العودة   منتديات الإسلام اليوم > .°ˆ~*¤®§(*§ منتدى الإبداع الفكري §*)§®¤*~ˆ°. > العــــــام
التسجيل All Albums إستضافة الصور قائمة الأعضاء أوسمة التميز اجعل كافة الأقسام مقروءة

العــــــام باحة شاسعة يحدها الأفق، لتسع آراءكم وأطروحاتكم وحواراتكم، التي لم تسعفها المنتديات الأخرى ..

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 31-05-2008, 06:21 PM   #1 (permalink)
صديق ذهبي مميز
 
الصورة الرمزية علي الحمدان
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
علي الحمدان is on a distinguished road
افتراضي حكايات الثقافة\حكايات المرأة



حكايات الثقافة / حكايات المرأة
الضد والضد

عبدالله بن محمد الغذامي (1)

(1)


للمرأة حكاياتها....
وللثقافة حكاياتها..

ولكن حكايات المرأة وحكايات الثقافة لا تسيران في خط واحد. وكلما صنعت الأنثى حكاية تظهر فيها بطولة الأنوثة تدخلت الثقافة في إعادة صياغة الحكاية من تغيير مسار السردية وتحويله وصرفه عن الأنوثة إلى بطولة ذكورية. وبين يدينا ثلاث روايات لحكاية واحدة. تتغير فيها العناصر والتفصيلات من رواية إلى أخرى، ولكنه تغيير لا يؤثر على السرد ولا على الحبكة إلا من وجهة واحدة فحسب. وذلك في تغيير الفعل البطولي وصرفه عن الأنثى. ولسوف أعرض واحدة من هذه الروايات وأجعلها قياساً أقيس عليه التغييرات.

والروايات الثلاث هي واحدة نجدية والأخرى يمانية والثالثة هنغارية (مجرية)، وهناك روايتان إحداهما ألمانية والأخرى فرنسية، وهما لا يختلفان عن المجرية، - انظر عن المجرية كتاب استيز المشار إليه في الحلقة الماضية ص 44 -. وسوف أبدأ باليمانية. تقول الحكاية اليمانية وهي حكاية (الجرجوف)(1):

كان هناك سبع بنات خرجن في أحسن زينتهن إلى الصحراء من أجل قطف الثمار الدوم، وكن جميعهن قد تزين بأحلى زينتهن ما عدا البنت الصغرى التي كانت فقيرة بائسة لا زينة لديها. وفي بحثهن عن شجر الدوم وجدن شجرة كبيرة مثمرة ولكنها عالية وشائكة. وهنا بدأ نزاع فيما بينهن عن أي واحدة تتطوع في تسلق الشجرة وقطف الثمار. وبدأت الأعاذير، وهذه استعارت ثوبها من أمها وتخشى أن يتمزق ....و و. ثم انتهى إجماعهن على البنت الصغرى التي ليس لديها من اللباس ما تخاف عليه، ووعدنها أن يملأن سلتها مع سلالهن إذا ما تسلقت الشجرة. ولقد وافقت البنت الصغرى على ذلك مكرهة ومجبرة إذ ليس حجة تقاوم حجج صديقاتها.

صعدت البنت الشجرة وأخذت تهزها فتتساقط الثمار والبنات من تحتها يملأن سلالهن حتى امتلأت كل السلال ما عدا سلة البنت الفقيرة،وانصرف البنات وتركن صديقتهن على قمة الشجرة وحيدة وسلتها فارغة.

وظلت البنت معلقة فوق الشجرة لا حيلة لها على النزول وبعد مدة سمعت صوتاً يقترب منها ولما دنا علمت أنه (الجرجوف) فخافت وارتعبت ولكنها عديمة الحيلة فاستغاثت به كي يساعدها على النزول من الشجرة، فاعتذر منها وقال إن وراءه ستة جراجيف وعليها أن تقنع أحدها لكي يساعدها. ظلت البنت ترجو الجراجيف واحداً تلو الآخر وكلهم يعتذرون باستثناء الجرجوف السابع الذي وافق على مساعدتها على النزول بشرط واحد وهو أنها إذا وقعت على الأصبع الخنصرفسيأكلها وإذا وقعت على الأوسط فسيتزوجها، أما إذا وقعت على السبابة فإنه سيعتقها، وإن وقعت على الأصبع الأكبر فسوف يقتلها.

