قيل

إنّ قدرة الإنسان على العدل تجعل الديموقراطيّة أمراً ممكناً ، ونزوعه إلى الظلم تجعل الديموقراطية أمراً ضرورياً ).
المقصود بالديموقراطية النظام السياسي والاجتماعي الذي تحمل قيم:العدل والمساواة والحرية والمشاركة .
الديموقراطيّة ليست النظام المثالي، ففيها الكثير من الثغرات. من هذه الثغرات : إيصال غير ذي الكفاءة إلى الحكم. وتحكّم الأكثريّة وإشراك الجهلة... ولكنها النظام الأمثل الذي توصّلت إليه اجتهادات البشر في منع الظلم الناتج عن التسلّط والاستبداد ، وفي التأسيس لعالم مستقرّ.
فالديموقراطية تؤسس للعدالة الاجتماعية لأنها تضمن تكافؤ الفرص من خلال إتاحة التعليم للجميع ومحاربة الفساد كالرشوة والمحسوبيات.
وهي أيضاً تؤسس للعدالة حين تفصل السلطة القضائية عن سائر السلطات. وتؤمّن العدالة حين تحقق إنماء متوازناً فلا تهمل حاجات منطقة لصالح منطقة أخرى. وهنا يتحقق مفهوم جديد للمساواة: لكلّ حسب حاجته. فتسيير سكة حديد في طرابلس مثلاً هدر لانتفاء الحاجة إليها. ومرفأ في بعلبك هدر لانتفاء الحاجة إليه وسخف المطالبة به لوجود مرفأ في بيروت وطرابلس مثلاً.
وتؤسس للعدالة كذلك حين تعرّف المواطنين بشفافية تامة بحقوقهم وواجباتهم وتمكّنهم بعد ذلك من المطالبة بهذه الحقوق، من طريق الانخراط في مؤسسات المجتمع المدنيّ . بتعبير آخر حين تمكّنهم من المشاركة السياسية ترشيحاً وترشّحاً وانخراطاً في الأحزاب المتنوّعة، والمشاركة الخدماتيّة والتنمويّة من خلال دعم أو الانخراط في الجمعيات الأهليّة ، بل المشاركة في تشكيل ثقافة المجتمع وتغييرها من طريق هذه الجمعيات. والمساهمة في تحسين أوضاعهم الاقتصادية من خلال الانتساب إلى النقابات.
هذه المشاركة لا تضمن فقط حريّة التعبير ، بل أكثر من ذلك هي تشكّل مجموعات ضغط على السلطة تؤثّر في تعديل أو تغيير قرارات، كما في المطالبة بحقوق الشرائح الشعبية سيّما الضعيفة منها.
الارتباط إذاً بين قيم العدل والحرية والمشاركة وثيق في الأنظمة الديموقراطية.
وطرق المشاركة متاحة عبر الانتساب إلى أو دعم مؤسسات المجتمع المدنيّ الثلاثة: الأحزاب،النقابات والجمعيات الأهليّة.
لكن هل هذا كاف؟
لماذا لم تنجح تجربة الديموقراطية في عالمنا العربي؟
يقولون :لأنها بقيت تجربة سياسية،في حين أنّ الديموقراطية نظام حياة.
فحياتنا الاجتماعية بعيدة كلّ البعد عن الممارسة الديموقراطيّة. ولا زال نظامنا الأسري نظاماً سلطوياً
وكذلك نظامنا الاجتماعي عموماً ونظامنا التربوي تلقيني.
غير أنّ ثمت من يفرّق بين السلطويّةو التسلّط. ويعتبر أن لا مشكلة مع السلطويّة إن هي لم تؤدّ إلى التسلّط. بمعنى أن تكون السلطوية هي (الكلمة الأخيرة) . وليست هي (الكلمة الوحيدة)
ووجود النظام المتسلّط اجتماعياً يلغي بالضرورة ممارسة قيم المشاركة في اتخاذ القرار وحريّة الفرد وهو نقيض كذلك لثقافة المساواة. ولعل المرور على بعض الأمثال الشعبية يسلّط الضوء على مدى اتّساع الهوّة بين القيم الديموقراطية والثقافة الاجتماعية . كقولهم مثلاً: بعيدة عن ضهري بسيطة. )أين هذا المفهوم من مفهوم المشاركة؟ وقولهم:الشراكة شرك.
وأما الأمثال الشعبية التي تخصّ المرأة ودورها فمثال آخر عن بعد الثقافة الاجتماعية عن مفهوم المساواة.
وهكذا.
وتبقى إشكالية في غاية الأهمية هي موقف المجتمع من السلطة ، ومن القانون.
هذا الموقف المجافي للسلطة حتى في لبنان الذي يعتبر نظامه السياسي ديموقراطياًومجتمعه المدنيّ فاعلاً والمواطنون مشاركون فيه، لا يضمن نظاماً ديموقراطياً اجتماعياً فاعلاً. لأنّ الناس يلوذون بشخصيات السلطة تزلّفاً ولا يسعهم محاسبتهم في ظلّ نظام طائفي ، تحتمي فيه كلّ طائفة بزعمائها.
ودور القانون إذاً وتأثيره ضعيف . ومن مؤشّرات عدم ثقة الإنسان العربي بالقانون: عدم الالتجاء إليه لحلّ المشكلات العالقة حتى في حال فشل الوساطات الاجتماعية المألوفة. ويفضّل الناس أن تهضم الحقوق ويتركوها على(الله) وتأكلهم العداوات بدل العودة إلى القانون. فالقانون ليس حكماً هنا بل شكل من أشكال السلطة القاهرة. لذلك إن أنت لجأت إليه لتحصل على حقك سأعتبر ذلك شكلاً من أشكال القهر الذي مورس ضدي وليس احتكاماً إلى العدالة.
الموقف من القانون كذلك حتى لو كان القانون فاعلاً وعادلاً يحول دون تأسيس نظام اجتماعي ديموقراطي.
لا الصناديق ولا تداول السلطة ولا فصل السلطات مؤشر حقيقي على وجود مبادئ الديموقراطية نإلا أن تكون الممارسة الاجتماعية ممارسة تحمل هذه القيم.