لسم الله الرحمن الرحيم
تشبث المغاربة بالمذهب المالكي
مقدمة:
يتميز الفقه الإسلامي عن غيره من القوانين الوضعية بأن مصدره وحي الله تعالى المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.وهو يشمل كل متطلبات الحياة إذ يتناول علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمجتمعه.وبنزول الوحي ابتدأ التكليف، وبه ابتدأت مرحلة التشريع.وفي عصر الرسالة اكتملت الأسس الكلية والأحوال العامة للشريعة الإسلامية التي بنت عليها فيما بعد الحركة الفقهية اجتهاداتها التي تزعمها فقهاء أفذاذ استطاعوا أن يدفعوا الفقه دفعا قويا على أسس علمية وضوابط منهجية كالإمام مالك الذي ينسب إليه المذهب المالكي، والذي اختاره المغاربة نهجا علميا وعمليا في حياتهم مند عهد الأدارسة وتشبثوا به منذ ذلك الحين وسيبقون متشبثين به إن شاء الله تعالى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى هذا أشار جلالة المغفور له الحسن الثاني رحمه الله بقوله: *والمغرب ولله الحمد متشبث بمذهب الإمام مالك، ويجب أن يبقى متشبثا به، حتى لا يكون عرضة لتيارات دائما متقمصة قميص الإسلام وفي داخلها الدمار والضلال.*(1)
وقبل التحدث عن أسباب تشبث المغاربة بالمذهب المالكي لابد أعطي نبدة قصيرة عن حياة صاحب المذهب.
1 - شخصية الإمام مالك
هوا لإمام مالك بن أنس بن أبي عامرالأصبحي (2) إمام دار الهجرة فقها وحديثا بعد التابعين، ولد في عهد الوليد بن عبد الملك ومات في عهد الرشيد في المدينة رحمه الله، ولم يرحل منها إلى بلد آخر، عاصر الدولتين الأموية والعباسية، لكنه أدرك من الدولة العباسية حظا أوفر، نشأ رحمه الله في بيت علم وصلاح؛ أبوه أنس كان عالما فقيها، وعماه ربيع ونافع كانا عالمين محدثين، وجده مالك كان من أكبر التابعين ،وجلة علمائهم يروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وعائشة وغيرهم(3) وأما صفاته فأكتفي بذكر ما وصفه به تلميذه الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال:*مالك أستاذي وعنه أخذت العلم،وهو الحجة بيني وبين الله تعالى ،وما أحد أمن علي من مالك، إذا ذكر العلماء،فمالك النجم الثاقب،*وما وصفه به القاضي عياض في المدارك قال:*(عن زياد بن يونس أنه كان أعظم الخلق مروءة وأكثرهم سمتا،وكان إدا جلس جلسة لا ينحل منها حتى يقوم،كثير الصمت،قليل الكلام،محتفظا لسانه؛كما نقل عن ابن مهدي أنه قال:ما رأت عيناي أحدا أهيب من هيبة مالك،ولا أتم عقلا،ولا أشد تقوى من مالك.)*(4)
2 ـ دخول المذهب المالكي إلى المغرب
تفيد بعض الروايات أن المذهب المالكي انتقل إلى المغرب الأقصى من الأندلس أيام الأدارسة.(5 ).فقد دعا الملك المولى إدريس الناس للأخذ به، وإتباع منهجه؛وجعله مذهبا رسميا للدولة حيث قال: (نحن أحق باتباع مذهب مالك وقراءة كتابه الموطأ.)؛ وأصدر أمره لولاته وقضاته بنشر كتاب الموطأ وإقرائه.) ( 6) وقد تشبث المغاربة منذ ذلك الوقت بهذا المذهب لأسباب كثيرة أذكر البعض منها على سبيل المثال:
أولا: انطلاقه من رحاب المدينة المنورة:
المدينة المنورة البقعة الطاهرة التي ترددت بين أرجائها الأنفس العطرة للمصطفى عليه الصلاة والسلام، وكانت مثواه الشريف بعد التحاقه بالرفيق الأعلى.وحب المغاربة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمدينة المنورة التي تكرر بين أرجائها نزول الوحي على رسول الله صلى الله عيه وسلم جعلهم يتشبثون بهذا المذهب الذي نشأ صاحبه في هذه المدينة الشامخة من العلم متلقيا عن شيوخ ورواة تلقوا هم بدورهم عن الصحابة والتابعين.ونقلوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواتر أقوالا وأفعالا وتقريرات.
ثانيا: اتساعه لدائرة الأدلة النقلية والعقلية:
تتميز أصول المذهب المالكي بسعتها وثرائها، فقد اتسعت فيه دائرة الأدلة النقلية إلى جانب الأدلة العقلية؛ فهو يعتمد على الكتاب والسنة والإجماع وعمل أهل المدينة وقول الصحابي، كما يشتمل على القياس والاستحسان والاستصلاح والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف ومراعاة الخلاف.(7 ).فقد بنى أدلته على عشرة: خمس من القران، وخمس مماثلة لها من السنة وهي :
ـ نص الكتاب العزيز وهو ما لا يقبل تأويلا
ـ ظاهر الكتاب العزيز وهو ما يقبل التأويل
ـ دليل الكتاب العزيز وهو مفهوم المخالفة
ـ مفهوم الكتاب العزيز وهو مفهوم الموافقة
ـ تنبيه الكتاب العزيز وهو التنبيه على العلة
ومن السنة أيضا مثل هذه الخمسة فهذه عشرة.والبقية هي الإجماع والقياس، وعمل أهل المدينة، وقول الصحابي والاستحسان، والحكم بسد الذرائع، ومراعاة الخلاف، فقد كان يراعيه أحيانا، والاستصحاب والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا ما لم يرد فيه نسخ.
