المساواة في الحقوق والواجبات عامة غير واقعية وغير عملية
الحقوق والواجبات
كل مجتمع إنساني مهما كان مبدأه وأيّاً كان نظامه لا بدّ أن يتحمل أفراده مغارم من الواجبات، وأن ينعم آحاده بمغانم من الحقوق، وإنما يعبق شذا العَدالَة من تناسق هاتين الطائفتين فيه: الحقوق والواجبات.
ولكن المجتمعات الإنسانية تختلف فيما بينها في العوامل والأسباب التي يتكون منها كلّ من الحقوق والواجبات تبعاً لتباين وجهات النظر فيما تمثل من نظرة دينية أو فلسفية معيّنة لواقع الإنسان ووجوده ونشأته، والمرأة في سائر المجتمعات الإنسانية، لا بدّ أن ينالها حظوظ من الحقوق كما لا بدّ أن تتحمل أثقَالاً من الواجبات شأنها في ذلك شأن الرَّجُل تماماً بقطع النظر عن تساويها أو عدم تساويها في ذلك.
والشَّرِيعَة الإسْلاميَّة حين جعلت للمرأة حقوقاً وجعلت عليها واجبات وأناطت للرجل حقوقاً وأناطت عليه واجبات: « إنما جعلتها حقوقاً وواجبات تتعلق بمصالحها كما يراها الشَّارِع ومعالجات لأفعالهما باعتبارها فعلاً معيناً لإنسان معيّن. فجعلتها واحدة حين تقتضي طبيعته الإنسانية جَعْلها واحدة، وجعلتها متنوعة حين تقتضي طبيعة كل منهما هذا التنوع وهذه الوحدة في الحقوق والواجبات لا يطلق عليها مساواة، كما أنه لا يُطلق عليها عدم مساواة كما أن ذلك التنوع في الحقـوق والواجبـات لا يُـراد منـه عـدم مسـاواة أو مسـاواة»([1])
ذلك أن المساواة في الحقوق والواجبات عامة غير واقعية وغير عملية « فإن الناس بطبيعة فطرتهم التي خلقوا عليها متفاوتون في القوى الجسمية والعقلية ومتفاوتون في إشباع الحاجات، فالمساواة بينهم لا يمكن أن تحصل»([2])، ومن ثمّ فإن نظام الخلق تحكمه سنّة التفاضل لا التساوي، فشعار المساواة بصيغته التعميميّة يتنافى مع نظام الخلق وهو مطلب مناقض للعدل إلا في بعض الأحوال وهي التي يقتضي العدل فيها بالتساوي، فالإسلام يحمل ويحمي مبدأ العدل ومبدأ الإحسان.
ولا يقر المساواة على اعتبارها مبدأ عاماً وقاعدة مطردة، وإنما يقرها حينما يقتضيها العدل. وإنما يقتضي العدل المساواة حينما يكون واقع الأفراد واقعاً متساوياً تماماً في كل الصفات أو تكون المساواة في الصفات التي كان فيها التساوي دون الصفات الأخرى المتفاضلة فيما بينها»([3]).
فالإسلام يقوم في الحقوق والواجبات على مبدأ العدل لا على مبدأ المساواة، وفي بيان الواقع على ما هو الحق في واقع الحال لا على التسوية مطلقاً وإن كان الواقع متفاضلاً، فلا يمكن أن يستوي الحق والباطل والخبيث والطيّب والعالم والجاهل.
فما هي تلك المساواة التي ينشدها المعجبون بالغَرْب من رجال ونساء؟ هل يريدون أن يصب الرجال والنساء في قوالب اجتماعية واحدة فيتحرك الكل بنسق واحد، وينطلق الكل إلى واجبات محددة واحدة، ثم يتقلب الكلّ في نعيم مكرر لحقوق لا تخضع لأي تنوع أو تمايز، بحيث تسقط مما بينهم فوارق القدرات والامكانات ويظهر الجميع وكأنهم أحجار مرصوفة في حجم واحد وتربيعات واحدة؟
إن المساواة التي ينشدها الغَرْب « هي هذه المساواة الآلية الحرفية، فبوسعهم أن ينشدوها ويبحثوا عنها فيما تنتجه المخاطر الآلية فقط، أما في عالم الأناسي فحتى الرجال فيما بينهم والنساء فيما بينهن، بل حتى الطبقة الواحدة في مجتمع الرجال والطبقة الواحدة في مجتمع النساء، إنما يتساوون من حيث إنسانيتهم الواحدة، في مبدأ تحمل الواجبات ومبدأ ممارسة الحقوق ثم إنّهم يتفاوتون في ذلك كلّه تفاوتهم في القدرات والملكات والاختصاص والامكانات، فالتساوي المبدئي ناظر إلى وحدة الإنسانية فيما بينهم جميعاً، والتفاوت التطبيقي ناظر إلى الحكمة الربانيّة التي اقتضت بعد ذلك أن يتفاوتوا في القدرات ويتنوعوا في الخصائص والملكات»([4]).
