منتديات الإسلام اليوم  
   

العودة   منتديات الإسلام اليوم > منتدى الإبداع الفكري > العــــــام

العــــــام باحة شاسعة يحدها الأفق، لتسع آراءكم وأطروحاتكم وحواراتكم، التي لم تسعفها المنتديات الأخرى ..

اللإئحة التنظيمية
عدد الضغطات : 3,430
مواضيع مميزة
■  الاعلان عن الفائزين بمسابقة رمضان   ■  اخواني واخواتي ,, الاعضاء الجدد   ■  السلام عليكم   ■  كتب لا يقرأه شيعى إلا تاب بإذن الله ... لا تفرط فى نشره   ■  فيسبوكياتي   ■  كتاب مذاهب فكرية معاصرة   ■  كل يوم حديث من أحاديث الاربعين النووية  

إضافة رد
 
ارتباط ذو صلة أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-04-2009, 04:45 AM   #1 (الرابط)
موقوف
افتراضي جواز صبغ الشعر بالسواد...


ما حكم صبغ الشعر بالسواد؟ مع بيان الأقوال والترجيح.


الإجابة...


للمسألة مقامان:

أولهما: مقام اتفاق. وفيه مسألتان:

ـ الأولى: استعمال الصبغ بالسواد في الحرب والجهاد. حيث اتُفِق على جواز ذلك. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في: "فتح الباري" (499/6): "ويُستثنى من ذلك ـ أي: النهي عن الصبغ بالسواد ـ المجاهد، اتفاقًا" ا.هـ. وحكاه أيضاً القسطلاني رحمه الله في: "إرشاد الباري لشرح صحيح البخاري" (23/5). (وعلَّته: إرهاب العدو) قاله ابن عَلاّن رحمه الله في: "دليل الفالحين" (131/8)، وكذا غيره.

ـ والثانية: استعمال الصبغ بالسواد للتلبيس والخداع، كأن تفعله امرأة عند الخِطبة تدليسًا، فهذا متفق على منعِه وذمه. قال المباركفوري رحمه الله في: "تحفة الأحوذي" (360/5): "وهو ـ أي: الخضب بالسواد لغرض التلبيس والخداع ـ حرام بالاتفاق" ا.هـ. لحديث: (من غشنا فليس منا).

والثاني: مقام اختلاف. حيث اختُلِف في غير المسألتين السابقتين على أقوال:

ـ أولها: الكراهة. وهو مذهب المالكية والحنابلة، وقولٌ عند الحنفية والشافعية اعتمده جماعة من أصحابهم. فقد جاء في: "أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك" (364/3) للكشناوي رحمه الله قوله: "ويكره صبغ الشعر بالسواد" ا.هـ. وفي: "حاشية العدوي" (445/2) قوله: "ويكره صباغ الشعر الأبيض وما في معناه من الشقرة بالسواد من غير تحريم" ا.هـ. وجاء في: "مطالب أولي النهى": (89/1) للرحيباني رحمه الله قوله: "ويكره تغيير الشيب بسواد في غير حرب، وحرم للتدليس" ا.هـ. وفي: "الإقناع لطالب الانتفاع" (33/1) للحجاوي رحمه الله قوله: "ويكره بسواد، فإن حصل به تدليس في بيع أو نكاح: حَرُم" ا.هـ. وجاء في: "حاشية ابن عابدين" (422/6) قوله: "وبعضهم ـ أي: الحنفي ـ جوّزه بلا كراهة" ا.هـ. وجاء في: "المجموع شرح المهذب" (345/1) للنووي رحمه الله قوله: "اتفقوا ـ أي: الشافعية على ذم خضاب الرأس واللحية بالسواد، ثم قال الغزالي في: "الإحياء" والبغوي في: "التهذيب" وآخرون من الأصحاب: هو مكروه، وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه: ا.هـ المراد.

وثانيها: التحريم. وهو قول عند الشافعية صَوّبه النووي رحمه الله وجماعة. قال النووي رحمه الله في: "المجموع" (345/1): "اتفقوا ـ أي: الشافعية ـ على ذم خضاب الرأس واللحية بالسواد. ثم قال الغزالي في: "الإحياء" والبغوي في: "التهذيب" وآخرون من الأصحاب: هو مكروه، وظاهر عباراتهم أنه كارهة تنزيه. والصحيح بل الصواب: أنه حرام. وممن صَرَّح بتحريمه صاحب الحاوي في باب: الصلاة بالنجاسة" ا.هـ. وقال رحمه الله في: "شرح مسلم" (80/14): "ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصُفْرة أو حُمْرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح. وقيل: "يكره كراهة تنزيه، والمختار: التحريم" ا.هـ.

