البرهان الثاني: فيه خمس نقط:
النقطة الاولى:
ان أئمة اهل الحقيقة كلهم - مع الاختلاف في مشاربهم والبعد في مسالكهم - يعتقدون مستندين الى الذوق والكشف ويقررون بالاجماع والاتفاق: ان الحسن والجمال الموجود في الموجودات كلها انما هو ظل جمالٍ مقدس لواجب الوجود وحسنه المنزّه، وانما هو لمعاته وجلواته من وراء حجب واستار.
النقطة الثانية
ان جميع المخلوقات الجميلة تأتي الى هذا العالم قافلة اثر اخرى ثم تغادره وتغيب في افق الفناء، ولكن الجمال السامي المنزّه عن التبدل، والذي يظهر نفسه بتجليه على تلك المرايا يبقى ويدوم، مما يدل دلالة قاطعة على أن ذلك الجمال ليس ملك تلك الجميلات ولاجمال تلك المرايا، بل هو أشعة جمال سرمدي، كما يدل دوام جمال اشعة الشمس على حباب الماء الجاري على جمالها الدائم.
النقطة الثالثة:
ان مجئ النور من النوراني، والوجود من الموجود، والاحسان من الغنى، والسخاء من الثروة، والتعليم من العلم امور بدهية، كذلك من البدهي ان منح الحسن ايضاً هو من الحسن واضفاء الجمال لايكون الاّ من الجميل.
فبناء على هذه الحقيقة نعتقد ونقول:
ان جميع انواع الجمال المشاهدة على الكائنات كلها، تأتي من جميل لامنتهى لجماله بحيث أن هذه الكائنات المتبدلة دوماً والمتجددة باستمرار تصف جمال ذلك الجميل وتعرّفه، بجميع موجوداتها وبألسنة ادائها لوظيفة مرآة عاكسة لذلك ـ.
النقطة الرابعة:
كما أن الجسد يستند الى الروح ويقوم بها وتُبعث فيه الحياة بها، واللفظ يتنور على وفق المعنى، والصورة تستند الى حقيقة وتتزود منها قيمتها.
كذلك هذا العالم، عالم الشهادة المادي الجسماني انما هو جسد، ولفظ، وصورة، يستند الى الاسماء الإلهية المحتجبة وراء ستار عالم الغيب، فهو يحيا بتلك الاسماء التي تبعث فيه الحيوية، ويتوجه اليها، فيزداد جمالاً وبهاءً.
فجميع انواع الجمال المادي نابع من جمال معنوي لمعانيها، ومن حسن معنوي لحقائقها. أما حقائقها فتستفيض من الاسماء الإلهية، وهي نوع من ظلال تلك الاسماء.
هذه الحقيقة اثبتت في رسائل النور اثباتاً قاطعاً.
بمعنى أن جميع انواع الجمال الموجود في هذا الكون وجميع انماطه وألوانه، انما هو تجليات واشارات وامارات جمال مقدس عن القصور ومجرّد عن المادة تتجلى من وراء عالم الغيب بوساطة اسماء . ولكن كما ان الذات الإلهية المقدسة لاتشبه ابداً اية ذات اخرى، وان صفاته تعالى جليلة منزّهة كلياً عن صفات الممكنات.كذلك جماله المقدس ايضاً لايشبه جمال الممكنات وليس كحسن المخلوقات قطعاً. بل هو جمال سام عال رفيع منزّه مقدس مطلق.
نعم! ان كانت الجنة الباهرة، الرائعة مع جميع مظاهر حسنها وروعتها هي تجلٍ من تجليات جماله سبحانه وان رؤية اهل الجنة جماله تعالى لساعة من زمان يُنسيهم حتى تلك الجنة الجميلة، فلاشك ان هذا الجمال السرمدي لانهاية له، ولاشبيه له، ولانظير له، ولامثيل له قطعاً.
ومن المعلوم أن حُسن كل شئ يلائمه ويكون على وفقه، وانه يوجد بالوف الانماط من الجمال والالوان فيختلف بعضها عن بعض، كاختلاف الانواع في المخلوقات.
فمثلاً: الجمال الذي يحسّ بالعين لايشبه حتماً حسناً تحسه الاذن، وان حسناً عقلياً يدرك بالعقل لايشبه حسن الطعام الذي يحس بالفم ويتذوقه، كذلك الجمال الذي يستحسنه ويشعر به القلب والروح وسائر الحواس الظاهرة والباطنة، هذا الجمال مختلف كذلك كأختلاف تلك اللطائف والحواس.
ومثلاً: جمال الايمان وجمال الحقيقة وحُسن النور وحُسن الزهرة، وجمال الروح وجمال الصورة وجمال الشفقة وجمال العدالة وحسن الرحمة وحسن الحكمة.. كل نوع من انواع هذا الجمال مختلف عن الآخر. كذلك جمال الاسماء الحسنى لجميل ذي جلال، هذا الجمال الذي هو جمال مطلق يختلف بعضه عن بعض، لذلك اختلفت انواع الحسن والجمال في الموجودات لأجله.
