دروب النهضة (1) : الدورات التدريبية ... تنظير أم تطبيق !
إن النجاح قضية مفصلية في حياة الأمم و الشعوب ,فالكل ترنو نفسه إلى المجد والقيادة , وتطمح
إلى العزة والكرامة ,فلا تنمية بدون نجاح شامل في كل مرافئ الحياة , فإبداع المرء ونجاحه يمثل
في النهاية تفوقا وتميزا لمجتمعه الذي ينتسب إليه وللحضارة التي يتطلع إلى بناءها .
والناظر للتاريخ يشاهد بوضوح أن في كل حقبة منه حوافز ومثبطات للإنتاجية والنجاح , ففي زمن
الصحابة - رضوان الله عليهم - نلحظ امتلاكهم لقوة جبارة في عبادتهم لله سبحانه بل و في
تضحيتهم لدينهم ما لم يُشهد لذلك من قبل مثيلا , فوجود النبي – صلى الله عليه وسلم – بينهم
كان أكبر حافز لهم على ذلك , ولذا ففي الحديث – بما معناه – أن أجر الواحد منا في هذا الزمن
كأجر خمسين صحابيا , وحينما ننتقل إلى العصر الذي عاش فيه التابعيين يتبين لنا نبوغ عدد
كبير من العلماء الكبار ولمعان بريقهم في العلم الشرعي خصوصا , ولعل من أهم الحوافز لذلك هي
البيئة العلمية القوية التي كانت تحيطهم , كانتشار حلق التدريس في المساجد واكتظاظها بطلبة
العلم الجهابذة , كما يحكي لنا تاريخ عدد من المجتمعات المتأخرة نهضويا أنها كانت تتصارع مع
عدة مثبطات للإنتاجية كالحروب والفقر وانتشار الأوبة والأمراض التي استنزفت أموالا و أوقاتا للتغلب
عليها .وإن مما اعتقد أنه يمثل أحد الحوافز المشجعة لنا على جودة وزيادة إنتاجنا في عصرنا هو ما
قد أفرزه علم الإدارة الحديث من نظريات النجاح والتطوير , كتلك التي تتحدث عن تطوير الذات وإدارة
الوقت وفنون إدارة المشاريع والتخطيط والتغيير وطرق التفكير وغيرها , والحقيقة أننا بحاجة إلى كل
ذلك خصوصا أننا نتعايش مع ازدحام ووفرة للاختراعات والإبداعات المذهلة , لكن المؤلم هو ما نراه -
من قِبل بعض ممن يعتنون بتطوير ذواتهم من خلال هذا العلم- فهم أخذوا يشربون من ذلك النبع
دون أن يكون للتطبيق في حياتهم حيزا , فتجد الواحد منهم يقرأ كتابا تطويريا يليه آخر , ويحضر
دورة بعد أخرى , ويستمع إلى ألبومات متنوعة , فهو بذلك يتنقل في بستان ذلك العلم ويجمع منه
زهور المعرفة و ورود الإبداع والتطوير ثم – وللأسف- يضعها في قنينة الجانب التنظيري البحت دون أن
يعمل بها, بل وتجده يتشدق بها, و كذا ينصح من حوله بأهمية أن يكونوا ناجحين ومخططين
لحياتهم دون أن ترى لذلك أدنى تأثير واقعي على مسار حياته .
إننا حين نفكر أن نجاحنا سيكتمل وفق هذا النهج فذلك في الحقيقة أقرب طريق للفشل , ولو أننا
تذكرنا بعض من أُجبر التاريخ على حفر أسمائهم على جدرانه لتيقنا أن النجاح في الأصل ينبع من
إشعالنا لفتيل الطموح و التميز في أعماق أنفسنا , ولهذا فهل من المعقول أن نتصور أن الإمام
البخاري مثلا قد حضر دورة في بناء الذات ثم لمع بريقه من بعدها ؟! أم أن الإمام الشافعي قد
ارتقى بتفكيره وجدّ في طلبه للعلم بعد قراءته لكتاب في التخطيط ووضوح الرؤية ؟! أم هل من
الممكن أن نعتقد أن نيوتن و أديسون قد بدءا اكتشافاتهما عقب استماعهما لألبومات تتحدث عن
التغيير والتجديد في الحياة ؟! , كل هؤلاء وغيرهم الآلاف من الناجحين قد عاشوا في أزمان سالفة
لم يتوفر لهم مثل تلك النظريات الحديثة , ومع ذلك فقد رسموا أمجاداً وحققوا إنجازات, لأنهم - بكل
بساطة - عملوا وبذلوا كل في مجاله , واستثمروا الحوافز التي تواجدت بينهم .
لقد أثبتت الدراسات الحديثة أننا نتذكر 10% أو أقل مما نسمعه و 25% مما نراه و90% مما نعمل
به , إن العمل بالعلم هو الفرق الجوهري بين جميع المتعلمين , وهو الجواد الذي يمتطيه من عزم
على المساهمة في بناء مستقبل زاهر ونهضة باهرة .
لابد من إعادة النظر في كيفية تعاملنا مع هذه النظريات , وأن نحرص على أن تكون معينة لنا – بعد
توفيق الله – على الرقي بمجتمعاتنا , وانتشالها من بحور التخلف والركود إلى شواطئ السيادة و
الصعود .
|