العودة   منتديات الإسلام اليوم > .°ˆ~*¤®§(*§ منتدى الإبداع الفكري §*)§®¤*~ˆ°. > العــــــام
التسجيل All Albums إستضافة الصور قائمة الأعضاء أوسمة التميز اجعل كافة الأقسام مقروءة

العــــــام باحة شاسعة يحدها الأفق، لتسع آراءكم وأطروحاتكم وحواراتكم، التي لم تسعفها المنتديات الأخرى ..

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-05-2008, 03:32 AM   #1 (permalink)
صديق ذهبي مميز
 
الصورة الرمزية علي الحمدان
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
علي الحمدان is on a distinguished road
افتراضي من كتاب مقاربات لوجه أمريكا الثقافي للدكتور (......)



رحلة إلى جمهورية النظرية
مقاربات لقراءة وجه أمريكا الثقافي
تأليف: د. عبد الله الغذّامي عام 1994



نصيحة: اقرأ الكلام أدناه بتأمل شديد وبهدوء فقد تم اختيار المادة بعناية شديدة

يحكي القزويني في آثاره ( ص 369) حكاية عن (دير الجودي)، وهو دير مبني على قمة جبل الجودي وهو الجبل الذي استوت عليه سفينة نوح عليه السلام، ويقال إن هذا مبني منذ زمن نوح ولم تتجدد عمارته، ويذكر القزويني كلاماً عن سطح هذا الدير فيقول (زعموا أن سطحه يشبر فيكون عشرين شبراً مثلاً. ثم يشبر فيكون اثنين وعشرين،ثم يشبر فيكون ثمانية عشر، فكلما شبر زاد عدده).

تلك كانت صفة سطح الدير، وتلك هي حال مقاماتي هذه عن أمريكا، وما محاولة شبر سطح الدير إلا ضرب من القراءة، وكل قراءة لنص أو لظاهرة بشرية أو كونية لا بد لها من مواجهة مأزق يماثل مأزق تشبير سطح الدير، فالمقروء يزيد وينقص ويتبدل مع تكرار القراءة. ولا شك أن الانتقال من التصور العيني إلى التصور الذهني ثم التمثل اللغوي وهو تنقل نوعي تتغير فيه الصور وتزداد المسافة ما بين الشيء كوجود عيني وما بين الشيء كعبارة لغوية - وهي مسألة يعرفها السميولوجيون القدامى والمحدثون بدءاً من أبي حامد الغزالي إلى امبرتو إيكو (الخطيئة والتفكير ص 45).

وأمريكا بصورتها الواقعية العينية شيء مختلف عنها في صورتها الذهنية في ذاكرة المتصور لها، وهاتان الصورتان تختلفان عما يسكن في النص اللغوي كتعبير وتمثل لما هو قار في الذهن.

وها أنذا بعد كتابة ست وثلاثين مقالة عن أمريكا، أشعر بالحاجة إلى كتابة ست وثلاثين أخرى أقول فيها غير ما قلت، وأزيد فيها وأنقص منها مثل حال سطح الدير وشابريه. فاللغة البشرية لم تبلغ الحد الذي به يتطابق التعبير مع الصورة الذهنية، هذا عيب في اللغة لازم نشأتها وصاحب وجودها حتى صار ميزة في الخطاب اللغوي، ظهر منها الخطاب الأدبي والتعبير المجازي، وسمح بولادة الخيال وتنامي الشعرية والسردية في لغة البشر.

(ب)

في عام 1971م ذهبت إلى بريطانيا للدراسة، وكنت قبل ذهابي من مدمني الاستماع إلى إذاعة لندن ومن مدمني القراءة في كتب الرحلات والجغرافية، وهذا جعلني أعتقد أنني أعرف الإنجليز معرفة أكيدة. وبعد مرور شهر على إقامتي هناك أدركت أن معرفتي السابقة غير صحيحة، وأنني الآن عرفت الإنجليز بعد أن شاهدتهم وحادثتهم.

