آخر خيوط الأمل
ببراءة الأطفال وحبهم الشديد للرسوم المتحركة جلس صغيراي يشاهدان التلفاز بانتباه وهدوء، كأنهما يريدان حفظ كل كلمة وحركة
لكن انقطاع التيار الكهربائي كعادته بدا وكأنه جرس انتهاء حصة الدرس ليندفعا نحو الحديقة التي كانا قبل قليل يرفضان الخروج إليها
لحقت بهما وأنا احمل قدح الشاي كي أحظى بآخر أيام الربيع ونسيمه العليل وزهوره المتناثرة على جنبات حديقتي ،، فالصيف على الأبواب وحرارة الجو هنا تصبح في معظم أيامه لا تطاق والزهور اليانعة تذبل في نفس يوم إطلالتها على الحياة
انشغل الصغار بألعابهم بينما أراقبهم بصمت واضحك عندما أراهم يقلدونني ويتحدثون كالكبار ،، ذكروني بطفولتي وشعرت بالحنين إليها ولأيام اللعب على ضفاف نهر الفرات
وبينما كنت غارقة في ذكرياتي الحلوة ، التفت إلي إبراهيم فجأة وناداني متعجبا: ( ماما!
أم ريما تناديكِ ،، ألا تسميعها)
نهضت بسرعة واتجهت صوب سور الحديقة المشترك حيث تقف أم ريما
بادرتها بالسلام والاعتذار كوني لم انتبه عندما نادتني
قالت: لا عليكِ ليست مشكلة
قلت لها: ماذا تأمر أم ريما ؟
ردت بهدوء وخجل : ممكن اطلب منكِ طلب صغير؟
قلت لها: بالتأكيد... أنا بالخدمة
قالت: أريد منكِ أن ترافقيني غدا إلى دائرة الأوقاف، فلقد نويت أداء مناسك الحج لهذا العام
قلت لها : طبعا اذهب معك ، وأسال الله أن تكوني من المقبولين
اتفقنا على الموعد، وبعدها عادت كل واحدة منا إلى حديقتها وزهورها.
في اليوم التالي
الساعة التاسعة والنصف ولم تأتي أم ريما، تأخرت عن الموعد نصف ساعة،،عندها لم اعد أطيق الانتظار فقررت الذهاب إليها لأعرف سبب تأخرها........
كان بابها مفتوحا على غير العادة، طرقته عدة مرات وناديتها، لكنها لم ترد
بل سمعت صوت بكاء ونحيب يأتي من الداخل، شعرت بالخوف فدخلت وأنا اشعر برهبة وخوف
ما الذي يجري؟
وجدت أم ريما تبكي بحرقة وألم فركضت باتجاهها وجلست بقربها مواسية دون أن اعلم سر بكاءها
حاولت التخفيف عنها متحرية عن سبب كل هذا،،،
سألتها: ماذا حصل؟ ما الذي يبكيك؟ ،،،،،،،،،،لكن ارتفع نحيبها ولم تستطع تمالك نفسها إلا بعد أن توسلت إليها أن تهدأ وتحكي لي ما بها..........
أخذت نفسا عميقا وحاولت أن توقف سيل الدموع ،صمتت قليلا ثم خطت نحو أحد الأدراج لتخرج مجموعة كبيرة من الصور القديمة قلبتها بحنين واشتياق وبصوت مبحوح علقت على الصور وكأنها وجدت عزيزا : منذ أن تزوجت أمنية لم أتجرأ على النظر إلى هذه الصور فقد كنت أروي لها تفاصيلها حتى تيقن أن لها أبا محبا وبالتأكيد هو مشتاق لها كم تشتاق له ويتمنى أن يتغنى باسمها كما تتمنى هي أن تتلفظ بكلمة (بابا) التي حرمت منها .. توقفت للحظات عن الكلام ثم رفعت رأسها المكلل بالشيب و سألتني: هل تعلمين قصتي يا أم إبراهيم ؟
قلت لها: أعرف القليل.
قالت: هل لديك متسع من الوقت لتسمعيني؟ وسأحاول أن اختصر قدر الممكن
قلت لها : نعم ، تفضلي .
وقبل أن تبدأ ساءلتها : هل سنذهب لدائرة الأوقاف اليوم أم لا؟
ردت بأسى : أسمعيني ثم أشيري عليَ ، لكن أكيد لن نذهب اليوم.
بدأت تروي لي قصة غربتها الطويلة وأنا أنصت إليها بانتباه ، فهذه أول مرة أسمعها تتحدث عن حياتها بشيء من التفصيل.
