يهل علينا شهر الصيام،والبركة والغفران،فيطرح السؤال:كيف يثبت دخول الشهور عامة وشهر رمضان خاصة؟هل بالاعتماد على الرؤية المجردة أم بالاعتماد على حسابات أهل الفلك وقياساتهم؟هل تكلف الدولة كل شهر لجنة تراقب الهلال،وتضع رقم هاتفها عند سائر أهل البلد ليخبرها أي واحد منهم بثبوت الرؤية،أم أنها تعتمد على تقويم جاهز معتمد على أدق المقاييس العلمية؟.
في الحقيقة لا زلت أقدم رجلا وأؤخر أخرى قبل الخوض في هذا الموضوع،لما ترسب في ذهني من خلال قراءاتي لكتب علماء السنة والأثر،من أن القول بالحساب قول شنيع باطل لا يقول به سني،بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك،ولا زالت كلمات شيخ الإسلام بن تيمية في تشنيع القول بالحساب ترن في أذني،مما جعلني أعتقد مدة أن الأمر جازم لا يحتمل النظر والمناقشة.إلا اني أثناء دراستي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة راع انتباهي أن الدولة السعودية تعتمد في دخول الشهر وخروجه على الرؤية كما هو الأصل،لكنها في التواريخ الرسمية والمعاملات الإدارية ،وتواريخ العطل والإجازات،وإثباتات العقود،تعتمد تقويما فلكيا حسابيا معتمدا على قياسات أهل الهيئة وجداولهم،حتى إنك قد تسأل الواحد عن تاريخ اليوم فيجيبك:5 بحسب الرؤية،6 حسب التقويم.
والذي دفعهم إلى الصنيع هو أن الاعتماد على الرؤية لا يسهل وضع جداول ومواعيد مستقبلية دقيقة،لأن الشهر لا يدرى أيكتفي بتسع وعشرين يوما أم سيتم الثلاثين ،ومعرفة ذلك لا تكون إلا بالرؤية التي تكون عند بداية الشهر،وبالتالي لو اتفقنا على أن الشروع في إنجاز عقد من العقود مثلا سيكون في العشرين من محرم السنة القادمة ونحن في شوال،فإن هذا اليوم يحتمل موافقته لستة أيام من أيام الأسبوع،لأن شوال قد يكتفي بتسع وعشرين وقد يتم الثلاثين،ومثل ذلك في ذي القعدة وذي الحجة،فالعشرون من محرم قد يوافق الإثنين وقد يوافق الثلاثاء ......وهكذا،ولا نستطيع الجزم بذلك إلا بعد دخول هذه الأشهر جميعا،ومثل هذه المواعيد غير الدقيقة لا يمكن العمل بها في مثل هذا العصر،الذي تصعد فيه أسهم،وتفلس شركات في ثانية من الزمن،والذي تضبط فيه مواعيد بعض الأحداث سنوات قبل وصولها،فاضطرت الدولة السعودية إلى الاكتفاء باعتماد الرؤية في مجالات التعبد،كرمضان والحج ،واعتماد التقويم الحسابي في المعاملات الرسمية والإدارية،فجعلت أسائل نفسي هل التقويم القمري عاجز عن تدبير أمور الدولة وتصريف شؤونها بدقة وعملية؟وهل هذه الآلات الفلكية الحديثة الصنع والمتطورة جدا،والدقيقة جدا،لا يمكن استغلالها لحل كثير من الإشكالات المتعلقة بهذا الموضوع؟.
ولماذا يتم اعتماد التقويم الحسابي في معرفة أوقات الصلوات ،ونحن نستعمل ساعات يدوية صنعها علماء الفلك ترشد إلى أوقات الصلوات ومكان القبلة بكل دقة،ولانعتمده في إثبات دخول الشهر وخروجه؟.
ومع أن هذه الأمثلة راجت في ذهني إلا أني لم أستطع التجرأ على هذا الباب،لما ذكرته آنفا من شدة نكير أهل الأثر على القائلين بذلك،حتى وقفت
على بحث قيم في هذا الباب ،للحافظ أحمد بن الصديق الغماري في كتابه "توجيه الأنظار"،والذي أجاز فيه بل أوجب العمل بالحساب بشروط اشترطها لذلك،فرأيت بعد ذلك ان لا حرج في خوض غمارهذا الموضوع والجرأة فيه.
