وينتقد -رحمه الله- العلماء الذين يضللون مخالفيهم أو يكفِّرونهم ويستعْدُون عليهم السلطان، حيث يقول:
وكان ابن فورك في مخاطبة السلطان قصد إظهار مخالفة الكرامية، كما قصد بنيسابور القيام على المعتزلة في استتابتهم، وكما كفَّرهم عند السلطان، ولم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفَّره، فإنه هو ظلم نفسه!
وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق، ويرحمون الخلق، ويتبعون الرسول؛ فلا يبتدعون، ومن اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه، وأهل البدع مثل الخوارج يبتدعون بدعة ويكفِّرون من خالفهم ويستحلون دمه، وهؤلاء كلٌّ منهم يرد بدعة الآخرين، ولكن هو أيضًا مبتدع فيرد بدعة ببدعة وباطلاً بباطل([1])!!
وفي موضع آخر يبين -رحمه الله- أن الذي يدافع عن العلماء ويدفع عنهم تكفير الغلاة فهو محسن، وإن اعتقد وقوع أولئك العلماء المحكوم عليهم بالكفر غير المتعمد، فإن مجرد حمايتهم ونصرهم غرض شرعي حسن، فيقول: ومن المعلوم أن المنع من تكفير علماء المسلمين الذين تكلموا في هذا الباب، بل دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطؤوا هو من أحق الأغراض الشرعية، حتى لو فرض أنَّ دافع التكفير عن القائل يعتقد أنه ليس بكافر؛ حماية له ونصرًا لأخيه المسلم، لكان هذا غرضًا شرعيًا حسنًا، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر واحد([2]).
ويقول -رحمه الله- في كتابه "درء تعارض العقل والنقل"،
بعد أن ناقش عددًا من كبار العلماء المنتسبين إلى مذهب أبي الحسن الأشعري رحمه الله:
ثم إنه ما من هؤلاء إلا مَنْ له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين.. ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء.. احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكرها جمهور المسلمين من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم؛ لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم؛ لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها.
وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين،والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات؛ ويتجاوز لهم عن السيئات ...............
ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في بعض ذلك؛ فالله يغفر له خطأه، تحقيقًا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين ............
ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنِّع على مَنْ خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صوابًا بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة.. فإنه يلزمه نظير ذلك أو أعظم أو أصغر فيمن يعظِّمه هو من أصحابه، فقلَّ من يَسْلم من مثل ذلك في المتأخرين؛ لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبُعْد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب([3]).
ويقول أيضًا في هذا الكتاب: ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية([4])، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم.. فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته، ويثيبه على اجتهاداته، ولا يؤاخذه بما أخطأه، ...
ويقول -رحمه الله- في بيان هذا الموضوع: والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعملية([6])، كما قد بُسط في غير موضع، ثم ذكر أمثلة على ذلك؛ منها مَن اعتقد أن الله تعالى لا يُرى في الآخرة؛ .................
ومنها اعتقاد أن الله تعالى لا يَعجب كما اعتقد ذلك القاضي شريح؛ لاعتقاده أن العجب إنما يكون مِن جَهـل السبب والله منزه عن الجهل([7])، ومنها اعتقاد أن الميت لا يسمع خطاب الحي لاعتقاده أن قوله تعالى[ النمل:80[ومن أقواله في هذا الأمر: هذا مع أني دائمًا، ومن جالسني يعلم ذلك مني.. أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معيَّن إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية؛ إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية([9]).
ويقول في الرد على من حكموا على المخالفين المخطئين بالكفر:
إن المتأول الذي قصْده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفر، بل ولا يفسق، إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها، وهذا القول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة ويكفِّرون من خالفهم؛كالخوارج والمعتزلة والجهمية، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة؛ كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
وقد يسلكون في التكفير ذلك؛ فمنهم من يكفِّر أهل البدع مطلقًا، ثم يجعل كل من خرج عمَّا هو عليه من أهل البدع! وهذا بعينه قول الخوارج والمعتزلة والجهمية.
