...وعاد شهريار!!
كانت صديقتي شهرزاد الأقرب إلى نفسي وكأنها الأخت التي لم تلدها أمي كما كنت لها أمينة
سرها ومستشارتها المخلصة,وكنا لا نكاد نغيب عن بعضنا البعض,أو نكتم عن بعضنا شيئاً.
وحين تزوجت من الأمير شهريار استمرت صداقتنا,وكنت أزورها بين حين وآخر, أتسامر معها
واسري عنها.
وفي إحدى تلك الزيارات خرجت علينا شهرزاد من خباءها ووجهها يحكي ألف حكاية وحكاية
بدت ساهمة منهكة, ليس لديها الاستعداد للحديث معي أو لمشاركتي أحاديثي فبذلت وحشدت كل
طاقتي لأحملها على البوح لي أو حتى مبادلتي الحديث ,وكل ما حصلت عليه منها ابتسامة واهنة
ضعيفة اعتصرت قلبي حزناً وقلقاً عليها,وما أن عدت إلى منزلي حتى كتبت لها هذه الرسالة:
(( بسم الله الرحمن الرحيم
من أم الولد البار الصديقة المقربة....إلى شهرزاد أميرة الحب والخيال..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
لقد رايتك اليوم في حال يسوء ويحزن...بالرغم من النعماء التي ترفلين فيها كأميرة(غير متوجة!)
وبالرغم من رجاحة عقلك الذي لابد ويدلك على ما فيه نفعك وخير أسرتك (المستجدة!)
فقد بدوت لي اليوم منهكة مرهقة بالرغم من الابتسامة الضعيفة التي بدت على شفتيك ...وكأنك
للتو خرجت من معركة...وبغض النظر عن الربح والخسارة..فقد بدوت لي كمن لا يهمه
نتيجة المعركة وكأنها حتمية...وكأن خوضك المعركة لم يكن سوى لإثبات مبدأ...أو تعزيز
وجود...ولكن نظرة واحدة لعينيك المحبطتين تكفي لأعرف كم بلغ منك الإرهاق حداً بت معه
غير قادرة على الاستمرار..أشعر أن هناك في عمق روحك ربما وجدانك شيء مفقود..
روحك تئن ألماً..عينيك تنطق بالحزن المكتوم..ترى هل قتل زوجك شهريار روحك المتوثبة...؟!
كلا...فلازلت أراها تحلق في فضاء لا حدود له من الروحانية والقيم النبيلة ....
هل غرس خنجراً في قلبك..؟!...هو أيضا لا زل ينبض بالحب والعطاء لمن حولك....
فهل تتطاول على عقلك المبدع ؟! ......نظرة لإنجازاتك تجعلني أوقن أن عقلك المفكر المبدع...لم
تتطاله يد شهريار بسوء...حتى بعقله فلم يبلغ مستوى وعيك وفكرك وإبداعك....
إذا...أين وقع نصل الخنجر....؟!
...لماذا هذا الصمت...لماذا لا تصارعين...؟
لا تقولي أنك بت مقتنعة أنه لم يعد يرغب في التخلص منك...؟
....تبدو الأمور أمامي مشوشة, حتى الآن لم أعد أفهم ما أراه
تبدين لي كيتيمة..بين أحبة و أهل وأقارب..
وحيدة وسط منزل ينضح دفء وعاطفة...
بالغة الشفافية كبحر صافي..ولكنه عميق يصعب سبر أغواره..
الغالية شهرزاد....إلى هنا أختم رسالتي منتظرة منك الرد الشافي المبدد لقلقي
وأختم رسالتي بما بدأتها به ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صديقتك المنصحة ووزيرتك الأمينة: أم الولد البار ))
*ثم وفي يوم انقطعت فيه عني أخبار صديقتي وأختي شهرزاد وفي وقت يئست فيه من أن
يصلني الرد الشافي ,وصلني الرسول بالرسالة المنتظرة:
((بعد...بسم الله الرحمن الرحيم
من شهرزاد أميرة الحب الضائع والخيال المحطم إلى الصديقة والوزيرة المخلصة أم الولد البار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
فقد رأيت في عيني ما أخفيه حتى عن نفسي...وتغلغلت نظراتك عبر ذاتي الشفافة إلى أعماق
روحي الأسيرة...ومع ذلك لم تصلي للعمق المطلوب لتعرفي كنه عذابي ومصدر شقائي!!
صديقتي الموقرة...لقد صدقت حين وصفت حالي في ذاك اليوم كمن خرج من معركة ولم يعد
يهتم لنتيجتها...وحتى لا أطيل شقائك بي وقلقك علي سأحكي لك حكاياتي التي تحكيها لك ملامحي
ولا ينطق بها لساني!