فان شئت ان تشاهد جلوة من انواع حسن اسماء الجميل ذي الجلال المتجلية على مرايا الموجودات، فانظر بعين خيالية واسعة الى سطح الارض لتراه كحديقة صغيرة امامك واعلم ان الرحمانية والرحيمية والحكيمية والعادلية وامثالها من التعابير، انما هي اشارات الى اسماء الله تعالى والى افعاله والى صفاته والى شؤونه الجليلة.
فانظر الى أرزاق الاحياء - وفي مقدمتها الانسان - انها ترسل بانتظام بديع من وراء ستار الغيب.. فشاهد جمال الرحمانية الإلهية.
وانظر الى اعاشة الصغار جميعها، اعاشة خارقة، يسيل لها كالسلسبيل الطاهر ألذ غذاء واصفاه من اثداء امهاتها المتدلية فوق رؤوسها..
فشاهد الجمال الجاذب، جمال الرحيمية الربانية.
وانظر الى الكائنات كلها بانواعها جميعها كيف جعلتها الحكمة الإلهية ككتاب كبير، كتاب حكمة بليغة بحيث ان في كل حرف منه مائة كلمة، وفي كل كلمة مئات الأسطر وفي كل سطر الف باب وباب وفي كل باب الوف الكتب الصغيرة..
فشاهد الجمال بلا نظير، جمال الحكيمية الإلهية.
وانظر الى الكون اجمع، لقد ضم العدل الإلهي جميع موجوداته تحت جناح ميزانه ويديم موازنة الاجرام العلوية والسفلية، ويعطيها التناسب والتلاؤم الذي هو أهم اساس للجمال، ويجعل كل شئ في افضل وضع واجمله، ويعطي كل ذي حياة حق الحياة، فيحق الحق ويحدّ من تجاوز المعتدين ويعاقبهم..
فشاهد الجمال الباهر جمال هذه العادلية الإلهية.
وانظر الى الانسان، لقد كتب الحفيظ تأريخ حياته السابقة في قوة حافظته وذاكرته التي لاتتجاوز حبة حنطة، وادرج تاريخ الحياة التالية لكل نبات وشجر في بذيراته ونوياته واعطى كل ذي حياة ما يعينه على حفظ حياته من آلات واجهزة فانظر مثلاً: الى جناح النحل وابرة لسعها، والى رماح الازهار المشوكة الدقيقة، والى القشور الصلبة للبذور.
فشاهد الجمال اللطيف، جمال الحافظية في جمال الحفيظية الربانية.
وانظر الى مضايف الرحمن الرحيم الكريم المنصوبة على سفرة الارض كلها.
وانظر الى مافي هذه الاطعمة غير المحدودة من روائح طيبة متنوعة، والوان جميلة متباينة ومذاقات لذيذة مختلفة، ثم أنعم النظر في اجهزة كل ذي حياة كيف أنها تتلائم مع اذواق حياته ولذائذها..
فشاهد الجمال الحلو الذي لا جمال فوقه جمال الاكرام، والكريمية الربانية.
وانظر الى صور ال*****ات ولاسيما الانسان، تلك الصور البديعة الحكيمة، التي تتفتح من نطف جميع ال*****ات بتجليات إسمَي "الفتاح والمصوّر" وتأمل في الوجوه
الملاح لازاهير الربيع وهي في غاية الجاذبة المتفتحة من بذيرات متناهية في الصغر..
فشاهد الجمال المعجز، جمال الفتاحية والمصورية الإلهية.
وهكذا على غرار هذه الامثلة المذكورة؛ فإن لكل اسم من الاسماء الحسنى جمالاً خاصاً به، جمالاً مقدساً منزّهاً، بحيث أن جلوة من جلواته تجمّل عالماً ضخماً بكامله، وتلقي الحسن والبهاء على نوع لايحد.
فكما تشاهد تجلي جمال اسمٍ من الاسماء في زهرة واحدة، فالربيع كذلك زهرة والجنة كذلك زهرة لايراها النظر.
فان كنت تستطيع أن تنظر الى الربيع، كل الربيع، وترى الجنة بعين الايمان، فانظر وشاهد لتدرك مدى عظمة الجمال السرمدي.
فان قابلت ذلك الجمال الباهر بجمال الايمان وبجمال العبودية تكن أحسن مخلوق وفي احسن تقويم
ولكن ان قابلت ذلك الجمال بقبح الضلالة غير المحدود، وقبح العصيان البغيض، تكن اقبح مخلوق واردأه، وابغض مخلوق معنىً لدى جميع الموجودات الجميلة.
النقطة الخامسة:.....
...........................................