كنت صغيرة عندما توفيت أمي فعشت مع والدي وزوجته،، التي كانت كما كل زوجات الأب تفضل أبنائها علي مما حدا بجدتي (رحمها الله) إلى احتضاني لأعيش أياما طيبة معها امتدت لخمس سنوات ، حتى جاء اليوم الذي تقدم لخطبتي أحد أقاربها .... رفضت في البداية وتوسلت بجدتي أن تقف بجانبي وان لا تتخلى عني فان لا أزال في السادسة عشر ،
لكنها كانت سعيدة جدا بهذه الخطبة....
ورغما عني أعطت جدتي موافقتها على الخطبة متجاهلة توسلاتي ورجائي ، بكيت حينها كثيرا وظننت أنها تريد التخلص من عبء تربيتي والعناية بي ، لكن قلبها الطيب لم يسمح لها أن تتركني وظنوني فجلست وبكل رقة وحنان همست في أذني ( يا ابنتي هذه سنة الحياة وتأكدي لو لم يكن شابا طيبا لما وافقت ، صدقيني سيحسدك الجميع أولهم زوجة أبيكِ ،
أنا لن أعيش للأبد ومن واجبي أن أضعك في يد أمينة قبل أن أموت)
وفعلا كما ظنت جدتي فقد قالتها لي زوجة أبي صراحة : أنتِ محظوظة يا بنت ، فخطيبك شاب غني ووسيم وفوق هذا وذاك عراقي، وها أنتِ ستذهبين للعيش في العراق.
بعدها تمت مراسيم الخطبة والزواج على أفضل ما يكون حسدني عليها القريب والبعيد ،وحظيت بأغلى المصوغات وأفخر الملابس ، لأغادر بعدها مدينتي الصغيرة في سوريا إلى بيتي الجديد هنا في العراق............
وهنا في هذه المدينة الوادعة على ضفاف نهر الفرات العظيم وفي هذا المنزل الغالي المطلة شرفاته على أجمل مناظر النهر المحتضن للبساتين اليانعة ، حيث أشم رائحة القداح الزكية كل صباح تملئ أركان المنزل وعبر نوافذه يأتي صوت النهر الهادر تخالطه أصوات أنين النواعير القديمة متحدية ضوضاء مضخات الماء الكهربائية ..... عشت أجمل أيام حياتي برفقة أبو ريما ،،، جئت إلى هنا عام 1976 وبعد عام رزقت بابنتي الأولى ريما التي ملئت حياتنا سعادة وفرحة،، كان أبوها رجلا محبا رقيقا ،راعى أنني غريبة عن هذه الديار فكان دائما يُذكر أهله وجاراتي بي،، موصيا إياهم أن لا يتركوني وحيدة أثناء غيابه في العمل،،كنت اسمعه يقول لهن مداعبا : رغم أني لا أحب ثرثرة النسوة لكن ما باليد حيلة ، ضموا أم ريما لمجالسكم وعلموها طباعنا وعادتنا ، فأنتن أهلها .
عشت أياما لو قيست السعادة بها لتضاءلت أمامها لكني رغم هذا كنت متوجسة أن الأيام تخبئ لي شيئا ما وأن صروف الدهر تلوح لي من بعيد .......
في 22/أيلول/1980 (في يوم بدأت فيها الحرب العراقية – الإيرانية) كنت وأبو ريما نحتفل بعيد الميلاد الأول لأبنتنا الثانية لمى ، لم تهمني حينها أخبار الحرب ولا الشر المستطير الذي تحمل بذوره هذه الريح الهوجاء ، كانت غفوة صغيرة من الزمن أذكر أحلامها السعيدة الممتلئة بالبهجة ،،، بعيدا بعيدا عن هموم العراق ومعاركه المجيدة وعذابات أهله الموجوعين ..... لكن........................
وفي نهاية العام الثاني للحرب ، في احد أيام الخريف الباردة عاد أبو ريما باكرا من عمله لينقل لي خبر استدعاءه لصفوف الجيش ،،،يا الله ،،، صعقت بالخبر وأحسست أن الأيام أدارت لي ظهرها سريعا وها هو أبو ريما سيتركني وحيدة تتساقط أوراق أيامي كما تتساقط أوراق الخريف صفراء متعبة ، لكن هذه المرة لست احمل هم نفسي فقط وإنما حملت هما جديدا فأنا مسئولة عن بنتين صغيرتين ،، لم أتمالك نفسي فبكيت خوفا وفزعا ، وراح أبو ريما يطمئني ويخفف عني لكن عبثا فهذه الحرب هذه هي المهالك .
