36-الكائن السينمائي
36-1
كان الهنود الحمر في ذهني عبارة عن كائنات سينمائية، وكانوا أشكالاً خيالية مسرحية يرمزون إلى ذاكرة مأساوية عن الظلم وهضم الحقوق، ترتبط حسياً بشاشة السينما، ومعنوياً بالضمير الإنساني المتعذب دوماً في أسئلته عن معنى التحضر والتطور في العمران البشري، الذي يقوم على التدمير المتعمد لكل ما هو فطري وطبيعي سواء من البشر الفطريين أو الأرض وبيئتها الفطرية.
وظلت هذه الصورة حية في نفسي على ما فيها من بعد تخييلي حتى شهر يوليو 1992 حينما تواجهت وجهاً لوجه ولأول مرة مع ثلاثة هنود حمر في مدينة سياتل بولاية واشنطن، كانوا رجلاً وفتاتين، وكانوا بالنسبة لي بمثابة الخيال اذا ما تجسد في وجود حسي، أو كأن شاشة السينما تحولت إلى ميدان ينبض بالبشر والحياة الواقعية. وكانوا مثل انفجار مفاجئ في الذاكرة ترى فيه حزنك وجراحك وكل أحاسيس الإنسانية وتجسدات الضمير. كنت أرقب وجوههم وحركاتهم يتكلمون باللغة الإنجليزية ويلبسون لباس الحضارة ( البيضاء)، وتبدو صورتهم وكأنهم قلوب لا يغلفها جسد، أو ربما يكونون كلمات طارت من صفحة كتاب وتعلقت في الهواء، فهي تطير وتتحرك وتعبر، فتقترب من عينيك تارة وتهرب منك بعد ذلك لتعود مرة أخرى، وأنت تسبح وراءها ببصرك وتسأل نفسك: هل هذه ذاكرتي طارت من رأسي وصارت تلاعب نظراتي وتمتحن فهمي وإدراكي..؟ .. ولولا الحياء لمددت يدي ألامس البشر الذين أمامي لأطمئن على جسديتهم وعلى حضورهم.
رحت أسأل وأنا خجل وخائف من كل سؤال خشية أن اتعدى حدود الأبيض يأمرني بغسل فمي أمام الطلاب إذا ما غلطت وتفوهت بكلمة من لغتي الهندية.
ما الذي يخيف الرجل الأبيض من لغة الهنود الحمر ...؟ هل لأنها تكشف له عن ذاكرة لا يريد أن يراها. ذاكرة عن أسلافه البيض الأشاوس وعن تاريخهم مع الهنود؟ يحاول الأبيض نسيان ماضيه وماضي حضارتهم على أرض أمريكا الهندية، وهذه اللغة تفتح له صفحات ذلك التاريخ، ولذا لا بد من غسلها وتنظيف معابر الحناجر منها. إغسلوا اللغة وإغسلوا التاريخ واغسلوا الذاكرة.... إن استطعتم إلى ذلك سبيلا.
لقد لبس الهندي ثياب البيض وتكلم لغتهم، ولبس فوق ذلك حزن التاريخ كله، وغرس في رأسه ذاكرة لا تغطيها الثياب ولا كل لغات البيض.
36-2
كان الهنود الثلاثة يحكون وكنت استمع لا مثل ما يستمع البشر للبشر، ولكن مثل ما تسمع حلماً ينطق أو ذاكرة تصرخ، وكنت وكانوا في موج من الحديث والحزن والخوف مما يفعله الإنسان بالإنسان تماماً كأنك موج من الحديث والحزن والخوف مما يفعله الإنسان بالإنسان تماماً كأنك ترى قتيلاً ينتفض من تحت دمائه ويلتفت إليك ليقول لك ما فعل به القاتل. وما كنت أنت قاتلاً ولا شاهداً. ولكنك تعلم علم اليقين أن ما تقوله الضحية صحيح وأن المقتول قد سال دمه فعلاً،وبكل تأكيد فإن المقتول لم يقتل قاتله.
كان هذا يدور بيننا عبر الكلمات السابحة في فضاء الغرفة في حضرة الهنود الحمر وفي حضرة ثقافتهم وتاريخهم ودمائهم.