وقد كان المشهور عن الشافعية: الكراهة، قال العيني رحمه الله في: "عمدة القاري" (51/22): "وعن الشافعية أيضًا روايتان، والمشهور يكره، وقيل: يحرم" ا.هـ. المراد. ومثله جاء في: "فتح الباري" (368) لكن قال السفاريني رحمه الله في: "شرح ثلاثيات المسند" (53/2): "قال في: "الفروع" (وللشافعية خلاف)، مُعتمد مذهبهم الآن: الحرمة" ا.هـ. والمنقول عن "الفروع" لابن مفلح رحمه الله مسبوق بقوله فيه (131/1): "ويكره بسوادٍ وفاقًا، نص عليه ـ أي: الإمام أحمد رحمه الله ـ" ا.هـ. مع قوله في: "الآداب الشرعية" (335/1): "وعند الشافعية يستحب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة، ويحرم بالسواد على الأصح عندهم" ا.هـ.

وثالثها: الجواز. وهو قول عند الحنفية، قال في: "حاشية ابن عابدين" (422/6): "وبعضهم جوَّزه بلا كراهة ـ يعني: الخضاب بالسواد ـ، رُوي عن أبي يوسف أنه قال: (كما يعجبني أن تتزين لي، يعجبها أن أتزَّين لها)": وقال في: "الحاشية" (756/6) أيضًا: "والأصح أنه لا بأس به في الحرب وغيره" ا.هـ.

وصلٌ: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في: "فتح الباري" (367/10): "ومنهم ـ أي: العلماء ـ من فَرَّق ذلك بين الرجل والمرأة، فأجازه لها دون الرجل. واختاره الحليمي" ا.هـ.

والأصح والأقوى في المسألة: الجواز مع الكراهة دون تحريم. وبه قال الجمهور والأكثر، قال علي القاري رحمه الله في: "جمع الوسائل في شرح الشمائل" (102/1): "ذهب أكثر العلماء إلى كراهة الخضاب بالسواد" ا.هـ. وحكى مثله في: "مرقاة المفاتيح" (467/4). وجعله ابن عبدالبر رحمه الله: قولَ أهل العلم؛ حيث قال في: "الاستذكار" (85/27): "وأما قول مالك في الصبغ بالسواد: " إنَّ غيره من الصبغ أحب إليه" فهو كذلك؛ لأنه قد كَرِه الصبغ بالسواد أهلُ العلم" ا.هـ. وبه جزم الموفق ابن قدامة رحمه الله في: "المغني" (127/1)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في: "شرح العمدة" (238/1)، وابن قيم الجوزية رحمه الله في: "تهذيب السنن" (104/6)، في آخرين. أفاده ظاهر كلامهم.

ودليل ذلك مركَّب من شيئين:

أولهما: ما جاء عن جَمْع من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يخضبون بالسواد ويُجوِّزونه. ومنهم:

ـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه. حيث أخرج الحكيم الترمذي رحمه الله في: "المنهيات" (ص: 103) بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "اختضبوا بالسواد؛ فإنه آنس للنساء وهيبة للعدو". وله طريق آخر عند ابن أبي الدنيا رحمه الله في: "العمر والشيب" (ص: 49)، وابن قتيبة رحمه الله في: "عيون الأخبار" (326/2)، وكذا غيره.

ـ عثمان بن عفان رضي الله عنه. أخرجه عند الدولابي رحمه الله في: "الكنى" (46/3) بسنده إلى ابن أبي مليكة: "أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يخضب بالسواد".

ـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه. رواه عنه ابن الجوزي رحمه الله في: "الشيب والخضاب" (ص/63) بسنده إلى عبدالله بن حسن عن أبيه عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "عليكم بهذا الخضاب الأسود؛ فإنه أهيب لكم في صدور أعدائكم، وأعطف لنسائكم عليكم"

ـ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. حيث أخرج الطبراني رحمه الله في: "المعجم الكبير" (138/1) عن سعيد بن المسيب: "أن سعد بن أبي وقاص كان يخضب بالسواد". وله طرق أخرى عند الطبراني أيضًا.

ـ عمرو بن العاص رضي الله عنه. فقد أخرج الحاكم رحمه الله في: "المستدرك" (454/3) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى عمرو بن العاص وقد سوّد شيبه، فهو مثل جناح الغراب. فقال: ما هذا يا أبا عبد الله؟ فقال: أمير المؤمنين أُحِب أن تُرى فيَّ بَقِيِّة. فلم يَنْهَه عمر رضي الله عنه عن ذلك ولم يُعِبْه عليه".