السلام عليكم -أخي أبو عائشة - ورحمة الله وبركاته
وأشكرك على بداية طرحك لهذا الموضوع وأنا متشوف منك لإكماله
لكني أحب أن أنبه إلى أنه قد صدر في الشهر السابق من هذالعام رسالة جامعية تتعلق بهذا الموضوع وهي : (أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها ) تأليف :أحمد بن عبد الله الفريح ،طبعة دار ابن الجوزي ، وتقع هذه الرسالة في مجلد واحد لطيف عدد صفحاته :290صفحة ،تحدث فيها الشيخ عن موضوعات عدة منها على سبيل المثال لاالحصر :
- حقيقة الأهلة
-مشروعية العمل بالأهلة عند أهل الشرائع
-الفرق بين الشهر الشمسي والقمري
- الفرق بين الهلال عند أهل الشرائع وعند الفلكيين
-طرق ثبوت رؤية الشهر:وتكلم في هذه النقطة بكلام نفيس منها مايتعلق بموضوعكم
إلى غير ذلك من المواضيع المهمة والتي يجب الاطلاع عليها في هذا الوقت خاصة
وفقكم الله -أستاذ أبو عائشة -
وأنا بانتظار باقي تعليقاتكم وأود منكم أن تشيروا إلى الدار التي طبعت الكتاب الذي أشرتم إليه ..
محبكم :الثبيتي -أبو البراء -
السلام عليكم -أخي أبو عائشة - ورحمة الله وبركاته
وأشكرك على بداية طرحك لهذا الموضوع وأنا متشوف منك لإكماله
لكني أحب أن أنبه إلى أنه قد صدر في الشهر السابق من هذالعام رسالة جامعية تتعلق بهذا الموضوع وهي : (أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها ) تأليف :أحمد بن عبد الله الفريح ،طبعة دار ابن الجوزي ، وتقع هذه الرسالة في مجلد واحد لطيف عدد صفحاته :290صفحة ،تحدث فيها الشيخ عن موضوعات عدة منها على سبيل المثال لاالحصر :
- حقيقة الأهلة
-مشروعية العمل بالأهلة عند أهل الشرائع
-الفرق بين الشهر الشمسي والقمري
- الفرق بين الهلال عند أهل الشرائع وعند الفلكيين
-طرق ثبوت رؤية الشهر:وتكلم في هذه النقطة بكلام نفيس منها مايتعلق بموضوعكم
إلى غير ذلك من المواضيع المهمة والتي يجب الاطلاع عليها في هذا الوقت خاصة
وفقكم الله -أستاذ أبو عائشة -
وأنا بانتظار باقي تعليقاتكم وأود منكم أن تشيروا إلى الدار التي طبعت الكتاب الذي أشرتم إليه ..
محبكم :الثبيتي -أبو البراء -
حفظك الله أخي الحبيب وبارك فيك
الكتاب المذكور له طبعتان
طبعة قديمة بدار البيارق
وطبعة جديدة بدار الكتب العلمية
وكلاهما تحقيق حمزة الكتاني
وفقك الله أخي الحبيب
(2)
وأعظم ثقل أزاحه الحافظ من على كاهلي , هو نقض دعوى الإٌجماع , وذكر أسماء المخالفين والنقل عنهم, مما فتح لي الباب على مصراعيه للمناقشة والترجيح والرد , فرأيت بعد طول تأمل وتدبر أن الدولة المسلمة لابد لها من اعتماد الحساب في إثبات بيانات الشهور ونهاياتها, ولا يسع الدولة المسلمة المعاصرة إلا العمل بهذا القول والذي دفعني إلى هذا الاختيار هو قوة الأدلة وظهورها بغض النظر عن القائل أو المخالف, وأهم هذه الأدلة ما يلي :
1-أن هذا القول ليس ببدعة ولا بمحدث, بل هو مذهب طائفة من أهل العلم , فبه قال مطرف بن عبد الله بن الشخير أحد كبار التابعين وسادتهم , وبه قال أبو العباس بن سريج أحد كبار أئمة الشافعية حتى قيل عنه أنه مجدد الأمة على رأس المائة الثالثة, وقد حكى ذلك عن نص الإمام الشافعي, وهو مذهب محمد بن مقاتل الرازي تلميذ محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة, وهو قول لابن قتيبة , ورجحه كثير من الشافعية ،كالقفال الشاشي الكبير،وابن دقيق العيد،والسبكي الذي ألف رسالة بعنوان : "العلم المنشور في إثبات الشهور"،وهو قول عند المالكية ,ذكره القرافي وعليش ,وهو مذهب الإمام جعفر الصادق وأصحابه وكفى وبه علما وفضلا.