ولم أشعر قط إن بجانبي رجلاً أبيض، إنه مرافقي الذي سايرني ثلاثين يوماً بلياليها ولم يكن اللون شيئاً يذكر في علاقتي معه. غير أنه ذكرني ونبهني إلى لونه الأبيض حينما استأذن منا للخروج وسأل عن طريق دورة المياة،وغاب ساعة ثم عاد ليستأذن مرة أخرى بحجة أنه يرغب في تدخين سيجارة في الممر الخارجي. احسست عند ذلك أن مرافقي رجل أبيض، وحمدت له لباقة تصرفه إذ رفع عنا الستارة البيضاء وتركنا في حرية ملونة بألوان جلودنا الطبيعية.
وعلمت وقتها أن اللون الأبيض سلطان يحضر إذا شاء ويغيب إذا شاء، وكل فعل من أفعاله هو كياسة تحسب له ويشكر عليها. أليس هو سليل الحضارة والمدنية...؟ بينما نحن في عداد الهوامش واللواحق. و شكراً لمرافقتي الذي لم يشعرني ببياضه إلا لكي يغيب عن الجلسة ويرفع عنا الشهادة البيضاء.
36-3
راح مضيفي الهندي يحكي لي حكاية حضرها مع جده. حيث ذبح الجد (دباً) ليسد به جوع العائلة. وكان الجد يتحدث مع (الدب) وهو يذكيه (يذبحه)، وهو يسلخه ويقطعه ويقول له: أنت أخونا وشقيقنا فنحن وأنت من أم واحدة، هي أمنا الأرض. ولذا فإننا لن نهينك وسوف نكرمك ونكرم لحمك الطيب، ولولا الجوع ما ذبحناك، ولسوف تدخل في أجساد أولادنا وتصبح جزءاً منها تتحرك وتتنفس معها. إننا نحبك ونتألم لك، ولسوف نحافظ على أولادك ونصونهم، أنت أيها الدب الطيب الحبيب يا ابن أمنا الأرض،ويا أخانا المختلط فينا والداخل في أجسامنا. لسنا نقتلك ولكننا نأكلك لكي تحيا فينا وتقتل جوعنا.
يقول هذا ويؤكد لي أن الهندي لا يعتدي ولا يجور لأنه يرى لكل شيء روحاً، لذا حافظ على البيئة سليمة نقية ولم ينتهك حرمة الأرض وكرامتها، وكل كائن إنما هو أخ وأخت.
أما الأبيض.. فانظر فعله بالأرض وكيف انتهك عرضها واغتصب عذريتها لقد فعل بالأرض مثلما فعل بالهنود الحمر. لقد جعل البيئة ترطن بلغة المال والسلاح، وكانت من قبل لا تعرف سوى لغة العصافير وقبلات الغيوم وتراشقات المطر.
قال ذلك وأنا أودعه بيد تعرف ملمس المكلوم وتعرف طريقها إلى الجراح المخفية تحت الجلد وتحت الملابس الحضارية.
ودعت يده يدي وخرجت كي يتسلمني مرافق الذي صرت أعرف أنه أبيض، وصرت أرى أن مواعيدنا القادمة هي مواعيد بيضاء، وكل شيء في هذا الكون هو أخ وأخت – كما قال صاحبي الهندي،وأمضيت باقي فترتي مع أخي الرجل الأبيض. إلى أن حانت عودتي وتواعدنا في مطار نيويورك يوم 11/8/1992 فذهبت عائداً نحو الشرق، وذهب مرافقي الأبيض نحو غرب الغرب، وانتهت المصافحة لتبدأ الذاكرة.
انتهى كلام الدكتور، وفتح الآفاق والأذهان لقراءة تفاعل الرجل الأمريكي مع العربي بعد مدة، عندما يتم الاعتراف رسميا بأن ما قام به بوش وزمرته هو من جرائم الحرب. كيف سيتعامل حينها مع ذاكرته البشعة؟! الغذامي يقول أنه في عام 1992 لم يكن يشعر أن بجانبه رجل أبيض ومختلف، ماذا عن الوضع الآن بعد أن أصبح العربي مرتبطا بذاكرة مختلفة وقوية ولها صور، هل بدأ المقيمون المسلمون العرب في الولايات المتحدة الأمريكية يلحظون اضطرابا في السلوك أثناء التعامل معهم من قبل الأمريكان؟ هل بدأنا نجد الأمريكي ينغلق على ذاته خوفا من المواجهة مع صورة لها ذاكرة سيئة؟ كيف يمكن للمقيمين هناك استثمار مثل هذا لخدمتهم لنصرة قضاياهم؟
أسئلة أخالها مهمة