وألقت البنت بنفسها فوقعت على الأصبع الأوسط وتزوجها الوحش. وأخذها إلى بيته حيث تحول هناك إلى شاب جميل مهذب فاستمال قلب الفتاة إليه ورغبها في نفسه. وترك لها شؤون المنزل وأعطاها ستة مفاتيح لست غرف، واحتفظ بمفتاح الغرفة السابعة وحذرها من هذه الغرفة. وهذا ما أثار فضولها وأشعل الرغبة في نفسها لمعرفة سر الغرفة السابعة.

ولما وجدت فرصة للتعرف على مكان الغرفة ومفتاحها بادرت إلى فتح الغرفة لتفاجأ بما يرعب ويخيف فهذه الغرفة مملوءة بالجثث الآدمية والجماجم البشرية. ولذا فقد بادرت الفتاة إلى إغلاق الغرفة وطوت في نفسها الحزن والخوف وزالت بشائر السعادة التي كانت تطفو على وجهها. وهذا أثار شكوك (الجرجوف) حولها. وقرر أن يحتال لها حيلة ليكشف خبر البنت وهل قد دخلت إلى الغرفة السابعة أم لا.

وجاءها ذات صباح وقال لها: لعلك قد اشتقت إلى أهلك؟ فقالت:نعم، قال: سأحضر لك أمك تأنسين بها. وتشبه الجرجوف على هيئة أمها، وصار يلاطفها بوصفه أمها ويسألها عن سبب حزنها وهل قد رأت من زوجها ما يكدر خاطرها أم كشفت في المنزل عن سر يخيفها. ولكن البنت خافت فلم تخبر أمها عن حكاية الغرفة لا سيما وأنها تتذكر تحذيرات الجرجوف لها من فتح تلك الغرفة.

وظل الجرجوف يحول نفسه من الأم إلى الأخت إلى الصديقة وإلى الأخ حتى ظفر من زوجته بما يؤكد شكوكه.

ولكن الجرجوف لا يبطش بها بعد أن علم بفتحها للغرفة، وإنما ينصحها بنسيان ما جرى، وهو يتحدفث بلسان صديقتها التي تحسّن لها البقاء مع زوجها الشاب والرضا بما تيسر لها من نعمة ومحبة على يد هذا الزوج. ولكن الفتاة لا تقتنع. وظلت تتطلع إلى يوم الخلاص.

وفي مرة من المرات شاهدت راعي غنم على جبل لا يبعد عنها كثيراً فلوحت له بردائها، فلما جاءها تبين أنه أخوها ففرحت به وأدخلته الدار.

ولما حان الغروب جاء الجرجوف عائداً من رحلته اليومية، فشم رائحة الآدمي فقرر البطش به واحتال لذلك حتى تمكن من قبل الأخ. وعلمت الفتاة بمقتل أخيها فاحتالت وجمعت قطع لحمه ووضعتها في حفرة وظلت تسقي هذه الحفرة وترعاها حتى نبتت شجرة قرع ثم أثمرت زهرة واحدة تحولت من بعد إلى قرن أخذ ينمو والمرأة تتعهد بالعناية حتى نضج فقطفته وأخفته عن العيون وداومت العناية به حتى تشقق وخرج منه طفل صغير فرحت به وعقدت عليه الأمل في الخلاص. وعلمت أن أخوها قد عاد إلى الحياة ليخلصها. وقالت للجرجوف إنها رزقت بمولود، وقد تقبل الجرجوف الخبر على مضض وتصبر على الغلام ولم يبطش به.

وكبر الغلام فعلمته أخته كيف يستطيع قتل الجرجوف وقالت له إن الجرجوف يبصر إذا أغمض عينيه، ولكنه إذا نام مفتوح العينين فإنه لا يرى. وهولا يموت إلا إذا ضرب ضربة واحدة، وإذا تلقى الضربة الأولى يلتفت إلى ضاربه بأن يضربه مرة أخرى أو أن يمشي على جسده أو يبصق في وجهه، فإن فعل الضارب واحدة من هذه فإن الجرجوف يعود إلى الحياة. وحذرت أخاها من ذلك وأعطته سيف الجرجوف، وهو السيف الذي لا يموت إلا به.

فعل الأخ ما قالته أخته....ومات الجرجوف. وتخلصت الفتاة من محنتها.

