هنا مقال أكثر من رائع حول الموضوع أنقله لكم أدناه ...........عبدالله الغنام
عثمان البدراني ..
من خلال التأمل في مسيرة الليبرالية الاقتصادية التي تتجلى في التوجهات الرأسمالية، نلاحظ أنها تعرضت للضربة الأولى خلال الأزمة الاقتصادية العالمية التي حدثت عام 1929، حيث ثبت عمليا على أرض الواقع مدى قصور الرؤية الليبرالية وعجزها عن تقديم رؤية اقتصادية متوازنة، كما كشفت تلك الأزمة الآثار السلبية للرؤية الرأسمالية الليبرالية التي تعتمد على الحرية الاقتصادية المطلقة.. وتقليص تدخل الدولة في الاقتصاد..
يقول الطيب بوعزة : " لقد عاب "كينز" على الليبرالية افتقارها إلى الرؤية الكلية للواقع الاقتصادي، فهي بسبب فردانيتها تنظر إلى المجتمع بوصفه مجموعة من الأفراد ينبغي أن تعطى لهم حرية مطلقة في الفعل، أما المجتمع فإنه سينتظم تلقائيا بناء على تلك العلاقات الناظمة بين أفراد أحرار في سلوكهم. بينما أثبتت الأزمة، التي عصفت بالاقتصاد الرأسمالي آنذاك، أنه لابد من تدخل الدولة لترشيد السلوك الاقتصادي، هذا فضلا عن أن النظرية الكينزية أكدت من الناحية المنهجية ضرورة قيام رؤية علمية تحدد الكم الكلي للمداخيل والاستهلاك والاستثمار وسعر الفائدة، ليتم ضبط وترشيد العملية الاقتصادية في مستوياتها العامة.
في هذا السياق اتجهت المدرسة الكينزية إلى إنجاز تعديل كبير في النظرية الليبرالية، حيث نادت بوجوب تدخل الدولة بدل ترك الفعل الاقتصادي مرتهنا بفردانية "دعه يعمل دعه يمر"، مبلورة بذلك رؤية تقلل من استقلالية وحرية الفعل الاقتصادي. وهذا ما أسماه البعض بإنقاذ الليبرالية من فوضى الحرية، وإخضاع الفعل الاقتصادي لمنطق الدولة لا للمنطق التحرري الإطلاقي للسوق" (1).
ولقد اعتمدت اقتصاديات كثيرة على الأفكار "الكنزية" خلال الثلاثينات وحتى بداية السبعينات، من القرن الماضي، لكن الأمر ما لبث أن تغير بعد حرب أكتوبر وأزمة النفط عام 1973، حيث ظهرت رؤى نقدية جديدة نادت بالعودة لليبرالية المطلقة، فظهرت الليبرالية الجديدة.
"فإذا كانت النظرية الكينزية تعد تراجعا عن الإطلاق الليبرالي للسلوك الاقتصادي، ورفضا لحياد الدولة بقصد معالجة أزمة سنة 1929؛ فإن النيوليبرالية هي محاولة لمعالجة أزمة 1973، على أساس رفض المنظور الكينزي، والمناداة بالعودة إلى الانتظام وفق الرؤية الليبرالية في أشد تمظهراتها المطلقة". (2).
ولقد أدت الرؤية الليبرالية الجديدة إلى تفشي وتوحش الرأسمالية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي وبداية القرن الحالي، مدعومة بالأحادية القطبية- بعد زوال الاتحاد السوفييتي- والمتمثلة في الولايات المتحدة التي تتبنى وتدعم التوجهات الليبرالية الرأسمالية، ومدعومة أيضا بأفكار العولمة الاقتصادية..
وتأتي أحداث سبتمبر 2001 لتشكل منعطفا حاسما غير معالم العالم وعلاقاته وخريطة الأفكار والتوجهات فيه .. وما تبعها من تداعيات سياسية واقتصادية كبرى .. لتبلغ ذروتها في الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم حاليا..
هذه الأزمة تمثل السقوط الأخير لليبرالية الاقتصادية.. حيث اضطرت الحكومات الغربية إلى التراجع عن أفكارها الرأسمالية الليبرالية، وحرية السوق، وقررت التدخل، وإصدار العديد من القرارات والقيود على الحريات الاقتصادية ، بل اضطرت إلى تأميم كثير من الشركات، لإنقاذ الاقتصادات الوطنية تجنبا للانهيار الكامل.. وهو ما يعد تراجعا غير مسبوق عن التوجهات الليبرالية الرأسمالية !!
"يقول الاقتصادي والمعلق البريطاني مارتن وولف ان خطوة تأميم «فاني ماي وفريدي ماك» كانت حتمية على الرغم من أن الخطوة تعني زيادة أعباء الحكومة الاميركية ماليا بحوالي 5400 مليار دولار، أي ما يوازي 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في أميركا" (3).
كما اضطرت الحكومة الأمريكية إلى ضخ 85 مليار دولار بشكل قرض حكومي لكبح انهيار عملاق شركات التأمين AIG، وإلى شراء الأصول المتعثرة للعديد من الشركات والمؤسسات المالية .. وقد رصدت ما قد يصل إلى ترليون دولار كتكاليف لخطة إنقاذ اقتصادية عاجلة ..
" والمشكلة ليست فقط في المخاوف على النمو الاقتصادي، وإنما على السياسة الاقتصادية الليبرالية التي تتبعها الولايات المتحدة، فالتدخل الحكومي المباشر لإنقاذ بنوك وشركات تأمين خاصة يضعف شوكة المؤيدين لهذه السياسة (الليبرالية) التي تنادي بها واشنطن أكثر من أية عاصمة أخرى. ومن المعروف أن الحكومة الأمريكية كانت دائما من الرافضين لفرض قيود على المضاربات والتدخل للحد منها، على أساس أنه يخل بتكافؤ الفرص بين اللاعبين في السوق ويضعف روح المنافسة التي تحيي الأسواق وتنعشها. وعليه، فإن الخطوات الحالية لإدارة الرئيس بوش فاجأت الكثيرين أمثال جان كلود يونكر رئيس اجتماع وزراء المالية في منطقة اليورو، الذي عبر عن اندهاشه من رؤية "العالم الأنجلوساكسوني يتعامل مع الأزمات بهذه الطريقة"، في إشارة إلى قيام الحكومتين الأمريكية والبريطانية بتأميم بنوك وشركات تأمين لمنعها من الانهيار" (4).
الخلاصة أن الأزمات المالية التي مر بها العالم أثبتت -بما لا يدع مجالا للشك- مدى الخلل في الرؤية الليبرالية للاقتصاد، وعدم قابلية الأفكار الليبرالية الرأسمالية البحتة لتحقيق التوازن بين الحريات الفردية والمتطلبات الاجتماعية، ومدى الأضرار الاقتصادية/الاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن تطبيق تلك الرؤى.. مما اضطر أكبر الاقتصادات الرأسمالية للتراجع عنها.. وهو ما يحدث اليوم في أمريكا وبريطانيا وهو ما تتبناه كثير من الدول الأوربية الأخرى التي تؤمن بنوع م بالرأسمالية الاشتراكية كما في فرنسا، وألمانيا نسبيا..
إن مجرد قبول تدخل الدولة في الاقتصاد .. وفرض القيود على الحريات الاقتصادية كما يحدث اليوم في أكبر الاقتصادات الرأسمالية .. سيكتب نهاية الليبرالية الاقتصادية إلى غير رجعة..