وبشر الصابرين ( 2) وبشر الصابرين ( 2)
كثير من العامة بل لا أبالغ إن قلت إن كثيرا ممن سلكوا طريق الدعوة فهموا أن الصبر هو أن يأوي المبتلى إلى ركن ويضع يده إلى خده منتظرا الفرج يأتي من السماء.. وهذا ليس من الصبر في شيء وفهم خاطئ لا أعلم له أصلا اللهم إلا كلمة يرددها القاعدون والكسالى والنائمون ليقعدوا غيرهم وهي كلمة حق لم يفهموها ولم يقدروها قدرها ولم تنزل منزلتها, أراد القاعدون بها أن يثبطوا غيرهم منتظرين المدد من السماء دون أخذ بسبب أو بذل عرق وكأن الجنة سهلة المنال..
إن الصبر هو الجهاد ، هو العبادة ، هو الثبات ، هو الدعوة ، هو قول الحق والصدع به.. هو الخوف من الله وحده، هو الرجاء هو الإخلاص..هو كل المعاني الإيجابية.. هو صفة عباد الرحمن وهو صفة الأبرار واستحقاق التحية من الملائكة .. هو كل الصفات التي تقرب من الله والجنة.. وهو نقيض الفشل و الخيانة وحب الدنيا والجبن والقعود هو ضد كتم الحق، والكذب والغضب للنفس.. هو ضد كل المعاني السلبية التي تستحق سخط الله والنار..
والقارئ للقرآن وسنة النبي الكريم وحياة المجاهدين ليعلم كيف صبروا ..
فلم يكن (صبروا على ما كذبوا ) أنهم قعدوا وانتظروا أن يأتي الناس إليهم يشهدون أن الله واحد
بل بلغوا وصبروا على الإيذاء ولم يقعدوا وبذلوا كل السبل حتى أتاهم نصر الله ..
إن من يقرأ القرآن الكريم ويطالع السيرة والسنة ليفقه تلك المعاني ويعلم أن ما أعده الله للصابرين من نعيم مقيم جاء بعد ذكر صفات لا بد أن تكون في هذا الصابر الثابت، المحتسب، المجاهد، المبتلى في ماله وأهله ودينه.. كلها تحتاج إلى صبر..
يقول الله سبحانه في شأن عباد الرحمن (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) ....إلى قوله سبحانه : (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا)..
والغرفة هي الجنة جزاء الصابرين.. الذين صبروا وثبتوا على هذه الصفات وتركوا الزنا وقول الزور والفواحش ما ظهر منها وما بطن..
(والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)
وكان الصبر سببا في دخول عباد الله الإبرار الجنة كما في سورة الإنسان (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا.. إلى قوله سبحانه : ( وجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا)..
والصبر في الجهاد وفي ملاقاة العدو وهو الثبات والإصرار والمقاومة هو البقاء في الميدان ساعيا للحق باذلا روحك رخيصة فداء لدين الله وإعلاء كلمته وتبليغ دعوته ورفعة رايته..
( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)..
(فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)..
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)..
(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)..
(وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)..
(الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)..
وتختتم سورة آل عمران وفيها قصة عيسى عليه السلام وجدال أهل الكتاب هذا الجدال الرائع الراقي ثم الحديث عن الجهاد وغزوتي بدر وأحد وتفنيد مزاعم القاعدين قل ( لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ).. تختتم السورة بقول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ..)
إذن فالصبر ليس الاستكانة والقعود وليس هو انتظار النصر والتمكين يأتي به ملك من السماء وإن الملائكة التي نزلت تثبت المؤمنين لم تنزل وهم في بيوتهم يولولون على قتلاهم ويبكون مصابهم إن للنصر قوانين ثابتة كالتي يدار بها الكون .. (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا )..
إن من يعتقد أن لا سبيل إلى إصلاح هذه الأمة، وأن لا أمل إلى استعادة مجدها، واسترجاع عزتها وكيانها... وآن الأوان في نظرهم أن يخرج المسلم ببضع غنيمات يتّبع بها شعف الجبال... يفر بدينه من الفتن حتى يدركه الموت!!.. هذه الطائفة اليائسة عندما تتبنى هذه الوجهة من اليأس والقنوط، إنما تُدلِّل على هلاكها لا على هلاك المسلمين. قال صلى الله عليه وسلم: "من قال هلك المسلمون فهو أهلكهم" ..