هذه الأصول تشكل المرتكزات العامة التي استند إليها المالكية في الاستنباط والتخريج، وتتميز بكثرتها في المذاهب الأخرى؛ وبعضها يختص بها المذهب مثل عمل أهل المدينة، وبعضها توسع النظر فيه وعلى أساسه كالمصالح المرسلة وإن وردت في المذاهب الأخرى غير أن المذهب المالكي كان أصرح وأوضح في مراعاتها.
ثالثا:إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بعالم المدينة:
معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في الإخبار بظهور عالم المدينة، وحمل العلماء على أنه مالك بن أنس، وأن مذهبه على الحق؛ مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم
يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة ) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح وصححه القاضي عياض في المدارك. (8) وفي رواية: "ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة".وفي لفظ: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم"، وفي لفظ "من عالم بالمدينة"، وفي لفظ "أعلم من عالم المدينة". وقد رواه النسائي، عن أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يضربون أكباد الإبل فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة"، وفي رواية: "يخرج ناس من المشرق والمغرب في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة"، ويروى عن سفيان ابن عيينة قال: كنا نسمع أهل المدينة يقولون إنه مالك بن أنس ) (9). وهكذا أقبل المغاربة على المدينة المنورة لتلقي العلم من إمامها مالك بن أنس.
رابعا: سفر المغاربة إلى الحجاز:
يرى ابن خلدون أن من أسباب تشبث المغاربة بالمذهب المالكي كثرة ترحالهم إلى الحجاز واتصالهم بالإمام مالك وفي هذا يقولوأما مذهب مالك رحمه الله تعالى اختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس، وإن كان يوجد في غيرهم إلا أنهم لم يقلدوا غيره إلا في القليل لما أن رحلتهم كانت غالبا إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم؛ والمدينة يومئذ دار العلم،ومنها خرج إلى العراق ،وشيخهم يومئذ مالك بن أنس،وشيوخه من قبله،وتلاميذه من بعده،فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه دون غيره ممن لم تصل إليهم طريقته.) ( 10)
خامسا:أخذ الإمام مالك بواقع الناس:
أخذ المذهب المالكي بالواقع وبأعراف الناس وعاداتهم؛ هو يتمشى مع طبيعة الفطرة في بساطتها ووضوحها دون تكليف أو تعقيد.وهذه المنهجية تلائم طبيعة المغاربة حيث يميلون إلى البساطة والوضوح، ويرون من التأويلات البعيدة المتكلفة.
سادسا:عدم تعصب الإمام مالك لرأيه:
كان الإمام مالك لا يتعصب لرأيه بل يرجع للحق متى لاح له ذلك، وكان رحمه الله يقولإنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا إلى رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما خالفهما فاتركوه.)
وختاما نستطيع أن نقول:إن من الأسباب التي جعلت المغاربة يتشبثون بمذهب الإمام مالك ما يلي:
ـ شخصية صاحب المذهب وما عرف عنه من علم وورع وتمسكه بالكتاب والسنة، ومحاربة البدعة، بالإضافة إلى تشبثه التام بآثار الصحابة والتابعين.
ـ انطلاق المذهب من دار الهجرة.
ـ اعتماد المذهب على الأدلة النقلية والمذهب العقلية.
ـ إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بعالم المدينة الذي رجح العلماء أنه مالك بن أنس.
ـ سفر المغاربة إلى الحجاز وأخذهم العلم على الإمام مالك.
ـ أخذ المذهب بواقع الناس
ـ عدم تعصب الإمام مالك لرأيه.
الهوامش:
1 ـ الكلمة التي ألقاها رحمه الله في السادة المشاركين في الملتقى العالمي الأول لخطباء الجمعة في المغرب بالقصر الملكي بالرباط.
2 ـ نسبة إلى ذي أصبح قبيلة من اليمن.
3 ـ د:عمر الجيدي محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي ص 10.
4 ـ نفس المرجع السابق ص11
5 ـ نفس المرجع السابق ص25
6 ـ نفس المرجع السابق ص26
7 ـ د:مولاي إدريس العبدلاوي العلوي أسس الفتوى والاجتهاد في المذهب المالكي؛ درس من الدروس الحسنية ليوم 05/01/1995.
8 ـ محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفكر السامي في الفقه الإسلامي ج 1 ص 450.
9 ـ د:عمر الجيدي محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي ص 30.
10 ـ نفس المرجع السابق ص37 نقلا عن مقدمة ابن خلدون.
ذ:محمد واحدي