http://www.islamtoday.net/articles/s...55&artid=13326 إيمان العراقية: من شُقُوقِ الجِرَاحِ يَنْبُتُ الياسمين!
بغداد/ عثمان المختار 14/7/1429
17/07/2008
معظم النساء تكسرهن المصيبة، ولا يحسن الاستفادة منها، وتحويل الطاقة السلبية إلى طاقة إيجابية بناءة تبني ما هدمته المصيبة، وترمم ما أصاب الروح من جراحات، لاسيما في مثل هذه الحالة التي نعرض لها.
إيمان أحمد عبد الله البالغة من العمر 39 عامًا، وهي أم لثلاثة أطفال، تعكف هذه الأيام على تعليم أربعين امرأة عراقيةً فنون القتال، والدفاع عن النفس، وسبل مقاومة أي اعتداء جنسي قد يتعرّضْن له من قِبَلِ الجيش الأمريكي، أو عناصر المليشيات والعصابات التي عُرِفَتْ بهوسها بالاعتداء الجنسي على المتزوجات قبل العذراوات!
وذلك بعد تعرضها لاعتداء جنسي واغتصاب من قِبَلِ جنديين من المارينز في العاصمة العراقية بغداد في شهر فبراير من العام الجاري، وتحلم بتوسيع مشروعها إلى نادٍ كبير يختص بتدريب العراقيات على كيفية تَعَلُّم فنون الدفاع عن النفس، والضَّرْبِ، والمهاجمة، ونقاط ضعف الرجل، وكيفية الهرب، والحيلولة دون وقوع اعتداء عليها.
إيمان تَمَكَّنَتْ من تحويل عار الاعتداء -في مجتمعٍ عُرِفَ بتزمته العشائري، وغُلُوِّه الديني فيما يَخُصُّ النساء- إلى مَحَطِّ إعجابٍ وفخرٍ لعائلتها الْمُؤَلَّفة من زوج وثلاثة أبناء، والتي ساندتها منذ اللحظات الأولى التي وقع فيها الاعتداء، وحتى قرارها الأخير باقتطاع جزء من منزلها في منطقةِ بغداد الجديدة، جنوب شرق بغداد، واستقدام مدربين ومدربات لتعليم النساء كيفيةَ الدفاع عن أنفسهن، ودرء مخاطر وشيكة عنهن، في بلدٍ لا يمكن إلا للقوي أن يستمر فيه.
وعلى حين غرة، وبدون موعد مُسَبَّق دخلنا إلى منزل إيمان، الْمُؤَلَّفِ من طَابِقَيْنِ، وترامى إلى الأسماع صوت الفتيات والسيدات وهن يمارسن تدريباتهن ، وكن ذوات أعمار متفاوتة، تتراوح بين العشرين إلى الأربعين..وكانت صيحاتهن الحماسية أثناء التدريبات نابعةً من رغبة جامحة في التعلم لحماية أنفسهن من ذئاب الشارع الظامئة، والتي تأكل الضعيفات العفيفات.
استقبلتنا إيمان برداء إسلامي صنعته بيدها خصيصًا؛ كي يناسب حركتها خلال التدريب، وتقدمت نحونا بخطى ثابتة، لا تشبه خطوات من تعرضن لمثل هذا الحادث المروع..خطوات تدل على ما تحمله تلك النفس من عزمٍ محا ذاك الألم البعيد الذي تعرضت له، الذي تحوّل إلى أمل يرفع همتها، ويُنْهِض طاقتها.
دعَتْنَا إيمان للدخول إلى غرفة الضيوف بعيدًا عن الأخوات اللائي يتدربن حتى يستطعن إكمال تدريباتهن، واتصلت بزوجها الأستاذ علي طه، المحامي في إحدى الشركات القانونية ببغداد؛ لكي يكون معها، ولكي يساعدها على سرد حكايتها التي تخشى أن تصيبها بتوتر أو بكاء عند استدعائها من جديد.
وخلال دقائق الانتظار تحدثت إيمان عن أطفالها الأحباب: أحمد، وسارة، ومهند، ومستواهم الدراسي، وكيف أنها تتابعهم في المذاكرة والدروس بشغف واهتمام، فضلًا عن رعايتها لبيتها، وفنونها في الطبخ والخياطة والتصاميم، وثقافتها الإسلامية والعربية، وعن سر محبة زوجها لها، وتمسكه بها في محنتها ، وامتد الحديث ليشمل الكلام عن حياتها اليومية، والروتين الذي كانت تعيشه كأي عراقية لم يتسنى لها فرصة التعيين والعمل.
وفي تلك الأثناء دخل الأستاذ علي طه زوج إيمان مُحَمَّلًا بعدد من الكتب التعليمية والدينية، أخبرتنا إيمان أنها ضمن المنهج الذي وضعته في المركز لتدريب الفتيات.
وروت إيمان ومعها زوجها حكاية تحول أمٍّ عراقية بسيطة، لا تجيد إلا خدمة منزلها وزوجها وأطفالها وبعضًا مما يتعلق بذلك من فنون الطبخ والخياطة والثقافة الإسلامية والعربية، إلى أمرأة تحمل هما وقضية تريد تحقيقها في ميدان الواقع.
