيدينا ونقع ضحية له ، لأن القرارات التي اتخذت كانت جزافية وغير مدروسة .
وقد استطاع الغرب أن يحدث فجوة بين الدولة وبين الشعب ، واختلق الأزمات الاقتصادية ، والأزمات السياسية ، والنعرات العصبية ، وفتح ملفات ما يسمى بـ (الإرهاب الدولي والتطرف الديني ) .
مما جعل الحركات الإسلامية تنهك في المواجهة ، ومحاولة تثبيت القدم في الميدان .. وتنشغل عما سوى ذلك .
(ب) عدم توفر المعلومات الصحيحة .. فحتى تكون النتيجة سليمة لا بد أن تبنى على أساس سليم .. فمع أننا في عصر ( الثورة المعلوماتية ) الضخمة ، (والقرية ) المزعومة ، إلا أننا مغيبين تماماً عن كثير من حقائق الأمور وبواطنها ، فـ ( اليهودي العالمي ) قد سيطر على جل وسائل الإعلام ووكالات الأنباء .
والحركة الإسلامية ينقصها الكثير من الكفاءات .. والقدرات التي تراقب الأحداث عن كثب ، وتطلع على ما وراء الستار فتكشفه عياناً للأمة .. ويلزم من ذلك وجود ترابط بين الجماعات الإسلامية نفسها حتى نصل إلى المستوى الأفضل لنتائج الدراسات .. وتبادل المعلومات فيما بينها (( ليأخذوا حذرهم)) وربما أحياناً (( أو انفروا جميعاً ))
(ج) قصور المفاهيم عند بعض الأفراد ، وربما بعض الجماعات عن حقيقة التغيير ومتطلباته .. فيغفلون قضايا هي من لب قضايا المنهج الإسلامي ،
كـ ( معرفة سبيل المجرمين ) ودراسة واقع أصحاب التيارات الفاسدة ، وهذا الأمر كان من المسلمات التي لا ينازع فيها ..فوقعوا في ( علمنة ) فكرية فاضحة .
كان مؤداها نفور طائفة ليست بالقليلة إلى العكوف على دراسة العلوم الشرعية ، والغفلة عن الواقع الحركي والمنهج التغييري المأخوذ من هذه العلوم .
( د ) التفكك بين الجماعات العاملة بحقل الدعوة .. فاستقلالية الجماعة وتفردها أصبح شعاراً تقف عنده الدعوة ، ولا تنطلق للتعاون ووضع اليد مع الجماعات الإسلامية الأخرى .. وانحصر اهتمامها بتنمية الداخل كالدائرة الحلزونية التي تلف حول نفسها،ولا مجال للانفتاح وترك التقوقع حول الذات ..والتحزب المقيت له صور شتى ، فربما تكون هناك ( حزبية ) الحزب .. أو حزبية ( الفكرة ) .. أو حزبية ( الوسيلة )! .. وقد كان المطلوب أن يقفوا جميعاً في مواجهة المد ( الكفري ) .. ورسم سياسة مستقبلية لتكثيف الطرح الإسلامي ..
(هـ) عقدة ( المغلوب ) ما زالت هي السائدة .. فما زال الخطاب من منطق ( الدفاع ) ، ولم يبرز ليكون في موقع ( الهجوم ) .. ( والمصلحة ) التي تدعوا إلى ( الإسرار ) .. لا تمحوا الفكر وتخطيط المسار .. وواقعنا دليل على أنه صار شيئاً مهجوراً ، لا مذكوراً .. وما زال ( الرجل الأبيض ) هو اللاعب الوحيد في الساحة .. حتى جاءنا شعور غريب بعدم إمكانية دفعه .
( و ) الإغراق في التخطيط ( المثالي ) ، والتي هي أقرب إلى الأماني (الزائفة) ، خصوصاً عند ( العربي ) الذي يضرب به المثل في ( الخيال المجنح ) ، مما يؤدي به للنكوص في منتصف الطريق وانقطاع الأمل ..حين يرى أن جزءاً كبيراً من أهدافه لم يتحقق ..وتداهمه حين ذاك العقدة من (المستقبل)، فلا يبالي كيف سيكون..!
( ز ) بعضهم لا يخطط لأنه لا يرى للتخطيط فائدة أصلاً وتبقى القاعدة عنده هي قاعدة المخذلين ( ليس في الإمكان أحسن مما كان ) ، بل وربما يسعى جاهداً لتأصيل العمل بـ ( البركة ) فقط ! ولم يعلم أن المحافظة على المكتسبات يحتاج أيضاً إلى تخطيط .
(ح)الجمود على خطط بالية ، عملت بها القيادة ( التاريخية ) ! والدعاة ( الأوائل ) بحجة تحقيقها لمكاسب كثيرة في زمنها .. ولكن التخطيط لـ ( بدر ) يختلف عن التخطيط لـ ( فتح مكة ) ونحن بحاجة إلى إعادة النظر في كثير من مخططاتنا لتلائم الواقع وتعايش الأحداث .. مع المحافظة على (الثوابت ) .
هذه بعض الأسباب التي صرفت جزءاً كبيراً من الحركات الإسلامية لعدم التخطيط المستقبلي الجيد والفعال .. ولست بصدد ذكر الأدلة لك على أهمية التخطيط .. فأشعر أن هذا أمر قد تجاوزناه .. ولا بصدد ( العلاج) ، فإن معرفة (الداء) هي النصف الأمثل لـ (الدواء) .
تحتاج أمتنا أن تكون أكثر وعياً خصوصاً في هذا ( الزمن الصعب ) .
|