ولكنني بعد ستة أشهر أخذت مرة أخرى أخطئ نفسي وأصحح مفهومي عن الشعب الإنجليزي.
ثم انضممت إلى الجامعة بعد أن قضيت سنة في دراسة اللغة والسكنى مع عائلات إنجليزية. وهناك في الجامعة - ومع الاختلاط بالطلاب - رحت أمسح الصورة السابقة وأضع بدلاً منها صورة أخرى أحسست أنها أصدق وأدق حول معرفتي بالإنجليز. وظننت أنني قد وصلت أخيراً إلى إدراك حقيقة ذلك الشعب، غير أن السنوات كانت تتوالى علي في بريطانيا لتواصل التعديل والتبديل في صورة الإنجليز في ذهني، ويتأكد لي مع كل تعديل أن التصور السابق لم يكن صحيحاً.

وفي عام 1978م توجهت إلى مطار هيثرو حاملاً كتبي وأوراقي لأعود إلى بلادي وفي رأسي حكمة راسخة وهي أنني سأظل أعدل من تصوراتي، وأن الشعوب مثل سطح دير جبل الجودي كلما شبروه اختلف.

لهذا فإن القراءة ليست سوى مقاربة تشريحية تهدف إلى سبر أغوار المقروء واستكشاف بواطنه دون أن تدعي لنفسها وصول غاية لن تصل إليها. إذ كلما شبرنا المقروء وكلما سبرناه اختلف.


لقد كانت الثقافة الشفاهية أقرب إلى واقع الأشياء حيث كان المبدع الشفاهي يغير نصه ويعدله في كل مرة يروي فيها القصيدة أو الحكاية، نص متغير عن واقع متغير.

أما الآن فالمكتوب ثابت والواقع متغير، وهذا فراغ إبداعي رهيب تواجهه اللغة وتواجهه الثقافات. ( ولكما شبروه اختلف).وهل بإمكان أحد اليوم أن يكتب تاريخاً للبشر؟

لقد ارتبطت الأحداث بالتغير لا الثبات، وما كتبه ابن الأثير في كتابه (الكامل) عن إحداث سبعة قرون من تاريخنا يعادله اليوم أحداث سنة واحدة. والذاكرة التي كانت تعي وتستوعب كل هاتيك القرون لم تعد اليوم بقادرة على استيعاب ما يتلاحق من متغيرات ينسى بعضها بعضاً، حتى لقد ارتبط الفكر البشري بنشرات الأخبار وما حدث قبل عام صار نسيا منسياً، وصار زمناً قديماً.

لا وجه للمؤرخ ولا للتاريخ، انقرض فن التاريخ. وحل محله إعلام شره سريع مهووس. وصار المرئي بدل المقروء والشاشة بدل الكتاب.

هذه هي الثقافة البصرية أو ملحمة العين، كما يقول دي سيرتو حيث يتحرك النص حركة دائبة أمام بشر ثابتين. وهذه هي حال كل عائلة معاصرة، يركنون ساكنين في كراسيهم ويتحرك العالم - وحده - على شاشة التلفاز من أمامهم، قارئ ثابت أمام نص متحرك، وكلما شبروه اختلف.

(جـ)

تأتي أمريكا على أنها فكرة وليست مجرد مكان، ولقد كانت حلماً بشرياً قديماً، وكلنا قد قرأ أحلام الرحالة والجغرافيين عن جزر ضائعة، وعن جزر تنبت فيها النساء، ويتقاطر سيلها ذهباً وياقوتاً.

وها هي أمريكا جزيرة كانت ضائعة، فهي حلم بشري وهي (نظرية) في الثراء والحرية والخلاص.

هي مصطلح لغوي مجازي، وهي خيال بهيج كلما شبروه اختلف وكلما اقتربوا منه ابتعد. ويظل الحلم الأمريكي (American dream) مطلباً بشرياً طلبه المهاجرون الأوائل، وما زال يطلبه الناخبون المعاصرون في حملات رؤسائهم وفي وعودهم البيضاء.

جاءت أمريكا في آخر التاريخ وفي آخر معاجم اللغات والحضارات، فصارت أغض الأمم وأشب الإمبراطوريات. مثلما جاء مكانها آخر الأماكن، وهو موقع جغرافي أعطاها فرصة عالمية لأن تكون آخر من ينام من البشر. وبعد أن تهجع كل قارات العالم يأتي دور أمريكا لتنام قريرة العين حيث اطمأنت على العالم القديم وتأكدت أنه هاجع في نومة عميقة كما تطمئن الأم علىأطفالها أو يطمئن الفتى البار على جدته العجوز.

