لقد جاءت شريعة الإسلام بكل ما يصلح أحوالنا ولم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وأتت فيها بحكم وتوجيه وذلك لإسعاد المجتمع.واعتبر الإسلام الجنين من ضمن المجتمع. فما هوالجنين ياترى؟
الجنين لغة هو حمل المرأة ما دام في بطنها والمراد به الولد المتكون من المنوي للرجل والبويضة للمرأة.والجنين عند الفقهاء لا يخالف تعريفه في اللغة.وقد اعطى الإسلام الجنين حقوقا كثيرة نذكر البعض منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 ـحق اختيار والديه:
فمن حقه على أبيه اختيار أمه بأن تكون صاحبة دين وخلق وذات منبت طيب لأن الدين يقوى مع مضي العمر،والخلق يستقيم بمرور الزمن وتجارب الحياة ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:تنكح المرأةلأربع لمالها،ولحسبها ،ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك.(1)(فاظفر بذات الدين تربت يداك)جملة دعائية،أي أنها دعاء عليه بالفقر وقلة المال عن من رغب عن ذات الدين وآثر عليها سواها من ذات المال أوالحسب أو الجما ل.وهي التي تشرف زوجها وأبناءها بدينها وخلقها ؛قال رسول الله صلى الله عليه وسلمإياكم وخضراء الدمن،قالوا وما خضراء الدمن يا رسول الله؟قال: المراة الحسناء في منبت السوء)2) .وذلك لينشأ الأولاد تنشئة صالحة تتميز بالاستقامة وحسن الأخلاق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وانكحوا لهم)(3).
ومن حقه على أمه اختيار والده على أساس الدين والخلق.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوهإلاتفعلوه تكن فتنةفي الأرض وفساد كبير) (4)في هذا الحديث الشريف يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن لقبول الزوج معيارين مهمين، أولهما الدين، وثانيهما: الخلق.وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم. فللجنين حق اختيار والديه كل منهما الآخر حماية لدينه وخلقه مستقبلا.وفي هذا ضمان له قبل ميلاده في عقيدة صالحةودين صحيح لا تفسده عقيدة الأم أو الأب الفاسد ة.ولذلك يأمر الإسلام ا لرجل بالبعد عن الزوجة غير الصالحة أوالمشركة، وبما أن الأمر هام فقد أمر المرأة كذلك بالبعد عن الزوج غير الصالح أ و المشرك .قا ل تعالى "ولا تنكحواالمشركات حتى يؤمن ولأمةمؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولائك يدعون إلى النار والله يدعوإلى الجنة والمغفرةبإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون) (5)
2 ـالتعوذ بالله من الشيطان الرجيم قبل الجماع
من حق الولد على والديه قبل الجماع أن يستعيذا بالله من الشيطان الرجيم حتى لا يشاركهما الشيطان في نطفة الولد ،كما تشير الى ذلك الآية الكريمة التي يخاطب الله تبارك وتعالى الشيطان الرجيم بقوله...وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرور ا)( 6) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضى بينهما ولد لا يضره..(7)
3 ـحقه في الحياة:
للجنين حق في الحياة من بدء تكونه فلا يعتدى عليه بالإجهاض أوبأي وجه من الوجوه التي تحدث التشوهات الخلقية أو العاها ت..فلا يجوزشرعا قتله أ و إسقاطه من غير سبب شرعي يقرره أهل العلم ،، فحق الحياة مكفول لكل إنسان قال تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبير اً) ( 8)وقال تعالى: (قد خسر الذين قتلوا أولا دهم سفهاً بغير علم )( 9).وقال تعالى: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ) ( 10 ) وبذلك شدد الإسلام على قاتلي أطفالهم وتوعدهم الله بالخلود في النا ر.ولا تفرق الشريعة في ذلك بين معلوم الأب ومجهوله؛ولا فرق في ذلك في شأن الاعتداء على حياة الجنين بين صدوره من الأب أو الأم أو غيرهم ا، ويظهرذلك جليا في إيجاب العقوبة في التعدي عليه ،وإيجاب الدية ،كما تحرم الشريعة الإسلامية الجاني الميراث إذا كان الجنين هو المجني عليه للاستيلاء على ميراثه.كما حرمت الشريعة الإسلامية إسقاط الجنين حسب رأي ا لجمهور إذ لا ولاية لأحد على إسقاطه لأن الحياة ملك لمانحها ومقدرها، إنها ملك لله سبحانه وتعالى. وقد حرم الإسلام تعريض الولد إلى أي ضر ر. نجد نص ذلك في قوله عز وجل : (لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولد ه) وقول ا لنبي وقول ا لنبي صلى الله عليه وسلم:إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ ام ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته.)بل "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصو م" ما ذلك إلا ليحمي جنين الحامل أورضيع المرضع من أي تقليص قد يصيب تغذيته.