صارت السعادة تأتي متقطعة مُأذنة بزوال ، والأيام عندي لا شيء فيها غير الترقب و الانتظار لأجازة أبو ريما التي تمضي سريعا كأنها لم تبدأ لأعود ثانية إلى النظر إلى التقويم احسب ساعات الأيام وأترقب أفولها راجية ربي أن يعود السلام إلى هذه الأرض ويهنأ أهله بالأمن وأنعم أنا بلحظات ـ أبت أن تعود ـ بين بناتي وأبوهن ربما على مائدة الغداء أو سفرة ربيعية بين الحقول والبساتين ثم لنعبر بعدها الفرات على احد الزوراق البسيطة المتمايلة مع الأمواج ...
مضى عام منذ أن ارتدى أبو ريما البزة العسكرية وألتحق بإخوانه على الحدود ، وجاء عام 1983 حيث كنت حامل بأصغر بناتي ( أمنية) وفي أجازته الأخيرة أوصاني قائلا: أنظري أم ريما إذا رزقنا الله صبيا سميه عبدالسلام ، و إذا كانت بنتا فسميها أمنية . فكل العراقيين أمنيتهم السلام
قلت له: أرجو أن يكون صبيا.
قال ضاحكا: أخشى أن أغضبكِ ، لكن هل تعلمين أني كنت أنوي أن اسمي ابني (صدام) غير أنك الوحيدة ربما في العراق كله لا تحبين صدام ، ولا أعرف لماذا ..
قلت له متعجبة : أتحبه بعد كل ما فعله !!!
قال: طبعا ، فهو القائد البطل.......
لم يمضِ أسبوعان على سفره حتى شعرت بالآم الولادة وكنت حينها وحدي في المنزل وبفضل الله ومرؤة الجيران مر كل شيء على خير بعد أن نقلت إلى مستشفى المدينة العام
حيث رزقت ب (أمنية) . وفي اليوم التالي أرسلت برسالة إلى أبوها اخبره أن ابنتك الثالثة أضاءت بوجهها الجميل منزلنا فعد إلينا سريعا كي تراها وتحظى هي بلمستك الحانية .
لكنه أرسل لي يعتذر فهم في حالة استنفار ووحدته العسكرية تتأهب لهجوم بري قريب.
وفي يوم تموزي حار ولما تكمل أمنية شهرها الأول نادتني جاراتي وطلبن مني النزول مع البنات إلى ضفة النهر كي نسبح ونقضي بعض الوقت سوية ، كان الكل مسرورا أو ربما يتظاهر بهذا ...لا أعلم ... فأخبار المعارك تتوالى ونحن ننتظر بترقب حذر أخبار جنودنا والكل يخشى سماع صوت المؤذن أبا نوري وهو يعلن عن استشهاد احدهم ،، لكننا في هذه الأثناء نحاول أن نحيا بصورة اعتيادية .
فهذه أم رقيب تغسل الصوف لتصنع الفراش و الأغطية لعرس ابنها وأم لبيب تغسل بعض الأواني الكبيرة التي تستخدم في الولائم ، والشابات يجلسن على حافة الجرف وأرجلهن متدلية في الماء وكنّ كالعادة يتناقلن أخر الأخبار ويعدن سرد تفاصيل المسلسل التلفزيوني الذي عرض الليلة الماضية رغم أن جميعهن شاهدنه ، وراحت البنات الأصغر سنا يتراشقن بالماء حتى ابتللن فكان ذلك حجة للبدء بالسباحة وما أن انتهت أم رقيب من غسل الصوف حتى انضمت إلى الصغيرات لتسبح كما أحسن السباحات ثم نزلت الأخريات إلى النهر ليتغلبن قليلا على حر تموز ،، أما أنا فقد كنت أراقب ريما التي لم أستطع منعها من السباحة مع رفيقاتها ، كنت أجلس تحت ظل شجرة التوت تلك ( وأشارت أم ريما إلى شجرة التوت المعمرة التي تقع أمام نافذتها المطلة على ضفة النهر) ، وكانت لمى تجلس بقربي وتتوسل بي أن اسمح لها بالسباحة لكنها كانت لا تزال صغيرة وبينما كان الجميع لاهيا ،،، فجأة
نزل احد الصبية إلى الشاطىء فصاحت به أم لبيب : لماذا تنزل إلى الشاطىء الآن ؟؟ ألا تعلم أن هذا الوقت لنا ولا يسمح لكم بالنزول ، ألا ترى إننا نسوة؟؟
هيا عد بسرعة.............. لكنه لم يمتثل لأمرها بل أدار ظهره لنا وقال :أرسلني احدهم لأنادي أم ريما ، يريدها ضروري .
