قضية أمن قومي..!
بقلم مجدي الجلاد
قاومت نفسي كثيراً كي لا أكتب حول هذه القضية.. ولكن شيئاً ما ظل يضغط علي قلمي ليروي لكم ما حدث، لا سيما أنه أصابني بالفزع والرعب لأيام عدة.
كنت عائداً إلي بيتي الساعة الثانية عشرة ليلاً.. وكان ثلاثة شباب في عمر الزهور يجلسون علي «كافي شوب» مفتوح علي الشارع.. لمحوني، فقفزوا مسرعين تجاهي.. علي غير ما توقعت لم يتحدثوا معي عن الصحافة والقضايا المطروحة علي الساحة،
وإنما طلبوا مني أن أجلس معهم لدقائق، لمناقشتي في «قضية خطيرة» فجرت خلافاً عنيفاً بينهم.. ورغم محاولات اعتذاري، بسبب الإجهاد والوقت المتأخر، بدا أن إصرارهم أقوي من أي اعتذار.
قالوا لي: لن نأخذك أكثر من ١٥ دقيقة.. فانصرفت بعد ثلاث ساعات كاملة من الجدل العنيف والبوح القاسي.. الأول تخرج منذ عامين في كلية الصيدلة، والثاني تخرج في الحقوق منذ ثلاثة أعوام، والثالث في رابعة «تجارة القاهرة»..
الأول لم يحصل علي عمل رغم أنه «تنازل» وعرض علي توكيل أدوية أن يعمل مندوب مبيعات، ولكنهم قالوا له بالحرف الواحد «اللي زيك بقرش في سوق العمل».. والثاني يعمل حالياً في محل «ألبان»، يقضي وقته في إحصاء «علب الزبادي» وتقطيع «الجبنة الرومي»..
ورغم أنه لم يجد علاقة بين دراسة القانون الصعبة و«الزبادي» و«الجبنة الرومي»، فإن مشكلة حياته أنه لا يقوي ولا تطاوعه عزة النفس في التقاط «خمسين قرش بقشيش» من زبون، أما الراتب الشهري فلا يزيد علي ٢٥٠ جنيهاً، لا يعرف أين تذهب، وكيف يقضي باقي الشهر.. وهو أيضاً لا يدرك لماذا يحب قضاء وقته متكوماً في ركن منزوٍ بمنزل والده الموظف البسيط، تقول له أمه وهي تذرف الدمع «يا ابني ربنا هيفرجها»..
وفي صباح ما ظن أن الله عز وجل قد فرجها حين نجح والده في إقناع محام بإلحاقه بالعمل في مكتبه.. وكانت النتيجة «عقدة نفسية» لم تبرحه حتي اليوم.. قالوا له «هتشيل شنطة الأستاذ فلان وتجري معاه في المحاكم.. وبعد أن يدخل القاعة عليك البقاء في الخارج لالتقاط الزبائن وعلي كل زبون ٣٠ جنيه»!!
الثالث يسمع وهو يرتعد خوفاً من يوم يمسك فيه بشهادة التخرج.. يقول: «إذا كان صديقي خريج الصيدلة بقرش في سوق العمل.. فأنا سأكون بمليم.. ده حتي المدرج عندنا في كلية التجارة يذكرني باستاد القاهرة في نهائي أفريقيا».. يصمت قليلاً ويقول: «شقيقي كان متفوق جداً في الدراسة، ودخل كلية الطب، الأسرة كلها بنت عليه أحلام كبيرة (ابننا هيطلع دكتور قد الدنيا).. وطلع دكتور فعلاً، ولكنه التحق بمعهد ناصر،
وكل أسبوع يأتي لوالدي طالباً المساعدة المالية، انته عارف بياخد مرتب كام.. «٣١٧» جنيه بالبدلات والسهر والمناوبات، والله العظيم كنت أسمع صوت بكائه ليلاً، لأنه يحب زميلته ولا يقوي حتي علي شراء دبلتين خطوبة، ومنذ أيام عاد منهاراً لأنها ارتبطت بعريس جاهز من كله، حاجة كده زي أفلام السيما»..!!
ظل الثلاثة يروون لي تفاصيل حياتهم، وحكايات قاسية لشبان كثيرين يتمزقون مثلهم.. وحين سألتهم: «هل أردتم التحدث معي عن البطالة والفقر والعيشة الهباب».. نظر لي أحدهم بشيء من الحسرة وقال: «لا.. نحن نريدك فيما هو أقسي من ذلك.. إنه السؤال الذي أصابنا بالجنون وكاد يمزق صداقتنا».. فجلست أستمع لهم من جديد..!