(2)


هذه هي القصة حسب الرواية اليمانية، ولا تختلف عنها القصة الهنغارية، سوى اختلافات تمس أسماء الشخوص وصفاتهم. فهي هناك عن بنت من ثلاث أخوات والوحش ساحر سابق تحول إلى مسخ بشري اشتهر بأنه ذو اللحية الزرقاء وتزوج البنت الصغرى وعاشت معه في قصره، وتركها مرة ومعها رزمة مفاتيح سمح لها باستخدامها كلها ما عدا المفتاح الصغير. وهو مفتاح حذرها منه وخوفها من مغبة استخدامه، ولكنها تقع في المحذور ويقرر ذو اللحية الزرقاء قتلها وإلحاقها بزوجاته السابقات اللواتي استخدمن ذلك المفتاح من قبل فلاقين مصارعهن وسكنت هياكلهن داخل الغرفة المحرمة.

ولكن الفتاة تسترحم الوحش لكي يمهلها بعض الوقت لتتهيأ للموت وانهمكت تصلي، وأثناء ذلك جاء إخوانها على خيولهم ومعهم سيوفهم فواجهوا ذا اللحية الزرقاء وقتلوه.

وفي الحكايتين نجد الأنثى في مواجهة مع عنصرين حاسمين، هما عنصر الإغراء بالمفتاح السري وعنصر الخلاص من الوحش.

فالرجل يتمثل للأنثى على أنه وحش متربص، يريد المرأة للمتعة ولبيت الزوجية، ويفعل من أجل ذلك كل ما يمكن فعله فهو يتحول من وحش بشع إلى فتى وسيم وإلى إنسان كريم سمح. ويبذل لها كل ما تتمناه من متع الحياة باستثناء شيء واحد.
وهذا الشيء هو المفتاح السري، هو العالم الخاص للرجل وهو الغرفة المحرمة على المرأة.

هذه خصوصية ذكرية ترمز إلى العالم المذكر العالم الخاص الذي يمثل المعرفة ويمثل اللغة ويمثل الحق الستثنى.

ويجري دائماً امتحان المرأة بواسطة إغوائها بالسر، وتنص الحكايات كلها على أن الرجل أعطاتها المفتاح ووضعه بين يديها ولم يخفه عنها. وهذا يعني أن الرجل يمتحن المرأة من حيث إنها ستسمع كلامه وتنصاع لأوامره وتتجنب نواهيه أم لا.

فإذا عصت فإن مصيرها العقاب. وهذا ما حدث. وهو يمثل درساً ثقافياً للمرأة بأن تسمع الكلام ولا تعصي الأوامر. وبأن تقبل هذه القسمة المحسومة فليست كل المفاتيح مباحة لها. إن هناك مفتاحاً واحداً محرماً عليها. ولا بد أن تعلم بذلك وتراه وترضى به، ولذا جرى إبلاغها عنه وجرى امتحانها فيه.

أما الخاتمة فهي تدريب ثقافي للمرأة بأن خلاصها لا يكون إلا على يد الرجل.


وهي توقع نفسها بالمشكل، والرجل يخرجها من محنتها. كما أنها تملك المعرفة وتعرف السبيل إلى الخلاص وآلات الخلاص، ولكنها لا تملك الوسيلة التي تجعلها تتصرف بما لديها من معرفة. والمرأة في القصة اليمانية كانت هي التي درّست أخاها عن الطريقة التي يمكنه بها قتل الجرجوف بأن يستخدم سيفاً محدداً في ظرف محدد ولا يسمع لرجاءات الجرجوف بأن يضربه مرة أخرى وأن يبصق على وجهه....الخ.

إنها تعرف ولكنها لا تملك أن تتصرف. وهذا تدريب ثقافي للمرأة بأن لا تعتمد على معرفتها وبأن تنتظر خلاصها على يد الرجل فحسب.

كما أن الحكايات كلها تشير إلى أن الوحش لا يقوى على البطش بالذكور وتشير إلى أن المرأة وحدها هي المطمع وهي ضحية الإغراء والتهديد، وهي التي تورط نفسها في المأزق أو تورط زميلتها ورفيقتها وتتخلى عنها، بينما الرجل هو الذي يفي وينقذ.

(3)


بقي أن أشير إلى أن الحكاية اليمانية والمجرية هما تحريف واضح للحكاية الأصلية.

والحكاية الأصلية في ظني هي الحكاية النجدية كما رواها عبد الكريم الجهيمان في كتابه (أساطير شعبية من قلب الجزيرة العربية، ج 1، ص 57). وهناك نحن أمام قصة أقل تفاصيل وأكثر اختصاراً مع اختلاف في النهاية.