ـ المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. أخرجه ابن الجوزي في: "الشيب والخضاب" (ص:69) بسنده إلى عباس بن عبدالله بن معبد بن عباس قال: "أول من خضب بالسواد: المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. وله شاهد عنده أيضًا.

ـ جرير بن عبدالله رضي الله. رواه عنه الطبراني في: "المعجم الكبير" (291/2) بسنده إلى سليم أبي الهذيل أنه قال: "رأيت جرير بن عبدالله يَخْضب رأسه ولحيته بالسواد".

ـ عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه. فقد أخرج الطبراني في: "المعجم الكبير" (268/17) وغيره من طريق الليث بن سعد عن أبي عشانة المعافري أنه قال: "رأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد".

وآخرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويُلْحق بذلك ما جاء عند الطبراني في: "المعجم الكبير (99/3) عن عبدالرحمن بن برزج قال: "رأيت الحسن والحسين رضي الله عنهما ابني فاطمة رضي الله عنها يخضبان بالسواد". وله طرق أخرى. وما أخرجه ابن سعد رحمه الله في: "الطبقات" (151/5) بسنده إلى سعيد المقبري أنه قال: "رأيت أبناء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغون بالسواد، منهم عمرو بن عثمان بن عفان".

وعلى كلِّ فالآثار في ذلك مشهورة وإن لم صح بعضها، قال القرطبي رحمه الله في: "المفهم" (419/5): "بل قد رُوي عن جماعة كثيرة من السلف أنهم كانوا يَصْبغون بالسواد" ا.هـ.

وقال ابن القيم رحمه الله في: "زاد المعاد" (369/4): "صَحّ عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يخضبان بالسواد. ذكر ذلك عنهما ابن جرير في كتاب: "تهذيب الآثار"، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبدالله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبدالله، وعمرو بن العاص. وحكاه عن جماعة من التابعين، منهم: عمرو بن عثمان، وعلي بن عبدالله بن عباس، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وعبدالرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب. وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن طثار ويزيد، وأبي يوسف، وأبي إسحاق، وابن أبي ليلي، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع، ونافع بن جبير، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلام" ا.هـ.

والثاني: ما أخرجه مسلم في: "صحيحه" من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه قال: أُتي بأبي قحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غَيِّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد". وفيه النهي عن السواد وأقلُّ درجاته الكراهة، وعليها يُحْمل الحديث جمعاً بينه وبين ما سبق عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن القيم رحمه الله في: "أعلام الموقعين" (120/4) حاكياً عن البيهقي قوله: "وفي الرسالة القديمة للشافعي ـ بعد ذكر الصحابة وتعظيمهم ـ قال: وهم فوقنا في كل علمٍ واجتهادٍ، وورعٍ وعقل، وأمرٍ استُدْركَ به علم، وآرائهم لنا أحْمَدُ وأولى بنا من رأينا" ا.هـ. المراد. ومن ثَمَّ قال ابن القيم رحمه الله في: "تهذيب السنن" (104/6): "وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب" ا.هـ.

وقوله في الخبر: "ولحيته كالثغامة بياضًا" بيَّنه القرطبي رحمه الله في: "المفهم" (418/5) بقوله: (الثغامة): نبتٌ أبيض الزهر والثمر، شَبَّه بياض الشيبه. قاله أبو عبيد. وقال ابن الأعرابي: "هو شجرةٌ تبيض كأنها الثلجة" ا.هـ. وبنحوه عند القاضي عياض رحمه الله في: "إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم" (624/6).

فائدة: قيل إن لفظة: (واجتبوا السواد) في الحديث مُدرجة، وليست من قوله صلى الله عليه وسلم، وقد حكى ذلك وجوابه جماعة، ومنهم: المباركفوري رحمه الله في: "تحفة الأحوذي" (358/5ـ359) حيث قال حاكياً ذلك: "إن قوله: (واجتبوا السواد) مُدْرَج في هذا الحديث، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. والدليل على ذلك أن مسلماً روى هذا الحديث عن أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر إلى قوله: (غَيِّروا هذا بشيء) فحسب، ولم يزد فيه قوله (واجتبوا السواد). وقد سأل زهير أبا الزبير هل قال جابر في حديث (جنبوه السواد)؟ فأنكر، وقال: لا. ففي "مسند أحمد": حدثنا عبدالله حدثني أبي حدثنا حسن وأحمد بن عبدالملك قالا حدثنا زهير بن أبي الزبير عن جابر، قال أحمد في حديثه: حدثنا أبو الزبير عن جابر، قال: أُتي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأبي قحافة، أو: جاء عام الفتح، ورأسه ولحيته مثل الثغام، أو: مثل الثغامة. قال حسن فأمر به إلى نسائه، قال: غيِّروا هذا الشيب. قال حسن قال زهير: قلت لأبي الزبير: قال (جنبوه السواد)؟ قال: لا. انتهى. وزهير هذا هو زهير بن معاوية المكنى بأبي خيثمة أحد الثقات الأثبات، وحسن هذا هو حسن بن موسى أحد الثقات.

