إن لكل إنسان مسلم رسالة في هذه الحياة الدنيا وهدف رفيع , فمن أضاع الهدف أضاع عمله ووقته , وأصبح سيره في هذه الحياة تخبطا , وتاه في عالم الحيرة وأصبح يدور في صحراء بلا معالم وربه ينظر إليه ويراه وهو يتخبط ويتيه تيه الحيران , وقد أعذر إليه و أرسل له رسولا ومعه الكتاب والحكمة وفيه معالم الطريق وفيه الرشاد إلى صراطه المستقيم , فماذا كان عذره في هذا التخبط , فليس له حجة إلا أنه أختار غير سبيل المؤمنين , وجعل غير هدى الله سبيله فقاده إلى الضياع فتاه ولا يهلك على الله هالك , فلن يكون للناس على الله حجة بعد الرسل , وهذا الزمان هو زمان الحجة الدامغة على الناس حيث أنتشر العلم وكثر العلماء وسهل الاتصال بهم , و تساهلت الاتصالات بين العالم حتى أن الإنسان ليكلم صاحبه وهو في أدنى الأرض والأخر في أقصاها مباشرة وهو ينظر إليه , فما يحدث في قرية من نكبة زلزال أو إعصار حتى تناقله وسائل الأعلام بالنقل المباشر والتعليق مع الصور والناس تتابع هذا الخبر أو ذاك , والشاهد من هذا الكلام أن باغي الحق والباحث عنه قد تيسر له ما لم يتيسر لغيره في الأزمان الغابرة , فالحق أبلج وظاهر ولكن الشيطان ما زال حاضر بجنوده في كل المواقع وإن كان كيده لا يزال ضعيفا وتشكيكه لا يرقى لقوة الحق الذي يدمغه فإذا هو زاهق , أما من كان عن الحق مبتعدا وليس همه أن ينقاد إلى الله ويتبع أوامر الله فهو لا يبحث عن الحق أصلا بل هو يبحث عن المتعة في هذه الحياة الدنيا ويستمتع كما تستمتع الأنعام والنار مثوى لهم يقول الله عز وجل " كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون * ويل يومئذ للمكذبين * وإذا قيل لهم أركعوا لا يركعون " فهذا الصنف من الناس لا يهمه آخرة ولا يردعه تخويف بل يعيش في عالم نفسي مستغني عن شرع الله ومنغلق على ذاته , ولا يعلم هذا المسكين أنه ما خلق إلا ليعبد الله , " وما خلقت الجن والأنس ألا ليعبدون " فإذا أصابته مصيبة أعاد أسبابها إلى تقصيره في أمر ما حتى حصل ما حصل وفي الواقع أن الله أراد في حصول هذا التقصير له , لكي يوقع هذا الأمر عليه حتى يعود إليه ويطلب منه التوبة والمغفرة ثم يعود إلى إتباع أوامره , ولكن لا يزال به الشيطان يعطيه من الأعذار والتأويلات البعيدة حتى يستمر بعده عن الله , أما إذا شدد الله على العبد في بلاء ما فإن الله ما زال يعطيه الفرصة للعودة وينبهه أنه خارج الصراط المستقيم , أما الشيطان فإنه إذا رأى تشديد الله على العبد فإنه يرشده إلى التخلص من هذه الحياة بالانتحار , فإن الشيطان عنده أن يموت هذا الفاسد العاصي خير عنده من أن يستقيم ويصلح حاله ويعود إلى الله بقوة , ويجب أن يعرف العاصي أن الله يحب توبته ويحب إسلام الكافر ورجعة الضال واستغاثة التائه ولكن كتب على نفسه أن لا يظلم أحدا حتى في فرصة الهداية والاستقامة فكل شخص يراجع ذاكرته ويرى كم تعرض لنفحات الله ورحمته وكم أدلى الله له بحبل النجاة ليتوب ويراجع نفسه وكم أخطأ وستر عليه , وكم أرسل له من يقول له ولو كلمة واحدة تب إلى الله أو كلمة أسلم لغير المسلم , فسيعلم أنه منح كثيرا من الفرص , بل سمعت من العجائب في الدعوة , أن بعض الذين أسلموا عن طريق المطويات ( منشورات صغيرة ) قد وجد مطوية دعوة إلى الإسلام في أحد دورات المياه في أحد المجمعات التسويقية ,حيث كانت توزع بكثرة على غير المسلمين , فبعضهم يلقيها في المزابل وبعضهم يضعها على سيفون المرحاض في دورات المياه للتخلص منها , فدخل هذا الرجل النصراني الحمام ورآها موضوعة على السيفون فأخذها معه إلى غرفته وقرأها ثم بعد ذلك شرح الله صدره للإسلام فأسلم فكانت تلك الورقة الملقاة في دورة المياه سبب لهدايته