أما من المعاصرين فالشيخ طنطاوي جوهري له رسالة في الموضوع بعنوان "الهلال"،يذهب فيها إلى هذا القول،والشيخ مصطفى المراغي ذهب مذهب السبكي في ترجيح الحساب على الرؤية عند التعارض،وللشيخ محمد بخيت المطيعي مؤلف ضخم بعنوان: "إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة".
ومن أشهر من تبنى هذا الرأي الشيخ رشيد رضا صاخب المنار،وكذلك العلامة المحدث الأثري أحمد شاكرفي رسالته: "أوائل الشهور العربية هل يجوز إثباتها بالحساب الفلكي؟"،والحافظ الغماري أحمد بن الصديق.
واختاره الشيخ يوسف القرضاوي،والشيخ محمد فتحي الدريني،والشيخ مصطفى الزرقا،وغيرهم.
وما ذكرته هنا ليس بدليل ,وإنما فقط أثبت فيه أن المسألة ليست كما يتصورها البعض لا تقبل النقاش ولا تحتمل الأخذ والرد , ولئلا يحمل على أحد عصا الإجماع التي طالما حملت في وجه الباحثين عن الحق , فأخرست ألسنتهم, وقيدت أقلامهم .
2-أن القول بالحساب هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته, وأفطروا لرؤيته , فإن غم عليكم فاقدروا له ) فالراجح في تفسير التقدير , أي ما قدره الله من المنازل والسير فيها , وهذا التفسير هو الذي خلا من التناقض والتعارض على عكس الأقوال الأخرى ¸ولا يعترض عليه بقوله صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى (فأكملوا العدة ) فهذا خطاب للعامة ممن ليس عندهم عالم بالحساب و المنازل , والتقدير خطاب خصه الله تعالى بهذا العلم. وهكذا فسره ابن سريح وابن عربي والطحاوي إلا أنه ادعى نسخه بدون دليل , ووافقه على ذلك ابن رشيد الكبير .وأما رواية (فاقدروا له الثلاثين) فذلك خطأ من الرواية وتصرف منهم كما أوضح ذلك الحافظ في كتابه بإسهاب وبيان .
3-القياس على الصلاة , فكما أنه يعتمد قول الحاسب في مواقيت الصلاة في سائر مساجد المسلمين فكذلك يعتمد في دخول الشهر وخروجه،ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية كان منضبطا مع قوله ببطلان الحساب حين رأى أن المؤذن عليه أن يراقب بعينيه دخول وقت كل صلاة ، خاصة وأن المواقيت تختلف ، أما القول ببطلان الحساب في الصوم واعتماده في الصلاة فهذا تناقض ظاهر وبين لا تقبله الشريعة .
4-أن علم الفلك قد تقدم تقدما مهولا وكبيرا ، وحساباته أصبحت دقيقة جدا ، خاصة مع اعتماد الأقمار الاصطناعية والوسائل التكنولوجية الحديثة ، التي تحدد لك وقت اجتماع القمر بالشمس بالثانية من الزمن ، مما يجعل الخطأ بعيدا جدا ، فهل المقصود هو الرؤية بذاتها، أم المقصود هو العلم بدخول الشهر؟ لاشك أن المقصود العلم بدخول الشهر ، فكيف نترك المعطيات العلمية الدقيقة ، والتي كانت مفقودة في عهد النبوة للاعتماد على الرؤية التي أصبحت عسيرة خاصة في عصر ناطحات السحاب وتلوت المحيط الجوي ، فالقول باعتماد الحساب فيه إسكات حتى للأفواه التي تتهم المسلمين بالتخلف واعتمادهم على وسائل بدائية أكل الدهر عليها وشرب .
