اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة non
قحطت البادية في أيام (هشام بن عبد الملك) فقدمت عليه العرب فهابوا أن يتكلموا و كان فيهم (درواس
بن حبيب) وهو إذ ذاك صبي فوقعت عليه عين هشام , فقال لحاجبه : ما يشاء أحد يدخل علي إلا دخل
حتى الصبيان ؟!
فقال الصبي :يا أمير المؤمنين ! إنا أصابتنا سنون ثلاث : سنة أذابت الشحم , و سنة أكلت اللحم ,
وسنة نقت العظم ( أي أخرجت مخه ) وفي أيديكم فضول أموال , فإن كانت لله ففرقوها على عباده , و
إن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم ؟ , وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم , فإن الله يجزي المتصدقين ,
ولا يضيع أجر المحسنين .
فقال هشام : ما ترك لنا هذا الغلام في واحدة من الثلاث عذرا , فأمر للبوادي بمائة ألف درهم , وله
بمائة ألف درهم .
فقال الصبي : ارددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب ؛ فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفايتهم .
فقال هشام : أما لك حاجة ؟ قال الصبي : مالي حاجة في خاصة دون عامة المسلمين !
فخرج الصبي وهو من أنبل القوم و أكرمهم . ملاحظه : مقتبس من كتاب تربية الأولاد في الأسلام |
الفاضلة الكريمة / نـــــــــــــــــــــــــون
لله الحمد والمنة أن تذكرت العودة هنا ، وجزاها الله خيرا ابنتنا الحبيبة لآلئ بتذكيرها ..
أما أن لي وقفة هنا بعيدا عن قيم تربوية تتصل بتربية الأولاد يمكن استقصاؤها ،
والاستفاضة فيها ، باستدعاء نظريات تربوية حديثة تتناغم وأهداف التربية الإسلامية ..
لكن هنا لي وقفة على هذا الاستدعاء التاريخي ، وأرجو ألا نتهم بأنا من سجناء التاريخ ،
وحبيسي الماضي ، لنتأ مل معا هذا المحتوى ولنستنتج منه مانسقطه على الواقع ،
أو نستشرفه لعله أن ينفع في أن نصنع مستقبلا
اقتباس:
|
..قحطت البادية في أيام (هشام بن عبد الملك)
|
نحن هنا بصدد مشكلة عامة ..
الحكام هنا هم ملاذ الشعوب عند اشتداد الأزمات ، والقدوم عليهم
للشكاية ليس أمرا مستغربا بل هو سلوك طبيعي ، لايحتاج لإعداد ..
وفرق بين الهيبة من الحاكم إجلالا لقدره ، والخوف منه لاستبداده وبطشه ..
اقتباس:
و كان فيهم (درواس
بن حبيب) وهو إذ ذاك صبي فوقعت عليه عين هشام , فقال لحاجبه : ما يشاء أحد يدخل علي إلا دخل
حتى الصبيان ؟
|
!
الخليفة هنا يتفقد الحضور ويعطي الإذن للجميع بالدخول من غير تمييز ..ولايستخف بأي من
القادمين فيذكر الصبيان على التخصيص والأهمية ..
اقتباس:
فقال الصبي :يا أمير المؤمنين ! إنا أصابتنا سنون ثلاث : سنة أذابت الشحم , و سنة أكلت اللحم ,
وسنة نقت العظم ( أي أخرجت مخه )
|
قُدِّم الصبي مع حداثته لشرح المشكلة ونقل هموم العوام ، وهنا لابد من وقفة ،
فهناك من يتخذ من مثل هذه المواقف ذريعة لوضع الأحدث والأصغر سنا في غير
مكانه أو موضعه اتكاء على هذه المواقف ولو حررناها لوجدنا أن ضابطها التميز
والانفراد والسبق بما ليس عند الكبير، وهذا التميز له دلالات ظاهرة واضحة ، في
أدائه العملي بحيث لايفتح المجال أمام اتهام أو تشكيك بالمحاباة ..وهنا أصاب الصبي
في توصيف المشكلة من غير تضخيم أو تهوين ..
اقتباس:
وفي أيديكم فضول أموال , فإن كانت لله ففرقوها على عباده , و
إن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم ؟ , وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم , فإن الله يجزي المتصدقين ,
ولا يضيع أجر المحسنين .
|
لم يقف بخطابه عند مجرد سرد أو توصيف المشكلة ، لكنه توجه إلى الخليفة محملا إياه
المسئولية .. ولنقف هنا برهة أمام كلمات الصبي ..