ونهايتها تقول إن الفتاة بعد أن أطمعت الوحش من الشجرة قام الوحش بإنزالها إلى الأرض ثم راح يحفر حفرة كبيرة ويجمع حطباً ويوقده النار. وعلمت البنت أنه يريد أن يدفنها في حفرة النار هذه. فاحتالت لنفسها وقالت للوحش يا عم إن في رأسك قملة فدعني آخذها عنك. فأسلم رأسه للفتاة وجاءته البنت من وراء ظهره وأحست لحظتها بقوة لم تعهدها في نفسها فاندفعت نحوه ودفعت جسمه بكل قوتها فسقط الوحش في الحفرة وشبت النار فيه وراح يستغيث فيها ويسترحمها بأن تخرجه وقال لها أخرجيني وأعطيك ما تحت الحصاة البيضاء فتقول لا. ثم يقول أخرجيني وأعطيك ما تحت الحصاة الحمراء فتقول لا، ويردد عليها الطلب تلو الطلب والإغراء تلو الإغراء وما تحت الحصاة الخضراء والحصاة السوداء. ولكنها ترفض رجاءاته ووعوده، وتسلم من أذاه، ثم تعود إلى أهلها بعد أن كشفت ما تحت الحصى الملونة فإن هو ذهب وفضة وجواهر انتفع بها أهلها واغتنوا من بعد فقر.

هذه خاتمة تدل على حكاية نسوية تظهر فاعلية المرأة وقدرتها المعنوية والذاتية. وهي دليل على أن الحكاية الأصلية هي حسب ما ورد في نص الجهيمان، لكن الرواية الثقافية تتدخل ضد النص وتحرفه وتعدل فيه فتزيد في التفاصيل من جهة، وتعدل الخاتمة من جهة ثانية لتحرف ما هو أنثوي وتحوله إلى نهاية ذكورية تتفق مع النسق الثقافي الذكوري. ومن هنا أن للمرأة حكاياتها ولكن حكايات الثقافة أغلب وأقوى، وما خالفها يجري تحريفه وتعديله.
--------
(1) مقتبس من كتاب ثقافة الوهم
__________________

أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا

التعديل الأخير تم بواسطة علي الحمدان ; 31-05-2008 الساعة 06:24 PM.
علي الحمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
الأعضاء 2 يشكرون علي الحمدان على هذا مشاركته المفيدة:
قديم 01-06-2008, 02:38 AM   #2 (permalink)
مشرفة ملتقى الصديقات
 
الصورة الرمزية أروى عبد الله
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الدولة: في عمق السكون
المشاركات: 7,471
عدد مرات شكره للأعضاء: 291
شُكر 793 في 365 موضوع
أروى عبد الله is on a distinguished road
افتراضي


بغض النظر عن سرد الحكاية بشكل ثقافي يتفق وكبرياء الرجل , مايهم هي الحكاية الحقيقية , ونحن لا نعيش إلاّ للحقيقة وللحقيقة فقط ! ولا نقبل بتاتاً البتة أي تحريف أو تعديل يمحي قدرة المرأة وذكائها الاحترافي
تذكرت مايتعارض مع تعليقي , أعرف امرأة عجوز زوجها قاسي جداً جداً يعذبها ويضربها ليلاً ونهاراً لم ترى معه إلاّ نادراً أيام جميلة ومشرقة , مات عنها هذا الزوج , ويوم مات لا أنسى ماكانت تقوله , تقول : وين عذابك يا أبو فلان ؟ فيما معنى أنها بحاجة للزوجها حتى وإن رأت منه مايسوؤها !

جزاك الله خير حكايات ممتعة .
__________________
.
.

يا ويحها الأرضُ ..
كم ذلَّتْ لواطِئِها ..
*
وذي مقابِرُها ..
ذلَّتْ بها العُظما



دنيا ..
مِنَ الوَهْنِ..
نحو الوَهْنِ ..
نعبُرُها
*
طوبى لمن بَادرَ الأيام..
واغتنما


للشاعر /أحمد المنعي . .





.....
....مدونتـــي.......