4 ـحق رعاية أمه من أجله:
ويتجلى ذلك فيما يأتي:
- النفقة على الحامل: قررت الشريعة الإسلامية النفقة على المرأة الحامل؛حيث ألزمت الزوج بدفع نفقة الحا مل وقت تطليقها وذلك قصد حمايتها اجتماعيا، وفي هذا حق للجنين في الغذاء والدفء
والهدوء قال الله تعالىاسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حمله ن.) ( 11 )؛ وتقدر بالمعروف لقوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه ا لله] ( 12 ) وقوله تعالى : (وعلى المولود له
رزقهن وكسوتهن بالمعرو ف) ( 13 ). وفي الحديث المتفق عليه : عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:إذا: عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي وقال رسول الله:إذاأنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة ).14 ). وقال عليه الصلاةوالسلام :كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت15 ). وقال عليه الصلاة والسلامكفى بالرء إثماان يضيع من يقوت)(15)).وقال صلى الله عليه وسلم(كفى بالرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته)16 ). و قال صلى الله عليه وسلمأفضل دينارينفقه الرجل دينار على أهله)(17)وتجب هذه النفقة له حتى مع عدم استحقاق أمه لهذه النفقة.وتكون هذه النفقة طوال مدة الحمل،وتجب عند موت الأب أو إعساره على سائر من تجب عليه نفقة الأقارب بعده.
- إباحة ا لفطر للحامل في رمضا ن إذا خشيت على جنينها: حفاظاعلى مصلحة الجنين رخصت الشريعة الإسلامية للأم الحامل الإفطار في رمضان إن هي خافت على نفسها أو على جنينها فقدوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحامل والمرضع الصوم.وفي هذا حماية للجنين من أمراض سوء التغذية والانفعالات.
- تأجيل إقامة القصاص والحد على الحامل: تأجيل العقوبة للحامل لصالح جنينها حتى لو كان ولد زنى إلى حين الوضع والفصال تأسيا بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع الغامدية التي جاءته مقرة بذنبها راضية بالعقوبة حيث قال لها عليه الصلاة )والسلاماذهبي حتى تضعي حملك) وفي هذا حماية للجنين.
5 ـحقه في النسب الثابت:
ويتجلى ذلك في ثبوت نسبه إلى أبيه:ومن أجل ذلك شرع الإسلام عدة أمو ر حتى لا يختلط نسبه بغيره و
منها:
-منع الحامل من الزواج حتى تضع حملها حفاظا على النسب.قال الله تعالىوأولات ألأحمال أجلهن أن يضعن حملهن.) ( 18 )وذلك حفاظا على نسب الجنين.
- الإعلان عن ا لزواج ليعرف الجميع مصدر الذرية.قال رسول الله صلى الله عليه وسلمأعلنوا النكاح)( 19 ) ولقوله صلى الله عليه وسلم:.( (فصل ما بين الحلال والحرام، الدف والصوت) ( 20
- جعل ا الإشهاد من شروط العقد ليظهر أمره بين الناس،وليدفع التهمة عن الزوجين،و ليحفظ للجنين حقه في أبوين معلومين.قال رسول الله صلى الله عليه وسلملا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)(21)
- تحريم الزنى تحريما قطعيا قال الله تعالىالزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ( ذلك على المؤمنين.) ( 22)
6 ـحقه في الحفاظ على ماله:
ويتجلى ذلك في حقه في الميراث فقد ذكر الفقهاء أن الجنين من جملة الورثة، كما تصح الوصية له، وكذا الوقف عليه....إلى غير ذلك من الحقوق الشرعية التي شرعت رعاية لحياته،وحفاظا على
مستقبله؛ومن أعظمها ،حفظ حقوقه المادية إذا ما توفي مورثه قبل ولادته حيث توقف التركة بكاملها حتى يولد الجنين ،وكذلك تعيين من يتولى الإشراف على أمواله.
خلاصة القول:
إن الأهلية التي تثبت للجنين هي أهلية الوجوب الناقصة،وهي خاصة به وهوفي بطن أمه وقبل انفصاله عنها بشرط ولادته حيا؛حيث تثبت له هذه الأهلية حقوقا ولا تلزمه بالواجبات.علما أن حقوقه كثيرة منها :
اختيار والديه كل منهما الآخر حماية لدينه وخلقه مستقبلا. الحق في الحفاظ على حياته.
حق رعاية أمه من أجله. حق حفظ نسبه. حق الحفاظ على ماله.
ومما تقدم نستطيع أن نقول:إن الشريعة الإسلامية أولت الجنين رعاية فريدة.
ذ:محمد واحدي
الهوامش
1) رواه الشيخان،وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة. )
2) رواه الدارقطني والديلمي عن أبي سعيد مرفوعا. )
3) رواه الحاكم وابن ماجة والبيهقي والدارقطني عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. )
4) رواه الترمذي )
5) سورة البقرة الآية 221 )
6) سورة الإسراء الآية 64 )
7) رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما. )
8) سورة الإسراء الآية 31 )
9) سورة الأنعام الآية 139 )
10 ) سورة المائدة 32 )
11 ) سورة الطلاق الآية 6 .
12 ) سورة الطلاق الآية 7.
13 ) سورة البقرة 233 .
14 ) متفق عليه عن ابن مسعود
15 ) متفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص
16 ) رواه مسلم .
17 ) رواه مسلم .
18 ) سورة الطلاق الآية 4 .
19 ) رواه أحمد عن عامر بن عبد الله بن الزبير.
20 ) أصحاب السنن .
21 ) رواه الدارقطني وابن حبان.
. 22 ) سورة النور الآية 3