العودة   منتديات الإسلام اليوم > .°ˆ~*¤®§(*§ منتدى الإبداع الفكري §*)§®¤*~ˆ°. > العــــــام
التسجيل All Albums الصور قائمة الأعضاء الأوسمة اجعل جميع المنتديات مقروءة

العــــــام باحة شاسعة يحدها الأفق، لتسع آراءكم وأطروحاتكم وحواراتكم، التي لم تسعفها المنتديات الأخرى ..

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 27-09-2008, 12:23 PM   #1 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,877
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 348
شُكر 269 في 143 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي قضية أمن قومي..!


قضية أمن قومي..!

بقلم مجدي الجلاد

قاومت نفسي كثيراً كي لا أكتب حول هذه القضية.. ولكن شيئاً ما ظل يضغط علي قلمي ليروي لكم ما حدث، لا سيما أنه أصابني بالفزع والرعب لأيام عدة.

كنت عائداً إلي بيتي الساعة الثانية عشرة ليلاً.. وكان ثلاثة شباب في عمر الزهور يجلسون علي «كافي شوب» مفتوح علي الشارع.. لمحوني، فقفزوا مسرعين تجاهي.. علي غير ما توقعت لم يتحدثوا معي عن الصحافة والقضايا المطروحة علي الساحة،

وإنما طلبوا مني أن أجلس معهم لدقائق، لمناقشتي في «قضية خطيرة» فجرت خلافاً عنيفاً بينهم.. ورغم محاولات اعتذاري، بسبب الإجهاد والوقت المتأخر، بدا أن إصرارهم أقوي من أي اعتذار.

قالوا لي: لن نأخذك أكثر من ١٥ دقيقة.. فانصرفت بعد ثلاث ساعات كاملة من الجدل العنيف والبوح القاسي.. الأول تخرج منذ عامين في كلية الصيدلة، والثاني تخرج في الحقوق منذ ثلاثة أعوام، والثالث في رابعة «تجارة القاهرة»..

الأول لم يحصل علي عمل رغم أنه «تنازل» وعرض علي توكيل أدوية أن يعمل مندوب مبيعات، ولكنهم قالوا له بالحرف الواحد «اللي زيك بقرش في سوق العمل».. والثاني يعمل حالياً في محل «ألبان»، يقضي وقته في إحصاء «علب الزبادي» وتقطيع «الجبنة الرومي»..

ورغم أنه لم يجد علاقة بين دراسة القانون الصعبة و«الزبادي» و«الجبنة الرومي»، فإن مشكلة حياته أنه لا يقوي ولا تطاوعه عزة النفس في التقاط «خمسين قرش بقشيش» من زبون، أما الراتب الشهري فلا يزيد علي ٢٥٠ جنيهاً، لا يعرف أين تذهب، وكيف يقضي باقي الشهر.. وهو أيضاً لا يدرك لماذا يحب قضاء وقته متكوماً في ركن منزوٍ بمنزل والده الموظف البسيط، تقول له أمه وهي تذرف الدمع «يا ابني ربنا هيفرجها»..

وفي صباح ما ظن أن الله عز وجل قد فرجها حين نجح والده في إقناع محام بإلحاقه بالعمل في مكتبه.. وكانت النتيجة «عقدة نفسية» لم تبرحه حتي اليوم.. قالوا له «هتشيل شنطة الأستاذ فلان وتجري معاه في المحاكم.. وبعد أن يدخل القاعة عليك البقاء في الخارج لالتقاط الزبائن وعلي كل زبون ٣٠ جنيه»!!

الثالث يسمع وهو يرتعد خوفاً من يوم يمسك فيه بشهادة التخرج.. يقول: «إذا كان صديقي خريج الصيدلة بقرش في سوق العمل.. فأنا سأكون بمليم.. ده حتي المدرج عندنا في كلية التجارة يذكرني باستاد القاهرة في نهائي أفريقيا».. يصمت قليلاً ويقول: «شقيقي كان متفوق جداً في الدراسة، ودخل كلية الطب، الأسرة كلها بنت عليه أحلام كبيرة (ابننا هيطلع دكتور قد الدنيا).. وطلع دكتور فعلاً، ولكنه التحق بمعهد ناصر،

وكل أسبوع يأتي لوالدي طالباً المساعدة المالية، انته عارف بياخد مرتب كام.. «٣١٧» جنيه بالبدلات والسهر والمناوبات، والله العظيم كنت أسمع صوت بكائه ليلاً، لأنه يحب زميلته ولا يقوي حتي علي شراء دبلتين خطوبة، ومنذ أيام عاد منهاراً لأنها ارتبطت بعريس جاهز من كله، حاجة كده زي أفلام السيما»..!!