وعلى هذه النظرة شرّع الشَّارِع التكاليف الشَّرْعية، و أناط الحقوق والواجبات للرجال والنساء، فحين تكون التكاليف الشَّرْعية أي الحقوق والواجبات حقوقاً وواجبات إنسانية تجد الوحدة في التكاليف الشَّرْعية، فلا تباين ولا اختلاف بين الرَّجُل والمرأة في الحقوق والوجبات، وحين تكون هذه الحقوق والواجبات وهذه التكاليف الشَّرْعية تتعلق بالذكورة والأنوثة وبطبيعة كل منهما في الجماعة وموضعه في المجتمع، تكون هذه التكاليف الشَّرْعية متنوعة بين الرَّجُل والمرأة لأنها لا تكون علاجاً للإنسان مطلقاً، وإنما علاجاً لنوع من الطبيعة الإنسانية هي الذكورة والأنوثة.
ولذلك جاء الإسلام بأحكام متنوعة خصّ الرجال ببعضها وخصّ النساء ببعضها، وميّز بين الرجال والنساء في قسم منها وأمر أن يرضى كل منهما بما خصّه الله به من أحكام ونهاهم عن التحاسد وعن تمني ما فضّل الله به بعضهم على بعض، قَالَ تعالى : ] وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [([5]). وهذا التخصيص في الأحكام ليس معناه عدم مساواة، وإنما علاج لأفعال الأنثى باعتبارها أنثى وعلاج لأفعال الذكر باعتباره ذكراً وكلها قد عولجت بخطاب يتعلق بأفعال العباد.
فموضوع الحقوق والواجبات، أي التكاليف الشَّرْعية، قد شرعها الله للإنسان من حيث هو إنسان، ولكل نوع من نوعي الإنسان: الذكر والأنثى، ولكن باعتباره نوعاً من أنواع الإنسان له صفة الإنسانية وصفة النوعية عند التشريع، ولا يراد تمييز أحدهما عن الآخر كما لا يلاحظ فيها أي شيء من أمور المساواة أو عدم المساواة بين الرَّجُل والمرأة موضع بحث وليست هذه الكلمة موجودة في التشريع الإسلامي([6]) بل الموجود هو حكم شرعي لحادثة وقعت من إنسان معين سواء أكان رجلاً أم امرأة.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) النَّبَهَانِيّ: النِّظَام الاجتماعي في الإسلام، ص(78).
([2]) النَّبَهَانِيّ: النِّظَام الاقتصادي في الإسلام، ص(49).
([3]) حبنكة الميداني، عبد الرحمن حسن: كواشف وزيوف في المذاهب الفِكْرية المعاصرة، ص(232).
([4]) البوطي: المرأة بين طغيان النِّظَام الغَرْبيّ ولطائف التشريع الرباني، ص(95).
([5]) النساء / 32.
([6]) المساواة نظرية إلحادية، وشعار من الشعارات التي أطلقتها الماسونية، تضليلاً للناس وفتنة لهم لتقوم الصراعات بين الأفراد وبين الطبقات مطالبين بتحقيق المساواة المنافية والمصادمة لقانون الحق والعدل. وقد زحف هذا الشعار إلى أدمغة مفكرين وعلماء وكتّاب فجعلوه في مقولاتهم أحد المبادئ الإنسانية الصَحِيْحة وأحد المبادئ الإسْلاميَّة المجيدة غفلة منهم وانسياقاً مع بريق الشعارات التي تروجها وسائل الإعلام المضللة. وتحت هذا الشعار الخادع أخذ الجاهلون يطالبون بمساواة النساء مع الرجال في كلّ شيء.
انظر حول هذه المسألة:
1- حبنكة الميداني، عبد الرحمن حسن: كواشف وزيوف في المذاهب الفِكْرية و المعاصرة، ص(231).
2- النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين : النِّظَام الاجتماعي في الإسلام، ص(77-78-84).
3- أبو زيد، بكر: حراسة الفضيلة، ص(21).
__________________
والله لن تصل إلى مطلوبك بغير الله فكيف تصل إلى الله بغير الله؟؟!!
الشيخ المغامسي
00000000000000000000000000000000000000000
اصبر ياقلبي اصبر وخل الحزن مكتوووووووووووووووووووووم[/size]
التعديل الأخير تم بواسطة خادمة القرآن ; 15-04-2008 الساعة 10:46 AM.
|