وهذا لا يعني أن أمريكا قد صارت الابن البار والبنت الصالحة التي لا تقصر في حقوق والديها، بل إنها كيان بشري مثل سواه من البشر،ولكل أمة من الأمم جنونها تماماً مثل الأفراد ولها هوسها ووساوسها ومراهقتها.غير أن جنون أمريكا ومراهقتها يأخذان صورة مختلفة لأنها تملك لغة مختلفة ووجهاً مختلفاً، له من القوة والسلطان ما يجعله وجهاً عالمياً ولغة عالمية. ولذا فإنه كلما جنّت أمريكا جنّ معها العالم وكأنها بذلك خاتمة الرواية من روايات أجاثا كريستي حيث تعدل النهاية كل أحداث الرواية وتجرها وراءها وإن تقدمت عليها.

هذه هي أمريكا خاتمة الرواية العالمية وآخر المواقع الجغرافية، وحينما تكون هي غرباً يكون العالم كله شرقاً لها، وكله يصب فيها وينحدر نحوها مثل انحدار الشمس الأبدي نحو الغرب.

لذا تكون قراءتنا لأمريكا هي قراءة لنا من حيث إننا نرى أنفسنا في هذا الآخر ونقيس ذاتنا من خلال التعرف على آخر ليس لنا ولكنه فينا ومن حولنا.

(د)

أود أخيراً أن أسجل شكري للدكتور نبيل خوري الملحق الثقافي الأمريكي في الرياض (سابقاً) الذي كان وراء رحلتي هذه، وأشكر وكالة الإعلام الأمريكية التي مولت زيارتي إلى الولايات المتحدة. وأذكر بالتقدير الشديد المستر سي تريك كوينلان - أو أبو أحمد كما اتفقنا على هذه الكنية - الذي رافقني لمدة ثلاثين يوماً عبر تسع ولايات، وكان لثقافته الواسعة وخبرته الطويلة كسفير لبلاده في الشرق الأوسط كان له ولخبرته فضل كبير عليّ إذ عرفت من أشياء دقيقة عن حياة الناس والمجتمع في أميركا، وكانت رحابة صدره ورجاحة تفكيره سبباً رئيسياً في استمتاعي بهذه الزيارة.

وأشكر الصديقين جاسر الجاسر وعلى العميم اللذين حرضاني على الكتابة عن زيارتي هذه، ولقد ترددت كثيراً وكدت أصرف النظر كليّاً عن فكرة الكتابة لولا تحريضهما المستمر ولولا المتابعة المخلصة والاهتمام الكبير من الأخ على العميم- المحرر في جريدة الشرق الأوسط_ مكتب الرياض.

وأشكر جريدة الشرق الأوسط على نشرها مقالاتي هذه على سبع وثلاثين حلقة، وأقدر للصديق محيي الدين اللاذقاني – المشرف على الثقافة في الجريدة. عنايته الخاصة بمقالاتي هذه.

أما وقد فرغت من كتابة هذه المقالات (المقاربات) فإنني أشعر أني قد استمتعت بكتابتها ومعايشتها لحظة بلحظة، وأرجو أن أكون قد وفقت في تقديم متعة قرائية لقارئي مقارباتي هذه.

وتكتمل صورة الشكر والامتنان مع الصديق الأستاذ عبد المحسن عبد العزيز العكاس العضو المنتدب في الشركة السعودية للأبحاث والتسويق الذي تبنى مشروع هذه المقاربات في كتاب، فله مني خالص الامتنان والتقدير.
والحمدلله أولاً وآخراً......

عبد الله محمد الغذامي
الرياض 28/4/1994.

المقال رقم (18)
الهرة البيضاء أو امبراطورية اللغة


18-1

يروي أريك فروم في كتابه الجميل ( اللغة المنسية) حلماً لإحدى السيدات رأت فيه هرة بيضاء وحولها مائة فأرة، وكانت الفئران بعدده هذه تقف خائفة ومرتعبة من هذه الهرة الوحيدة. ولقد انشغل ذهن السيدة بسؤال ظل يلح عليها وهو: ما الذي يجعل مائة فأرة تخاف من هرة واحدة..؟!

من الممكن لهذا السؤال أن يكون واحداً من أبرز علامات التاريخ حينما تسيطر قوة واحدة على مائة أمة أخرى.

وليس بغريب على التاريخ ولا على الثقافة أن يحدث هذا، ولكن الغريب دائماً هو أن تستنجد الضحية بالجزار وتقول له: أرجوك اذبحني كما حدث في مسرحية (سيمبلين) لشكسبير.