يتبع
(3)
5-إن العمل بالتقويم الحسابي هو الملائم والمناسب لتدبير شؤون الدولة المسلمة المعاصرة ، إذا كنا لا نريد اعتماد التقويم الشمسي ، ونعتبر التقويم القمري مكونا من مكنات الثقافة الإسلامية ، وعنصرا من عناصر هويتنا ، فلا يمكن لهذه الدولة أن تحدد تواريخ إلتزامتها وعقودها ومواعيدها وبرامجها المستقبلية ، والتي تضبط في عصرنا بالدقيقة والثانية اعتمادا على تقويم غير منضبط ، لا يمكن ضبطه مقدما لأننا بحاجة إلى انتظار نهاية كل شهر لنعلم إن كان تسعا وعشرين أو ثلاثين ، مما يضطر الدولة إن لم تعتمد على الحساب إلى الالتجاء إلى التقويم الشمسي لانضباطه وفعاليته أو وضع تقويم حسابي يعتمد إداريا وفي نفس الوقت اعتماد الرؤية لضبط أوقات العبادة ، كما هو معمول في دولة آل سعود ، وهذا يسبب بللا وتشويشا الدولة المسلمة في غنى عنه ، فلم يبق إلا اعتماد التقويم الحسابي المنضبط .
6-إن العمل بالتقويم الحسابي يسهل مهمة المؤرخين ، في ضبط الأيام والأحداث بالساعة واليوم والسنة بدقة بالغة ،وهذا ما لا يتأتى مع التقويم المعتمد على الرؤية ، فإنا لو أردنا أن مثلا أن نعرف اليوم الذي وافق الثالث والعشرين من شهر شنبر في السنة السابعة والستين من القرن السابع العشر الميلادي فإننا لن نجد أي عناء في معرفة اليوم الذي صادف هذا التاريخ ، وهو يوم الجمعة ، وهذا له أهمية عند المؤرخين ، إذ يساعده ذلك في تدقيق تاريخه ، وفي حل بعض الإشكالات التاريخية
التي تعترضه ، وكذلك الأمر فيما استقبل من الأيام ، فلو أردنا مثلا أن نعرف اليوم الذي سيوافق السابع عشر من مايو عام سبع وتسعين وخمسمائة من القرن الحادي والعشرين فإننا بإطلالة بسيطة على التقاويم الموجودة في كثير من الأجهزة الإلكترونية سنجد أنه يوافق يوم الأربعاء .وهذه الدقة غير متيسرة في التقويم القمري ، فلو أننا مثلا لم يتيسر لنا في حدث معين معرفة يومه ، وليس معنا إلا تاريخ اليوم وسنته ، فلن نتمكن من معرفة لذلك اليوم لحاجتنا إلى معرفة كل الشهور من شهرنا الحاضر إلى وقت الحدث هل أتمت الثلاثين أم لم تتمها ، وهذا أمر مستحيل ، وكذلك لا نستطيع أن نعرف اليوم الذي سيوافق أي تاريخ مستقبل لأننا لا نعلم الشهور القادمة هل ستتم الثلاثين أو لا تتمها . فيجب الاعتراف بأن التقويم القمري المعتمد على الرؤية غير دقيق وغير منضبط وأن العمل بالحساب هو الطريقة الوحيدة لحل هذا الإشكال .
7-أن الاعتماد على الحساب في تحديد التقويم الزمني سوف يحل الإشكال المتعلق بدخول رمضان وتفرق المسلمين في صومهم وإفطارهم ، ذلك أن الحساب لا يعطينا إلا يوما واحدا تحدده الجنة الفلكية المكلفة بالأمر وبهذا ننهي الجدالات والنقاشات التي تطفوا كلما اقترب شهر رمضان ، وما يتلو ذلك من تفرق المسلمين بين صائم ومفطر حسب البلدان ، بل في البلد الواحد يفترق الناس بين صائم يقول بتوحيد الصيام ، ومفطر يقول لكل أهل بلد مطلعهم ، بل في البيت الواحد ، تفترق العائلة بين صائم ومفطر ، وينعكس هذا بشكل أفظع على يوم العيد ،فالذي وحد الصيام يأكل والناس ممسكون ولا يستطع أن يظهر فرحته بالعيد ولا أن يعيش مراسيم العيد ، ولا يحضر الصلاة مع جمع المسلمين ، وبعض الناس يجتمعون في بعض البيوت ليصلوا صلاة عيدهم في منأى عن أعين السلطة ، وعددهم لا يتجاوز بضع عشرات على الأكثر ، وبعضهم يكتفي بصلاة عيده منفردا في بيته أو مع أهله وأبنائه في أحسن الأحوال ، فهل هذا هو المقصود بصلاة العيد ؟ حيث يخرج الناس جميعا إلى مصلى فسيح ، ليعقدوا اجتماعا عاما ، وقد لبسوا أحسن ثيابهم ، وليهني بعضهم بعضا ويبارك بعضهم لبعضا في جو بهيج يحضره النساء والأطفال ، ويخرج الناس قبل الصلاة في الأزقة والشوارع مكبرين ومهللين ، ويعودون من غبر طريق ذهابهم فرحين مسرورين ، هذا هو العيد ، وهذا هو المقصود من تشريعه ، فهذه الخلافات والحدود السياسية أفقدت هذا العيد بهجته عند كثير من الناس ، فإذا كنت ممن يرى وجوب توحد المسلمين في صيامهم ، فيوم العيد عندك يصومه الناس، وهم بالمقابل يرونك مفطرا شاذا غريبا ، مما يخلق جوا مستفزا داخل البيت الواحد ،وقل مثل ذلك في عيد الأضحى فإن كان كثير من الموحدين يؤخرون ذبح أضحيتهم يوم ذبح أبناء بلدهم ، لأن الشارع قد أنقدهم من هذا الحرج حين أباح تأخير الذبح إلى آخر أيام التشريق ، فإن البعض يصر على ذبح أضحيته اليوم الذي يذبح فيه المسلمون في الأقطار الأخرى وهكذا تسيل الدماء وتفوح رائحة الشواء ، ويلهو الأطفال ، وعموم الناس منهم من لم يشتر أضحيته بعد .