لمن يرغب بالمشاركة في حوارات الدكتورة نهى قاطرجي في ملتقى الصديقات من الأعضاء .. يرسل لي عبر الخاص نصّ مشاركته وسأعرضها هناك إن شاء الله ..
أروى عبد الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-06-2008, 04:09 PM   #3 (permalink)
صديق ذهبي مميز
 
الصورة الرمزية علي الحمدان
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
علي الحمدان is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أروى عبد الله مشاهدة المشاركة

بغض النظر عن سرد الحكاية بشكل ثقافي يتفق وكبرياء الرجل , مايهم هي الحكاية الحقيقية , ونحن لا نعيش إلاّ للحقيقة وللحقيقة فقط ! ولا نقبل بتاتاً البتة أي تحريف أو تعديل يمحي قدرة المرأة وذكائها الاحترافي
تذكرت مايتعارض مع تعليقي , أعرف امرأة عجوز زوجها قاسي جداً جداً يعذبها ويضربها ليلاً ونهاراً لم ترى معه إلاّ نادراً أيام جميلة ومشرقة , مات عنها هذا الزوج , ويوم مات لا أنسى ماكانت تقوله , تقول : وين عذابك يا أبو فلان ؟ فيما معنى أنها بحاجة للزوجها حتى وإن رأت منه مايسوؤها !

جزاك الله خير حكايات ممتعة .
الأخت الكريمة أروى عبد الله

أشكر لك مداخلتك التي أثرت الموضوع لأنها أحالت إلى قضية العجائز ودورهن في ترسيخ الثقافة ضد المرأة. فهل تصدقين أن كثيرا من العجائز يقمن بهذا الدور؟ ولذلك فإن متابعة حكاياتهن بشيء من النقد أمر مهم في تصحيح المسارات. ولن نعمم حتى لا يقتلنا البعض من المتأثرين بالعجائز وأنا منهم بطبيعة الحال. سأحيلك إلى هذا المقال وقد كنت أنوي نقله بشكل مستقل، وفيه صور إيجابية وقليل من السلبية لدور العجوز.

العجوز

د. عبدالله الغذامي
ترد صورة العجوز في الثقافة على حال من التشويه والتقبيح، ليس جسدياً فحسب بل عقلياِ ونفسياً أيضاً، والإحالات الشعرية والقصصية كلها تركز على صورة لكائن بشري مشوه خال من الصلاحية ومسلوب العقل والذوق، وفي مقابل ذلك نجد قصصاً عديدة تشير إلى أدوار كبرى للعجائز، وهي قصص تتجلى فيها الحكمة والرأي القاطع، وأولها قصة زرقاء اليمامة ذات البصر والبصيرة، وهي حكاية عن امرأة كانت تدير قومها وتقرر مصيرهم الوجودي بواسطة عينها ذات النظرة النافذة، وحينما عصاها قومها وكذبوها وقعت عليهم الواقعة، وصارت نهايتهم، وفي تلك القصة عبرة ثقافية عميقة تتضمن عقاباً ثقافياً لقوم لم يصدقوا عجوزهم، وكم هي معبرة حكاية عبدالله بن الزبير مع أمه الجليلة أسماء بنت أبي بكر، حينما دفعته إلى رد الضيم ومواجهة الجائرين يوم حصار الحجاج وجنده لمكة المكرمة، حيث بدأت علامات الشك تنتاب الابن وتساءل عن جدوى الحرب في معركة فاشلة، ولكن أمه دفعته إلى مواجهة مصيره بشرف وعزيمة، وقالت قولتها الشهيرة وهل يضر الشاة سلخها بعد الذبح، جواباً على تخوفه من العبث بجسده بعد موته، لقد كانت أسماء وهي الصحابية الجليلة مثالاً لنموذج بشري يتفوق على الظرف وعلى الخوف وفي لحظة تكتشف الأم أن ممات ابنها أعلى قيمة من حياته، وتنصحه بموت شريف خير له من حياة ذليلة. وفي هذه المواجهة بين الأم وابنها يبرز دور المرأة ويتكشف عن تفوق معنوي وعقلي يسمو فوق الصور النمطية للعجوز كما تقدمها الثقافة.