هنا تكون المائة فأرة قد أسهمت في خلق الهرة البيضاء وفي تقويتها وتسمينها. وهذا ما ظل يحدث في التاريخ كله. وإن كانت أمريكا المعاصرة قد صارت – عندنا – بمثابة امبراطورية لغوية، فلا شك أن ما يمثل العالم الآخر قد كان له – وما يزال – دور أساسي في خلق هذه الهرة البيضاء أو الامبراطورية اللغوية.

إن هذا يحدث يومياً وبشكل تلقائي وفوري بمجرد أن يصدر (بيان) رسمي عن البيت الأبيض، حيث يتسارع سدنة اللغة لاستقبال تعليمات حكماء البيان حسب آليات الاستقبال والتفسير التي وصفناها في المقالة السابقة ونعطي هنا مثالاً عليها في الفقرة التالية.

18-2

في سبتمبر 1993 م كانت كل فئران العالم تشاهد شاشات التلفزيون ذات البث المباشر وأبرز واحدة فيهن كانت ( CNN)، هذه الهرة البيضاء التي كانت تركز عدسات عيونها الثاقبة على مبنى البرلمان الروسي، حيث الدبابات التي تقصف والرجال والنساء الذين يخرجون من المبنى رافعي الأيدي ومطاطئي الرؤوس، وتقول لنا مذيعة المحطة إن هؤلاء هم أعضاء البرلمان الذين عزلهم رئيس الدولة وأمر بإيداعهم السجون. كما أنه ألغى المحكمة الدستورية وعزل كل معارضيه واغلق الصحف. وهدد بالويل والثبور كل من وقف معترضاً على قرار من قراراته، ثم ألغى الدستور وشرع بكتابة دستور آخر على مزاجه وهواه.

كل هذا سمعناه ( وشاهدناه) من على شاشة هذه المحطة الأمريكية التي أذاعت ذلك باللغة الإنجليزية وكانت كل فئران العالم تشاهد وتسمع وأخذ منها الحماس والانفعال مأخذاً بليغاً حينما شاهدت الحدث لحظة وقوعه وحينما رأت النار تأكل راس مبنى البرلمان. وبقي لنا شيء واحد نسأل عنه ونتساءل حوله وهو: يا ترى ماذا نسمي هذا الفعل....؟!

لقد أصبحنا عالة على النص الرسمي على (البيان) ولن نفهم أو نتنبّأ بحقيقة الحدث إلا بعد أن نستمع إلى (البيان). لقد أصاب الفئران حالة من الإدمان اللغوي لا تستطيع معه ربط الدال بمدلولاته إلا بواسطة (البيان) وبعد تفسيرات الحكماء وتبريكات السدنة.

وجاء البيان.......

جاء من سان فرانسيسكو هذه المرة، حيث كان الرئيس بيل كلينتون هناك، وفيه قال الرئيس إن الرجل الذي فعل تلك الأفعال هو رجل يمثل الديمقراطية في روسيا، ولذا فإن أمريكا تقف بجانبه.

هنا حدث عندنا مشكلة لغوية عويصة، تتعلق بما فهمناه من قبل عن معنى (ديمقراطية) وهو فهم معجمي وثقافي. ووجدنا أن فهمنا هذا لا يتطابق مع ما ورد في البيان الرئاسي. ومثل حال كل إنسان يجد نفسه في معارضة مع السلطة فإنه يتوقع معاضدة من فئات أخرى تعينه على تماسكه الداخلي وعلى توازن تفكيره مع واقعه الراهن.

وفي متاهة هذا الانتظار والتساؤل جاءتنا الأخبار بتصاريح من بريطانيا ومن فرنسا، وبتأويلات من كهنة اللغة في واشنطن ونيويورك تقول كلها إن بوريس يلتسين هو الرجل الذي عنده – وحده – مفتاح الديمقراطية في روسيا. وأن على الغرب مساندته.

18-3

أمام لغة قوية كهذه اللغة يقف المرء في مأزق فكري حساس جداً. فإمّا أن تشك في ثقافتك وفي وعيك، أو أن تنصاع لشروط اللغة المهيمنة وترضى بمنطقها وتساعد الهرة على تخويف الفئران، وسوف ترتاح حينئذ لأنك قد أصبحت (معهم).