(وفي أيديكم فضول أموال ) الصبي هنا يمثل كل مهتم بالشأن العام ، وهو على علم
بواردات الدخل القومي لخزانة الدولة بدليل وصفه للأموال بأنها من الفضول ، أي الفائض
من وارد الميزانية ..
(فإن كانت لله ففرقوها على عباده ) تحديد هوية المال هنا مهم لتحديد ذريعة صرفه ،
وهنا عباد الله أولى به مادام مال الله ، أي ركاز الثروة وخراجها وما يأتيها من
موارد مالية ..
(وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم ؟ )
هنا تنبيه لعدم جدوى حبس المال عن أصحاب الحق فيه من العباد ،
والاستفهام هنا تقريري استنكاري جاء ليحمل على الخليفة حبس المال عن الشعب
في ظل هذا الظرف الصعب على وجه التحديد ..
اقتباس:
وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم , فإن الله يجزي المتصدقين ,
ولا يضيع أجر المحسنين .
|
لامفر هنا أمام الصبي من الالتفات على الخليفة ، لتحميله المسئولية من جميع الوجوه ،
دون أن يصرفها إلى أطراف ثانوية ومن ثم يجد الخليفة ألف مبرر ومبرر ، لرفع يده عن تحمل
عبء ولاية الناس ..
ننتقل فيما بعد لرد الفعل الرئاسي ( الملكي ) الحاكم ..
اقتباس:
فقال هشام : ما ترك لنا هذا الغلام في واحدة من الثلاث عذرا , فأمر للبوادي بمائة ألف درهم , وله
بمائة ألف درهم .
|
وصلت رسالة الصبي للخليفة ، وكان رد الفعل طبيعي في استشعاره المسئولية ،
لم يترك لأحد من معاونيه قرار اتخاذ اللازم ، بل أقر بأنه لاعذر له فيما وصله ، وهنا
كان قراره تخصيص عطايا للوفد ، ولأنه يقدر الطاقات المتفردة فقد خص الصبي
بماخص به الجميع ..
اقتباس:
|
فقال الصبي : ارددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب ؛ فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفايتهم .
|
هنا تجرد وإيثار وتقديم للشأن العام على الخاص ، وإعلاء لمصلحة المجموع على مصالح الفرد
وماجاء ذلك إلا لشيوع ثقافة مثل وقيم تمارس دون نكير في مجتمع يرى
أن الشأن العام هدف وغاية من حيث إصلاحه بما يحفظ على الناس دين ومال ونفس وعرض ،
وهنا مجرد تخوف ألا تفي الجائزة بحاجة العرب ( قومه )
ولنا أن نتصور مبررات الاستئثار بها من قبل من يتصدى للشأن العام ليكون جل تربحه من
هذا التصدي .
اقتباس:
|
فقال هشام : أما لك حاجة ؟ قال الصبي : مالي حاجة في خاصة دون عامة المسلمين !
|
ولايزال الخليفة يلح على تكريم الصبي والعناية به .( أما لك حاجة ؟)
ويأتي رد الصبي ليكون مثلا وقدوة لكبار :.
(مالي حاجة في خاصة دون عامة المسلمين )
هنا استعلاء على الموقف ، بعدم إساءة استغلاله لحساب خاص
أو تحقيق مصالح خاصة دون بقية من حمله التبعة في التبليغ لدى الخليفة ..
إذن النص كله يصب في التقعيد للعمل العام من أي منطلق دعاة ومصلحين ومفكرين
وعلماء فلكل نصيبه في التصدي لمصالح الشعوب دون حاجة ، للغض من مسئولية هؤلاء
أو مسئولية الشعوب بانتظار وعي العوام للمطالبة بمايحفظ الدين ويحقق مقاصد الشريعة
في سياسة أمورهم نحو الخير ..
أعتقد أن الباب مفتوح أما آراء وتنظيرات من واقع سلوك عملي واقعي
لن نستغربه أو نستبعده لأننا نجده في الغرب يمارس بنفس الكيفية
دون حجب أو نذر تحول دون شفافية إدارة أزمات الشعوب وتحقيق كل
الحقوق الإنسانية المشروعة بجميع أنواعها ..
هذه قراءة أخرى من زاوية أخرى لعل إسقاطها على واقعنا يجدد همة أو يبعث
على استعادة قدرة على التجاوب مع الشأن العام وفقا لأدبيات وضوابط ،
يُتذرع بها للالتفات عن أصل الحلول ما يطيل أمد الفساد ، ولو أحسن استثمارها
لتغيرت خارطة أمتنا من حيث الكرامة الإنسانية وتداول السلطة ..
عموما لك كل تقديري وللجميع التحية وأنتظر استدلالات أخرى على الموقف ..
دمت حبيبتنا نون بكل الخير ..