تقول: "في يوم ممطر من شهر فبراير من هذا العام، خرج زوجي كعادته إلى عمله في الساعة الثامنة صباحا، بينما كنت أعد الفطور لأحمد وسارة كي يخرجا إلى مدارسها.
كنت قد سمعت قبل يوم واحد من نساء الحي الذي نسكن فيه أن المقاومة تمكنت من خطف جندي أمريكي، وأن المارينز قد طوقوا الحي الذي نسكن فيه، ويستعدون للقيام بحملة دهم وتفتيش بحثًا عن زميلهم الذين يعتقدون أنه لا زال على قيد الحياة.
خلال ذلك، وأثناء وجودي في المطبخ، سمعت جلبةً شديدة، وإطلاق رصاصٍ بعيدٍ في السماء.. لكني لم أهتم لأن هذا المشهد ذاته صار مشهدًا اعتياديا في بغداد.. ولكني كنت أحدث نفسي أن يجلس أحمد وسارة في البيت هذا اليوم، ولا داعي للذهاب إلى المدرسة.. ولكن وصول حافلة المدرسة إلى الباب، ومشاهدتي أطفال الحي على بداخلها جعلني أغير رأيي، وأطلب منهم الخروج إلى المدرسة.
بعد ذلك بنصف ساعة، وبينما كنت في ملابسي الاعتيادية التي اعتدت على ارتدائها عندما أكون وحيدة في المنزل، اقتحم الجنود شارعنا، وبدأت الطائرات تُحَلِّق بكثافة، حتى إن أشجار الحديقة تكاد تُقْلَعُ من جذورها بسبب انخفاض تحليق تلك المروحيات..
وهنا.. بدأت عملية اقتحام المنازل وتفتيشها بشراسة، وهجم الجنود برفقة كلاب بوليسية شرسة روعت جميع من كان في الشارع..تعالت ضربات قلبي.. وما هي إلا دقائق حتى اقتحم أربعة جنود المنزل بعد أن حطموا الباب، ودخلوا بصورة عبثية استفزازية، حتى إن ابني الصغير مهند (سنتان)كان نائما في غرفته، دخلوا عليه وقاموا بسحب السرير الذي ينام عليه بقوة كي يشاهدوا ما تحته.
بقيت بعيدةً عنهم، وكانوا يفتشون المنزل غرفةً تلو الأخرى، وحتى أدارج المكتب التي لا تتسع لقطة صغيرة فتشوها بحثًا عن الجندي المختطف!
تحدثوا فيما بينهم دون أن أفهم ما قالوا.. لكنهم ابتسموا.. ثم ضحكوا ضحكة خرقاء..أحسست ببرودة الخوف في جسدي..وفجأةً هجم عَلَيَّ جندي أسود اللون، وامتدت يده إلى ملابسي، فمزقتها، بينما كان زملائه الثلاثة يضحكون، ويشجعونه!
سعيت مسرعةً إلى الهرب من باب المطبخ.. وبالفعل نجحت في ذلك، وتمكنت من توجيه عدة لكمات إلى وجه الجندي، لكن جاء وغد آخر وضربني بشدة في جسدي مما جعلني أفقد قوتي، وأسقط أرضا..
بعد ساعتين استيقظت وأنا في المستشفى، وحولي زوجي وأشقائي، ونِسْوَةٌ من سكان الحي، قُمْنَ على ما يبدو بستر عورتي، ووضع قميص نوم على جسمي، ونقلي إلى مستشفى "الكندي" في بغداد.
استجمعت فكري..تيقنت حينها أني تعرضت إلى عملية اغتصاب..(وهنا تجهش إيمان بالبكاء..ثم تحاول التماسك ومتابعة حديثها لتقول):
كنت قد أقسمت أن لا أبكي بعد اليوم، فقد حققت غايتي، وأخذت بثأري، لكن الله خلق النساء بقلوب ملائكية لا يمكن التحكم بها..
بقيت أسبوعا كاملًا لا أتحدث مع أحد، ولا التقي بأحدٍ سوى زوجي الذي لازمني في البيت لرعايتي، وتقديم الدواء الذي وصفه الطبيب لعلاج الجروح والكدمات التي خلفها الاعتداء على جسدي، فيما كان أطفالي الثلاثة في بيت جدهم لا يعلمون أي شيء عن الحادث، سوى أن أمهم مرضت وتحتاج إلى الراحة، كما أن جدهم كان يحاول أن يوصل إليهم أنه لا رجعةَ إلى أمهم ثانية، وذلك تمهيدا لقتلي "غسلا للعار"!
تعرض زوجي خلال تلك الفترة إلى ضغوط كبيرة من قِبَلِ أهله وأهلي لغسل العار الذي ألحقته بهم، لكنه كان مُصِرًّا على براءتي، وعدم مقدرتي على درء ذلك العار، وذكَّرَهم وحاججهم باغتصاب "رجال" في سجن "أبو غريب"، وطالبهم بقتل الرجال لغسل عارهم، قبل أن يقتلوا امرأة ضعيفةً لا قدرة لها على الهرب من جنود مارينز مدججين بمختلف الأسلحة!