فإن استبد بك العناد فستدخل في عزلة تاريخية وثقافية، حتى وإن ظللت بريئاً ونقياً ومخلصاً للغة التي كنت تعرفها من بطون كتب التاريخ وفقه السياسة (القديمة أو باقي النظام العالمي القديم).

ولو قررت هذه العزلة فسوف تتذكر ما كان نعوم تشومسكي يقوله عن (صناعة الإجماع) حيث تسعى المؤسسة الرسمية إلى عزل المعارضين عزلاً ثقافياً بحيث يشعر الواحد منهم أنه (وحيد) فيما يشعر به وما يحسه،وبذا تنعكس آراؤه ضده لأنه سيظل يعتقد أن الناس جميعهم موافقون وراضون باستثنائه هو (بمفرده) فينتكس على نفسه باللوم والسخط.

وتمارس المؤسسة الرسمية في سبيل ذلك وسائل ذكية جداً تحيط فيها التنظيمات العمالية والطلابية، وبالفعل فإنك اليوم لا تجد في أمريكا أي دور ( أو وجود فعلي) لهذه التنظيمات وزال دور نقابات العمال ومفعول طلاب الجامعات الذين كانوا يمارسونه في السنوات السابقة. وهذا أحدث فراغاً في صفوف المعارضة وشتت صوتها وفرق صفوفها. وصار كل معترض يعيش في عزلة ثقافية ونفسية لأنه لا يرى أحداً يشاركه الاعتراض. ومن هنا فإن نوعاً من الإجماع الوهمي تتم صناعته ويتم الإيهام بوجوده عبر وسائل الإعلام وهي وسائل متواطئة مع المؤسسة الرسمية في صناعة الإجماع وتمريره.

ولا شك أن ما لمسه تشومسكي في كتابة (الأوهام الضرورية – Necessary Illusions) يتجلى أيضاً عبر سناريو اللغة التي يمر بها البيان منذ لحظة إنشائه إلى مراحل تفسيره ومن ثم في مرحلة استقباله وإشاعته. وسيكون يلتسين حينئذ ديمقراطياً لأن الهرة البيضاء تريده أن يكون كذلك.

وسوف يكون من السذاجة الفكرية أن تسأل حينئذ السؤال التالي: إن كان يلتسين ديمقراطياً فمن هو الدكتاتور إذن..؟

إن مصطلح دكتاتور سيجد نفسه في مأزق دلالي خطير إذ من الصعب أن نجد له معنى ما دام الذي حدث في موسكو في سبتمبر 1993م عملاً ليس من أعمال الدكتاتورية والاستبداد. وما دام يينوشيه يعلن أن لديه ثلاثة ملايين تشيلي زائدون، ولم تر إمبراطورية اللغة مشكلة في دعمه أو التعاون معه.

إن على مئات الفئران أن تظل تخاف من هرة بيضاء واحدة، وعليها أن تواصل النفخ في جثة هذه الهرة إلى أن تصبح ديناصوراً يأكل ما حوله وينتهي بإفناء نفسه بعد أن يفنى من هو أضعف منه.

انتهى كلام الدكتور
وقد تأملت في تاريخ هذه المقالات، وقرأتها في سياقها التاريخي وتحليله لسلوك أمريكا، وقارنتها بالفترة التي بعدها حتى وقتنا هذا، فتبين لي جمالها وعمق تحليله فيها. وهو يتحدث في المقال الثامن عشر وكأنه نسخة طبق الأصل من حرب أمريكا على أفغانستان ثم على ادعاء وجود أسلحة دمار شامل في العراق. ماشاء الله تبارك الله.

طبعا هو في مقال الهرة تكلم عن مفهوم امبراطورية اللغة، وأمريكا حتى وقت قريب كانت تحتكر ناصية الإعلام، ولذلك عندما ظهرت قناة الجزيرة وكان لها خطاب يختلف عن الخطاب الإعلامي الأمريكي كانت ردة الفعل الأمريكية عنيفة خصوصا مع تغير نموذج الاتصال واتجاه كل استقبال لأن يكون عموميا، ولا عجب أنها قامت بإغلاق مكاتب العربية وغيرها في كثير من المناطق في العراق، لأنها كانت ومازالت تريد الاستئثار بلغة التعبير والحديث والتأويل، وهذا ما تغير كثيرا خصوصا بعد أن دخل الأنترنت كل البيوت. وقد تحدث حول هذا بإسهاب في فصل "الحرب على الإرهاب" وبشكل لم أجد له نظيرا حول موضوع أحداث سبتمبر في كتابه الثقافة التلفزيونية. ولذلك، فإن عدد الفئران قد بدأ يقل وهو ما يزعج الهرة المتمردة كثيرا.


