ليس منا أحد إلا وقد وقع ضحية للنظرة السطحية التي لا ترى سوى ما يظهر من الصورة فيضع صاحبها أحكاما وتصورات بناء على ما يظهر له من الحدث ، كأن يحكم عليك بالتهور في سواقة السيارة لكونه رآك لمرة واحدة تسوق بسرعة كبيرة حتى وإن لم يكن هذا من طبيعتك ، أو يحكم عليك بالبخل لأنه قد وضع لك تصور معين بأنك غني فيحكم من هذه الزاوية على بذلك وصرفك.. إلى آخر تلك التصورات التي لا يرى أصحابها سوى سطح الحدث أو الجزء الظاهر منه، مع أننا نعرف ونعي أن كل حدث له حيثياته وكل حالة لها ظروفها كما وهناك قواعد منطقية عامة تحكمها.
وحين أصدرت مجلة "فوربز العربية" قائمتها الجديدة بعنوان "نجوم الدعوة"، أجرت من خلالها تصنيفا لأعلى الدعاة دخلا خلال عام2007 وذلك في عددها السابق مارس 2008،وبغض النظر عن مدى موضوعية الطرق التي أتبعتها المجلة لتنفيذ ذلك التصنيف وتلك القائمة فقد أثارت ردود أفعال واسعة ومتباينة سواء على صفحات الشبكة الإلكترونية أو الجرايد أو المنتديات، وقد كان السؤال الأبرز في كل من تقرير المجلة وردود الأفعال هو :مدى أحقية الداعية في كسب المال من وراء نشاطه الدعوي!
ولنفترض جدلا أنه لا يحق للداعية أخذ مقابل عن برامجه التي يقدمها في الفضائيات أو عن الحقوق الأدبية والفكرية لمحاضراته التي يقدمها على أشرطة كاسيت أو أقراص مدمجة وأنه لابد أن يتنازل عنها للفضائيات ولمراكز التوزيع ليثبت بذلك سلامة قصده ونيته في حمل رسالة الإسلام وتبليغها،فكيف إذا يمكننا تصور حال دعوته مع صيحاتنا المتكررة بضرورة تجديد الخطاب الديني ومواكبة روح العصر والتعرف على حاجات المجتمع الحقيقية والانطلاق منها في الطرح و الأسلوب، فكل من هذا وذاك يستلزم من الداعية أنشطة معينة متعلقة بذاته من حضور ومشاركة ومتابعة لكل ما يجد من قضايا المجتمع مع ما يتطلبه هذا من سفر وتحركات ووسائل تنقل و ضرورة استخدام وسائل الاتصال الجماهيرية و ما يتطلبه هذا من إعداد جيد للمادة وتنبه لشكله وهندامه ليقدم صورة مشرقة للإنسان المسلم الداعي لدينه.
فإذا كان الحال هكذا فمن أين يمكنه أن يصرف على تحركاته تلك إن لم يكن له مصدر دخل ثابت ؟! هل يطرق البيوت طلبا للمال أم ينتظر صدقات المحسنين تنزل عليه من السماء؟ أم يترك دعوته ويضرب في الأرض وينغمس في الأعمال الحرة تاركا مهمته التي يجيد مداخلها ومخارجها لمن لا يحسنها؟
إن البعض قد ينسى أو يتناسى أن لهؤلاء الدعاة مؤسساتهم الدعوية والتي ترعى أنشطتهم وتقدم خدماتها الدعوية والتربوية للمجتمع،وهم يديرونها من مالهم الخاص بجانب ما تجود به أيادي الطيبين ، وكأي مؤسسة تحتاج لموظفين ومختصين في عدد من المجالات لتفعيل خطط المؤسسة الدعوية فضلا عن تسيير شئون موظفيها وأعمالها، فمن أين نتصور أنه يمكن للداعية أن يمول كل هذا إن لم يكن له مصدر دخل ثابت ؟! فهل من المعقول أن يربط أعمال مؤسسته بهبوب رياح المعطاءين من أهل الخير والمال فينتج حين تهب رياحهم ويتوقف عن العمل حين يمسكون ؟!
كنا ومازلنا ننادي بإنشاء وتيسير إقامة مثل هذه المؤسسات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني ومع ذلك فبمجرد أن ترى أحدها النور فإننا أول من يتكاسل ويتخاذل عن دعمها ودعم أصحابها لا نقول ماديا بل حتى معنويا!
.
.
.