ظل الثلاثة يروون لي تفاصيل حياتهم، وحكايات قاسية لشبان كثيرين يتمزقون مثلهم.. وحين سألتهم: «هل أردتم التحدث معي عن البطالة والفقر والعيشة الهباب».. نظر لي أحدهم بشيء من الحسرة وقال: «لا.. نحن نريدك فيما هو أقسي من ذلك.. إنه السؤال الذي أصابنا بالجنون وكاد يمزق صداقتنا».. فجلست أستمع لهم من جديد..!

__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-09-2008, 12:49 PM   #2 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,877
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 348
شُكر 269 في 143 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


قضية أمن قومي «٢»

بقلم مجدي الجلاد

كتبت هنا، أمس الأول، عن الجزء الأول من جلستي مع الشبان الثلاثة: خريج الصيدلة وخريج الحقوق وطالب «التجارة».. ورويت لكم ما أفزعني في بوحهم عن معاناة البطالة والاغتراب..

وكنت أظن في البداية أنهم طلبوا أن يجلسوا معي بهدف «الفضفضة»، وطلب النصيحة، ولكن فزعي تضاعف حين علمت السبب الحقيقي.

قال لي «خريج الصيدلة»: وجدناك تمر أمامنا ونحن في «خناقة» عنيفة، فالحال الصعب والمعاناة لا تفرقان بين أحد.. وبينما كنا نشكو لبعضنا البعض طرح صديقي «خريج الحقوق» سؤالاً صعباً ومفاجئاً: «ماذا لو احتلت إسرائيل سيناء مرة أخري.. هل سنذهب للدفاع عن الأرض؟»..

صمت قليلاً، ثم أضاف: أجبت علي الفور بنعم.. ولكنني فوجئت برأي آخر لصديقي.. فقد أجابا بنفس السرعة بالنفي.. وقال أحدهما: «هفكر كتير.. وربما لا أذهب»!

كانت الصدمة قاسية.. فقد انعقد لساني للحظات، وأنا أسمع هذه الكلمات من شبان في عمر الزهور.. غير أن الصدمة أخذت في الخفوت تدريجياً مع إصراري علي استكمال النقاش.. فاستدرت إلي «خريج الحقوق»، وسألته: لماذا لن تذهب إلي الحرب للدفاع عن الأرض؟!

لم يتردد كثيراً، وقال: «المرء يدافع عن أرض وطن يشعر دائماً أنه وطنه.. أرض يؤمن من الداخل أنها أرضه.. بلد يمنحه الدفء والأمن والأمان.. حكومة تحقق العدالة وتكافؤ الفرص بين الجميع..

مجتمع غير فاسد ولا يعمل بمبدأ إهبش واجري.. كيف لي أن أضحي بحياتي من أجل أرض تمنحها الحكومة مجاناً لرجال من الحاشية ليجمعوا من ورائها المليارات.. أظن أنك تعرف أكثر منا أن مئات الآلاف من الأفدنة ذهبت إلي الجيوب والكروش..

والمحصلة منتجعات وقصور، وليس مشروعات صناعية أو إنتاجية يعمل بها الشباب.. وأظن أيضاً أنك تعرف أكثر منا حجم الفساد الذي ينهش في البلد منذ سنوات طويلة.. ولا أحد يتحرك لإنقاذ مصر من الجفاف المقبل حتماً».

عادت الصدمة مرة أخري، ولم أستطع لملمة نفسي أمام كلمات هذا الشاب.. ولكن صديقه طالب «التجارة» أخذ الكلمة سريعاً، وبادرني قائلاً: «عايز أسألك: إزاي الواحد منا يخاف علي وطن يأكل أبناءه.. وطن خطفه ١٠٠ شخص، وأصبحوا يمتلكون ثرواته، فكيف نحارب نحن لتحرير أرضه، بينما الوطن وطنهم والأرض أرضهم.. ليذهبوا هم للدفاع عن الأرض، وليتركونا نحن في العيشة الهباب».

