هذا مقال كتبته في أحد المنتديات
أتمنى أن ينال اعجابكم
لقد كنت خلال الأيام القليلة الماضية في رحلة شيقة مع كتاب رائع. كان لهذا الكتاب تأثيره العميق على قارئه, وقد استطاعت بعض فقراته أن تستوقفني لتستدعي تفكيرا طويلا , حلقت فيها قريبا و بعيدا لأستخلص منها الفوائد و العبر. كانت قرائتي تتسم بالبطء نسبيا لصفحات الكتاب. ولم أكن أعاتب نفسي على هذا, فقد كان طه حسين في لوحته الرائعة "الأيام" يسرد تاريخه و تجربته الفريدة لقارئ ناشئ لم تسمح له سنواته القليلة من أن يتعرف على الحياة و يجردها ليميز حقيقتها. ولذلك كان من المعقول أن يحمل السفر كثيرا من المفاجآت. وفرض علي الانصاف استيعابها و ألا أختزل تاريخه في سويعات بسيطة. بل ان الرحلة مازالت مستمرة و المسافر يمدد في أيامها رغبة في تحصيل ما تجزئ به الصلاة -- كما يقول العرب --. وقد وصلت الى منتصف الجزء الثاني و بقي الجزء الثالث و الأخير. ولم يتحمل قلمي الصبر حتى نهاية الكتاب, فرأى أن يجود بتحرير نقطة مهمة قد اكتملت عناصرها.
لقد عاش طه حسين فاقدا لبصره, وهي اعاقة قد لازمته منذ الأيام الأولى لولادته على ما أظن. ولم يكن يشتكي من القدر الصعب, فكان يؤمن أنه أمر الهي له حكمته و مقصده. وقد كان تفاعله ايجابيا مع محنته ,استطاع من خلاله أن يتميز على غيره في جوانب أخرى كثيرة. فبرزت نباهته و قوة حفظه, فأتم حفظ القرآن و حصل على اجازة فيه. وأتقن حفظ ألفية ابن مالك في أقل من عشرة أيام -- في قصة مشهورة -- وهو دون العاشرة. كان هذا البروز قد ساهم في استقراره النفسي مع محنته لحد ما , فكان يرى أن تميزه هبة ربانية تعوض قصوره الظاهر و تزيد من قناعته بالعدالة الالهية التي تأخذ اليسير لتعطي كثيرا بأشكال و صور مختلفة .
وما ان مضت تلك السنوات الأولى حتى نضج وعيه بما يجري حوله و بدأ مراقبة تصرفات من يحيط به. فكان يركن دائما الى التحليل و التفسير لأقوال ترمى هنا و هناك. و أصبح كل ما يجري مستفزا لاستقرار قناعته و محفزا لكثير من الأسئلة. و كم كان الليل و سكونه ساحة واسعة لاستعراض النتائج المحزنة, فتنزل كالصواعق المرسلة لترخي سدولها على تلك الليالي الهادئة. حتى تواترت النتائج لتحمل وثيقة رسمية تعلن وفاة نظرات حالمة شكلتها الطفولة الساذجة. وعندها تذكر الغلام -- بأسى -- أسعد أيامه عندما كان في السابعة من عمره و تعرض لموقف صعب , فتخلص منه بمساعدة صبية القرية الصغيرة. وقد كان يلجأ لقوتهم و يعتمدون على تفكيره في تكافل متميز جعلت خريطة العالم في نظره تغمرها المحبة و التعاون و الفضيلة و الاخاء...........الخ. ولكن الأيام تنكرت له لتهز أرسخ قناعاته و تكشف قواعدها الركيكة. وكم كان فراشه مستودعا للدموع عندما اكتشف خيانة مجتمعه الصغير من حوله حتى اقتنع بأنه ألد أعدائه.
كانت سنوات القرية و أعوام الأزهر من بعدها قد أكسبته كثيرا من المعرفة. الا أن هذه السنوات جميعها كانت تتوارث "جملة" و تضخم من قبحها. كان طه منذ صغره شغوفا بالعلم و أهله, حريصا على الابداع فيه و التمكن من فهم مسائلة. الا أنه كان ضحية لولعه هذا. فعندما كانت تحدثه نفسه برغبة لمزيد من المعرفة و يبدأ محاورة أستاذه, تكون الصدمة كبيرة و متكررة. فاجابة المعلم واحدة , و قد تناسخت ليستخدمها الكتاب في القرية و الأساتذة في الأزهر على حد سواء في تواطؤ قبيح و غريب. و تأثر الناس بهذا, و كم فزع الفتى من منامه مرارا على دوي صيحة منهم -- يعرفها جيدا -- تقول:" اسكت يا أعمى , فما أنت و ذاك".