فهذه المشاكل وغيرها سنتفاداها إذا اعتمدنا التقويم الحسابي المنضبط ، والذي يحدد بداية رمضان أو ذي الحجة يوما واحدا في سائر أقطار المعمور فيكون الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس و الأضحى يوم يضحي الناس .
8_ من الناحية الأصولية،فهل الرؤية مقصد أو وسيلة؟
لعله من المكابرة الزعم بأن الرؤية مقصودة لذاتها،وأي تعبد وتكليف في مجرد الرؤية؟،وإنما هي وسيلة من الوسائل أرشد الشارع إليها لتحديد وقت العبادة وزمنها،وإذا ثبت هذا فما كان وسيلة وخرج عن التعبد المحض،الأصل فيه التعليل،ومعرفة الباعث على الحكم،والعلة الظاهرة في الرؤية هي أمية الأمة،بل هي علة منصوصة قوية الدلالة والاعتبار،(إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب،.............)،ووجود المناسبة بين هذه العلة والحكم واضح وضوح الشمس في رابعة النهار،فلما كانت الأمة أمية ناسب توجيهها إلى وسيلة لا حساب ولا كتابة فيها،وهي الرؤية.
وإذا ثبت تعليل الحكم فإن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما،وقد عدمت الأمية في الأمة فعدم الحكم،فكيف إذا تيسرت الوسيلة المحققة لنفس المقصد بشكل أكثر قطعية ويقينا؟ لا شك أن كل متأمل عميق النظر سينتهي إلى ضرورة الانتقال إلى هذه الوسيلة المحققة للغاية والمقصد.
قال الحافظ ابن حجر _رحمه الله_ في تفسير قول المصطفىلا نحسب): ذلك قول الحافظ ابن حجر: المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير. فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لرفع الحرج عنهم في معاناة التسيير)،وقد رفع الحرج اليوم،بل ربما وجد من الحرج في الرؤية مالا يوجد في الحساب.