كان صديقهم «خريج الصيدلة» يستمع مثلي وكله أمل في أن أتمكن من إقناعهم بعكس ذلك.. فكرت كثيراً أثناء لحظات صمتهم المشتعل غضباً.. لم أشعر بالوقت، وأنا أشرح لهم معني «الوطن».. معني «مصر» التي ستبقي للناس الطيبين مهما تغوّل وتوحش «أبطال المرحلة».. قلت لهم إن الأرض هي أرض كل شاب وامرأة وطفل يحلم بمستقبل أفضل..

وقلت أيضاً: إن الدفاع عن أرض وعرض الوطن سيظل واجباً يفرضه الأمل في الخروج من هذا المأزق الوطني.. وأن أياماً وسنوات أكثر قتامة من هذه مرت علي مصر كثيراً، ولكن الغُمة تنقشع دائماً مع أجيال جديدة أكثر إيجابية وقوة وقدرة علي المواجهة.

قلت كلاماً كثيراً.. ثم انصرفت، وفي حلقي غصة، وفي قلبي وجع.. وبصراحة لا أعرف حتي هذه اللحظة ما إذا كنت قد أقنعتهم بكلامي، أم أنهم زرعوا بداخلي خوفاً علي مصر اللي جاية.. إنها قضية أمن قومي لم يلتفت إليها أحد!

__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-09-2008, 12:52 PM   #3 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,877
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 348
شُكر 269 في 143 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


قضية أمن قومي (٣)

بقلم مجدي الجلاد

لم يكن غريباً أن أتلقي سيلاً من التعليقات علي مقالي «قضية أمن قومي» في الموقع الإلكتروني للجريدة، وعشرات الرسائل والاتصالات من قراء أعزاء، أرادوا الإدلاء بآرائهم حول هذه القضية الخطيرة.. ولم يكن مدهشاً أن يجسد الجميع ناراً تشتعل في قلب الوطن، وتهدد بغياب الانتماء لدي الشباب، وانفصام علاقتهم كلياً بالأرض والمجتمع.

اسمحوا لي أن أنقل لكم قبسات من هذه التعليقات.. ثم أروي قصة لشاب رابع.. يقول من اختار لاسمه «مصراوي» في تعليقه: «السؤال الآن: لو محمد عبدالعاطي، صائد الدبابات، اللي مات لأنه لم يجد ثمن العلاج، رجع تاني من قبره.. هل كان سيحارب؟!.. بصراحة أنا رايح أبحث عن وطن تاني أحارب علشانه.. بس المشكلة في لساني المصري، ولوني القمحي، وقلبي اللي عمره ما حب غيرها».

شاب آخر قال كلاماً غاضباً عن البلد وحاله، والفساد ورموزه، ثم اقترب من اليأس التام، ولكنه قال في نهاية تعليقه: «علي فكرة أنا بقول الكلام ده من ورا قلبي، بس نفسي ألاقيكي يا مصر زي ما حكولي عنك.. ربنا يرجعك بالسلامة.. غيابك طاااال!».

القارئة سلوي ياسين كتبت: «اطمئن يا أستاذ مجدي ونم قرير العين.. الشباب المصري بخير، وسوف يهرول دفاعاً عن وطنه إذا حصل عدوان لا قدر الله.. وكلامهم ده ما هو إلا فضفضة لشعورهم باليأس والإحباط، فأنا شخصياً عانيت كثيراً من ظلم وفساد في عدم تعيين ابني، ولكني علمته أيضاً حب الوطن والانتماء، لأن اللي مالوش خير في بلده مالوش خير في حد».

ميريام مقار تروي قصتها باختصار: «أنا تخرجت منذ سنة في كلية الألسن.. أتحدث الإنجليزية والفرنسية والإسبانية.. لم أجد وظيفة جيدة.. لذلك أعمل في وظيفة أكرهها وذات دخل ضئيل».. وقال شاب آخر: «إذا كان الشباب بيبيعوا كليتهم مش هيبيعوا البلد».. ويقول شاب يري أنه واقعي: «لو قامت حرب سأذهب للدفاع عن البلد، لكن بشرط، أن يحارب معي أبناء المالتي مليارديرات اللي مناصبهم مستنياهم وهمه في الروضة».

وبشيء من الحسرة والحزن يقول «غريب المغترب»: «أنا مهندس كمبيوتر أحمل خمس شهادات دولية في البرمجة.. من أصحاب الحالات الخاصة.. أكافح لكي تعيش (فقط تعيش) أسرتي الصغيرة (زوجة وطفلان).. بالله عليكم قولوا لي كيف أحب وطناً أعطيته عمري وعلمي ولم يعطني أربعة جدران أحتمي بها من قسوة المرمطة؟!».

