المؤسسات حين ترسم حركة الأهداف بقلم: د. خلود العموش
تلفت انتباهك هذه الظاهرة: أشخاصٌ عاديّون، حياتهم أَمْيلُ ما تكون إلى الرّتابة، لا يعرفون الإبداع، ليس لهم أيّ علامة فارقة في عالم الإنجاز، لكنّك تراهم فجأة وقد تغيرت معالم حياتهم، وصاروا ناساً مختلفين، في حديثهم وفي رؤاهم، في تفكيرهم وفي إنجازهم، وحتى في صورتهم الخارجية، وتأثيرهم فيمن حولهم, وحين تسأل عن سرّ هذا التغير تعلم أنهم قد انخرطوا في مؤسّسات أو هيئات ذائعة الصِّيْت، ولها إنجازها ولها بصمتها الواضحة في الحياة..
مؤسّسات تميّزت بأنّ لها رؤية ورسالة، وتمتلك الأدوات الفاعلة لإنجاز أهدافها, وهنا يبرز هذا السؤال: هل تملك المؤسّسات أن تحدث هذا التغيير الهائل في حركة الشخوص، وأهدافهم وإنجازاتهم؟ الجواب قد تجده في هذه المحطات.
أسير بلا بوصلة ولكن!
كثير من الشخوص يسيرون بلا هدف واضح يحيون من أجله! قد يكون حديثُ بعضِ أولئك إلى أنفسهم: "لِمَ الهدف وأنا لا أملك شيئاً لتحقيقه؟" فانعدام الهدف عند هؤلاء مردّه إلى ضعف الإمكانات، وانعدام الوسائل، لا لأنه امرؤٌ يحيا بلا بوصلة.
إنّ هؤلاء إذا توافرت لهم فرصة الانخراط في مؤسّسة محترمة، تمتلك إدارة وثّابة ذات مقدرة عالية، وذات رؤى تمكّنها من تحقيق أهدافها، ستحيا في نفوسهم حوافزُ الإنجاز، وستولد الأهداف في ذواتهم من جديد، وقد تتماهى أهداف أولئك بأهداف مؤسّساتهم فينصهر الخاص بالعام، لتتولّد دافعيةٌ غيرُ عادية بإزاء تحقيق الأهداف، كما أنّ مثل هذه المؤسّسات قد تساعد أشخاصاً عاديين، على تحويل بوصلة أهدافهم لتصبح باتجاه ما هو أعظم وأكثر أهمية.
إنّ البحث عن مكان مناسب للعمل في المؤسّسات المرموقة؛ كالجامعات ذات السمعة الحسنة المشهود لها، ومراكز الأبحاث، والمؤسّسات ذات الأثر الواضح في مسيرة الإنسانية، قد تولّد عندك أهدافاً لم تكن لتضعها لو لم توجد في مثل هذا المكان، وقد تحوّل بوصلة هدفك؛ لأنّ الظروف قد أخذت خطاً يسمح لهذه الأهداف أن تكون، وأن تأخذ فرصتها في الوجود.
إنّ بيئة العمل في مثل هذه المؤسّسات شديدة التأثير، كما أنّ بيئات العمل المتواضعة قد تخنق الأهداف العظيمة، وقد تولّد الإحباط عند شخوص يتّسمون بالموهبة والتفوّق.
المؤسّسة حين تطلق الأهداف
إنّ تحقيق الأهداف، وتحقيق الأفكار الجديدة المبدعة ليست عمليةً سهلة أو بسيطة، إنّها تواجه مجموعة من الصعوبات والعقبات قبل تحققها عملياً، وهذا ما يشير إليه بوير, إذ يرى أنّ في كلّ مؤسّسة عدداً من الأشخاص الذين تتبادر إلى أذهانهم أفكارٌ جديدةٌ، ذاتُ قيمة يمكن أن تقود إلى اكتشافٍ ما، لكنّ كثيراً من هذه الأفكار لا تولد إطلاقاً، أو تموت بعد ولادتها مباشرة، وقد يُسحَقُ بعضها في طفولته، أو لا تنجح في الاستمرار حتى تنضج وتصل إلى مقام الاكتشاف الجديد.