استدرت بسرعة لألمح من بعيد شقيق أبو ريما يقف خلف إحدى النخلات .........
وهنا حاولت منع أم ريما من الاستمرار في رواية قصة أيامها العصيبة فقد بدا عليها التوتر واحتضنت الصور بقوة وأغمضت عينيها بشدة كأنها تعيش تلك اللحظات مجددا ،،لكنها استمرت في حديثها وكأنها لم تسمعني ...
ارتجفت بشدة وبدون أن أعي ما أفعل وضعت أمنية على الأرض وركضت باتجاه (أبي طه) ،ورغم أن المسافة قصيرة إلا أني أحسست وكأنها مئة ميل وفي كل خطوة كان قلبي الخافق بشدة يردد تنبأ بما سأسمعه ،،، مرة أقول لنفسي سأسمع الآن خبر استشهاد أبو ريما ثم أقول لا،لا بل هو جريح ويطلب رؤيتي أو ربما جاء خبر أسره ...
لم تعد تحملني قدماي على إكمال تلك الخطوات القليلة فجلست على الأرض وتجاوز أبو طه على التقاليد وركض باتجاهي وجلس قبلاتي قائلا : لا تخافي أم ريما إن أبو ريما بخير إن شاء الله ...
قلت له باكية :إذن ماذا هناك؟؟؟ أخبرني بالله عليك
قال: أن أبا ريما مفقود......
رددت الكلمة بتعجب فهذه أول مرة اسمع كلمة مفقود ورحت ألح عليه ماذا يعني مفقود؟؟؟!!!
قال: زملاؤه لم يجدوه بين الجرحى ولا الشهداء وعندما اتصلنا بالصليب الأحمر لم يجدوا أسمه بين الأسرى..
قلت له: لم أفهم كيف يكون ذلك؟! هل هو صغير ليضيع أم مجنون ليهيم في الأودية ولا يعرف طريق العودة؟؟؟!!..
حاول أن يوضح الأمر أكثر لكنه عجز عن ذلك ،، ثم انصرف بعد أن أوصى النسوة بي فليس بيده حيلة .....
فتحت أم ريما عينيها ونظرت إلي ثم قالت : هل تعلمين إنني لحد الآن لم أفهم معنى كلمة مفقود؟ كيف يكون الرجل ذو العقل الراجح مفقودا؟ لكنني مع هذا تمسكت بالأمل وعشت به ومن يومها كنت أترقب وصول أي رسالة أو خبر منه ، كنت كلما سمعت بأن أحد الأسرى أرسل برسالة أسرعت بالاتصال بأهله أو حتى الذهاب لقراءة الرسالة كي أبحث بين حروفها عن ذكر لأسم أبو ريما ، لكن انتهت الحرب ولم احظ بكلمة واحدة تسقي زهرة الأمل لكنني مع كل هذا كنت أمني النفس وعندما يسألني أحدهم ألم تفقدي الأمل أقول حتى تضعوني في القبر ستظل عيني ترنو نحو أبو ريما لعله يأتي ويحث التراب على قبري
سكتت أم ريما للحظات وبدا عليها شرود الذهن حتى اعتقدت أنها لن تكمل حديثها ، لكنها استأنفت كلامها قائلة:
بعدها بدأتُ اعتزل الناس لأنني كنت ساخطة على كل من حولي وعلى صدام وعلى العراق
كنت اشعر أن مصيبتي هي أكبر المصائب فأنا غريبة وسبب غربتي فٌقد! وفوق هذا وذاك أنا أم لثلاثة بنات والمجتمع من حولي لحد الآن لا يرضى خروج المرأة لقضاء حاجاتها ، في البداية كانت جاراتي يتواصلن معي لكن امتناعي عن زيارتهن أدى إلى انكماشهن حتى أصبحت لا أراهن إلا نادرا ...
على مدى فترة التسعينات جرى تبادل للأسرى بين العراق و إيران ، وفي كل مرة كان يتجدد عندي الأمل وامني النفس أن يكون أبو ريما معهم أو حتى في الدفعة التالية وأعيش خلال تلك الفترات أياما سعيدة أنا وبناتي حتى إننا كن نعيد ترتيب المنزل وتجديده وصبغه أحيانا وما أن ينتهي وصول الأسرى حتى أعود ساخطة غاضبة أتمنى الموت لنفسي وأهدد بأني سأرمي نفسي في النهر إن لم يعد أبو ريما.. إلى أن زارتنا مرة صديقة ريما في المدرسة وفجأة سألتني تلك الفتاة الصغيرة وبدون مقدمات: هل أنت غاضبة؟
قلت لها: لا ، لماذا تسألين .