أما القصة فهي لشاب اسمه «مصطفي».. كنت قد التقيته بعد نشر مقال «قضية أمن قومي» في أحد المطاعم الشعبية.. يعمل في تقديم الطعام، وتبدو عليه علامات التحضر والثقافة.. فور أن لمحني صرخ قائلاً: «أنا رابعهم يا أستاذ مجدي».. لم أفهم في البداية ما يقصده.. فبادرني سريعاً: «أنا رابع الشباب الثلاثة الذين التقيتهم علي المقهي.. تخرجت في كلية الآداب قسم لغة فرنسية منذ عدة سنوات..

وكنت متفوقاً في الدراسة واللغة.. نقبت عن عمل مناسب في كل خرم بالبلد.. وفي النهاية ارتضيت أن أعمل مدرساً في مدرسة خاصة.. في البداية أعطوني مرتباً ٢٨٠ جنيهاً شهرياً، وفي العام الدراسي التالي خفضوا المرتب إلي ١٦٠ جنيهاً، وقالوا: اللي زيكم بقوا علي قفا من يشيل، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل».

يضيف مصطفي: «بصراحة اسودت الدنيا في عيني.. وتركت العمل، وظللت أبحث عن فرصة أخري.. إلي أن (أكرمني الله) بالعمل في هذا المطعم.. والدنيا أصبحت أفضل كثيراً».

بصراحة.. لم أسأل مصطفي كم يتقاضي من «المطعم».. ولكنه مبسوط.. غير أن السؤال الذي لم يغادرني حتي هذه اللحظة: «هل كسبت مصر بعمل مصطفي، المتفوق في اللغة الفرنسية، في مطعم بلدي.. وهل خسر مصطفي دراسته وتفوقه.. ولماذا باتت مصر محترفة ومبدعة في أكل أبنائها»؟!

__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-09-2008, 12:56 PM   #4 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,877
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 348
شُكر 269 في 143 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


قضية أمن قومي (٤)

بقلم مجدى الجلاد

سألني شاب غاضب، تعليقًا علي سلسلة مقالات «قضية أمن قومي»: هل بإمكانك إنارة الطريق أمامي.. كيف أتحقق من هذا المجتمع الذي يغلق الأبواب في وجوه الشباب.. أنا خريج هندسة قسم ميكانيكا منذ ثلاث سنوات.. لم أستسلم لاكتئاب البيت، أو للمقهي والشيشة، وحفيت قدماي بحثًا عن عمل محترم، وفي غمرة المعاناة حصلت علي دبلومة من الجامعة الأمريكية، ولكنني اكتشفت أنها لا تساوي شيئًا مقارنة بـ«الواسطة».. ربما تعتقد أنني كنت أبحث عن عمل في الحكومة.. غير صحيح.. فقد اضطررت للنوم ليالي وليالي في شوارع العاشر من رمضان و٦ أكتوبر، وكلما ذهبت إلي مصنع وأخرجت شهاداتي قالوا لي «مفيش شغل».

استطرد الشاب: لا أري مبررًا لصدمتك من أحوالنا.. بل تعجبت عندما كتبت في مقال سابق أنك تخاف علي البلد بسبب غياب الانتماء لدي الشباب.. يا أستاذ مجدي هذه قضية محسومة.. لم تعد لدينا شعرة انتماء.. ولن أنتظر منك أو من غيرك كلام الأغاني الوطنية أو شعارات الحزب الوطني.. فالمواطن الذي يعجز عن الحصول علي «لقمة عيش» محترمة في بلد، سوف يكفر حتمًا بهذا البلد.. ثم كيف تطالبني بالدفاع عن أرض «خطفها» عدد من «المرتزقة»، وأقاموا عليها منتجعات وفيلات وقصوراً لـ ٥ آلاف مواطن، بينما أحمل أنا شهادة بـ ٩٨% في الثانوية العامة، وبكالوريوس هندسة «جيد جدًا» ودبلومة من الجامعة الأمريكية، ولا أجد عملاً بـ ٥٠٠ جنيه في الشهر؟!!!

