تمهيد عام :
يعيش الانسان في بيئة اجتماعية تحيط به آثارها من كل جانب ، لأنه ***** اجتماعي لم يعش منفردا في وقت من الأوقات ، بل كان ولايزال محتاجا إلى الألفة والانس بغيره .
يولد الانسان ضعيفا عاجزا فتزوده الهيئة الاجتماعية بوسائل حفظ البقاء . فهو إذن مدين لها ببقائه كما هو مدين للطبيعة بوجوده ، ألم تجده الهيئة الاجتماعية ضعيفا فقوته ، ومعدما فأغنته ؟ ان استقلال الانسان عن الهيئة الاجتماعية مسألة نظرية لا أساس لها في الواقع ، حتى ان ( روبنصون كروزي ) في
جزيرته لم يقطع جميع صلاته بالحياة الاجتماعية ، بل كانت الهيئةالاجتماعية موجودة معه في عزلته ، وكذلك حي بن يقظان ،فإن ابن طفيل لم يوفق لتجريده من آثار المجتمع تجريدا تاما .
وفي الحق اينما يذهب الانسان يجد الهيئة الاجتماعية في طريفه .فإن لم يلقها بالفعل أحدقت به بالوارثة أو بالتصور ،ولذلك كان بحث علم النفس في الانسان المنفرد مسألة مجردة غير مطابقة للحقيقة ؛ لأنها تعرض عن النظر في علاقة الفرد بغيره ، وعن البحث في تأثير الاجتماع فيه ، فتجرده من اللواحق الحسية والشروط الاجتماعية المشخصة ، وتجعله موجودا خياليا .ولو كان علم النفس علما عقليا محضا لصح تجرده عن الشرائط الحسية التجريبية ؛ إلا أنه علم تجربي مستند إلى الواقع .ولذلك كان لابد له من البحث في تأثير الحياة الاجتماعية في نفوس الافراد .
و الحياة الاجتماعية ليست موجودا ماديامؤلفا من أجسام الأفراد وآثارهم وإنما هي فضلا عن ذلك موجود معنوي مؤلف من الأفكار والآراء ، والاعتقادات ، والعواطف المشتركة ؛ فهي إذن مجموع ظواهر نفسية إلا أنها مشتركة بين الافراد ، يعيش الانسان في وسطها فيستنشق ريحها ، ويتغذى بها كما يتغذى جسده بالوسط المادي ــ فلا حياة للنفس الفردية إلاداخل هذه البيئة المعنوية ، كما أنه لاحياة للجسد إلا داخل البيئة الطبيعية.
ولو كانت هذه البيئة المعنوية ، خارجية بالنسبة إلى الفرد لأعرضنا عن البحث فيها الآن ، الا انها تحدق به من الخارج وتملأ نفسه من الداخل ، حتى اقد قيل ان في كل فرد منا موجودين : أحدهما اجتماعي يأتينا بطريق البيئة ، والآخر فردي يرجع إلى عناصر حياتنا الذاتية .ففي كل واحد منا أثر اجتماعي ، ولا معنى لوجود الفرد إلا إذا نسب إلى الجماعة ، كما انه لامعنى لجهاز التنفس إلا إذا نسب إلى الهواء الخارجي . وعلى ذلك فإن علاقة الفرد بالجماعة ليست علاقة جوار وانما هي علاقة تداخل ، ونحن وان كنا لانشعر في الحالة الطبيعية بتأثير البيئة الاجتماعية في نفوسنا ، ولا بتأثير ضغط الهواء في أجسامنا . فإنه لابد لنا من الشعور بذلك في بعض الاوقات . ومتى ثم لنا هذا الشعور أدركنا ان هنالك موجودا اجتماعيا أغنى من الموجود الفردي يستقي الأفراد من حوضه المشترك عناصر الحياة البشرية
التي تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد ويتم بها دوام الحضارة . ولله در ( جان جاك روسو ) حيث قال : لو حذفنا من الانسان كل ما اتصل إليه من آثار البيئة الاجتماعية لرجع إلى صف ال*****.
والبقية في العدد القادم