ويذهب (بوير) إلى أنّ الأفكار الجديدة غالباً ما تموت قبل ولادتها، أو قبل وصولها إلى حيِّز الوجود، بسبب عواملَ يمكن تجاوز معظمها من خلال مناخ مناسب يطلق الأنشطة الإبداعية، ولعل من أبرز تلك العوامل... القصورَ أو عدمَ القدرة على إظهار الفكرة؛ فكثير من الناس، حتى ذوي التصورات العادية، يمكن أن تعبر في رؤوسهم بعض الأفكار الجديدة، لكنّ عدداً قليلاً منهم يستطيع إظهارها أو تحديدها، لذا فإنّ المناخ المشجّع الذي يمكن أن توافره المؤسّسة يستطيع أن يسمح للفكرة أن تأخذ طريقها.
وإذا كان المناخ الذي توافره المؤسّسة غيرَ مشجّع فإنّ جملةً مثل: "سنؤلّف لجنة من أجل فحص هذه الفكرة" أو جملة مثل: "هي فكرة جيدة لكنّها تكلّف غالياً" قد تكون شعاراً مختزلاً يشير إلى إلجام الأفكار الواعدة والأهداف العظيمة.
لقد سجّل كوجو كارو بعضَ الملحوظات المهمة فيما يتعلّق بضرورة وإمكانية دراسة الجوّ المناسب للإبداع وتحقيق الأهداف في المؤسّسات، فجاء في كتابه (الإبداع والاكتشاف): "ينبغي الانطلاق من أنّ كاملَ شخصية المؤسّسة يمكن اعتبارها مصدراً للأفكار"، وكي تظهر الأفكار وتتحقق فمن الضروري حسب رأي كوجو كارو الأخذ بمعيارين:
أ- أن تضع المؤسسة نظاماً لاكتشاف أولئك الذين هم أصحاب المواهب الإبداعية، كي يتمّ إدراجهم في نطاق فرق الإبداع.
ب- انطلاقاً من أنّ روح الإبداع خاصّة لكلّ أعضاء المؤسّسة، فعلى الإدارة أن تقوم بجمع أفكار المؤسّسة كاملةً.
من الأفكار إلى الإمكانات
إنّ للجوّ العام الذي تتيحه المؤسّسات أهميةً خاصة في التأثير في تحقيق الأهداف؛ فالمناخ الملائم يسمح بتواصل المعلومات وتبادلها بين أفراد المؤسّسة، ويكون هذا المناخ تربة خصبة لإيجاد أفكار جديدة، أو للكشف عن ظواهر جديدة، من خلال عمليات الضبط والمراقبة المتبادلة، وإجراء التصحيحات بثقة وتعاون لكلّ ما يعرض من أفكارٍ ونشاطات. ولا يتوقّف تأثير المناخ المناسب عند ذلك فحسب، بل يؤثّر في تكوين الأشخاص القادرين على تحقيق هذه الأهداف، كما أنّ إمكانات المؤسّسات تتجاوز القدرات التي يملك الأفراد وحدهم توافرها لأهدافهم.
إنّ الوسائل التي يمكن أن توافرها المؤسّسة من أجهزة وتقنيات وأدوات وموارد تقرّب الأهداف البعيدة، وتجعل تحقيق الصعب ميسوراً. إنّ تبادل الأفكار والعمل الجماعي، وتبادل الرّؤى وتراكمَ الخبرات وتنوّعها في المؤسّسات وعمل الفريق، يخرج الهدف من إطاره الفردي إلى إطاره المؤسّسي, فالمؤسّسة تملك أن تقدّم الكثير.
