غياب البعد السياسي في ندوة "الاختلاف"
د. محمد العبد الكريم 26/5/1429
31/05/2008
الجهد الرائع الذي قدّمته مؤسسة ( الإسلام اليوم) في ندوة "الاختلاف: رؤية واقعية، ومعالجة موضوعية" يستحق جزيل الشكر مع وافر التقدير، فقد جمعت في فندق الماريوت يوم الخميس الماضي شخصيات علمية ودعوية متنوعة الانتماء، مختلفة التوجهات، قلّ أن تجتمع بتلك الكثافة.
ومن حضر تلك الندوة يدرك من مدخل بهو الفندق أن خلف تلك الجهود نوايا جادّة للإصلاح شعارها: (إنْ أريدُ إلاّ الإصلاحَ ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله).
وزاد من حيوية الندوة هندسة المداخلات التي تناصفت مع الوقت المخصص لضيوف الندوة؛ فأُعطي الحضور قسطاً وافياً من الوقت للتعليق مع تعدد ظاهر في أسماء المداخلين.
إضافة لما سبق، فقد شعر الكثيرون بالاطمئنان بعد انتهاء الندوة، متفائلين بتلك النقلة؛ لوحدة الصف لا وحدة الرأي؛ مؤملين أن تكون بداية جديدة تقطع الخصومة، وتؤسس لعمل إسلامي يرقى إلى مستوى الطموحات.
تناولت الندوة على مدى خمس ساعات ونصف ـ لم يقطعها إلاّ الصلاة ـ عدداً كبيراً من قضايا الخلاف، وأسهبت في ذكر أسبابه وقواعد التعامل مع المخالف... الخ.
وكُرّرت معلومات كثيرة لدى المتلقِّين لا حاجة لها، وقد يكون لحداثة التجرية أثر في عدم التركيز على الجديد في موضوع الخلاف؛ فالمدة الزمنية المقدرة بربع ساعة لكل ضيف قُصِد بها ـ فيما أظن ـ التركيز على فكرة محددة وتكثيف الحديث حولها، ولم يقصد المنظِّمون تشعيب البحث، كما فعل أكثر الضيوف، باستثناء ورقة الدكتور الفاضل محمد الدويش الذي كان بالفعل دقيقاً في طرحه، وإيصال فكرة محددة في أربع عشرة دقيقة كانت كافية للإجادة والإفادة.
إلاّ أن من اللافت أن كل هؤلاء العلماء وطلبة العلم والفضلاء والمعلقين والضيوف بمختلف انتماءاتهم -باستثناء لفتات يسيرة من الدكتور عبد الكريم بكار- تجاهلوا الحديث عن دور البعد السياسي في شقِّ الصفوف وتعميق الخلاف، ولم يحاول أي ضيف أو معلّق الإشارة -ولو على استحياء- لأثره في "بث الفتنة داخل الصف الإسلامي وداخل كتل المجتمع المختلفة".
وأعتقد أن هذا التجاهل ليس في صالح الموضوعية؛ إذ البعد السياسي كان ولا يزال عاملاً فاعلاً في تأزيم الخلافيات على مدى التاريخ، وهو لا يزال يقتات بالتفرقة ويفتقر بجمع الكلمة.
وليس القصد هنا إدانة البعد السياسي أو التحذير منه أو تبشيعه، بل المقصود التنبه لأهمية استحضار تلك الأبعاد لفهم حقائق الخلافات الموجودة، والوقوف على محالّ النزاع وإرجاع كل خلاف إلى أسبابه القريبة.
إن العامل السياسي يتداخل في مفاصل عمل جميع الحركات الإسلامية وغير الإسلامية ويؤثر على أهدافها ومواقفها، وصعوبة التعامل معه لا تجيز لأهل الشرف والمروءة التغافل عنه؛ فليس المطلوب مجابهته أو مناكفته، ولكن من الخيانة كذلك التحالف معه دون وعي بالأدوات السياسية.
وإن إدراك طبائع السياسيين لا يقل أهمية عن إدراك طبيعة المدعوين، ومن الإشارات الإلهية التي نبهت لطبيعة الملوك قول ملكة سبأ في سورة النمل: ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)؛ فهم يعمدون إلى الفساد قصداً، وقانون ملكهم قائم على إذلال الخلق والتحريش بينهم.
وإن أكثر السياسيين عبر التاريخ كانوا يتعاملون بضمانات لا أخلاقية مع مجتمعهم، وكانوا يفقهون جيداً اطّراد قاعدة "فَرِّقْ تَسُدْ" وأثرها العملي في سيادتهم.
ما حدث في ندوة "الاختلاف" لم يكن تجاهلاً مسوّغاً؛ فمعظم الصراعات والتحزّبات نشأت تحت مظلة سياسية، ولا أدلّ على ذلك من تدخل السياسة في كافة شؤون الدعوة والدعاة وإثارة بعضهم ضد بعض، حتى صار لها تمثيل سياسي في معظم العمل الإسلامي. فالسلفية اليوم سلفيات متعددة متناحرة متباغضة... كل سلفية تتآمر على أختها، وكل حزب منهم يستعين بالسلطة للنكاية بأخيه، وجميعهم يتسترون بالديانة لله، والنصيحة للوطن بالتحذير من فلان والتحذير من تلك الجماعة..
بل "الفكر الحكومي" الذي ترعرع سياسياً يولي أهمية كبرى لإثارة الصراعات بين أبناء الوطن، وينوب عن المؤسسة السياسية لمراقبة جهود جمع الكلمة، ويهتم كثيراً لنشر ثقافة الردود الجارحة في أوساط الشباب، ولا يكتفي بالإهانات المرسلة في ردوده، بل يُتبع ذلك بتقارير دورية عن مناشط وحدة الصف.
إن الحكمة التي يدعو لها معظم العاملين في الحقل الإسلامي لتجاهل العوامل السياسية تشير -وللأسف الشديد- إلى قابليتهم للاستغلال والدروشة؛ فقد صاروا بالفعل مسخرة يتلاعب بهم السياسيون، تارة بإعلان البينونة الكبرى، وتارة بمغازلتهم وتوسيط الخطاب بينهم!!