كما ولابد تعرفين فقد ترك الأمير(العادل!) شهريار ما اعتاد عليه مع النساء قبلي.. الأمر الذي
بث في نفسي الكثير من الأمل ما جعلني أسبح في بحر من الخيال و الحب والحياة الخالية من
العذاب والشقاء.
ومنذ أول ليلة لنا معاً بعيداً عن هواجسه الانتقامية...سعيت لأكون له الزوجة التي يتمناها
والأم التي حرم منها..والصديقة التي يستند عليها أذا بلغ منه التعب مبلغه.. وجاهدت لأزيل من
عقله تلك الأفكار التي جعلته يسيء الظن في كل بنات حواء...ومع أنني كنت صبورة ومعطاءة
ومبدعة في حبي وعطائي مع ما تعرفينه عني من رجاحة العقل والعلم ....إلا أنني فوجئت منه
بلامبالاة وبرودة قاتلة.... تلك المشاعر السلبية التي قتلت أحلامي واغتالت عواطفي...وجعلتني
أضع أسلحتي وأوقن بنتيجة معركتي مع أفكاره السابقة ومشاعره القديمة...وبت لا أعرف ماذا
أفعل وكيف السبيل إلى قلبه..ومما يزيد ألمي أنني في لحظات استشعر حبه وحنانه وأكون متأكدة
من حبه لي....وفي لحظات أخرى لا أستطيع أن (أرى!!) إلا أنانيته وجموده...تعبت يا أختي من
تحمل مسؤولية إصلاح الأمور....وهو ساهي كأن الأمر لا يعنيه..وكأنه يقول: أنها مشكلتك
فتعاملي معها!!
وعندما بلغ مني التعب مبلغه والغضب مداه...قررت أن أتجاهله كحبيب أن أخرجه من قلبي
لتقتصر حياتي معه على جوانب مادية واجتماعية فقط ...هو يحصل على (ما يريد!!)...وأنا
احصل على راحة البال وعدم القلق من أن أخسره أو أفقد إعجابه...وكأنه عبر عن ذلك يوماً
......فهو لا يتكلم إلا لينقد.... ومن المفترض أن افهم أنا الباقي... على كلاً لقد انتهجت نهج
اللامبالاة, وأنا مرتاحة الآن بعد أن وجهت طاقتي و عواطفي لتربية أطفال رعيتي ومساعدة
المحتاجين منهم ..وأجد الكثير..من ما أفتقده من العاطفة والتقدير...حتى أدخل إلى القصر وأواجه
البرود الذي يحاول أن يخفيه بسؤاله عن يومي وثمار عملي مع رعيتنا..
آه....يا صديقتي المخلصة أن استمررت في الحديث عن هذا فلن انتهي....أخبريني أنت عن حالك
ولا تطيلي الغياب عني فقد اشتقت لك.
وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه................والسلام عليك ورحمة الله
أختك وصديقتك المحبة:
شهرزاد))
...أتممت قراءة الرسالة وقد بلغت مني الحيرة حداً عجزت معه عن الحركة والكلام لدقائق بدت
لي دهراً,واحترت في أمر هذه الأميرة التي ظننت نفسي اعرفها منذ كنا أطفالاً نلعب بالطين على
حافة النهر,وإذ بي اكتشف بعد هذه الرسالة أنني أجهل جوانب في شخصيتها لم يتسنى لي
معرفتها ربما لم يكن لها محفز في تلك الأيام التي لا يشغلنا فيها ما يشغلها الآن, ولم أستفق من
حيرتي ودهشتي, حتى أتاني رسول الأمير بخطاب خاص ارتعدت له أطرافي قبل أن
أقرأه...وبعد أن أفقت من صدمتي فضضت الخطاب وإذ به:-
(( بسم الله الرحمن الرحيم
من الأمير شهريار إلى مستشارة الأميرة الموقرة\أم الولد البار..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.........وبعد
فقد نبا إلى علمي تبادلك المراسلات مع حرمنا المصون ,وتشاوركم في شأننا الزوجي الخاص,
ولولا معرفتي بقربك منها مع أمانتك وولائك لنا لكان لي شأن آخر معكما!!
وأود أن أحيطك علماً بأنني لا يغيب عني أمر من أمور مملكتي خاص كان أو عام, أظهر بعضه
وأخفي البعض الآخر حسب ما تستدعيه الحاجة. ومما قرأت وفهمت أن أميرتنا تعاني بالرغم
مما نوفره لها من وسائل الراحة والاستمتاع , ولمعرفتي بفطنتك ورجاحة عقلك أردت أن أبوح
لك كما فعلت وأطلب منك الحكم العدل....