كان الصبي يستغرب هذا التآمر. وذات مرة حاول أن يستفهم من ابن خالته سر مايحدث. قال له بسذاجة لا تخلو من عمق: "هل تكتب هذه العبارة على الطرق و المباني ؟ " وقال في احدى المرات " هل تفرض الشريعة هذه الألفاظ ليتعبد بها الناس ؟ ". ثم أدرك بعد سنين أن الخلل يرجع لشئ اسمه الثقافة. وهذه الثقافة لها مفعولها السحري القادر على السيطرة على الناس و توجيه أفعالهم. وعندما تكون الثقافة محملة بالجهل, تتناسخ الأخطاء الفادحة دون أن تحرك الكوادر العاقلة. بل يتكيف الناس مع الأخطاء و يحارب لاوعيهم أي محاولة لتصحيح أو تجديد. ثم كان يكتشف نفاق المجتمع و رموزه. والمساحة الواسعة بين العلم و العمل. وقد طلب من أحد أساتذته أن يفسر الآيات الأولى من سورة عبس. فبدأ الأستاذ بذكر الأوجه التسعة لاعراب البسملة ثم استعرض قدراته في التفسير متنقلا بين آراء المفسرين و أقوال المحققين و مذاهب أهل اللغة. فلما استوقفه الغلام ليستفهم عن مسألة علمية بعد بضع آيات كانت الاجابة نفسها "اسكت يا أعمى , فما أنت وذاك".
و لم يدرك المجتمع حينها و لم تستوعب ثقافته أن اهانتها للضعيف قد صنعت عدوا لدودا فيما بعد. وقد كان للثقافة الهشة تاريخا -- تفتخر به -- انتصرت فيه على كثير من المهمشين و القاصرين و المعاقين. وكان ظلمها يزين لها انتحار القدرات الكامنة في كل معاق و مهمش. لكن طه حسين قد استطاع الوقوف و الصمود و مواجهة العواصف. حتى أعلنت الأيام - للأسف - تطرفه الفكري الذي واجه به عدوا ظاهره الصلابة و باطنه اليأس و الخذلان. وهو تطرف منبعه الأساسي ثقافتنا الظالمة ليصدق قوله تعالى "قل هو من عند أنفسكم". و يزيد من ضياع ثقافتنا.
و هنا أريد أن أوسع المدارك لتستفيد من هذه التجربة البسيطة. فقد مرت بنا لحظات كثيرة هزمتنا فيها ثقافتنا التي لم تستوعب آمالنا و طموحنا. وكم تعثرنا كثيرا دون أن نجد مجتمعا يمد يده لمساعدتنا. وهو مجتمع فرصه محدودة و ضيقة لا يخدم من يسوقه الابداع في طريق غير ممهد. ولنعلم أن انعدام الابتكار في ثقافتنا نتيجة عدم استيعابها ما تسميه "بالانحرافات" تارة و "بالفشل" غالبا و تطلق عليها الأمم المتقدمة مصطلحا آخر يسمونه "التجربة" أو "الخبرة". وهو مجتمع سياطه عنيفة عندما يواجه عثراتنا رغم أن معظم خطوطه قد تتحرك في حفرة عميقة!!!. وكم قرأنا في سير المبتكرين سنينا من العقبات و الفشل المؤقت في الدراسة و المشاكل الكثيرة. لكن الاستفادة من الاخفاق الجزئي حقق نتيجة مبهرة لا يمكن أن تصلها الخيوط التي تحددها ثقافة منهزمة ضيقة. وهذه رسالة أوجهها لمن أحب, فالمقاومة و الصمود رغم العثرات سيجعل منك مبدعا حقيقيا, فهذه سنة الحياة وتكلفة النجاح الثمين.
و أجدها فرصة لأستطرد في الحديث لأهمس في أذن مجروحة لكنها واعية:
يجب أن نتصالح مع ثقافتنا لننتشلها من مكانتها الوضيعة في ذيل القافلة. فلم يعد الوقت يسعفنا للانتصار الشخصي وتوجيه مزيد من اللكمات للثقافة كما فعل طه حسين و غيره . فالمجتمع المسلم لا يتحمل الا تلك الأفكار التي يقبلها الاسلام و لن ينتصر الا بها. ولنجعل تلك الأجيال التي تعقبنا تحظى بفرصة أفضل و حياة أكرم و تذكرنا بالخير ان شاء الله.
تحياتي
علي الحمدان
نبراسكا الأمريكية
مساء السبت 02/25/2006