كلام هذا الشاب فتح في ذهني قضية ذات ارتباط حميم بـ«البطالة وغياب الانتماء».. إذ بدا لي بوضوح أن النظام الحاكم في مصر اقترف خطيئة كبري.. ففي سنوات قليلة أوقف التعيين في الجهاز الإداري بالحكومة، وأطلق يد القطاع الخاص في ظل سياسة تحرير الاقتصاد المصري، التي بدأت بقوة في مطلع التسعينيات من القرن المنقضي.. فتحت الحكومة خزائن البنوك، ومنحت القروض بكرم حاتمي، وغفلة ائتمانية، وقالت لنا وقتها انتظروا ثمار النمو المتسارع للقطاع الخاص، الذي سيوفر فرص عمل بالملايين.. فماذا حدث؟!

كانت مصر تعاني وقتها من التداعيات الخطيرة لسياسة الانفتاح الاقتصادي غير الرشيد، وبالتبعية ظهرت فئة من رجال الأعمال لم تنضج بعد، وتحمل ثقافة مدمرة.. بعضهم اعتمد علي سياسة «اخطف واجري»، والبعض الآخر وضع «فلوس البلد» في مشروعات فاشلة، وأدارها بأسلوب «العزبة»، فضاعت الفلوس، وتعثر الكثيرون، وهربوا إلي الخارج.

غير أن الحكومة أرادت إصلاح ما أفسدته، ففتحت بعد ذلك «خزائن الشعب» بعد أن نضبت خزائن البنوك، وبدلاً من منح رجال الأعمال «الهبات كاش ماني»، وضعت خريطة مصر علي المائدة، وأمسكت سكينًا حادة، ومنحت «رجالها» الأراضي بنفس الكرم الحاتمي، وبدلاً من أن يقيم عليها رجال الأعمال مصانع وشركات منتجة، توفر للشباب فرص عمل، أقاموا عليها المنتجعات، فأصبح ثمن الفيلا الواحدة علي أطراف القاهرة يكفي لحل مشاكل ألف أسرة، و٥ آلاف شاب ضائع.

قولوا لي أنتم بماذا يشعر هذا الشاب، وهو يتابع إعلانات «مدينتي» و«آب تاون» و«القطامية هايتس»، ومنتجعات مارينا والعين السخنة ومرسي علم وشرم الشيخ والغردقة.. كيف يحب هذا البلد.. لماذا يضحي بروحه ودمه من أجل أرض الجولف والحدائق الغناء.. بأي إحساس نذبح الضحية فداءً لوطن مخطوف.. والكارثة أننا سندفع ثمن ذلك في المستقبل؟!

بالمناسبة.. أنا مع الاقتصاد الحر.. ولكنني لست مع اقتصاد «خطف الوطن»!

__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-09-2008, 01:00 PM   #5 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,877
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 348
شُكر 269 في 143 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


قضية أمن قومي «٥»

بقلم مجدي الجلاد

لم أعرف، وأنا أفتح ملف «البطالة والفساد والانتماء»، أن الجرح أكثر اتساعاً من خريطة الوطن.. لم أعرف أن مصر تغيرت كثيراً، وأن أمنها القومي في خطر حقيقي.. كنت أظن أن بمقدورنا إصلاح ما أفسدته السنوات الأخيرة في نفوس الشباب.. ولكن ردود الأفعال والرسائل والتعليقات بدت وكأنها ثقب مرير يصعب رتقه أو تضميده.

من بين مئات الرسائل.. إليكم ما كتبه شاب مصري من الخارج لعل الذين «يخففون» من حدة الأزمة يفهمون ما يحدث في كل بيت مصري.. يقول الشاب في رسالته تحت عنوان «الوطن الذي كان»:
لقد تابعت مقالاتك «قضية أمن قومي»، وأثار هذا الموضوع في نفسي شجوناً وأوجاعاً كثيرة، وطرحت علي نفسي السؤال، وأنا الذي خدمت في القوات المسلحة «هل إذا قامت حرب مع إسرائيل سأشارك فيها؟»..

ووجدت نفسي في حيرة شديدة، واسمح لي أن أقص عليك حكايتي: فقد نشأت في عائلة لها شهداء في الحروب التي خاضتها مصر ضد إسرائيل، ولأنها أسرة بسيطة فقد تعلمنا بالكفاح، وغرس أبي وأمي بداخلنا مبادئ الأمانة والشرف.. تعلمنا أن العلم وحده هو الذي يصنع المرء.