وهذا القول أيضًا يوجد في طائفة من أصحاب الأئمة الأربعة، وليس هو قول الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وليس فيهم من كفَّر كل مبتدع، بل المنقولات الصريحة عنهم تناقض ذلك، ولكن قد يُنقل عن أحدهم أنه كفَّر من قال بعض الأقوال ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليُحذر، ولا يلزم إذا كان القول كفرًا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل؛ فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعيَّن؛ كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع، كما بسطناه في موضعه.
وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفارًا لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين، فيُستغفر لهم ويُترحم عليهم، وإذا قال المؤمن: ][[الحشر:10]، يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله؛ فخالف السنة أو أذنب ذنبًا.. فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان؛ فيدخل في العموم([10])
.
وفي كتاب "الاستقامة"
عقد -رحمه الله- فصلاً فيما اختلف فيه المؤمنون من الأقوال والأفعال في الأصول والفروع، ثم قال: ومن هذا الباب ما هو من باب التأويل والاجتهاد الذي يكون الإنسان مستفرغًا فيه وسعه؛ علمًا وعملاً.
قال: ثم إن الإنسان قد يبلغ ذلك ولا يعرف الحق في المسائل الخبرية الاعتقادية، وفي المسائل العملية الاقتصادية، والله سبحانه قد تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان .......
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس ومن حديثأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله استجاب لهم هذا الدعاء،وقال: "قد فعلت"([11]).
وأفاد في موضع آخر من هذا الكتاب بأن الاجتهاد يكون مذمومًا إذا صاحبه البغي؛ حيث يقول:
ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغي، لا لمجرد الاجتهاد،واستشهد بآيات؛ منها قول الله تعالى: في [آل عمران:19]،
ثم قال: فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ، بل مع نوع بغي12]).
ويقول الإمام ابن تيمية أيضًا في التحذير من تفرق الأمة بسبب تفرق علمائها: "وهم مأمورون بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه كما أُمِرت الرسل بذلك، ومأمورون بألا يفرقوا بين الأمة، بل هي أمة واحدة كما أُمِرت الرسل بذلك، وهؤلاء آكد، فإن هؤلاء تجمعهم الشريعة الواحدة والكتاب الواحد، وأما القدر الذي تنازعوا فيه فلا يقال: إن الله أمر كلاًّ منهم باطنًا وظاهرًا بالتمسك بما هو عليه كما أمر بذلك الأنبياء، وإن كان هذا قول طائفة من أهل الكلام، فإنما يقال: إن الله أمر كلاًّ منهم أن يطلب الحق بقدر وسعه وإمكانه، فإن أصابه وإلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، .......
فمن ذمهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم الله عليه فقد اعتدى، ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله وينتصر لها بغير هدى من الله؛ فقد اعتدى واتبع هواه بغير هدى من الله، ومن فعل ما أُمِر به بحسب حاله؛ من اجتهاد يقدر عليه، أو تقليد إذا لم يقدر على الاجتهاد، وسلك في تقليده مسلك العدل فهو مقتصد؛ إذ الأمر مشروط بالقدرة .........
، فعلى المسلم في كل موطن أن يسلم وجهه لله وهو محسن، ويدوم على هذا الإسلام، فإسلام وجهه إخلاصه لله، وإحسان فعله الحسن، فتدبَّرْ هذا فإنه أصل جامع نافع عظيم"([13]).
وبهذا نعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية حينما دعا إلى تعميم الاجتهاد في كل أمور الدين، وحَمَلَ كلام المخالفين من العلماء على الخطأ، وبيَّن أن المخطئ مغفور له خطؤه ولا إثم عليه..نعلم بذلك أن ابن تيمية من أعظم الدعاة إلى بيان المنهج الإسلامي في معرفة الحق والحكم على المخالفين، وإلى قيام جماعة المسلمين وتماسكها،
وهو يدرك بأن قيامها واستمرار وجودها القوي غير ممكن ما دام علماء الدين -الذين يضع المسلمون ثقتهم بهم- يتبادلون التهم، ويحكم بعضهم على بعض بالفسق والابتداع؛ إن لم يحكموا عليهم بالكفر!