والواقع العملي لحياة الناس البسيطة والعادية يكشف باستمرار أن في حياة كل منا عجوزاً من نوع ما تكون مصدر حكمة ومخزن خبرة ومعلمة في البصيرة والتبصر وكثيراً ما يغفل الرجل عن هذه الحكيمة في بيته إلى أن تحتلك عليه الظروف والمشاكل ليجد كلمة تأتيه من عجوزه التي ظل غافلاً عنها، وفي لحظة تأتيه لتكون سنداً معنوياً ونفسياً له، تحدد له الوجهة وترسم له طريق الخلاص، وكان هذا ما حدث لابن الزبير حيث خرج من الحياة نظيفاً ومرفوع القيمة بدلاً من هزيمة وإذلال مؤكد على يد طاغية معتد. وهو درس لم يتعلمه ابن الأحمر اخر ملوك غرناطة حيث ذل واستسلم وخرج من التاريخ مهزوماً ومشرداً، ولم يجد سوى البكاء بين يدي أمه التي نهرته وقالت قولتها المرة: ابك مثل النساء على ملك لم تحفظه حفظ الرجال.

تلعب الأم «العجوز» في هذه الوقائع أدواراً كبيرة ذات قيمة معنوية تاريخية وثقافية تظل الكتب ترويها وتعزز موقعها في الذاكرة، وهي تتوافق مع قصص واقعية تمر بكل رجل، ويندر أن تجد رجلاً ليس له عجوز من نوع ما تكون مرجعاً معنوياً له وضميراً مستتراً يختبئ في حضنها حينما تحاصره الحياة، وإن كان الرجال ينكرون ذلك ويتعالون على هذه الحقيقة الواقعية ويأخذون عادة بالصورة النمطية عن العجوز كما هي في النسق الثقافي المستهزئ عموماً بالتأنيث والمتعالي عليه لمصلحة الفحولة، ولكن، كم تكسرت الفحولة على يدي امرأة عجوز ظلت ثقافة الفحول تستهتر بها لتجد نفسها في لحظة تبكي بين يديها وتستمع منها لحكمة صارخة أو لموقف رحيم ينتشل الرجل من لحظة ضعفه ويضعه في المسار الصحيح مرة أخرى.

وفي المرويات من تاريخ البادية أن ثلاث قبائل من قبائل الشمال الكبيرة والمنيعة أحست يوماً بفداحة التناحر فيما بينها وأحست أن ثمن الفروسية المتبادلة فيما بينهم إنما ينعكس سلباً على معاشهم، ومن هنا توافقوا على عهد فيما بينهم اتفقوا فيه على تقاسم المرعى والماء والتشارك فيه من دون تناحر ولا تحارب، وجرى التعاهد بينهم على ذلك، وكان من شرط المعاهدة أن يتم تسليم أي رجل يعتدي أو يخالف ولا تحمي القبيلة أي معتد منها مهما كانت منزلته وتقوم بتسليمه لقبيلة المعتدى عليه، وسارت الأمور على خير ما يرام، إلى أن جاء يوم وحصلت مذبحة من رجل فر بعد فعلته ولجأ لخيمة والدة أحد أفراد قبيلته، ولما جاء وفد قبيلة المقتول لاستلام القاتل - كما هو الاتفاق - تمنع الرجل صاحب الخيمة، وأحس بالضاغط التقليدي عليه وكيف يسلم رجلاً احتمى بخيمة أمه وهو موقف تتواجه فيه الثقافة مع الواقع، وحدث الصراع النفسي المعتاد في مثل هذا الموقف بين ما تعاهدت عليه القبائل وهو اتفاق مصلحة واتفاق سياسة واتفاق تحالف معاشي عاقل، ولكن النسق الثقافي يأبى ذلك ومن شرف المرء ثقافياً أن يحمي الدخيل والمستجير به، وهذه لحظة من الممكن أن تفجر حرباً دموية قد يموت فيها المئات وليس ميتاً واحداً فحسب، كما انها لحظة امتحان ثقافي ستموت فيها ثقافة وتنشأ أخرى. ومن هنا تأزم الموقف بين القبيلتين، ولا سبيل لكسر الاتفاق، كما لا سبيل لتجاهل العرف الثقافي. وفي وسط هذا التأزم جاءت العجوز، جاءت لتحل المشكل وتحفظ الرجال من حرب تسيل مزيداً من الدماء أو عار لا يخلص منه ابنها وعشيرته.