لقد درست روكو المناخ المشجّع أو المحرّض للإبداع، ورأت أنّ ذلك يرتبط بخصائص أنظمة التقييم في نظام المؤسّسة، ويرتبط كذلك بجوانب الدافعية في شخصية إدارة المؤسسة, وأشارت كذلك إلى أهمية المناخ الحرّ الذي تتيحه المؤسّسات في تحقيق الأهداف؛ بمعنى أن المناخ الذي يترك الأفراد يفكّرون ويطوّرون من أفكارهم بحرية.
وأشار بياجه إلى هذه المسألة بقوله: "إنّ الفرد لا يصل إلى تحقيق أهدافه وابتكاراته إلا بمقدار ما يحتلّ مكاناً في تفاعل الجماعات".
إنّ كبار الناس الذين خطّوا اتجاهاتٍ جيدةً لم تكن إلا نتاج تفاعل وتركيب لأفكار أعدّت في إطار تعاون مستمرّ".
وتحقيق الأهداف وإن بدا فعلاً فردياً إلا أنه لا يأخذ مكانه إلا في الوسط المؤسّسي المناسب ويتأثّر به.
الهدف: زماناً ومكاناً في إطار المؤسّسات
إنّ المحطات السابقة قد رسمت دور المؤسّسات في تقريب الأهداف، وتأطير تحقيقها عبر الإمكانات الهائلة التي يمكن أن توافرها, وفي جانب آخر من الصورة فإن المؤسّسات تؤثّر مباشرة في توقيت تحقيق الأحداث.
إنّها تختزل الوقت المطلوب لإنجاز الأهداف، ومردّ ذلك إلى الإطار الجماعي والمؤسّسي الذي تتيحه والإمكانيات الكبيرة المتوافرة للمؤسّسات؛ فالهيئات والمنظمات تفضّل التواصل مع المؤسّسات عموماً على التواصل مع الأفراد، خاصة إذا كانوا مغمورين أو في فواتح الطريق.
إنّ المؤسّسة تؤثّر كذلك في اختيار المكان المناسب لتحقيق الأهداف، عبر توافر ذلك المكان، أو اقتراحه، أو تسهيل توافره, ولأنّ لكلّ حركة في هذا الاتجاه وجهاً آخر، فيمكن أن تؤثّر المؤسّسة غير المؤهلة وغير الناجحة، في تأخير تحقيق الأهداف، وتخفيض التوقّعات حوله: زماناً، ومكاناً، وتفاصيلَ، وثماراً. إنّ حديثنا عن دورٍ إيجابيّ للمؤسّسات في تحقيق الرّؤى والأهداف، إنّما يتعلّق بشكل أساسي بالمؤسّسات الذائعة الصِّيتِ ذات السمعة الحسنة، والإنجاز الواضح، والرّؤى المفتوحة، والآفاق العظيمة.. تلك التي تمتلك نظاماً إدارياً مرناً ناجحاً، يضمن لها إمكانيات متفوّقة، ونظمَ اتصال متميّزة, ويجعل قبولها في الأطر الاجتماعية المختلفة أمراً مفروغاً منه. فمثلُ هذه المؤسّسات تملك أن تصنع التغيير، وتملك أن تسير بأهداف الأفراد والجماعات إلى آفاقها الرحيبة، إنّها تمنح الثقةَ، وأدواتِ الإرادة الفاعلة، وهما مناط كلّ هدف عظيم. - أعلق قائلاً -
إن ثقافة العمل المؤسسي الرسمي وغير الرسمي ينبغي أن تتبناها عقول تؤمن بأن المستقبل لمن له ( رسالة في الحياة وهدف يسعى لتحقيقه وخطة يسير عليها لتحقيق هذا الهدف )
__________________
[IMG]  [/IMG] شكراً لك أخي الحبيب / المبتسم ( أبو سعد ) . . على الهدية الرائعة
التعديل الأخير تم بواسطة بصيــص الأمــــل ; 26-06-2008 الساعة 09:42 AM.
|