فلذلك كرر بيان هذا الموضوع في كثير من فتاواه كما تبين لنا،وهو يدعو إلى ما يترتب على ذلك من عمران المحبة بين العلماء وتوافر الولاء القلبي بينهم، وإن ظل بعضهم على قناعتهم بما توصلوا إليه في اجتهادهم.
وهكذا رأينا أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان عادلاً في حكمه على المخالفين من أهل السنة، محافظًا على منزلة علماء الدين.
أما ما نراه من شدة ابن تيمية على مخالفيه في مواضع أخرى، فهو محمول على الرغبة القوية في بيان ما يراه من الحق؛ حتى لا يضيع في خضم الخلاف الذي قد يُعرض أحيانًا بأسلوب مؤثر.
وابن تيمية -رحمه الله تعالى- حينما يرد بشدة على المخالفين ويحكم عليهم بأحكام شديدة؛ إنما يريد المتشددين في مذهبهم، الذين يحكمون على أهل الإثبات الكامل بأنهم مُجسِّمة وحَشْوية، فهؤلاء ظالمون في حكمهم فاستحقوا منه الأحكام الشديدة،
أما العلماء المعتدلون من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم؛ الذين يحكمون على مخالفيهم ممن هم أهل للاجتهاد بالخطأ.. فإنهم في نظر ابن تيمية مجتهدون مخطئون،
وإن لم يكن هؤلاء وأمثالهم من العلماء المجتهدين هم المقصودين بالحكم عليهم بالخطأ في كلام ابن تيمية، فمن هم العلماء الذين عناهم في كتاباته الكثيرة حينما حكم عليهم بأنهم مجتهدون مخطئون؟!
إنه ينبغي لنا ألا نأخذ مذهب العالم من نمط واحد من كتاباته، وإنما نأخذ نماذج من أنماط متعددة لنصل إلى تقرير مذهبه، وإننا حينما نقارن بين النصوص التي يحمل فيها ابن تيمية على مخالفيه فيصفهم بالضلال، وبين النصوص التي حكم عليهم فيها بأنهم مجتهدون مخطئون ويلتمس لهم الأعذار.. ندرك أنه لا يقصد الحكم على طائفة بعينها مرة بالضلال ومرة بالخطأ، وإنما يحكم بالضلال على من اجتهد في أمر من أمور الدين وهو ليس أهلاً للاجتهاد، أو تعمد مخالفة الحق تعصبًا للرأي أو للمذهب، أو جار في حكمه على مخالفيه، بينما يحكم بالخطأ على من خالف الصواب وهو من أهل الاجتهاد وقد بذل وسعه لمعرفة الحق.
وإن من إنصاف ابن تيمية وإنصاف الحق أن نأخذ كلامه كاملاً في بيان أخطاء الآخرين والرد عليهم، وفي بيان فضائلهم وفي الاعتذار لهم، الأمرَ الذي له أهميته في قصر الخلاف على بيان الحق عند كل عالم، من غير أن يتجاوز ذلك إلى البراءة من المخالفين أو الحكم عليهم بالأحكام الجائرة.
([1]) المرجع السابق (16/95، 96).
([2]) المرجع السابق (35/103).
([3])درء تعارض العقل والنقل (2/102، 103).
([4])يعني في المسائل العقدية كما تقدم.
([5])درء تعارض العقل والنقل (2/315).
([6])جاء في الفتاوى: "والعلمية"، وهو خطأ؛ لأن الخبرية هي العلمية وإنما أراد المؤلف العملية؛ لأنه يعبر في مواضع كثيرة عن مسائل العقيدة بالعلمية أو الخبرية، ويعبر عن الأحكام الفقهية بالعملية.
([7])وذلك بمناسبة قول الله تعالى في[الصافات:12]، وذلك على
قراءة ضم التاء في ] بل عجبت و يسخرون [؛ وهي قراءة حمزة والكسائي في آخرين، انظر: زاد المسير لابن الجوزي (7/50).
([8])مجموع الفتاوى (20/33-36).
([9]) المرجع السابق (3/229).
([10])منهاج السنة النبوية (5/239-241).
([11])الاستقامة (1/24-26).
([12]) المرجع السابق (1/31).
([13])مجموعة الرسائل المنيرية (3/141)، رسالة " قاعدة في توحد الملة وتعدد الشرائع"،وهي الرسالة الثامنة.