__________________

أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا

التعديل الأخير تم بواسطة علي الحمدان ; 02-05-2008 الساعة 10:47 AM.
علي الحمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2008, 08:20 AM   #2 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
الصورة الرمزية أجناديـن
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
الدولة: بين البشر ( لا ملائكة ولا شياطين )
المشاركات: 6,871
عدد مرات شكره للأعضاء: 161
شُكر 355 في 168 موضوع
أجناديـن is on a distinguished road
افتراضي

مقتطفات رائعة وتستحق القراءة مرة ، و مرتين ، وثلاث ...
جزاكما الله خيراً
__________________
.
يا الله

أنت القدير على جبري بوصلك لي = أنت العليم بأسراري الخفياتي
أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي = جد لي بفضلك وأصفح عن خطيئاتي
وعبدك المشتكي والمرتجي فرجاً = يا سامع الصوت فأسمع شكياتي

*


مجموعة مواقع الإسلام
موقع الشيخ : محمد الددو
صفحة الشيخ صالح المغامسي
موقع د . عبد الكريم بكار

متغيبة حتى حين ، سأكون بخير إن شاء الله
دعائكم يهمنا وسيعيننا بعد الله
أجناديـن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2008, 10:33 AM   #3 (permalink)
صديق ذهبي مميز
 
الصورة الرمزية علي الحمدان
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
علي الحمدان is on a distinguished road
افتراضي


36-الكائن السينمائي


36-1
كان الهنود الحمر في ذهني عبارة عن كائنات سينمائية، وكانوا أشكالاً خيالية مسرحية يرمزون إلى ذاكرة مأساوية عن الظلم وهضم الحقوق، ترتبط حسياً بشاشة السينما، ومعنوياً بالضمير الإنساني المتعذب دوماً في أسئلته عن معنى التحضر والتطور في العمران البشري، الذي يقوم على التدمير المتعمد لكل ما هو فطري وطبيعي سواء من البشر الفطريين أو الأرض وبيئتها الفطرية.

وظلت هذه الصورة حية في نفسي على ما فيها من بعد تخييلي حتى شهر يوليو 1992 حينما تواجهت وجهاً لوجه ولأول مرة مع ثلاثة هنود حمر في مدينة سياتل بولاية واشنطن، كانوا رجلاً وفتاتين، وكانوا بالنسبة لي بمثابة الخيال اذا ما تجسد في وجود حسي، أو كأن شاشة السينما تحولت إلى ميدان ينبض بالبشر والحياة الواقعية. وكانوا مثل انفجار مفاجئ في الذاكرة ترى فيه حزنك وجراحك وكل أحاسيس الإنسانية وتجسدات الضمير. كنت أرقب وجوههم وحركاتهم يتكلمون باللغة الإنجليزية ويلبسون لباس الحضارة ( البيضاء)، وتبدو صورتهم وكأنهم قلوب لا يغلفها جسد، أو ربما يكونون كلمات طارت من صفحة كتاب وتعلقت في الهواء، فهي تطير وتتحرك وتعبر، فتقترب من عينيك تارة وتهرب منك بعد ذلك لتعود مرة أخرى، وأنت تسبح وراءها ببصرك وتسأل نفسك: هل هذه ذاكرتي طارت من رأسي وصارت تلاعب نظراتي وتمتحن فهمي وإدراكي..؟ .. ولولا الحياء لمددت يدي ألامس البشر الذين أمامي لأطمئن على جسديتهم وعلى حضورهم.

رحت أسأل وأنا خجل وخائف من كل سؤال خشية أن اتعدى حدود الأبيض يأمرني بغسل فمي أمام الطلاب إذا ما غلطت وتفوهت بكلمة من لغتي الهندية.