جاءت لتقول لهم إن اتفاقهم حول تسليم المعتدي وعدم قبول الحماية للدخيل إنما قد تم حينما كانت هي في رحلة إلى مكة المكرمة للحج، وهذا يعني ان الاتفاق لا يشملها لغيابها وعدم مشاركتها الرأي فيه ومن هنا فإن خيمتها خارج الاتفاق، وحسمت الأمر بهذا، وحقنت دماء كانت ستسيل وفكت مواجهة كانت على قمة التأزم والتوتر. وجرت حماية الدخيل مثلما تم صرف وفد القبيلة المجاورة بطريقة تعتمد على مبادئ النسق الثقافي المأخوذ به في ثقافة القبائل كلها، ولولا تصرف العجوز وحسن مبادرتها ووقوفها إلى جانب النسق الفحولي في قيمه التقليدية لكان موقف الرجال «الفحول» في حال لا توصف من الحيرة والعجز التام عن التصرف بين خيارات كلها مر وباهظ الثمن.

للعجوز دور ثقافي كبير وهو دور واقعي وتاريخي، غير أن النسق الثقافي يعطي صوراً أخرى، تختلف عن الواقع وعن التاريخ وتستند إلى تصور مغروس في ذاكرة الثقافة وإن تناقضت مع ذاكرة الواقع، والملاحظ في الثقافة دائماً أن صورها غير واقعية وغير تطبيقية ولكنها مع ذلك أكثر مفعولاً من أي شيء واقعي بل إنها تتغلب على ما هو مصلحي وسياسي - كما رأينا في اتفاق البدو هنا وهو اتفاق صحيح كواقع وكسياسة، ولكنه مخالف لشروط النسق ولذا سقط مع أول امتحان له - والمرأة التي هي ضحية للنسق عموماً هي من حمى النسق هنا وحمت الرجال معه وحافظت على قيم الثقافة، وإن كانت الثقافة ذاتها هي التي تعتدي على صورتها وتشوه نموذجها وتصنع لها ذاكرة سلبية تعمي عن كل ما هو إيجابي فيها، وهذا هو مفعول «العمى الثقافي».

وفي مقالتين تاليتين سنقف على قصص تكشف عن دور العجوز في صيانة النسق الفحولي وخدمته على الرغم من موقف الثقافة السلبي منها.
__________________

أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا
علي الحمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
الأعضاء 2 يشكرون علي الحمدان على هذا مشاركته المفيدة:
قديم 02-06-2008, 03:23 AM   #4 (permalink)
مستشارة
 
الصورة الرمزية غادة أحمد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الدولة: حيث تكون الحقيقة !
المشاركات: 4,276
عدد مرات شكره للأعضاء: 528
شُكر 428 في 207 موضوع
غادة أحمد is on a distinguished road
افتراضي

العجيب و الغريب في موقف أسماء ، انه بعد ما فعله الحجاج بابنها حتى قالت "أما آن لهذا الفارس أن يترجل" من طول ما تركه الحجاج مصلوباً ، و هي التي غسلته و كفنته و لم يسقط لها سن و لم تخرف ،
أن أرسل لها رسول ليستشيرها ماذا يفعل بالحجارة الزائدة لما قام بإعادة بناء الكعبة ، و شدد على الرسول أن ينقل كلامها كما هو بالضبط ، فقالت للرسول قل له "اجعله في فيه" فخاف الرسول لأنه فهم من كلامها أن يضع الحجاج الحجارة في فمه هو ، فلما نقل الإجابة كما هي ، فهم الحجاج عنها أنها تشير عليه بجعل الحجارة الزائدة داخل الكعبة نفسها ، فبرغم ما بها من حزن و ألم و قد بلغت التسعين !، تعالت على ذلك و قدمت الاستشارة بصرف النظر عن الشخص الذي تسبب لها في كل هذه الآلآم ،
يعني بعدت عن "شخصنة الفكرة" كما ندندن و تبح أصواتنا الآن .

من الأمثلة الشعبية الكثيرة التي شكلت جزء لا يستهان به في ثقافة و وعي المرأة ،
"ظل رجل و لا ظل حائط" ،" نار الزوج و لا جنة الأب" ، "الرجل في البيت نعمة و لو كان فحمة" ...الخ .
مما تربت عليه المجتمعات العربية أن المرأة إذا بلغت الأربعين فقد انتهى دورها نظراً لأنها غالباً ما تكون قد فرغت من تربية أولادها ، حتى التربية مرتبطة بها بانتهاء دورها مع استقلال الأولاد جسدياً فقط عنها ، إذ كثيراً ما يعودون إليها لاستشاراتها و الأخذ برأيها ،
فما عليها إلا انتظار الموت ، في الوقت الذي يمكن فيه أن تستقبل أروع فترة في حياتها و تستمتع بها ، بل و بمشاعر و أحاسيس من الحب أيضاً في قمة الروعة و النضج و الجمال.