9-الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن السبب في اعتماد النبي صلى اله عليه وسلم على الرؤية هو ضعف وسائل العرب إذ ذاك في معرفة المنازل ورصد النجوم فلم يكن عندهم مناظير ولا تليسكوبات ولا أقمار صناعية ولا مراكب فضائية ولا حسابات رياضية دقيقة ولا غير ذلك من وسائل الرصد ، نعم كان لهم إلمام بعلم النجوم وحساب المنازل والأبراج وكانوا يعتمدون ذلك في أسفارهم وفي معرفة مواقع القطر والنبات ، وأوقات الزرع والثمار وحلول الأمراض وال’فات ، ولذلك امتن الله عليهم بذلك ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) . لكن مع هذا كله فوسائلهم ضعيفة خاصة مع بعد النجوم وبدائية الآلات إن كان هناك آلات أصلا، فلم يكن لهم إلا الاعتماد على الرؤية ، أما الآن فقد سخر الله تعالى هذه الآلات الفلكية البالغة الدقة ويسر الله تعالى هذه الأقمار الاصطناعية القريبة من مواقع النجوم ، وبلغ علم الحساب مراحل جد متقدمة كل هذا وغيره يجعل نتائج هذا التقويم أمرا قطعيا برهانيا لاسبيل إلى جحده وإنكاره ، والمقصود عندنا هو معرفة دخول الشهر وليس الرؤية لذاتها،فكيف نترك جهدا علميا دقيقا ومتقنا لوسيلة قديمة(الرؤية) فرضتها ظروف العصر وحيثياته.؟
10- أن أقصى ما استدل به المنكرون للعمل بالحساب هو قول النبي صلى الله عليه وسلم إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب،الشهر هكذا وهكذا،........)الحديث،فأنكر فيه عمل الأمة بالحساب،والاستدلال بهذا الحديث وبهذا الفهم لايستقيم مع ما نرفع به أصواتنا من أن هذه الأمة أمة العلم،وأمة الحضارة،وأمة الرقي،ولا زلنا نتباهى على غيرنا،بسالف مجدنا في العلوم التجريبية،ولا زلنا نفتخر بالخوارزمي وابن سينا وابن حيان وابن النفيس والشريف الإدريسي وغيرهم،ولدينا نصوص كثيرة تحث على العلم وتحض عليه،وحاجة الناس إليه ظاهرة،فهل يليق بنا ونحن المعتزون بديننا وهويتنا إذا طلب منا أحد الخصوم الاعتماد على الوسائل العلمية الحديثة،والاستفادة مما وصلته الحضارة الإنسانية،أن نستدل بهذا الحديث؟كيف سيكون موقفنا حينئذ؟،وهذا ليس ردا للحديث_حاشا لله_،فلأن تشق الأرض فتبلعني خير لي من أرد حديثا صحيحا عن الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه،ولكني اناقش في فهمه والاستدلال به،خاصة وأن علماء الأمة اختلفوا اختلافا كبيرا في تحديد معناه،وقد ألف الإمام أبو عبد الله السائح رسالة لطيفة،أسماها(تحقيق الأمنية،في شرح حديث إنا أمة أمية)،ومهما كان الراجح في تفسير هذا الحديث ،فإن التفسير الذي لايمكن أن نقبله،وهو باطل قطعا،هو القول بأن هذا الحديث فيه أمر أو تقرير لبقاء هذه الأمة على جهلها بعلم الكتابة والحساب،فينبغي ترجيح التفسير الملائم مع النصوص الأخرى الحاضة على طلب العلم ،والمثنية على طالبه،والذي يشجع هذه الأمة على بذل جهدها من أجل التقدم والتطور الحضاري.
وقد رجح الحافظ الغماري أن المقصود هو أنه هو_عليه الصلاة والسلام_ أمي لا يكتب ولا يحسب،وهذا فيه معجزة ظاهرة له،وبرهان صادق على رسالته،إذ كيف يتمكن الأمي من أن يأتي بدين عظيم مكتمل الجوانب،وكتاب معجز في لفظه،بديع في معانيه،اللهم إلا أن يكون رسولا حقا من الله تعالى.
وهذا تفسير لطيف ليس فيه ما يدل على أن هذه الأمة ملزمة باتباع وسيلة تقليدية في إثبات دخول الشهر وخروجه.
فهذه أدلتي على هذا الرأي الذي تجرأت على القول به،وإن أصبت فمن الله،وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
بقي لي التنبيه على مسألة،وهي أن الحافظ أحمد بن الصديق مع أنه رجح وجوب العمل بالحساب،إلا انه اشترط لذلك شرطين:
الأول:أن يكون المخبر بذلك من أهل الحساب جماعة متعددة يؤمن معهم الخطأ.
الثاني :أن يكون ذلك في حالة الغيم لا في حالة الصحو.
وانا وإن كنت أوافقه على الشرط الأول،بل أدعو إلى تكوين هيئة فلكية إسلامية عليا،تهيأ لها أحدث الوسائل العصرية،والإمكانات المادية،تتكلف بإصدار تقويمات هجرية،وبتحديد بدايات مواسم العبادة ونهاياتها،فإنني لا أوافقه على الشرط الثاني.
وبناء على ما ذكرته سابقا فإني أرى اعتماد الحساب جملة وتفصيلا،لأن الأمر لا يتعلق بقضية دخول رمضان فقط،بل هو أعم من ذلك،فتعلقه بتسيير شؤون الدولة عامة،وتدبير شؤونها،وضبط برامجها،وهذا كما ذكرت لا يتأتى مع الاعتماد على الرؤية،والله تعالى أعلى وأعلم.