ما الذي يخيف الرجل الأبيض من لغة الهنود الحمر ...؟ هل لأنها تكشف له عن ذاكرة لا يريد أن يراها. ذاكرة عن أسلافه البيض الأشاوس وعن تاريخهم مع الهنود؟ يحاول الأبيض نسيان ماضيه وماضي حضارتهم على أرض أمريكا الهندية، وهذه اللغة تفتح له صفحات ذلك التاريخ، ولذا لا بد من غسلها وتنظيف معابر الحناجر منها. إغسلوا اللغة وإغسلوا التاريخ واغسلوا الذاكرة.... إن استطعتم إلى ذلك سبيلا.

لقد لبس الهندي ثياب البيض وتكلم لغتهم، ولبس فوق ذلك حزن التاريخ كله، وغرس في رأسه ذاكرة لا تغطيها الثياب ولا كل لغات البيض.

36-2
كان الهنود الثلاثة يحكون وكنت استمع لا مثل ما يستمع البشر للبشر، ولكن مثل ما تسمع حلماً ينطق أو ذاكرة تصرخ، وكنت وكانوا في موج من الحديث والحزن والخوف مما يفعله الإنسان بالإنسان تماماً كأنك موج من الحديث والحزن والخوف مما يفعله الإنسان بالإنسان تماماً كأنك ترى قتيلاً ينتفض من تحت دمائه ويلتفت إليك ليقول لك ما فعل به القاتل. وما كنت أنت قاتلاً ولا شاهداً. ولكنك تعلم علم اليقين أن ما تقوله الضحية صحيح وأن المقتول قد سال دمه فعلاً،وبكل تأكيد فإن المقتول لم يقتل قاتله.

كان هذا يدور بيننا عبر الكلمات السابحة في فضاء الغرفة في حضرة الهنود الحمر وفي حضرة ثقافتهم وتاريخهم ودمائهم.

ولم أشعر قط إن بجانبي رجلاً أبيض، إنه مرافقي الذي سايرني ثلاثين يوماً بلياليها ولم يكن اللون شيئاً يذكر في علاقتي معه. غير أنه ذكرني ونبهني إلى لونه الأبيض حينما استأذن منا للخروج وسأل عن طريق دورة المياة،وغاب ساعة ثم عاد ليستأذن مرة أخرى بحجة أنه يرغب في تدخين سيجارة في الممر الخارجي. احسست عند ذلك أن مرافقي رجل أبيض، وحمدت له لباقة تصرفه إذ رفع عنا الستارة البيضاء وتركنا في حرية ملونة بألوان جلودنا الطبيعية.

وعلمت وقتها أن اللون الأبيض سلطان يحضر إذا شاء ويغيب إذا شاء، وكل فعل من أفعاله هو كياسة تحسب له ويشكر عليها. أليس هو سليل الحضارة والمدنية...؟ بينما نحن في عداد الهوامش واللواحق. و شكراً لمرافقتي الذي لم يشعرني ببياضه إلا لكي يغيب عن الجلسة ويرفع عنا الشهادة البيضاء.

36-3
راح مضيفي الهندي يحكي لي حكاية حضرها مع جده. حيث ذبح الجد (دباً) ليسد به جوع العائلة. وكان الجد يتحدث مع (الدب) وهو يذكيه (يذبحه)، وهو يسلخه ويقطعه ويقول له: أنت أخونا وشقيقنا فنحن وأنت من أم واحدة، هي أمنا الأرض. ولذا فإننا لن نهينك وسوف نكرمك ونكرم لحمك الطيب، ولولا الجوع ما ذبحناك، ولسوف تدخل في أجساد أولادنا وتصبح جزءاً منها تتحرك وتتنفس معها. إننا نحبك ونتألم لك، ولسوف نحافظ على أولادك ونصونهم، أنت أيها الدب الطيب الحبيب يا ابن أمنا الأرض،ويا أخانا المختلط فينا والداخل في أجسامنا. لسنا نقتلك ولكننا نأكلك لكي تحيا فينا وتقتل جوعنا.

يقول هذا ويؤكد لي أن الهندي لا يعتدي ولا يجور لأنه يرى لكل شيء روحاً، لذا حافظ على البيئة سليمة نقية ولم ينتهك حرمة الأرض وكرامتها، وكل كائن إنما هو أخ وأخت.

أما الأبيض.. فانظر فعله بالأرض وكيف انتهك عرضها واغتصب عذريتها لقد فعل بالأرض مثلما فعل بالهنود الحمر. لقد جعل البيئة ترطن بلغة المال والسلاح، وكانت من قبل لا تعرف سوى لغة العصافير وقبلات الغيوم وتراشقات المطر.