وتمر الأيام وبعد شهر واحد قمنا بإعادة الأطفال إلى المنزل بواسطة الشرطة التي دفعنا لها رشوةً مقابل ذلك، وقررنا أن نستعيد حياتنا الطبيعية من جديد، ونترك حساب المعتدين إلى الله وحده، لاسيما وأن أمريكا بلد الحريات كذبتنا، وأسبغت على جنودها الأبطال كل صفات الإنسانية.
عدنا إلى حياتنا الاعتيادية، مع تغير نظرة الجيران إلينا، وانقطعنا عن الأقرباء، مما كان يجعل زوجي متوترا خائفا من تركي في المنزل وحدي.
وفي أحد الأيام شاهدت تقريرًا على إحدى الفضائيات العربية حول كيفية مقاومة المعتدين، وسبل الفرار منهم.. فخطرت لي فكرة مفاجئة..لماذا لا أحول جزءًا من منزلي إلى مركز لتدريب النساء على الدفاع عن أنفسهن في حال أي اعتداء يحصل لهن؛ كي لا تقع أي امرأة أو فتاة فيما وقعت فيه؟!
وذُهِلْتُ عندما عرضت الفكرةَ على زوجي ووافق على الفور.. بل وقام بمفاتحة أصدقاء له ليعرفونا على مدربين ومدربات في الفنون القتالية..!
لا أدري كيف حدث ذلك بسرعة؟! لكن تمت كل التحضيرات في غضون أسبوعين، وطبعنا إعلانات ورقيةً في الشوارع.. وبدأت النساء تتوافد إلينا بأعمار مختلفة، ووسَّعْنَا التدريب ليكون أشملَ وأفضل، كما قمنا بجلب مُعَلِّمِين ومعلماتٍ للثقافة، والثقة بالنفس، وقمنا بدعوة أحد علماء الدين الذي دحض كل ما نسب إلى الإسلام من سوء معاملة النساء.
واليوم كما ترون.. أصبحتُ مدربة بعد أن كنت طالبة، وعندي أربعون امرأةً من المتزوجات وغير المتزوجات..أقبلن بنشاط يواصلن تدريبهن بهمة وشغف.. كما انتهينا الأسبوع الماضي من تخريج خمسين امرأة أخرى..
ونحن لا نتقاضى على التدريب أي مبلغ من المال، حيث إن المدربات والمدربين اعتبروا عملهم معنا تطوعيًّا بدون مقابل! وتضيف بابتسامة: "كما أن الشاي وعصير البرتقال رخيصٌ جِدًّا، ولا يكلف زوجي ثمنا باهظًا، ونحن سعداء بهذا"!
كان يجلس معنا الأستاذ علي ، وهو ينظر إلى زوجته وكأنه أول مرة يستمع إليها وهي تقول هذا الكلام..فقاطعها بقوله:
وأنا أَحْلُمُ بِكَسْرِ طَوْقِ الظُّلْمِ عن كل النساء في العراق والعالم العربي عبر برنامجٍ ستكون فيه زوجتي إيمان سيدة هذا المشروع ورائدته..زوجتي التي طالما سمعت كلمات جارحة من زميلاتٍ وقريباتٍ بسبب عدم تَمَكُّنِهَا دخول الجامعة، ومكوثها في منزلها للخدمة فقط "حسب ما يدعون".
وبدورها لم تجد إيمان حرجًا في وضع عنوان منزلها في قصتها؛ ليكون علامةً دالة للنساء الراغبات في التقدم للتدريب، وتقول: عنواني هو بغداد الجديدة، محلة القماش 312 مقابل سينما البيضاء.
ثم تقول: 44 عراقية تعرضن للاغتصاب من قِبَلِ قوات الاحتلال والمليشيات، قُتِلَ منهن 39 غسلًا لعارٍ لم تكن فيهن واحدة شريكةً في الجريمة سوى أنها خُلِقَتْ أضعفَ بِنيةً من المعتدي!
سأصنع الآن من نفسي مثالًا ناجحا لكل امرأة تعتبر نفسها غير مفيدة أو اعتيادية، خُلِقَتْ في مجتمع يحتقر النساء، ويُقَلِّل من قيمة المرأة.. لكل امرأةٍ تعتبر نفسها أنها خلقت من أجل الخدمة فقط..
وفي لهجةٍ حاسمةٍ تختم إيمان حديثَها وتقول: كما سَأُبَلِّغ المتدرباتِ أنّ البقاءَ بلا زوجٍ خيرٌ لَهُنَّ من الزواج برجلٍ يُؤْمِن بقتلِ زوجته إذا تعَرَّضت لاغتصاب، أو يُفَضِّلُ زوجة حبيسة منزل بلا فائدة ولا عملٍ في حياتها..حياتها التي لن تعيشها غيرَ مرةٍ واحدة!!!
تعليق
بمثل هذه العزائم و الأفعال ، لا كثرة الكلام و التنظير تبنى الأمم
و لله در من اطلق عليكِ إيمان !!