ورُدَّ هذا الجواب بأن حديث جابر هذا رواه ابن جريج والليث بن سعد، وهما ثقتان ثبتان عن أبي الزبير عنه. مع زيادة قوله: (واجتنبوا السواد) كما عند مسلم وأحمد وغيرهما.

وزيادة الثقات الحفاظ مقبولة والأصل عدم الإدراج. وأما قول أبي الزبير (لا) في جواب سؤال زهير فمبني عليه ـ كذا؛ ولعل صوابها على ـ أنه قد نسي هذه الزيادة، وكم من محدِّث قد نسي حديثه بعدما أحدثه. وخَضْبُ ابن جريج بالسواد لا يَسْتلزم كون هذه الزيادة مُدْرَجة كما لا يَخْفى" ا.هـ.

وفي قوله رحمه الله: (وخُضْبُ ابن جريج...) إشارة إلى ما حكاه من قَبْلُ ـ كما في: "تحفة الأحوذي" (356/5) ـ بقوله: "وأجاب المُجوِّزون ـ أي: للخضاب بالسواد ـ عن هذه الزيادة ـ أي: (واجتنبوا السواد) ـ: بأن في كونها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرًا، ويؤيده أن ابن جريج راوي الحديث عن أبي الزبير كان يَخْضب بالسواد" ا.هـ.

فائدة: صنَّف ابن أبي عاصم وابن الجوزي رحمهما الله في الخضاب بالسواد مصنَّفًا، وقررا فيه الجواز دون التحريم، قال المباركفوري رحمه الله في: "تحفة الأحوذي" (358/5): "وكان ممن يَخْضب بالسواد ويقوله به محمد بن إسحاق ـ صاحب المغازي ـ، والحجاج بن أرطأة، والحافظ ابن أبي عاصم، وابن الجوزي ـ ولهما رسالتان مفردتان في جواز الخضاب بالسواد ـ وابن سيرين، وأبو بردة، وعروة بن الزبير، وشرحبيل بن الصمت، وعنبسة بن سعيد وقال: (إنما شعرك بمنزلة ثوبك فاصبغه بأي لون شئت وأحبه إلينا أحلكه) ا.هـ.

تنبيه: يُشْكل على ما سبق ظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "يكون في آخر الزمان يَخْضبون بهذا السواد كحواصل الحمام، لا يَرحون رائحة الجنة". والحديث خرجه أحمد في: "المسند" والنسائي في: "السنن" وأبو داود في: "السنن" في آخرين من طريق عبيدالله بن عمرو الرقّي عن عبدالكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وقد صحَّحه الذهبي رحمه الله ـ كما في: "تنزيه الشريعة" لابن عَرَّاق (275/2) ـ، والعيني رحمه الله في: "عمدة القاري" (46/16). وأما سنده فقال عنه الحاكم في: "المستدرك" ( / ): "صحيح الإسناد". وقال ابن مفلح رحمه الله في: "الآداب الشرعية" (353/3): "إسناده جيد". وقال العراقي رحمه الله في: "المغني عن حمل الأسفار" (169/1) إسناد جيد. وقال ابن حجر رحمه الله في: "فتح الباري": "إسناده قوي، وصححه ابن حبان"، وتَبِعهم آخرون.

وحَلُّ إشكاله من جهتين:

ـ الأولى: ثبوته. حيث طَعن في صحته جماعة، ومنهم: ابن الجوزي رحمه الله في: "الموضوعات" (229/3) بقوله: "هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال القاري رحمه الله في: "مرقاة المفاتيح" (304/8): "قال ميرك: وفي إسناده مقال". ومدار إسناده على: عبدالكريم، قال ابن الجوزي في: "الموضوعات" (229/3): "والمتهم به: عبدالكريم بن أبي المخارق أبو أمية البصري. قال أيوب السختياني (والله إنه لغير ثقة). وقال يحيى: (ليس بشيء). وقال أحمد بن حنبل: - ليس بشيء، يُشبه المتروك). وقال الدار قطني: (متروك) ا.هـ.

