http://www.alriyadh.com/2008/04/03/article331176.html
القبيلة والمجتمع
الترحال هوية: البدوي الباريسي
د. عبدالله محمد الغذامي
(أنا أنتمي إلى عشيرة تترحل منذ الأزل في صحراء الكون، مواطننا واحات نفارقها متى جف الينبوع، وبيوتنا خيام من حجارة، وجنسياتنا مسألة تواريخ أو سفن. كل ما يصل بيننا وراء الأجيال ووراء البحار ووراء بابل اللغات، رنين اسم: اسم بمثابة وطن - 12).
هذا ما يقوله أمين معلوف عن سيرته، هذه السيرة التي نقلت إلى العربية بعنوان شوه دلالة العنوان الأصلي، فالعنوان الأصلي كان نقطة جوهرية في صناعة مفهوم الترحال، حيث أشار إلى المفارقة الدلالية بين مفهوم كلمة (جذور) ومفهوم كلمة (أصول)، وهما الكلمتان اللتان ستتوجان النص كخيار للتسمية، حيث ستكون بين معنيين حاسمين أحدهما وهو الجذور يعني التشبث بالأرض كما تتشبث الشجرة بجذورها وتقوم حياتها على هذا الارتباط بحيث لو انفكت عن جذرها ماتت، بينما الأصول هي كلمة داخلية تعيش فيك، في داخلك، وتترحل معك، ولذا اختار لكتابه عنواناً يدل على هويته، وهو (الأصول)، وتجنب مصطلح الجذور الذي سيجعل فكرة الكتاب مستحيلة، وكم كانت الترجمة العربية مضللة حينما تجنبت طبع هذا الخيار على الغلاف بوصفه عنوان القضية وصميم الفكرة، واختارت كلمة (البدايات) التي لا تتداخل مع طبيعة الإشكال الدلالي وجاءت على انفصام مع صفحات الاستهلال ( 11- 12).
أمين معلوف هو رنين اسم لأن أجداده تحولوا مع الزمن ليكونوا أطفاله (27)، وأهله ليس لهم سوى قانون واحد هو قانون التشتت: (لكل أسرة ابن مدفون في بيروت أو في مصر أو في الأرجنتين أو في البرازيل أو في المكسيك وبعضهم في استراليا أو الولايات المتحدة، فمصيرنا أن نتشتت في الموت مثل تشتتنا في الحياة - 37).
تلك سلالة بشرية تحمل المعنى الإنساني الأول والجذري وهو النقل في الأرض، ومنذ أن كان الإنسان لم يكن له وطن، الوطن بدعة ثقافية وفكرة أرستقراطية جاءت لتقيم الحدود وتقيد الواسع وتحاصر الطليق من أجل تحقيق فكرة الاستحواذ والمنع والقسر، وهذا القسر هو معنى نشاز وليس معنى أصلي، فالأصل هو حرية الإنسان على وجه الأرض ولذا نصح عمر بن الخطاب قائده في العراق بألا يجعل بينه وبين جنوده بحراً يقطع الصلة الطبيعية بينهم، وذلك حينما استأذنه سعد بن أبي وقاص ببناء مدينة للجند، وقامت البصرة والكوفة كمدينتين متصلتين بجزيرة العرب لا يفصلهما نهر ولا بحر.
الأرض هي سماء الإنسان يطير فيها ويقطنها ويتحول من حدب إلى حدب، وهذا هو شرط إنسانيته، وإذا قامت الحدود احتبس الإنسان في جسده وفي روحه، وكما يرى أمين معلوف الذي يقول عن أهله إنهم يحاربون فقط من أجل حريتهم وليس من أجل الأرض (ص 61) فإن حرية الإنسان هي أن ينطلق دون قيد يسجنه في بؤرة عيش قاتمة.
