في سكون الليل
أغلق باب البيت برفق حتى لا يوقض النائمين , وجلس على أول درجة أمام الباب واضعا يده على خده...
وأخذت عيناه تنظران إلى السماء تارة , وأخرى تتجولان في ساحة البيت , ولكنه لم يكن يعي حقيقة تلك الصور التى يتقلب بينها...إنه يبحث عن متنفس من نوع آخر لانه لم يستطع النوم...
بهدوء أقرب إلى الصعوبة تنفس, ثم تنهد ...ثم دمعة فدموع , الوضع ليس طبيعيا ...
أنـــــــا الراوي , سمحت لنفسي أن ادخل في كيانه , لأتحسس مايجري عن كثب...فوجدت صراعا بل حرب شعواء بداخل هذا المسكين...
لقد كان قلبه منهك , ومتعب ليس بسبب مرض لا , و لكن بسبب ذنوب اقترفها فتذكرها فارهقته , قلبه صار كالكوز المجخي من فرط المعاصي, ولم يبقى للخير إلا رقعت صغيرة ولكنها شديدة البياض ...
وضعت يدي على تلك البقعة البيضاء لأمسح عنها ذلك السواد المحيط بها , فهاجمتني دابة مفترسة لتلتهم يدي...
مهلا , مهلا من انت... ؟
أنا السواد , أنا الشبهات , أنا الشهوات , أنا اللذة العابرة, أنـــــا النفس الأمارة بالسوء
الراوي : حسنا ..حسنا ...لكن لماذا هذا التحرش ؟...فأنــــــا لا أريد إلا مساعدة قلب هذا المسكين...!
النفس الأمــــــارة بالسوء: أنصحك بالخروج من مملكة الشر هذه , وإلا أسرتك في سواد اعظم من هذا الذي تراه...
الراوي: الآن عرفت سبب بكاء ذلك المسكين , لقد احرقته بنار المعصية ...لكنني أؤكد لك أن شياء بداخله بدأ يتحرك إسمه, الإيمان...
وفجأة يسطع نور من قلب ذلك المسكين...نور ولكنه هزيل الهيئة...يصارع الظلام المحيط به ليقول...
الإيمان: من ذكر إسمي , هل لزلت حيا في وسط هذا العفن من ذل المعصية ووحشتها...؟
الراوي : أنت كذلك ...حي نعم ...ولكن دعك مني وانتبه لقلب صاحبك , فهو لم يستطع النوم , وأنــــا متأكد أن السبب هو هذه النفس الخبيثة الامارة بالسوء...
الإيمان: صدقت , وأنــــــــا في صراع معها منذ زمن , ولكن كيف لي أن أساعد هذا المسكين...
الراوي : الآن تركته يذرف دموع , أعرف عنوانها ...إنها..
الإيمان: لا تكمل إنها دموعي , هي دموع الشوق إلى الله والبحث عن الأنس...
الراوي : حسنا إذا ...تحرك إنه يقلب بصره في السماء ...حرك كيانه وجعله يستشعر عظمة الله في نجومه وقمره وخلقه...إجعل قلبه وعقله يتوحدان , ليتدبر في ملكوته الواسع الرحب ...
الإيمان : آه كم أفتقده , ... لن أتوان في مد العون له وإرشاده إلى الحقيقة التي خلق من أجلها ليرتاح...بسم الله وعلى بركة الله...
وأنا الراوي أخرج من كيان ذلك المسكين مرة أخرى لأرى المشهد على جوارحه...سبحان مغير الأحوال , إن بشرته تملأها القشعريرة و, دموعه لا تتوقف , لقد انتفض واقفا, هاهو يرفع رأسه إلى السماء ...
أنا متأكد أن قلبه وعقله الآن واحد , لقد فعلها صاحبنا ...إنه يتدبر في سبحات الله...هاهو ينزل من على الدرج , ليسجد على الأرض مباشرة , ويدعو ربه في سكون الليل أن يغفر الله له ماسلف , ويثبته على إيمانه ودينه...
أخوكم عبد الحكيم من الجزائر الجريحة
|