أنهيت المرحلة الثانوية بتفوق، والتحقت بأحد الأقسام النادرة بإحدي الكليات العلمية، وأكملت رحلة التفوق إلي أن أنهيت دراستي الجامعية، فقد كان الأمل بداخلي أقوي من حالة الإحباط وغياب العدالة الاجتماعية في البلد، لذا فقد تقدمت للجامعة لاستكمال الدراسات العليا، ولكن التحاقي بالقوات المسلحة حال دون حضوري المحاضرات العلمية في الجامعة، فتم حرماني من دخول الامتحان، وضاع حلمي في الحصول علي الدكتوراه.

في أثناء خدمتي العسكرية، التحقت بأحد المراكز البحثية لتخصصي العلمي النادر، واعتقدت في البداية أنها ستكون فرصة لتطوير خبراتي، ولكنني فوجئت بأن مهمتي أنا وزملائي، ممن يحملون تخصصات علمية نادرة، هي خدمة الضباط وإعداد الشاي والقهوة، ولن أصف لك حجم السخرية من الشهادات التي نحملها.

كنت أقضي الليالي وأنا أبكي تعبي وطموحي في إفادة البلد بعلمي، ولك أن تتخيل شاباً وضعوا اسمه في لوحة الشرف والتفوق في الجامعة يحدث له كل ذلك.. ورغم إحساسي بالمهانة، فقد خرجت إلي الحياة بعد ذلك،

وكلي أمل في الحصول علي فرصة عمل في طول البلاد وعرضها، حتي إنني تقدمت لأماكن كثيرة، وبعد تفوقي في الاختبارات والمقابلات يتم استبعادي أنا وغيري، لصالح أصحاب «الواسطة»،

حتي إنني نسيت تخصصي العلمي النادر، وتقدمت للعمل بأحد الأجهزة العلمية بالدولة، لإجادتي التامة اللغتين الإنجليزية والفرنسية، واجتزت بنجاح كل الاختبارات والمقابلات، لكن جاء أصحاب النفوذ و«كروت التوصية» وانتزعوا مني فرصتي الأخيرة.ظللت في بحر الأمواج المتلاطمة عدة سنوات..

ضائعاً وتائهاً بين هيئات الحكومة وشركات القطاع الخاص، حتي أرسل لي صديق تأشيرة زيارة للبلد الذي هاجر إليه، وأقسم لك يا سيدي أنني ترددت كثيراً في قبول الدعوة، ولكنني رضخت في النهاية بعد أن أغلقت في وجهي كل الأبواب،

وهناك أقنعني صديقي بالبحث عن فرصة عمل، وفي أقل من شهر وجدت وظيفة في مجال تخصصي العلمي، ومنها انتقلت إلي وظيفة أخري، ثم كانت النقلة النوعية بالتحاقي بأحد المراكز البحثية الحكومية في هذا البلد، وأقسم لك أن كل هذه «النقلات» تمت في أقل من ثلاث سنوات.

استقرت أحوالي.. فعدت إلي حلمي القديم، الذي حرمتني منه مصر.. الدراسات العليا.. وأنا الآن أستعد للحصول علي درجة الماجستير هناك، وأعمل حالياً مساعداً لمدير القسم، وأتقاضي راتباً يعادل ما يحصل عليه نحو ١٥٠ شخصاً من الموظفين في مصر، رغم أنني لم أكمل عامي الثلاثين.

واختتم الشاب رسالته الموجعة بكلمات أكثر إيلاماً: إن أكثر ما يؤلمني الآن أنني في طريقي للتخلي عن جنسيتي و«الوطن الذي كان»، وأقسم لك يا سيدي أنني لم أسع إلي هذه الخطوة، ولكنها جاءت بترشيح وضغوط من رؤسائي، لإيمانهم بتفوقي وتميزي واستفادة بلدهم مني..

لذا فأنا أختتم رسالتي لك بسؤال: إذا كنت مكاني.. هل كنت ستهب للدفاع عن الوطن الذي كان؟!.. أرجو منك أن تضع نفسك في مثل الظروف التي عشتها، ثم أجب عن سؤالي بالحيادية التي أعهدها دائماً في كتاباتك.

الإمضاء: شاب كان نفسه يفضل مصري

انتهت رسالة الشاب.. أما إجابتي عن سؤاله: لا أعرف!.

__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

Bookmarks



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:31 PM.


Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.

. i2d

   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92