أفلت الشمس معلنة عن نهاية النهار، و تبدد الأنوار،منبئة عن بداية ليل مقدم بدياجير الظلام، و قد أرخى سدو له، لقد سكنت الحركات، و عم الهدوء و الصمت، و بزغ القمر ليخترق و يقطع خيوط الظلام الرهيب، كي تتخللها خيوط من نور، فتهدأ نفس الناظر و يذهب عند الروع، روع الظلام الدامس، و النجوم تشكل لوحة فنية رائعة توحي بعظمة مبدعها و تشي بقدرته و حكمته، و على هذا الإنتقال من النهار و ضوضائه إلى الليل و سكونه، طربت نفسي للكتابة، لقد استلهمت أفكارها من تلك اللوحة- الفسيفساء- التي زادها وقع الجداجد روعة و رهبة، وما راع هبوب النسمات و هي تداعب خيوط الظلام ، و تتمسّح على بشرة الجسد - جسد السامر الساهر- فيحس بتلك القشعريرة، و بتلك الموجات الزمهريرية التي تصّاعد من قدميه صوب كتفيه، تنبئ بلطافة الجو و عذوبة المناخ، داعية إلى إمكانية السمر و إباحة السهر.. و في هذه الليلة الجميلة المقمرة تمكنني الأرق و لم يطب لي نوم، فلبيت الدعوة و خرجت للسمر، فجلست و قد أخذت بسيجارتي و شعلتها، و رحت أناجيها وأعاتبها، قلت لها: أيتها السيجارة الملعونة، أتدرين ما تلحقين لي من ضرر؟!.... أو لعلك لا تعلمين العدد الهائل الذي تقتلين يوميا في هذا العالم ؟!.... و بقيت أعاتبها، بل أسبها و أشتمها، حتى ضاق صبرها و اشتد غيظها، فانفجر صمتها ، و نطقت تقول: أيها المغفل المعتوه، إنكم أنتم بنو البشر من ألحق بي الضرر، وأذيتم أنفسكم، فاندهشت لها تتكلم، ثم قلت لها: و كيف ذلك؟... قالت: لقد خلقت نبتة، و لم أوجد لأكون سيجارة، و إني وجدت لأداء وظيفة غير هذه التي ألزمتمونيها وأكرهتموني عليها ،فقلت لها: وما وظيفتك أيتها السيجارة، عفوا أيتها النبتة؟!... قالت لي : أنتم بنو البشر تدعون العلم و المعرفة و تزعمون أنكم كبار العقول، و أنكم المسيطرون، إذن فلتبحثوا عنها بعلمكم و معرفتكم، و لكن اعلم أيها الآدمي أني لم أخلق عبثا و ليس لي ذنب في ضرركم، كنت شجيرة أقوم بوظيفتي على أكمل وجه، حتى جاء ني الإنسان فاقتلعني، قتلني، وحرمني من حق العيش، و منعني التسبيح لخالقي، ثم حنطني حتى يبست و صرت كالمومياء، فكفنني بهذا الورق، و لم يكتف بهذا، بل أحرقني وراح يتفنّن في حرقي، و إن كنت أحتوي على مادة النيكوتين فلأنها سلاحي، و يستحيل على أن أعيش أو أنمو بدونها و اعلم أيها الأبله المغفل، بأنك أنت من أخذني ليتناولني، و أنت من بدأ بأذيتي، و البادئ أظلم.. لقد حرقتني بالنار و ما ينبغي لك، ثم صار تعذيبك لي يمتعك، بينما أنا أحترق و أتألم، و لهذا أؤذيك، وسأؤذيك و أضرك، و أضر كل من ضرني و من جردني من حقيقتي و غير لي وظيفتي. و في الأخير يا غريب، أعذرني إن كنت ناديتك بالأبله و المغفل، فأنت من ناداني بالملعونة، و سؤالي إلى جميع بني جنسك، عن من الظالم أنبته لا حول لها و لا قوة؟... أم الإنسان الذي غيرها و حولها؟ لقد سكتت السيجارة.. ناديتها فلم تجب، لقد انطفأت وانتهت و بقي سؤالها مطروحا على كل عاقل... لعمري أفحمتني و أقنعتني، لقد برأت ذمتها و خطأت الإنسان، لقد دخلت إلى حجرتي كي أنام و أنا مقتنع، أرى بما رأت، مرجّحا ما قالت... فما أجملها من سهرة و سمرة سمرتها مع سيجارة عاقلة قدمت لي ما لم يقدم لي غيرها... كتبت بتاريخ 17/10/2001
وبعدسجال ونضال مع السيجارة ،وفّقني الله تعالى بحوله وعونه ،وقد طلّقت السيجارة ،فبانت بينونة كبرىبتاريخ 03/07/2004 فالحمد كل الحمد لله رب العالمين..