غفلة الأمم عن عذاب الله لها
ويقول: الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مبيناً أن القرية التي ينذرها الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بعقاب بسيط أو بإنذار يسير لا ترجع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن القوم تمر بهم النكبات والويلات من حولهم، ولا يعتبرون ولا يتعظون بمن حولهم، قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [الأنبياء:95] لا يرجعون إلى الحق والصواب، وكتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرام عليهم؛ فعندما يرون عذاب الله، وعندما ينذرهم الله ببعض هزات خفيفة لا تؤثر فيهم الأثر العظيم ومع ذلك يبقون على ذنوبهم ومعاصيهم، حتى يأتيهم العذاب الأليم، هذه نُذُر كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مثل المنافق مثل ال**** لا يدري فيم ربط ولا فيم أطلق } فهؤلاء حتى مع إنذارالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لهم فإنهم لا يفقهون ولا يرجعون ولا يعقلون، نسأل الله السلامة والعافية.
وكذلك يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ [الرعد:31] فهذا إنذار قارعة تصيبهم أو تحل قريباً من دارهم.
هذه آيات الله فينا تتلى، نسأل الله أن يرزقنا الخشية والإنابة والتوبة والمعرفة والصدق والإخلاص.
ويقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً [الطلاق:8-11] فبيَّن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مصير القرية التي عتت عن أمر ربها، وبين في الأخير الذين آمنوا به وبرسله، وبيَّن نعمته ومِنَّته على المؤمنين؛ إذ أرسل لهم رسولاً يدلهم على الخير والطريق المستقيم، ويُحذِّرهم من طريق الغواية، والآيات أكثر من ذلك وأعظم، ولكن نكتفي بهذا القدر لنتطرق إلى نقاط أخرى.
يقول الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي :
الحمد لله الذي من رحمته وفضله بيَّن أسباب النجاة ويسرها وأوضحها وجلَّاها، وبيَّن أسباب الدمار والهلاك، لنجتنبها ونتوقاها، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد المبعوث رحمةً للعالمين، أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ومن طريق الهلكة والدمار والخراب إلى طريق النجاة والسعادة والفلاح، وسدَّ من الحقوق والطاعات، كل طريق إلى الخير والنجاة والسعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة إلا من طريقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعد :
لو تأملنا كتاب الله وقرأناه، هذا الكتاب المهجور إلا ممن رحم الله! لوجدنا أن موضوعاته جميعاً تنحصر في ثلاثة:
إما الأمر بالتوحيد وما يتبعه من الحقوق والطاعات مع النهي عن الشرك وما يتبعه من المعاصي والذنوب.
وإما خبر عما صار لأهل التوحيد والطاعة من النجاة والسعادة والفلاح، وخبر عما كان لأهل الشرك والمعاصي من الدمار والوبال والخسارة.
وإما حال هؤلاء، وهؤلاء عند البعث يوم القيامة.
فهذه هي موضوعات القرآن.. وكل ما في القرآن لا يخرج عن هذا.
· 2 - فرح الأمم بما عندها من العلم جعلها ترفض قبول الحق
الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خلق الإنسان وهو يعلم حاله وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] فهو يعلم أن هذا الإنسان ظلوم جهول، ولهذا احتمل الأمانة وقبلها بعد أن أبت منها السماوات والأرض إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] هذا الظلوم الجهول لا بد أن يُذَّكر، وأن تتلو الذكرى ذكرى، والموعظة موعظة، ولكن ما أكثر العبر! وما أقل الاعتبار! والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد قصَّ علينا من أنباء ما قد سبق، وذكر لنا حال الأمم، أين قوم نوح؟ أين عاد؟ أين ثمود؟ أين فرعون؟ أين تلك الأمم؟ وأين تلك الحضارات؟ وأين القرى التي عُمِّرت وسادت وبنت وأترفت في الحياة الدنيا حتى ظن أصحابها أنه لا يقدر عليهم أحد حتى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟! ولهذا قالت أعتى تلك الأمم وهي عاد: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة [فصلت:15] فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو أشد منهم قوة ولكنها الغفلة.
لماذا تأتي هذه الغفلات؟ ولماذا نجد صورتها ما تزال حية واقعة إلى اليوم في هذه الدنيا؟
الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فصل ذلك وبينه.
من أعظم الأسباب التي تجعل القلوب تغفل عن الله عز وجل ولا تتعظ ولا تعتبر: أن يفرح الناس بالحضارة والتقدم والإنتاج والصناعة وما هم فيه من الترف والنعيم! فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ [غافر:83].
يقولون: لماذا نطيع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والعلم لدينا إذا قيل لهم: أيها الناس! اتقوا الله وذروا الزنا واللواط والفحشاء تنجوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة، قالوا: لا نطيع أمر الله ولا أمر رسول الله، لدينا الأطباء، والعلم كل يوم يبحث لاختراع علاج لمقاومة الإيدز وما أشبهه، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83] وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ [سبأ:45] أي: عشر العشر، فالحضارات الماضية بلغت الشيء الذي لم تبلغ هذه الأمة منه عشر العشر، كل أمة تظن أنها أرقى الأمم في الحضارة، وأن ما عندها من العلم كافٍ لأن تنكر أمر الله وتعترض عليه ولا تتبعه، إذا قيل لهم: إن الله حرم الربا، قالوا: لا، عندنا علماء اقتصاد وعندنا خطط، وعندنا خبرات تكفي لأن نتوقى المخاطر التي تنجم عن الربا.