وصاحبها الذي أعطيت له في يده لم يقرأها بل تخلص منها " فأنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " نحن ليس علينا إلا البلاغ فلسنا متمكنين من رقاب العباد فلم يستطيع نوح عليه السلام من هداية أبنه ولم يستطع إبراهيم عليه السلام من هداية أباه ولم يستطع محمد صلى الله عليه وسلم من هداية عمه وكل منهم كان يدعوا إلى الإسلام وبأحسن أسلوب ولكن مفاتيح القلوب بيد الله , فلا تتعجب أن يخرج من صلب فلان ولد عاصي وفي ظاهر أبواه الصلاح فكلا ميسر لما خلق له ولكن أبدء أنت بنفسك وتفقدها قبل أن تموت ,فحين إذا لا ينفع الندم يقول الله عز وجل " حتى إذا حضر أحدهم الموت قال ربي ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت " فلا ينفع ذلك النداء إذا غرغرت وحشرجت النفس وانتهى العمل هذه دعوة الى التوبة والأوبة والعمل الصالح وسنطرح كيف تكون البداية إلى طريق الهداية والله الموفق .
أولا كيف أنت مع الصلاة :
إن الصلاة مفتاح كل خير وهي عمود الدين وهي طوق النجاة ومن لم يصلي فليس عنده من الخير شيء ولو كانت أخلاقه وأفعاله مضرب الأمثال , فإنه قد رسب في أدبه مع الله ولم يطع ربه وخالقه فكان مع الناس هو صالح في تصرفاته وأخلاقه وفي نفس الوقت هو عاص ومعاند لربه و متكبرا حينما أمره بالصلاة وسمع النداء وأبى الاستجابة , إنه يرى أن الخلق أحق بالتلطف معهم والطاعة والتودد إليهم أما الذي خلق هذا الكون وأبدعه لا يستحق منه حتى سجدة أو ركعة واحده , فأبى إلا أن يتكبر ويمشي على خلق الشيطان حينما أمره الله بالسجود لأدم فأبى واستكبر واعترض على هذا الأمر حيث يقول " ما كنت لأسجد لما خلقت طينا " فلا يغرك تصرفات الناس الذين يتظاهرون بالطيبة إنما الميزان الذي يكشف عن أحوال هؤلاء الناس هو ميزان الصلاة وأثرها على سلوكه وحياته , فمن كان بعيدا عنها فحاله في الآخرة كما قال الله عز وجل " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " إن الصلاة هي صلة بين العبد وربه فمن تركها فلا حظ له في الإسلام فهو خارج عن سلطان العبودية ومحارب لله ووليا من أولياء الشيطان , فانظر لنفسك في أي الفريقين تقف , فهل أنت تصف مع أولياء الله أم مع أولياء الشيطان , أن الصلاة لعظمها فرضت في السماء ولم ينزل بها جبريل بل صعد اليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حينما أسري به ليأخذ العهد بها من ربه في ملكوته العلوي وذلك لرفعة وعظمة هذه العبادة فكيف يفرط فيها المسلم ويزعم أنه يتمتع بحسن الخلق والأمانة أكثر من أولائك المصلين الذين يترددون على المساجد , وهكذا يوهم الشيطان كثيرا من الناس أن أهم شيء تقدمه في حياتك هو أن تكون طيبا ذو أخلاق عالية ويكفي ذلك ,وما درى ذلك المسكين أن هذه الأخلاق لا تكفي ولا تغنيك في أخرتك عند الله شيئا , أن الله مالك لكل شيء وملك والخلق من جن وأنس عبيد عنده ولا بد لهم من الرضوخ والطاعة وقمة التعبير لهذا الرضوخ والطاعة هو السجود , أي أن تطأطئ بأعلى وأرفع وأكرم شيء فيك وهو رأسك وتجعله في مستوى أقدامك وتضع جبينك على الأرض وتقول سبحان ربي الأعلى تنزه ربك من النقص والعيوب وتنزه الذي خلق الجبال والبحار والسموات والأرض من كل شرك وتدعوه أن يشملك برحمته , وأن يكلؤك برعايته , فهذا هو مغزى الصلاة طاعة واستسلام , فإذا استجبت لهذا العمل حصل التواصل بينك وبين من خلقك وسمع الله صوتك ودعائك واستجاب لك على أنك عبد طائع مستسلم له , فدخلت بذلك مملكة الصالحين وكنت من عباده المؤمنين ,إني أقدم لك يا أخي المسلم بعض النصائح في هذا الباب لعلها تزيد من توجهك إلى الخير :
أولا : المحافظة على أداء الصلوات في أوقاتها جماعة في المسجد .