لقد ذكرت عني ما ذكرت مما ساءني وأحزنني لأنني لا أدخر جهداًولا أفوت فرصة لإرضائها
ولشد ما تألمت حين اتهمتني بأني من قتل الحب في قلبها ,وكأنها البريئة المبرئة من كل فعل
وشين!! أين ذاك الحب الذي تدعيه وهي لم تسترخي معي ثانية واحدة؟!...دائمة القلق من أن
أخطأ, مستنفرة كل طاقتها لتصوبني وتقومني وكأنني طفل صغير لم يخبر الحياة ولا يعي ما
يدور حوله, أي حب تدعيه وهي لم تستطع تقبلي كما أنا؟!...فمنذ يومنا الأول سعت جاهدة وبكل
ما أوتيت لتغير من صفاتي (الصعبة!) وطباعي (النافرة!) , وكأن هناك شخص كامل , لما لا
يمكنها تقبلي كما تقبلتها أو تظن نفسها الكاملة؟!...أوليس يكفيني شعوري بأنها مكتفية
عني فليس أشد على الرجل الكريم من أن يتزوج من امرأة مكتفية تشعره أنها في غير حاجة
إليه!!
الأمر الذي زاد من معاناتي في التعامل معها فأنا أعلم أي امرأة فزت بها وكم أنا محظوظ
بها,ولكن أكان لابد من تذكيري بهذا في كل مناسبة؟!
أكان لابد أن تشعرني بأنها تملك كل شيء وليس هناك من شيء أستطيع أن أفاجئها به ؟!
أكان لابد أن أعيش مع زوجتي وشريكة حياتي بهذا الجدار من الكمال(الزائف!)؟!
أيعقل أنني وأنا الأمير لا أستطيع أن أمازح زوجتي وألاعبها وكأني أعيش مع قاضي لا مع امرأة
أنثى ذات جمال ودلال؟!
والله لوددت أن لي زوجة متوسطة الجمال متدنية الذكاء ولكنها أنثى تشعرني برجولتي ,تمازحني
وتتغنج لي ,بدل هذه الجدية والرزانة التي تصدمني بها كلما حاولت أن أعيش كزوج محب.
أولا تعلم ذات العقل الراجح والعلم الواسع أن حصولي على ما(أريد!)-كما تدعي- ما هو إلا
طريقة الرجل الخاصة لإطلاق عواطفه وحبه والتعبير عنها!!
أو تنفي عن نفسها ذات البرود الذي تتهمني به؟!
لقد أعيتني الحيل أنا أيضا في إرضائها ودفعها للتخلص من جديتها وصرامتها وكأننا نعيش
حرب في مخدع الزوجية!!
يبقى أن أقول أنني لا يمكن أن أتخلص منها أو أفكر في قتل روحها التي أحببتها أو قلبها الذي
أسرني أو أن أعارض عقلها الذي يعذبني وأبى عليها الاعتراف بحبها لي,وها أنا أعترف بحبي
لها ذاك الحب الذي لم تنطق به يوما حتى ولو تمثيلاً ً , ذاك الحب الذي تدعي أنني قتلته فيها ولم
المسه في حياتي معها . أنا لا أريد أما بل أريد زوجة تحبني وتتعايش مع نقصي وتتعلم أن تحبني
معه ,أنا اعلم أنني لا أجيد فنون الكلام العاطفي ولكن هي أيضاً لا تجيد وهي امرأة ينبغي أن
يكون ذلك من أول مقوماتها , كما أنني اعبر عن حبي لها بأكثر من طريقة , ولكنها بئر عميق
يصعب رؤية قعره , فكيف للمرء أن يخوض فيه وهو لا يعرف مداه؟!!!!
ولا داعي لأوصيك بحسن الاستماع وحسن الأداء وكتمان ما قرأت وعرفت من أمور عن كل
أنس وجن.
والسلام عليكم ورحمة الله
الأمير: شهريار))
وتكشف لي ما غاب عني وبدت الأمور واضحة أمامي وعرفت أن أول ما يجب على هو إتيان
الأميرة والتحايل عليها لتزيل الغشاوة عن عقلها قبل عينيها ورؤية الأمور كما هي لاكما
يصورها عقلها الذي حاد عن التعقل للعاطفة, وبدأت أفكر في مدخل أدخل من خلاله حتى لا
تبدأني بالرفض وتظن أنني أنما أوتيت كرسول للأمير وما أنا إلا رسول الحب الذي جمع بين
قلبيهما وما وعته عقولهما الراجحة...واستصعب علي إيجاد المدخل فارتأيت أن أشرك بعض
أخوتي من أهل الرأي السديد في الأمر علهم يشيرون علي بالأصلح-على ما كان من أمر الأمير
بالكتمان فالضرورة تبيح المحظورات وإنقاذ زواج الأميرين أمر في غاية الأهمية والضرورة-
...فما رأيكم وما قولكم فيما قرأتم وعرفتم؟!!!!
** هذه تجربة أولى متواضعة في هذا المجال وعلى ما فيها من تجاوزات اضطرني إليها سياق
القصة , أرجوا أن تلتمسوا لي العذر و تستمتعوا بها وتصلكم رسالتي عبرها.
|