قالت (ببراءة) : لا بل أنت غاضبة فوجهك مخيف ، ألا تتلين القرآن ؟ فهو شفاء لما في الصدور.
كانت كلمات تلك الفتاة هبة من الله لي أن استعين بالقرآن وفعلا من يومها تمسكت بتلاوة القرآن وحفظت أجزاء منه مع بناتي ومن يومها قل سخطي وحقدي على من حولي ولله الحمد الذي نور صدري وقلبي بالقرآن ..... لكنني مع هذا لم أستطع إعادة علاقتي مع من حولي حتى عندما يكون اجتماع لمجلس أمهات التلميذات كنت أرسل عمة البنات بدلا عني لأني حقا لم أعد أحب الاختلاط..
حتى عندما امتهنت الخياطة بعد أن اشتد الحصار على العراق وقل راتب أبو ريما فلم يعد يلبي جزء من الألف من حاجيات البنات والمنزل ، كان استقبالي لزبوناتي مقتضبا ، كنت أحاول أن أكون مجاملة كما توصيني بناتي ، لكني افشل وأودي بعملي بدون ثرثرة أو مجاملة ، تصوري أني اطلب من ريما أن تستقبل النساء بدلا عني في بعض المرات حتى لا اسمع أخبار العائدين إلى الوطن وعبارة ( الله كريم نسأل الله أن يعود أبوكن قريبا) كانت عبارات العطف هذه تمزق قلبي وتحزن بناتي رغم أنني أرضعهن الأمل وأسقيهن إياه كل يوم .
وجاء عام 2003 وسقط صدام ومعه انهارت كل آمالي وضاقت علي الأرض بما رحبت ، فمن سيطالب بمن تبقى من الأسرى ومن سيذكرنا في خضم هذا الموج المتلاطم من الكوارث ، ولأول مرة أشعر باليأس والقنوط وأن زهرة الأمل تحتضر .
تزوجت ريما بعد أن أتمت دراستها الجامعية ولحقت بها لمى سريعا وبقيتُ مع أمنية نردد ترانيم الأمل فهي تعشق أباها تتخذ من اسمه قلادة وتوقع باسمه ومن تاريخ ميلاده رقما سريا لبريدها الإلكتروني وتطبع صوره لتضعها على اغلفة دفاترها ، كانت لا تسمح لي بنسيانه بل هي تطالبني كل يوم بقصة حتى لو مكررة عن يوميات أبيها .
وبالرغم من كل هذا الحب لذكرى أبوها فقد اختارت أمنية لحياتها طريقا آخر افترقت به عني وتزوجت من ابن عمها وسافرت معه .
نظرت أم ريما إلي بحزن وأكملت كلامها قائلة: سبحان الله كأنه قدر لي أن أكون وحيدة فبناتي الثلاثة تزوجن خارج المدينة وإذا قدر لنا أن نجتمع فلأيام قلائل نفترق بعدها لأشهر طوال . لكني ولله الحمد اتخذت من القرآن أنيسا لي في وحدتي ورضا الله عني غايتي .
قاطعتها بسؤالي : لكن لم افهم يا أم ريما لماذا تراجعت عن الذهاب لدائرة الأوقاف؟؟!
تبسمت بمرارة وقالت: لطالما رغبت بالحج برفقة أبو ريما ، وعندما يئست من عودته ، قررت الذهاب بمفردي ..لكن .... تجدد الأمل عندي ليلة البارحة...
سألتها لها متعجبة : كيف؟
ردت بهدوء : بينما أنا احضر أوراقي الرسمية ، أنساب إلى أُذني صوت احد المذيعين وهو يتلوا نص خبر مفاده : أن رئيس الوزراء العراقي يطالب الحكومة الإيرانية بما تبقى من الأسرى كما يطالبهم بالكشف عن مصير المفقودين . فجدد هذا الخبر فيَ حب الحياة وما حسبته قد مات عاد يدق نواقيس الأمل .
هل تعلمين يا أم إبراهيم أني لم أنم لحظة ليلة البارحة وان شريط الذكريات عرض على قلبي المكلوم بأدق تفاصيله ، لا أعلم حقا صدق الخبر وهل أرسله الشيطان ليحبط عزيمتي في الذهاب للحج ؟؟ لا أعلم ولكني لم أفقد أخر خيوط الأمل.
ثم سائلتها : هل هذا يعني انك لن تقدمي أوراقك؟
قالت : وماذا تشيرين عليّ أنتِ يا أم إبراهيم؟
قلت لها : لا أعلم.
قالت : وأنا كذلك لا أعلم.
انتهت
|