يترحل المترحلون ويهاجر المهاجرون حتى وصل العرب إلى الصين واقتحموا أوروبا، وفعل الأوروبيون فعلهم فصنعوا دياراً جديدة في أمريكا شمالاً وجنوباً، ويفعله الأفارقة اليوم وهم يواجهون الويلات على ظهور القوارب البحرية وتحت رحمة القراصنة وتجار لحوم البشر مع الموت والغرق ورصاص دوريات الحدود وتجار التأشيرات، كل ذلك من أجل استرداد حق طبيعي قديم وأزلي هو أن يترحل بلا قيد ولا سؤال، في رحلة من الجنوب إلى الشمال، أو لم يترحل الأوروبيون من قبل في رحلات من الشمال إلى الجنوب واستعمروا أفريقيا واستعبدوها ولم تردهم مكاتب جوازات ولا جمارك، وكانوا يقولون إنهم ينشرون الحضارة ودين السماء ولغة المدينة..؟؟!!
هناك مهاجرون يلجؤون إلى الاختباء في جوف إطارات إحدى الطائرات، تطير بهم أو به من الهند وسنغافورة إلى لندن وباريس، يعاني هول السماء وبرودة تتجمد به ويتجمد بها ويضغطه الهواء وتكبس عليه الويلات ليلاقي بعد ذلك رجل بوليس متجهم يأخذه مقيداً إلى سجن مربع لا يرى فيه نوراً ولا يسمع صوتاً، وذنبه أنه أراد أن يكون حراً في كون بشري صار ديدنه التقييد والتنظيم والمنع والتحديد: تحديد المطلق وتقييد المفتوح وحصر المتعدد.
تلك هي أصول أمين معلوف التي تترحل معه وتنشأ من داخله، ومثله كان لنا أجداد من العقيلات، وهذا اسمهم الذي كنا نسميهم به، وهم فئات بشرية تترحل في رحلات سنوية من القصيم إلى الشمال العربي في الشام والعراق وفلسطين، وظلت تترحل على مدى قرون تروح وتعود مثل هجرات الطيور، وهي لا تهاجر وتصد ولكنها تهاجر وتعود، وليست تعود لتستقر ولكنها تعود لتأخذ نفساً قصيراً تستأنف بعده رحلة التهاجر والتعاود إلى أن يصل الجسد إلى حد لا يستطيع معه الترحال فينوب الأبناء عن الآباء ويهب الأحفاد بدلاً عن الأجداد في رحلة لم تنته قط إلا حينما جاءت أوروبا إلى بلادنا ووضعت بيننا حدوداً تشبه ما في تلك القارة من حدود فانقطع حبل الوصل وتقطعت الأرحام، وصارت الأرض عدوة للطير وقيداً للهواء.
ومثل آباء معلوف فقد ترك أجدادنا جثث موتاهم هناك، وبعضهم استشهد في معركة ميسلون مشاركين في الدفاع عن سوريا ضد الاستعمار، مثلما كان لنا أجداد كدحوا بأيديهم في حفر قناة السويس جنباً إلى جنب مع المصريين تجمع بينهم سحنة الجلد ودافع الإنسان ليكون حياً وفعالاً وصاحب خيار ذاتي.
يتوق الإنسان إلى أصله (أصوله - كما عند معلوف)، ويترحل ويأنس بالحركة، لأنه رنين اسم وهذا الاسم هو الوطن، فأسماؤنا هي أوطاننا، ونحن لا نعرف امرأ القيس بوصفه يمانياً أو نجدياً (أو لنجرب أن نقول إنه سعودي حسب الأرض التي عاش فيها مثله مثل عنترة والأعشى وغيرهم) ولا ابن زيدون بوصفه أسبانياً ولا نستطيع تحديد المتنبي وهل هو عراقي أم حلبي أم مصري أم خراساني، ولكننا نعرف اسمه ونعرف سيرته، مثلما نعرف سيرة بني هلال التي هي سيرة الترحال، ومثلما يصر الإنسان على غزو القمر ويغازل المريخ لمعرفة فرص العيش فيه، وهو الذي ترحل من قبل في كل أرض وفضاء.
الترحال قوة والترحال ثقافة والترحال أصل بشري. وبدوي الأمس يقابله بدوي اليوم: البدوي الباريسي.
نعليق
وهذا الاسم هو الوطن، فأسماؤنا هي أوطاننا،
و قليلٌ ما هم .
مقال ...ما اعمقه .