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83] وظنوا أن هذا العلم يكفي لاجتناب ما ينزل من أخطار؛ حتى عندما هُددوا بالأعاصير والزلازل فرحوا بما عندهم من العلم، قالوا: أصبح بالإمكان مراقبة الإعصار وهو ما يزال في المحيط الأطلسي أو المحيط الهادي ، فلا يأتي إلى المدينة، إلا وقد أخذت جميع الاحتياطات والاستعدادات، والزلازل يمكن أن ترصد... وهكذا، لكن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يملي لهم كما قال: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم:45] ولكن إذا جاء أمر الله تتبخر وتتبدد كل هذه الأوهام، ويذهب ذلك العلم والكبرياء فيه، ويركضون... ولكن وراء السراب، حيث لا ينفع حينئذ إلا أن يتوبوا إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وما أكثر الغافلين.
وأما قصة قوم يونس التي سمعتم فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ [يونس:98].
فهي قصة شاذة في تاريخ الأنبياء والأمم، أنَّ أمة تؤمن حال رؤية العذاب أو قرب رؤية العذاب، فمن رحمة الله أن يفتح الباب للتوبة وللاستغفار، ولكن قل من يتذكر.
· 3 - أسباب انهيار الأمم
إذا تكبرت الأمم وطغت وانتشر فيها الفساد عاجلها الله بالعقوبة، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ [الفجر:6-10] ماذا عملوا، وما صنعوا؟ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر:11-12] فكانت النتيجة فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:13-14] فما هو الفساد والطغيان؟ فأوجه الفساد والطغيان كثيرة، ولكن هل في البشرية من يتدبر ويعقل؟! العقلاء هؤلاء يرفعون العقيرة بالنذر، وهم قليل جداً في التاريخ.
وبما أننا في عصر قد عُظِّمت فيه أوروبا وحضارتها الغربية المسيطرة على العالم، والتي تقوده إلى الدمار والهاوية؛ فلننظر ماذا قال علماء وباحثو الغرب ومفكروه العقلاء -وهم قلة- لما رأوا أمتهم تمضي إلى هذا الدمار والانهيار، تفكروا في حال أممهم وبحثوا عن أسباب الانهيار؟ وأسباب الفساد الذي أدى إلى من قبل في انهيار الامبراطورية الرومانية، وانهيار الحضارات.
· انتشار التبرج والزنا والخمور
هناك رجل غربي يعرفه كل مفكر غربي، وهو المعروف بـأرنولد توينبي ، ويعتبر توينبي أكبر مؤرخ في هذا العصر، فقد درس جميع الحضارات، وأحصى الحضارات القديمة التي يمكن أن تعرف، واستطاع أن يجد أن هناك أكثر من إحدى وعشرين حضارة من الحضارات، بعضها استمر ألف سنة، وبعضها خمسمائة سنة، في أنحاء مختلفة من الأرض، ومنها الحضارات التي نعرفها جميعاً: الحضارة اليونانية، الحضارة الرومانية، الحضارة التي يسميها هو الحضارة العربية، ثم الحضارة الأوروبية، هذه الأربع المعروفة الآن في التاريخ، وما قبلها مندثر منقرض، ومن آخر الحضارات حضارة لم تنقرض إلا قبل خمسمائة سنة في أمريكا الجنوبية ، وما تزال أعلامها ماثلة إلى اليوم، فوجد أن كل هذه الحضارات في التاريخ المكتوب تنهار وتنقرض وتدمر بأسباب منها: أن تخرج المرأة وتترك وظيفة الأمومة، وينتشر التبرج والزنا، فمن تتبع سقوط هذه الحضارات وجد أن السبب هو هذه الظاهرة.
انقرض اليونان لأن المسارح أصبحت علناً، وانتشر فيهم الاختلاط والخمر والزنا والتبرج..! وكذلك الحضارة الرومانية وقد كان من أسباب انهيار الحضارة الإسلامية في بغداد انتشار المعاصي والذنوب، كما شهد بذلك أعداء الإسلام وهم كفار، حتى أن الخليفة -الذي كان في بغداد لما دخلها هولاكو وحاصرها- كان قد كتب إلى أمير الموصل يقول: 'بلغنا أن مغنياً مشهوراً عندكم أوجد نغمات جديدة في السلم الموسيقي، فنريد أن تبعثوا به إلينا' وكان اسمه صفي الدين .
فسبق دخول هولاكو دخول ذلك المغني، فحصل الدمار، وقُتل من المسلمين على أيدي أولئك الوثنيين وبتعاون من الروافض الملاعين أكثر من مليون وقيل: مليوني رجل، وأقل ما قيل إنهم ثمانمائة ألف قتلوا من المسلمين في بغداد من أهل السنة ومن خيار أهل السنة ، فلما انتشرت المعاصي وانتشر الترف والتبرج والغناء، كانت النتيجة هي الدمار والخراب.