ثانيا : أن تتعلم كيف كان يؤدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الصلاة على صفتها الصحيحة ,فيوجد كتيبات صغيرة تعلم ( صفة صلاة النبي ) بدقة كتبها العلماء , حتى تحوز على الأجر كاملا غير منقوص .
ثالثا : التعاون مع غيرك بالتذكير بدخول وقت الصلاة وتنبيه الجميع في المنزل لذلك , وحثهم على أدائها في المسجد وحث الإناث على أدائها في وقتها .
رابعا : المحافظة على نوافل الصلاة التي تجبر نقص الصلاة المفروضة ومعرفة أوقاتها المستحبة لكي تؤديها وبيان فضلها .
خامسا : معرفة كل شيء له علاقة بالصلاة مثل شروط الصلاة , واجبات الصلاة , أركان الصلاة , مستحبات الصلاة , سجود السهو ,كيفية الوضوء و نوا قضه , وتحيط بها معرفة .
سادسا : تعريف النساء كيف تتعارض الصلاة مع النفاس والحيض والجنابة ومتى تكون الطهارة منها حتى تعود للصلاة .
سابعا : غرس محبة الصلاة في أبنائك وتعليمهم من سن السابعة , ومتابعتهم على أدائها وان تجعل من نفسك قدوة لهم في أدائها والتبكير إليها واصطحابهم إلى المساجد .
ثامنا : أن تأمر غيرك بالصلاة في خارج محيط بيتك حتى يكون الحي كله يتحرك للصلاة عند سماع الأذان فيكون المجتمع متكاتف في هذه العبادة , ولا يكون بيننا في الحي من يعرف بترك الصلاة وخاصة الأطفال الذين يلعبون في الطريق وغاسلين السيارات الذين نراهم في طريقنا إلى المساجد وكذلك عمال الصيانة , فيكفي منك التنبيه وأنت ذاهب إلى المسجد.
تاسعا : ضبط المنبه لصلاة الفجر والاستعانة بكل طريقة تساعد على الاستيقاظ لإدراك الفريضة في المسجد , والتعاون بين أفراد العائلة بحيث يتفقد كل منا الأخر ليستيقظ النائم منا .
عاشرا : عدم تهوين الصلاة في نفوس الأسرة , فيجب المحاسبة اليومية على التقصير , يقول الله عز وجل " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " وهذا لبيان عظمة الصلاة والصبر على متابعتها حتى يستقيم البيت على أدائها .
هذه هي بداية صلاح الإنسان في ذاته وبداية سلوكه الطريق المستقيم الذي يؤدي به الى استقامة أحواله كلها وإذا لم يقم بهذا العمل فعليه أن يعود من جديد إلى أصلاح هذا الخلل الذي يعد ركنا من أركان الإسلام ويأتي مرتبته بعد الشهادتين مباشرة نسئل الله أن يسدد خطى الجميع على الخير , والحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.