قال ذلك وأنا أودعه بيد تعرف ملمس المكلوم وتعرف طريقها إلى الجراح المخفية تحت الجلد وتحت الملابس الحضارية
.

ودعت يده يدي وخرجت كي يتسلمني مرافق الذي صرت أعرف أنه أبيض، وصرت أرى أن مواعيدنا القادمة هي مواعيد بيضاء، وكل شيء في هذا الكون هو أخ وأخت – كما قال صاحبي الهندي،وأمضيت باقي فترتي مع أخي الرجل الأبيض. إلى أن حانت عودتي وتواعدنا في مطار نيويورك يوم 11/8/1992 فذهبت عائداً نحو الشرق، وذهب مرافقي الأبيض نحو غرب الغرب، وانتهت المصافحة لتبدأ الذاكرة.

انتهى كلام الدكتور، وفتح الآفاق والأذهان لقراءة تفاعل الرجل الأمريكي مع العربي بعد مدة، عندما يتم الاعتراف رسميا بأن ما قام به بوش وزمرته هو من جرائم الحرب. كيف سيتعامل حينها مع ذاكرته البشعة؟! الغذامي يقول أنه في عام 1992 لم يكن يشعر أن بجانبه رجل أبيض ومختلف، ماذا عن الوضع الآن بعد أن أصبح العربي مرتبطا بذاكرة مختلفة وقوية ولها صور، هل بدأ المقيمون المسلمون العرب في الولايات المتحدة الأمريكية يلحظون اضطرابا في السلوك أثناء التعامل معهم من قبل الأمريكان؟ هل بدأنا نجد الأمريكي ينغلق على ذاته خوفا من المواجهة مع صورة لها ذاكرة سيئة؟ كيف يمكن للمقيمين هناك استثمار مثل هذا لخدمتهم لنصرة قضاياهم؟

أسئلة أخالها مهمة

__________________

أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا

التعديل الأخير تم بواسطة علي الحمدان ; 02-05-2008 الساعة 11:01 AM.
علي الحمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
هؤلاء الأعضاء يشكرونك يا "علي الحمدان" على مشاركتك المفيدة:
قديم 03-05-2008, 12:54 PM   #4 (permalink)
صديق مشارك
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
المشاركات: 207
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 64
شُكر 64 في 32 موضوع
الحارث بن همام is on a distinguished road
افتراضي

مقتطفات جميلة ومفيدة .. شكراً لك .

ومبروك ال 3000 مشاركة
الحارث بن همام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2008, 03:44 PM   #5 (permalink)
صديق ذهبي مميز
 
الصورة الرمزية علي الحمدان
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
علي الحمدان is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أجناديـن مشاهدة المشاركة
مقتطفات رائعة وتستحق القراءة مرة ، و مرتين ، وثلاث ...
جزاكما الله خيراً
الأخت الكريمة أجنادين

فعلا الموضوع جميل، وأشكر لك مرورك

وجزاك الله كل خير
__________________

أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا
علي الحمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-05-2008, 12:00 AM   #6 (permalink)
صديق ماسي
 
الصورة الرمزية الواثبة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 3,810
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 609
شُكر 640 في 356 موضوع
الواثبة is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل علي الحمدان مقالات جميلة وتستحق القراءة شكراً لكم
بارك الله فيكم
__________________

شكــــــــــراً للغالية ايمان ابراهيم


**اللهم ان في حسن تدبيرك ما يغني عن الحيل وفي كرمك ماهو فوق الامل

وفي حلمك ما يسد الخلل وفي عفوك ما يمحو الزلل**

**اللهم تولنا بولايتك وأكرمنا بكرمك وعاملنا بحلمك واعفو عنا بعفوك**
الواثبة متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-05-2008, 04:12 AM   #7 (permalink)
مشرف مجموعة الطلبة الجامعيين
 
الصورة الرمزية SnIpEr
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 945
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 61
شُكر 110 في 62 موضوع
SnIpEr is on a distinguished road
افتراضي



متابعين
.
.
__________________




جديد فريق الطلاب الجامعيين

مركز ابحاث فريق الطلاب الجامعيين


نستقبل ارائكم و مقترحاتكم على الايميل الخاص بفريق الطلاب الجامعيين

u-s-t_2007@hotmail.com
SnIpEr غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع


الساعة الآن 10:07 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.3, Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92