وهذا رجل غربي آخر يدعى توينبي : " الحضارة الغربية اليوم سوف تنهار لأنه ينتشر فيها شرب الخمر" فذكر أحد الأسباب: شرب الخمر، والسبب الآخر الذي ذكره قال: ' إن أوروبا سوف تصبح أقلية بين الشعوب ولهذا تنهار أوروبا '.
· الكفر بالله من أعظم أسباب الانهيار
نحن نعلم أن السبب هو: الكفر بالله عز وجل، وأما باقي ذكره فهي أسباب عرضية أو فرعية، فلماذا تصبح أوروبا أقلية؟
في جميع البحوث التي أجريت في أكثر من دولة أوروبية، تبين لهم أن السبب في نقص عدد السكان وكثرة عدد الوفيات بالنسبة للمواليد هو: خروج المرأة لتعمل ولتشارك الرجل في العمل، فلما خرجت لم تتزوج، واكتفت بالعشيق فلم تنجب، فكانت النتيجة أن عدد المواليد أقل من عدد الوفيات، وبالتالي ستصبح هذه الأمة أقلية، فمن سنن الله أنه لم يجعل الدمار والانهيار فجأة بغير مقدمات وبغير أسباب تؤدي إلى نتائج.
وأما أوزوالد اشبنجلر المؤرخ الألماني الذي أصدر كتاباً ضخماً في ثلاث مجلدات عن تدهور الحضارة الغربية وانحطاطها، مع أن هذا الرجل توفي عام 1923م أو قريباً من ذلك، قبل أن يصل الفساد إلى ما نراه اليوم -يقول هذا الرجل: 'إن خروج المرأة من البيت هو المنعطف الخطير الذي إذا وصلت إليه أي حضارة من الحضارات بدأت بالسقوط، وبدأت بالانهيار'.
ويضرب لذلك مثالاً ببطلة إبسون -إبسون هو أديب من أدبائهم- يقول: ' إذا أصبحت بطلة إبسون هذه هي النموذج للمرأة الغربية، فالحضارة الغربية سوف تنهار ' وهذا ما وقع والانهيار حاصل، فقد أنطقهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لما تدبروا ولما تأملوا والأمثلة على ذلك كثيرة.
· الترف من أسباب الانهيار
من أسباب الانهيار التي ذكرها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: انتشار الترف، ولهذا فإن أول من يرد دعوة الأنبياء هم المترفون، كما قال تعالى: إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [سبأ:34]، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16]، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [الأنعام:123] فأكابر المجرمين المترفين يردون الحق والدعوات وواعظ الخير، لأن ترفهم قد ران على قلوبهم، فالترفُ وحبُّ الدنيا يُقسِّي القلب، فلا يطيق صاحبه أن يسمع شيئاً عن الآخرة، هذا الرجل المترف الذي هذا حاله، لو جلست معه أو جلس أمام أي منظار أو مرآة أو مشهد ساعات فإنه لا يمل، ولو جاءه رجل يذكره بالموت خمس دقائق لملَّ ولخرج، لا يريد أن يسمع ذكراً للموت، ولا يريد أن يسمع ذكراً للآخرة -نسأل الله العفو والعافية- قست قلوبهم، حتى إذا جاءهم العذاب، فإنه يأتيهم وهم في تلك القسوة فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:24-25] هكذا قسوة القلب فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُم [الأنعام:43].
يقول الحسن البصري رحمه الله: [[يا أهل العراق لا تدفعوا عذاب الله بأيديكم وأرجلكم، ولكن ادفعوه بالتوبة إلى الله، فإن الله تبارك وتعالى يقول: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43] ]] تضرعوا إلى الله وتوبوا إليه يكشف ما بكم من سوء ويبدل حالكم.
يقول مالك بن دينار : [[ ذهب أهل البصرة يستسقون فلم يمطروا، فعادوا وقالوا: عجباً والله! استسقينا ولم نمطر، قال مالك: سبحان الله! ستبطئون المطر، أما والله إني لأستبطئ الحجارة من السماء ]].
فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ما جعل للمطر وللنعم سبباً إلا الاستغفار فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12] استغفروا الله وتوبوا إليه [[ تستبطئون المطر، أما والله إني لأستبطئ الحجارة من السماء ]] هكذا يقول مالك بن دينار رحمه الله في عصر الخير، في القرن الأول أو بداية الثاني، وأين نحن من هذا؟!
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا رأى غيماً أو سحاباً يخاف ويصفر وجهه، وكأن عذاباً سينزل، وأولئك الذين قست قلوبهم يقولون: (عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) فلنقارن بين الحالين، ولننظر في واقعنا، هل نحن أقرب إلى حال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الخوف من عذاب الله وتوقع عذاب الله بسبب ذنوبنا ومعاصينا، أم نحن أقرب إلى قسوة عاد، ونظرتها إلى كل هذه الأمور أنها ليست إلا عوارض، أو أمور تنتهي؟
·