لكن قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في: "القول المسدد" (ص/48): "أخطأ ابن الجوزي، فإن عبدالكريم الذي هو في الإسناد هو ابن مالك الجزري الثقة المُخرَّج له في الصحيح" ا.هـ. قال ابن عَرَّاق رحمه الله في: "تنزيه الشريعة" (275/2) مُعَقِّبًا: "وسبق الحافظ ابن حجر إلى تخطئة ابن الجوزي في هذا الحديث الحافظ العلائي... وكذلك قال الذهبي في: "تلخيص الموضوعات" ا.هـ المراد.

ويؤيد كونه ابن أبي المخارق ـ ما خرجه الطبراني في: "معجمه" والحكيم الترمذي في: "المنهيات" من طريق: (عبدالكريم بن أبي المخارق أبي أمية عن مجاهد عن ابن عباس به) كذا ورد منصوصاً على اسمه، وكذلك عند الخلال في كتاب: "الترجُّل" (ص: 139).

ثم الحديث مُختلف في كونه مرفوعاً أو موقوفًا، قال الحافظ في: "الفتح" (499/6) بعد ذِكره للحديث: "وإسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه" ا.هـ. ولعل مراده: وَقْفه على مجاهد ـ أي من قوله رحمه الله لا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ـ، ويشهد لذلك ما أخرجه عبدالرزاق في: "مصنفه" عن معمر عن خلاد بن عبدالرحمن عن مجاهد به. وعليه يُشْكل قول الحافظ في: "الفتح" (499/6): "وعلى تقدير ترجيح وقفه، فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع" ا.هـ. لأن ما له صالح في حق موقوفات الصحابة لا التابعين قال العراقي في: "الألفية" :

وما أتى عن صــاحبٍ بحيثُ لا يقال رايًا حُكمهُ الرَّفـعُ على
ما قال في (المحْصولِ) نحوُ مَنْ أتَى فالحــاكمُ الرفعَ لهذا أثْبتا



ـ والثانية: دلالته. حيث أُجيب عنه بأجوبة:

ـ ومنها: قول القرطبي رحمه الله في: "المفهم" (419/5): "وقد روى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يكون في آخر الزمان قوم يَصْبغون بالسواد، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، غير أنه لم يُسْمع أن أحدًا من العلماء ـ وفي نسخة: الصحابة رضي الله عنهم ـ قال بتحريم ذلك؛ بل قد روي عن جماعة كثيرة من السلف أنهم كانوا يَصبْغون السواد" ا.هـ.

ـ ومنها: قول ابن الجوزي رحمه الله في: "الموضوعات" (230/3): "وإنما كرهه قوم لما فيه من التدليس، فأما أن يرتقي إلى درجة التحريم إذ لم يدلّس به فيجب به هنا الوعيد، فلم يقل بذلك أحد. ثم نقول على تقدير الصحة: يحتمل أن يكون المعنى لا يريحون ريح الجنة لفعلٍ يصدر منهم أو اعتقاد، لا لعلّة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهم فعرّفهم بالسِّيما كما قال في الخوارج: (سيماهم التحليق)، وإن كان تحليق الشعَّر ليس بحرام" ا.هـ.

ومنها: ما حكاه المباركفوي رحمه الله في: "تحفة الحوذي" (359/5 ـ 360) بقوله: "إن الوعيد الشديد المذكور في هذا لحديث ليس على الخضب بالسواد، بل على معصية أخرى لم تُذْكَر ـ كما قال الحافظ ابن أبي عاصم ـ، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد) وقد عُرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم رضي الله عنهم. فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضب بالسواد، إذ لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذِكر قوله (في آخر الزمان) فائدة؛ فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح" ا.هـ.

هذا، والله أعلم.

الشيخ صالح بن محمد بن حسن الأسمري
ابو مصطفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-04-2009, 09:37 PM   #2 (الرابط)
صديق مشارك
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 101
الجنس :ذكر
ناجي مصاب عضو يثبت وجوده
آخر مواضيعي 0 عااجل
0 هؤلاء لن يستفيدوا
0 عندي سؤال
0 قصص من الواقع الحلقة الثامنة
0 قصة طبيبة
افتراضي

جزاك الله كل خير على هذا الموضوع والجهد العظيم
ناجي مصاب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع



الساعة الآن 01:56 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
المواضيع والتعقيبات لاتمثل بالضرورة الرأي الرسمي للمنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها