تجليات الوعي
إن معظم تحليلاتنا وسلوكياتنا وردود أفعالنا، إن لم تكن انعكاسا لما نعيه فهي تحمل الكثير من الدلالات عليه.
أولا:
في الفكر:
الحاجة إلى الرؤية الكلية والتي باستخدامها نرى أن الشيء قد يكون هدفا ووسيلة في آن واحد. ومن مقتضياتها تحسس الفرق بين المطلق من الأفكار والنظم وبين النسبي منها.
ثانيا:
الروح النقدية:
النقد مظهر من مظاهر استيقاظ الوعي.
وهو يعني وعي الوعي بذاته، وقدرته على تجاوز النماذج الشائعة، والعودة إلى الأصول والأهداف الكبرى في كل المسائل التي تحتاج إلى إعادة نظر.
نحن بشر نصيب ونخطئ، والجميع يعترف بذلك، لكن سلوكنا لا يترجم ذلك الاعتراف. فالذين يمارسون النقد يلقون الكثير من المشكلات، مما دفع جل الناس إلى إيثار الصمت، وتجاوزه بعضهم إلى تزيين الخطأ وتلميعه مما جعل المشاكل تتراكم وتتزايد.
النقد هو الذي
يجدد الأبنية الفكرية حين يصقلها ويجعلها في حالة من التوهج والإشعاع. وهو الذي يكشف عن قصور إنجازاتنا حين يحاكمها من خلال التنظير إلى النموذج الأصلي الذي كان ينبغي أن يتجسد فيها.
ثالثا:
المعــرفة:
حين تكون المعرفة عبارة عن وحدات متشظية، فإنها تحتفظ بشيء من قيمتها، فهي بمثابة قطع ذهبية، لكن حين نحاول أن نستخرج منها رؤية متكاملة للحياة أو منهجا متماسكا للبحث والتحليل، فإنها تكون بمثابة منجم من الذهب.
إن المعلومات التي لا نستطيع دمجها في أصول ومبادئ ونظم ونماذج عامة، تظل مشتتة، وأيضا قاصرة، لأنها آنذاك لا تجدد سوى جزء يسير من الوعي.
إن المشتغل بالتخصص يجد نفسه كلما تقدم به الزمن منهمكا في أمور فرعية تكون في العادة خارج نظام تحديات الواقع وعلاجاته , والذي يتطلب عادة طروحا ورؤى أكثر عمومية.
إن البحث في الأمور الفرعية، لا يؤدي - في الغالب - إلى إحداث تطورات مثيرة في التخصص , فالتطورات الكبرى رهن بمعالجة أسس العلم وفلسفته.
والغارقون في المسائل الدقيقة،
لا يكونوا في العادة مهيئين ذهنيا للتفكير في القضايا الكبرى في تخصصاتهم، العزلة التي يعاني منها المتخصصون ليست اجتماعية فحسب، وإنما هنالك عزلة معرفية عن باقي فروع العلم. والذي يفعل ذلك يتجاهل وحدة المعرفة وتداخلاتها والإمكانية الهائلة للتقدم العلمي التي يمكن أن تتوفر عن طريق الانفتاح على العلوم الأخرى.
حتى تكون معارفنا معاصرة وذات أثر في تغيير واقعنا، فإن عليها أن تكون
ثرية بالرؤى والمفاهيم والطروحات التي تعالج ما طرأ على حياة الناس عندنا من تغييرات جذرية ومشكلات.
رابعا:
الأخـــلاق والقيـــم:
بدء وعي الناس بحاجاتهم الروحية والخلقية يتحسن نتيجة الشعور بانسداد الآفاق أمامهم، وتراجع الاعتقاد الذي ساد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بأن المزيد من التقدم التقني وامتلاك النظرة العلمية في التعامل مع الأشياء سوف يحل مشاكل الإنسان.
الهوية فيض متجدد: يمكن تعريف الهوية بأنها "مجموعة العقائد والمبادئ والخصائص والترميزات التي تجعل أمة ما تشعر بمغايرتها للأمم الأخرى ".
إن إحساس المسلمين بهويتهم يتفاوت تفاوتا كبيرا بمقدار الفهم لأصول الإسلام وأصول الحضارة الإسلامية ومعالم التجربة التاريخية للأمة، وبحسب الانغماس في معايشة الواقع واستيعابه، والعمل على التأثير فيه.
ولابد من إدراك
أثر الجهد البشري في إبداع الصيغ الجيدة لتجليات الهوية (مثلا وجود العمرين في تاريخنا أعطى مفهوم العدل باعتباره أحد مكونات الهوية - التجسيد الذي يوضحه، أو يحوله من قاسم مشترك بين البشر إلى مؤشر خصوصية ثقافية). تعيش أمتنا اليوم أزمة هوية والتي من أسبابها تهميش الثقافة الإسلامية الأصيلة في كثير من بلدان المسلمين، مما أدى إلى ضعف إحساس الأجيال الجديدة بهويتهم، كما أضعف حساسيتهم تجاه الوافدات الأجنبية، مما سهّل على القوى الثقافية الغازية اختراق العديد من جوانب ثقافتنا، وجعل الشعور بخصوصيتنا الثقافية موضع تساؤل.
إن دخول الأمة في مرحلة التراجع الحضاري
سوف يعني الكف عن تجديد الهوية وبعثها وإعادة إنتاجها، مما يحولها إلى أشياء يتم تلقينها للناس دون أن تعني لهم الكثير وتتحول بذلك إلى عبء على الذاكرة.
إن حلّ أزمة الهوية لن يكون إلا من خلال إعادة تنظيم حياتنا الشعورية والأخلاقية والعقلية في ضوء ثوابت المنهج الرباني الأقوم وإلا من خلال تحقيق درجة من الندية للأمم الأخرى في مجالات الإنتاج الحضاري كافة.
الأخلاق والبيئة: اعتبر الكاتب هذه القضية على درجة من الأهمية والخطورة ورغم ذلك فهي من أكثر القضايا التي نالها الإهمال في القديم والحديث، والدليل على ذلك أننا
قلما استطعنا تأسيس استجابات تقوم على الاهتمام بإدراك طبيعة العلاقة بين المثالي والواقعي، بين دواعي الأصل والنموذج، وبين دواعي الضرورة وحاجات الجسد والبقاء على قيد الحياة. وهذا الأمر يتطلب فيضا من البحوث والدراسات التي تتناول الجوهر الإنساني وطبيعة تشكل القيم، إلى جانب تناول طبيعة تأثير المناخ والزحام وضغوط العمل والكبت والفقر والجوع والجهل والاستبداد والرخاء الشديد والاغتراب والمغريات الجنسية والفساد الإداري..
في ترتيب سلم القيم لدى الناس، وتغيير أمزجتهم وتنظيم ردود أفعالهم... وعدم الاهتمام بذلك دليل على أن هذه المسألة لم تدخل في منطقة الوعي لدينا. إن
الكرامة والحرية ليست شعارات ترفع، بمقدار ما هي نواتج للخروج من عالم القهر والضرورة إلى عالم الخيارات المتعددة. إن المشكلات الأخلاقية قد تنبع من بيئة اقتصادية متردية تدفع الناس دفعا إلى الشح والرذيلة وتجعل همومهم ونشاطهم في الكفاح من أجل البقاء على قيد الحياة.
وفي تصور الكاتب أن
وعينا بحاجة إلى صدمة حتى يصحو على هذه المعاني، وتلك الصحوة هي البداية لعمل جديد نافع، يعيد الأمور إلى نصابها.
قدرة الوعي البشري على التعرف على الحق والخير الصافيين والمجردين عن التجسيد السلوكي محدودة، كما أنّ التجسيد المشوه للقيم يقزمها، أو يحرفها عن وجهها في النهاية.
في زمان الإقبال الحضاري تزدهر معان ومفاهيم بعينها، ويكون ازدهارها تعبيرا عن السمو الإنساني وتعبيرا عن الاستقرار والخير والنماء. (معاني اللطف والرحمة والسماحة والعفو والتضحية من أركان المدنية الإسلامية وسادت عندما سادت) في المقابل وفي زمن قيم الانحطاط سادت القوة عوضا عن الرحمة
كما ذكر الكاتب نماذج أخرى من قيم الانحطاط نحو الهروب من أداء الواجب، الوسيلة عوضا عن المبدأ، الاهتمام بالإجماع دون مضمونه، الشعور بالهزيمة. في زمن الانحطاط تعلو شؤون الجسد، وتتسع استخداماته على حساب شؤون الروح والمعنى،
ويتضاءل الحوار والتفاهم والتنازل ويغلب الهوى والإعجاب بالرأي.
الاهتمام والشعور بالمسؤولية، واحد من أهم القيم والمبادئ الأخلاقية حيث من شأنها أن تجسد إحساس المرء بتبعات إرادة الحياة، والتقدم في دروب الخير والفلاح، وإحساسه بآلام التدهور الذي يمكن أن يتعرض له نتيجة ترهل حساسيته تجاه الواجبات الملقاة عليه.
الاستقلالية في الحكم والتقويم واتخاذ القرار وتنظيم رد الفعل، من القيم المهمة في نضج الشخصية.
الانفتاح وتقبل الجديد مهم لعيش عصرنا بكفاءة، حيث تتم إعادة صياغة كل شيء على نحو مستمر. ولا نعني بما نقوله أن نكيف أخلاقنا ومبادئنا ومقولاتنا مع الجديد، فهذا غير جائز ولا صحيح، ولكن المطلوب أن نكون مستعدين لتلمس الحق، ومحاولة فهم الأفكار الجديدة، وسماع وجهات النظر المختلفة مهما كانت فجة، إلى جانب الاستعداد لمراجعة طروحاتنا وأفكارنا التي نشأنا عليها في ضوء ما نصل إليه. وأخطر ما يصدنا عن ذلك، ويضع الغشاوة على بصائرنا، هو البرمجة البيئية والثقافية التي تعرضنا إليها في حياتنا.
وقد ركز القرآن الكريم دائما على تحريرنا من اتباع الهوى والظن والسير خلف الآباء والكبراء دون تمحيص لما هم عليه، لكن يبدو أننا لم نستطع توسيع مدلول النصوص الكريمة في هذا الشأن، كما لم نستطع النفاذ إلى أعماق النص القرآني بما يكفي لاستخراج رؤية متحررة من القولبة التربوية التي صاغت وجودنا المعنوي عبر حياتنا المديدة. ويعتقد الكاتب أن من أولويات تجديد الوعي التأمل مليا فيما علينا أن نفعله في هذا الشأن.
التقدم والتخلف
تقويم وضعية التقدم: الوعي بأحوال التقدم والتخلف
يتطلب - فيما أرى- تجزئة الحالة العامة للأمة، وفصل المسارات الحضارية بعضها عن بعض، وسيكون من العسير جدا أن نقول: إن الشعب الفلاني متقدم في جميع الميادين، فهذا غير موضوعي، وفيه تصنيم لشعب من الشعوب، أو لمرحلة تاريخية بعينها،
فالأمم وهي في أوج انتعاشها وازدهارها، تعايش بعض أنماط التخلف في بعض منظوماتها الثقافية والأخلاقية، وفي بعض أوضاعها الاقتصادية والسياسية، كما أن الأمم المتدهورة تحتفظ - عادة - ببعض نقاط القوة والإيجابية، ومن تلك النقاط يمكن أن تنبثق مرة أخرى، وتستعيد بعض ما فاتها.
استيعاب الوعي للتقدم: من أخطر المشكلات التي تواجه الوعي الإنساني قابليته الشديدة للوقوع في أسر اللحظة الحاضرة والمعطيات الجاهزة والبيئة المحيطة.
وعلى مدار التاريخ كان كبار المفكرين والمصلحين، يحاولون إيجاد مداخل تجعل الوعي ينفتح على الماضي والمستقبل، وعلى القريب والبعيد والبسيط والمركب، والكلي والجزئي، على أمل أن يظل على درجة من التحرر، تمكنه من التعامل بشفافية مع واقع الانحطاط، وإمكانات التقدم، ولا سيما الكامن منها.
إن من المؤسف أن وعينا التاريخي مستمد في أكثر الأحيان من الجانب السياسي لماضي الأمة، وهو أقل جوانب حضارتنا إشراقا وبعثا على الأمل.
وبما أن التدهور في ذلك الجانب بدأ في وقت مبكر من تاريخ حضارتنا،
فإن الوعي المسلم التقط كل ما توحي به النصوص من حتمية التراجع الحضاري، وأهمل النصوص التي تدل على إمكانية حصول تحسن في مستوى التدين، وفي مستوى العمران والمعيشة.
ابن خلدون ذو العقلية الفذة، لم يستطع الإفلات من أجواء الجبرية وحتمية الانحطاط التي سادت في معظم حقب التاريخ الإسلامي، فذهب إلى أن عمر الدول لا يزيد عادة عن ثلاثة أجيال، وهذه الأجيال مائة وعشرون سنة، فجعل نشوء الدولة واكتمالها وانهيارها أشبه بحياة الفرد الذي سينتهي لا محالة إلى الفناء!
ويزيد على ذلك أن ابن خلدون مزج الظاهرة الحضارية بالدولة، مع أن الحضارة كيان عام، والدولة كيان خاص، وما ينطبق على الخاص، لا ينطبق بالضرورة على العام هذا بالإضافة إلى أن تنظيره لعمر الدولة مستشف من استقراء ناقص، ومن سيرة دولة معينة، طابعها العام الاستبداد. أما الدول التي تقوم على الشورى، وتكون مهمتها تمثيل القوى الاجتماعية، ورعاية مصالح العامة فإنها كما - هو مشاهد - قد تعمر مئات السنين.
في العالم الإسلامي شرع بعض المفكرين والباحثين منذ القرن الماضي في التفتيش في الزوايا المهملة من الوعي الإسلامي عما يمكن أن يصلح أساسا للخروج من نظرية ابن خلدون في (دورة الحضارة) إلى رؤى ومفاهيم تجعل الناس ينفتحون على المستقبل ويفكرون في تحسين أجوائه ومعطياته. وكان من ركائز ذلك توفير دعم جديد لحرية الإرادة الفردية، وتعزيز الثقة بقدرة الإنسان المسلم على تجاوز العقبات المختلفة التي تعترض سبيله.
وكان من جملة ذلك أيضا اجتياح (بنية الأزمات) التي طالما أوحت للوعي المسلم بانسداد الآفاق وانقطاع الرجاء. وقد صار هناك إحساس بأن الكروب والمشكلات التي نواجهها أفرادا وجماعات ضرورية لعيشنا حياة سوية وصالحة ومثمرة.
إن التقدم يحتاج إلى أشياء عديدة، منها التنظيم العقلي، وبذل الجهد، وتوفر إمكانات مادية معينة... لكن أهم ما يتطلبه - في تصور الكاتب - هو
اتخاذ القوى الروحية والمعنوية أساسا للنهوض والتغيير، فالاستمرار في التقدم يتطلب جهودا استثنائية نابعة من روح معطاءة وسخية. القوى المعنوية هي السلاح الأمضى الذي استخدم في إنشاء المجتمع المسلم، وفي وضع بذور الحضارة الإسلامية، وفي نشر الإسلام في الأرض.
ما بين القديم والجديد
نحن والقديم: التاريخ الإسلامي في أطواره وحقبه، وما اشتمل عليه من عطاءات وحوادث ومشكلات وانكسارات،
هو الماضي الذي ننتمي إليه في الكثير من جوانب وجودنا الفكري والشعوري، ولا بد أن تكون أفكارنا عن الوضعية التي تم نقل ذلك الماضي عن طريقها، ناضجة ومنظمة، وإلا فإن الماضي كما يمكن أن يكون مصدرا لتجديد وعينا، فإن بإمكانه أن يكون مصدرا لبلبلة الوعي وانقسامه.
ماضي الأمة الإسلامية ماض طويل مفعم بالمعطيات والصور والوقائع التي توحي إلينا بفيض من الأفكار والمشاعر والانطباعات والأنساق... وهذه جميعا متوشحة بالفوضى، وعدم الانتظام حيث توحي مجموعات منها بعكس ما توحي به مجموعات أخرى.
هذه الإشارات المتضاربة أربكت وعينا وأسست لانقسامه فيما بعد حيال التاريخ الإسلامي برمته. هذه الوضعية، هي التي تدفع كل أولئك الذين قاموا بنقل أحداث الماضي لمن بعدهم إلى أن يضعوا ما ينقلونه في إطار نظام ما من فضاء (المعقولية التاريخية) ومن فضاء رؤيتهم الخاصة أيضا.
إن الأفكار والاجتهادات والتصرفات، تكون دائما محتملة للخطأ والصواب إذا نزعت من الواقع الاجتماعي الذي لابسته. من هنا يتضح جانبا آخر من جوانب القصور لدى المؤرخين وهو اعتماد أغلبهم أسلوب السرد دون القيام بما يكفي من التعليل والربط بين الأخبار المسرودة وبين ظروفها التي أحاطت بها، ودون تسليط الضوء على الآثار التي ترتبت عليها.
العلاقة بالتراث: انتقد الكاتب موقف المستشرقين من التراث وربطهم أسباب تخلف الأمة بموروثها الثقافي. ولكن انتقد في الوقت نفسه الموقف المناقض، وهو موقف المفتونين بالتراث والذي تمثل في الحرص الشديد على نشر الكتب التراثية دون تفريق بين الغث والسمين. كما تمثل في خوفهم وتوجسهم من أية قراءة للتراث، تنتهي إلى مقولات، تخالف ما هو سائد ومنطبع في عقليتنا عن معطيات ذلك التراث. ومع نبل الدوافع إلى هذا الموقف إلا أنه يتجاهل حقائق مهمة، لا نكاد نتمارى فيها اليوم، منها أن
التراث عبارة عن جهد بشري، تتبدى فيه كل اجتهادات البشر، وكل أشكال تفوقهم وأنماط قصورهم، ومن الطبيعي حينئذ أن يكون فيه ما ينفع وما يضر، وما يسوء وما يسر.
إن نشر ما هب ودب من كتب التراث، والاحتفال به، دليل على أننا ننزع الإنتاج الثقافي من تاريخيته، وإطاره الاجتماعي، أي نجعله فوق الزمان والمكان، وهذا لا يكون إلا للوحي، أما إنتاجنا العلمي، فكثيرا ما تكون له مدة صلاحية إذا انتهت قلّ الانتفاع به، وفقد كثر من أهميته.
المقصود أننا لن نجد في التراث حلولا جاهزة لمشكلاتنا المعاصرة، وتنمية حياتنا الحضرية، وإنما سنجد – في الغالب – أصولا هادية، ومستندات أدبية لجهودنا البنائية والتحديثية. إن احترامنا للتراث لا ينبغي أن يتجسد في نقله ونشره فحسب، وإنما في توظيفه من جديد، حيث لا ينبغي لنا أن نبحث عن الجذور القديمة، ونرتاح، وإنما علينا أن نفكر في كيفية تغذية تلك الجذور لكي تحقق نموا وازدهارا جديدين. كما أن هناك أجزاء ومفردات من التراث تصلح للاستلهام أكثر من صلاحيتها للتوظيف. وهناك أوضاع ومواقف تصلح للاعتبار وأخذ الدروس.
التجديد والموقف منه: البنية العقلية التي أسسها المنهج الرباني، والتي تمحورت حولها الثقافة الإسلامية فيما بعد، هي بنية منفتحة، تجمع بين الصلابة والمرونة، فالإسلام يحرض على الاجتهاد، وهل هناك أكثر من أن تجعل لمن يجتهد ويخطئ أجرا ؟! وهو إلى جانب هذا يذم التقليد والمقلدين الذين يجعلون عقولهم رهينة لعادات ألفوها، أو مسلمات ورثوها عن الآباء والأجداد دون أي مستند من دين أو عقل أو علم.
إن الإنسان وهو يسعى إلى فقه حركة الوجود، واكتشاف ثوابته، وأخذ العبرة من أحداثه وأزماته، يعثر كل يوم على بعض المعطيات الجديدة، وبسبب من هذه المعطيات، يغير في عناصر رؤيته، وبذلك يتغير الكون نفسه، إذ الكون ما نراه فعلا أنه الكون. وسوف تؤثر المفاهيم والرؤى الجديدة عن الحياة في سلوكنا، كما أثرت المفاهيم القديمة قبل أن تنسخ، وتترك مكانها للجديد.
إن المقابلة بين القديم والجديد، هي ضرب من ضروب الابتلاء لنا في هذه الحياة، وربما كان التصرف الأكثر رشدا هو أن نجعل العلاقة بينهما على درجة من التوتر المنتج، وذلك من أجل استمرارية الثقافة الإسلامية، حين نحافظ على أصولها ومقوماتها الأساسية من قطعيات الوحي، ونرفدها بما ينميها، ويطور مدلولاتها من خلال توسيع دوائر الفهم والنقاش والحوار والجدل والتلقيح الفكري. وربما كان هذا هو الضمان الوحيد لتواصلنا مع ثقافتنا، ولصونها من الثقافات الأجنبية الغازية. الاشتغال على المفاهيم السابقة، والمواد المعرفية التراثية، يساعد في توليد حركة ثقافية جديدة ومعطيات هذه الحركة سوف تتحول بعد مدة إلى مفاهيم قديمة، علينا أن نمارس معها الدور نفسه ذ، وبهذا يتم التجديد، وتوليد الهوية، وتعزيز الذات الثقافية.
الجديد خليط من الفرص والأزمات: الظروف الجديدة بما تحتوي عليه من أزمات وفرص ومتطلبات، تشتت الوعي فينقسم على نفسه حائرا بين القديم والجديد، والظاهر والباطن، والحقيقة والمجاز، والنظام والحرية... وكل مظهر من مظاهر الوجود هذه، يجذبه نحوه، ليستحوذ عليه، وفي ذلك ابتلاء عظيم له. وكثيرا ما تخل هذه المتباينات بتوازنه الداخلي، فيميل عن سواء السبيل، ويفتتن بجزء من الحقيقة على حساب إبصار الحقائق الأخرى، وهذا ما يعاني منه معظم الناس اليوم.
نحن مطالبون بالمحافظة على كل الأصول التي تبقي على الواحد منا عبدا لله تعالى قائما بأمره، ومبتغيا لمرضاته، لكن
علينا ألا نغفل عما يتطلبه التوافق مع حركة التاريخ من الفاعلية والتفوق النوعي، والنجاح في مشروعاتنا، وتحسين مستوى إنتاجنا، والفهم العميق للتحديات المحيطة بنا... وحين نزاوج بين أصول التدين الحق، وفعاليات المعاصرة، فإننا نؤهل أنفسنا للسيطرة على (الحداثة) التي تسعى بطبيعتها إلى جعلنا ننعتق من كل قيد، ونضرب في متاهات الجديد بعيدا عن جذورنا الثقافية.
التنوع في إطار الوحدة: الإسلام بما هو بنية حضارية، يوضح لنا معالم الوحدة، ويحثنا على التمسك بها بصرامة، كما يحثنا على مقاومة كل ما ينال منها، لكنه في الوقت نفسه ترك لنا في شؤون الحياة مساحات واسعة من الفراغ التشريعي والتنظيمي، حتى نستخدم في ملئها عقولنا وخبراتنا، مما يعني في نهاية المطاف إطلاق العنان للرأي والاختلاف والإبداع، وإغناء الحياة بكل ما يمكن أن يجعلها مرضية لشتى الأذواق ومحققة لكل المصالح وملائمة لكل الحالات الخاصة. وهذه المنهجية في رسم حدود التوحد والاختلاف، هي التي مكنت أمة الإسلام من أن تؤسس (إمبراطورية) ضخمة، تعجز عنها الدول العظمى اليوم، وهي التي أوجدت حضارة مشتركة بين المسلمين في الأرض مهما كانت الظروف التي يعيشون فيها، ومهما كانت القوميات والجنسيات التي ينتسبون إليها.