فعندما يشرفني الله عز وجل بواجب الدعوة إلى دينه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنا أتذكر هذه النصوص من كلام الله عز وجل، ومن كلام رسولنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فلا يمكن لهذه الآفة أن تتسرب إلي، و ما دام أنه توجد جماعات إسلامية تدعو إلى إقامة حكم الله في الأرض، فإنه يجب على المسلمين التعاون لإقامة حكم الله في ربوع الإسلام، وأن يحرّروا الأرض المقدسة من براثن يهود، وأن يسعوا في تكوين وحدة المسلمين الكبرى تحت ظل الخلافة الراشدة.
وإن التفاؤل والثقة بالتمكين لهو الذي يهيئ النصر وإن الله سبحانه مع المتقين المخلصين المجاهدين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ"وما ذلك على الله بعزيز.. آمر آخر مهم أمرنا به مع الصبر هو (المصابرة)..
وتعني المغالبة
وهو أمر الله سبحانه للمؤمنين أن يغالبوا المشركين والكفار، وقد رأيناهم يتواصون بينهم بالتمسك بمبادئهم الباطلة والتواصي بينهم على الكفر وعدم إتباع ما يرونه هم باطلا بزعمهم ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا إلا شيء يراد) ( أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ).. وجدناهم يحاربون ويقاتلون من أجل تلك الأصنام ومن أجل مبادئ الضلال والكفر.. وجدناهم يتحدون ويقفون واقفة واحدة لضرب الإسلام، وفي الأحزاب توحد مشركوا مكة مع يهود بني قريظة وجمعوا قبائل العرب كلها للقضاء على الإسلام..
واليوم نرى الأحزاب رغم اختلاف ألسنتهم وعقائدهم إلا أنهم متفقون على هدف القضاء على الإسلام وكسر شوكته بعدما رأوا الإسلام يقتحم عليهم بلادهم ودخول الناس في دين الله أفواجا ..
وقد علمنا أن الدول الأوربية كلها أوصت مواطنيها بشراء المنتجات الدنمركية ودعم الاقتصاد الدنمركي في مواجهة المقاطعة الإسلامية.. رأينا اليهود والنصارى والملحدين كلهم قد اتحدوا رغم ما بينهم من شقاق وحروب ، واجتمعوا على كره الإسلام..
وإن كان هذا شأن أهل الباطل وإن كان هذا شأن أصحاب العقائد الفاسدة ومن ليس لهم دين فما بال المسلمين يزيدون كل يوم رقعة الخلاف وكلما سمعنا صوتا ينادي يا مسلمين اجتمعوا وانبذوا الفرقة سمعت من يرميه بالكفر والضلال.. كل دعاوى الحوار تفشل، وكل مؤتمرات التقارب يطغى عليها السب والتكفير والخيانة..ولئن قلت (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه) لسمعت من يرميك بالكفر ومولاة الكفار وإتباع المبدعين والفاسقين.. ولا حول ولا قوة إلا بالله..
إلا انك تجد من المسلمين من يشعل نار الاختلاف ويسعى للتفريق وتأجيج نار الفتن وإيقاد نار الحرب والعنصرية والنزاع بين المسلمين... إن النداء إلى خلافة إسلامية والأمل في أن تعود ليس صعبا على المسلمين.. لو أخلصوا لله، وما أعجب أن تجد اتحادا أوربيا جاهدوا وبذلوا وأذابوا كل الفوارق حتى أصبح حقيقة.. رغم اختلاف اللغات ، والمذاهب والمعتقدات ..
وتجد المسلمين الذين جمعهم رب واحد ودين واحد وقبلة واحدة ولغة واحدة وعاطفة واحدة مازالت الفرقة تضربهم وفشلوا في أن يقيموا سوقا عربية ولم يلتزموا بقرارات جامعتهم العربية إلا ما يوافق الهوى، وما زلنا نحلم بخلافة إسلامية.. وكم من نصر قتل الفرح به انقسام العرب بعده كما حصل بعد حرب أكتوبر ، وكما حصل في أفغانستان ، بعد جهاد الروس والفرح بحكومة إسلامية ظهر الشقاق وحرب بين أبناء البلد الواحد ، ومع فرحي وفرح كل مسلم بهذا النصر المبين إلا أنني سرعان ما تمنيت أنهم لم يغادروا فقد تعود المسلمون أن يجتمعوا إذا نزل بساحتهم عدو وإن يفترقوا إذا أذهب الله عنهم هذا العدو.... وإني والله لأخشى على حماس من أن يسعى المنافقون وأتباع اليهود وذيول الأمريكان لتأجيج فتنة بينها وبين الفصائل.. فنسأل الله أن يربط بين قلوب المجاهدين وألا يجعل للدنيا عليهم سلطان...
وللحديث بقية إن شاء الله ..
التعديل الأخير تم بواسطة عين الحياة ; 20-02-2006 الساعة 08:45 PM.
|