من الأمور المضحكة جداً والتي ما أظن أن اِمرأة عربية إلا و قابلتها ، انه بعد أن يستشيرها زوجها في أمرٍ ما ، يصمت ، فإذا ما سأل احد أصدقائه و وجد انه أشار عليه بنفس الرأي إلا و عاد لزوجته قائلاً ،
"يبدو أن رأيك صواب ، فلقد أشار عليّ فلان بمثله" .
و إن نسيت لا أنسى استشارة جاءتني من اِمرأة بلغت الخمسين و زوجها في الأربعين من عمره ، فهي تكبره بحوالي عشر سنوات و هو يحبها حباً شديداً و هي زوجته الثانية و أرسلت تسال عن خوفها من تقدم العمر بها و هو لا زال في شبابه .
فكان ردي ، أن يا سيدتي استمتعي بحياتك مع هذا الفقيه بل العلامة في جمال المرأة ، أمَا كانت النساء حوله يختار كما يشاء ، لكنه حتماًَ كان يبحث عن شيءٍ ما وجده عندك ، و عندك أنتِ فقط .
حقاً لم أخفي دهشتي ، لكنها زالت لما علمت انهما يعيشان في فرنسا ، حيث المجتمعات هناك تعلم الناس بعضاً من الإسلام !!!
كيفية الاستمتاع بالحياة لآخر العمر .

المرأة تتوفر على ألوان من الجمال و الأنوثة و الفتنة ، ولعل منها فتنة العقل و الحكمة ، و التي يبحث عنها الرجل و يحتاج إليها في وقتِ ما ، ولعلها تشكل له لون من الحماية والسند و الدعم ، كما ذكر الغذامي ، و لكن لكل مرحلة طبيعتها ، فقط سيشعر بها الرجل و يستمتع بها لما يتحرر ، و هي أيضاً ، من انساق ثقافية و أعراف ما انزل الله بها من سلطان.

و تحياتي لهذا النقل عمن بلغ الستين و بلغ هذه الدرجة من الحكمة ، وعقبال الناقلين
__________________
"و يا ليتنا نحن الذين نقول أننا حنفية ، أو مالكية ، أو شافعية ، أو حنابلة ، ليتنا نقتدي بأولئك الأئمة في أخلاقهم و عاداتهم و دينهم و عبادتهم ، لا في فقههم فقط "
د.احمد البراء الأميري

التعديل الأخير تم بواسطة غادة أحمد ; 02-06-2008 الساعة 03:48 AM.
غادة أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
الأعضاء 2 يشكرون غادة أحمد على هذا مشاركته المفيدة:
قديم 03-06-2008, 01:02 PM   #5 (permalink)
صديق ذهبي مميز
 
الصورة الرمزية علي الحمدان
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
علي الحمدان is on a distinguished road
افتراضي

الأستاذة الكريمة ذرة ضوء

مداخلتك محل اتفاق بيننا. وأسماء رضي الله عنها لم تفقد عقلها وحكمتها حتى لما جاوزت التسعين لأنها وبكل بساطة لم تقتل نفسها وتنهي حياتها وعطاءها في فترة مبكرة من العمر. وهي حياة عظيمة بدأت من قصتها وهي صغيرة فترة الهجرة مرورا بكثير من المواقف العظيمة التي انتهت بهذا الموقف الجليل مع ابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين. ولذلك، فلولا البناء والأحداث التي كانت في البداية لما كان لها أن تتخذ الموقف الأخير، وهذا أمر في غاية الأهمية. أما من ينهي نفسه ويعطل قدراته وعقله منذ البداية، فهو لا ينفع في أي وقت من الأوقات، ولن يكون له شأن مع أي حادثة. وكم نتفنن في صناعة الأسباب التي تدمر عقولنا للأسف. وتجعل أمة المليار على هذا الوضع المهين.

أكرر مرة أخرى
لولا الثقة التي أخذتها فترة الهجرة وهي صغيرة ما كان لها أن تكون حكيمة وهي كبيرة. إنها مسيرة حياة حافلة بالبناء. لكن نحن لا نفهم هذا المنطق، ونخطئ بالاحتفاء بمن لا يستحق!

دمت بخير،،
__________________

أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا

التعديل الأخير تم بواسطة علي الحمدان ; 03-06-2008 الساعة 01:06 PM.
علي الحمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع


الساعة الآن 12:00 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.3, Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92