مقاربة القرضاوي التّجريبيّة وأثرها في تحليله للخمر
أبريل 16, 2008
إصرار القرضاوي على فتواه وتأكيده عليها وأخطر منه دفعنا لتحرير هذه التّدوينة لإيراد نصّ فتواه حتّى لا يُظلَم. وهذا نصّ السّؤال ونصّ الفتوى من
موقع القرضاوي :
{
فتاوى و أحكام: حكم المشروبات التي تحتوي على نسبة من الكحول
تلقى فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي - رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين - استفساراً من محمد لشيب(جريدة العرب) يقول فيه: فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، (وبعد) صرح الدكتور محمد سيف الكواري المدير العام للهيئة القطرية للمواصفات والمقاييس أول أمس في ندوة حول تأثير مشروبات الطاقة، بأن هناك مواصفة قياسية قطرية بخصوص المشروبات تسمح بوجود ما نسبته 0,05 % بالمائة من الكحول بالمشروبات الموجودة بالسوق.
ويؤكد الكواري على أن هذه النسبة طبيعية بفعل التخمر الطبيعي وغير مصنعة.
- فما رأي الشرع في تناول هذه المواد التي تتضمن هذه النسبة؟
- وهل التنصيص عليها قانونا جائز؟
- وماذا عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما أسكر كثيره فقليله حرام”؟
الجواب:
وقد أجاب فضيلته على السائل بقوله: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعه إلى يوم الدين.
(وبعد)
هذه النسبة: 0.5% خمسة من مائة في المائة - وبعبارة أخرى: خمسة في الألف - لا أثر لها في التحريم، لأنها نسبة ضئيلة جدا، وكما قال الدكتور: إنها تحدث بفعل التخمر الطبيعي، وليست مصنعة، ولذلك لا أرى حرجا من تناول هذا المشروب.
والشريعة الإسلامية شريعة واقعية، ومن واقعيتها هنا: أنها وضعت قاعدة مهمة جاء بها الحديث الشريف، وهي أن “ما أسكر كثيره، فقليله حرام”. وأعتقد أن أي إنسان شرب من هذا المشروب ما شرب فلن يسكره، ولذا لا يحرم القليل منه.
وأما التنصيص على هذه النسبة، فهو أمر جائز ولا حرج فيه، حتى يعرف الناس الحقيقة، ولا يصدقوا الشائعات التي يروجها بعض الناس أحيانا لأغراض شتى، وبيان الأمور على حقيقتها لا ضرر فيه بحال.
وأود أن أنبه على أن هذه النسبة من الكحول وما في حكمها، إذا أضيفت عمدا إلى المشروب لغير حاجة صحية أو طبية، أو نحو ذلك، فإن من أضافها يأثم على ذلك. وإن لم يكن مؤثرا في إباحتها لشاربها.
وبالله التوفيق.} إنتهى
المقاربة التّجريبيّة وأثرها في تحليل الخمر
مفتاح السّرّ في خطإ القرضاوي هو سقوطه في فخّ المقاربة العلميّة التّجريبيّة وتحليل المواد لعناصرها الكيميائيّة الأوّليّة لإبداء الآراء الشّرعيّة.
هذه المقاربة بين العلوم التّجريبيّة والشّرع تسبّب الكثير من الإشكاليّات الحاضرة دوما في مسائل هامّة نذكر منها على سبيل المثال تحديد رؤية هلال رمضان أو هلال العيد. وهذه الإشكاليّات تقع لسبب بسيط وهو عدم وضوح حدود تداخل العلوم التّجريبيّة مع الشّرع والفقه لبعض الشّيوخ ومنهم القرضاوي.
ولتوضيح مسألة فتوى القرضاوي وضبابيّة فهمه لهذا التداخل أسأل هنا سؤالا واحدا: هل تعلمون في الشّرع حكما واحدا في الأشياء بُنِيَ على أساس التّركيبة الكيميائيّة للمادّة؟ الجواب طبعا لا وإلاّ فإنّني أحتاج هنا إلى دليل شرعيّ على ذلك.
فالدّخول في مسألة التّركيبة الكيميائيّة للمادّة أحال القرضاوي تلقائيّا لمسألة النِّسَبِ المسموح بها، وكان جوابه الذي يُفهَمُ منه إباحة الخمر بنِسَبٍ قليلةٍ ك 5 في الألف.
الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام»: فأيّ مادّة ـ وليست بالضّرورة سائلة ـ تَحقَّق أنّها تُسكِرُ فهي تُسمّى خمرا وهي حرام. فإن لم يُتَحقّق من كونها تُسكرُ فلا تسمّى خمرا وهي ليست محرّمة فهي حلال ولا يُذكَرُ شيءٌ هنا عن النّسبِ والتّركيبات ولا دخل لها في إستنباط الحكم. فالحكم بالقول أنّ هذه المادة خمرٌ أم ليست بخمر يعتمد أساسا على خاصّيّة الإسكار لتلك المادّة كوحدة واحدة ولا يتعلّق بمركّباتها الكميائيّة ونِسَبها. فحتّى وإن أفصح العلم التّجريبي عن علاقة مّا بين خاصّيّة الإسكار ونِسب ومركّبات المادّة فنحنُ لسنا مطالبين شرعا بإعتماد النِّسب والمركّبات وإنّما خاصّيّة الإسكار وفقط خاصّيّة الإسكار كونها هي علّة التّحريم الشّرعيّة. والحديث شديد الوضوح في ذلك.
والحرمة هنا تقع على أوجه عشرة كما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لُعنتِ الخمرُ على عشرة أوجه: بعيتها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها وشاربها وساقيها»
ويقول صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» ولذلك فأيّ مادّة ـ وليست بالضّرورة سائلة ـ تَحقَّق أنّها تُسكِرُ فهي تُسمّى خمرا وهي حرام كثيره و قليله مهما تناهى في القلّة. والكثرة والقلّة هنا راجع على كثرة وقلّة المادّة كوحدة واحدة ولا يتعلّق بكثرة وقلّة مركّباتها الكميائيّة ونِسَبها كلٌّ على حِدة.
والله أعلمُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [ المائدة الآية 101]
مبادرة المستنير الإعلاميّة