ما اتفقت كلمة مثقفي الأمة في عصرنا على شيء مثل اتفاقها على أن الأمة الإسلامية في سائر شعوبها، وفي مقدمتها الشعب العربي بكل جدارة، تعيش أزمة فكرية، تتجلى في شكل غياب ثقافي، وتخلف علمي وكسوف حضاري. وهذا الحس بالتأزم، أدى بطبيعة الحال، إلى طرح عدد من مشاريع النهوض والإصلاح المختلفة، لكنها لم تستطع في كثير من الأحيان أن توصل إلى أهدافها وغاياتها المرجوة.
بعض هذه المشاريع تأثرت سلبا بالتقدم الحضاري الغربي، وبما يروجه بعض الغربيين من أن الثقافة الغربية ثقافة عالمية في كل أبعادها. وهذا الاعتقاد بعالمية ثقافة الغرب هو من أخطر نتائج الاستلاب الثقافي، إذ نجح الغرب نجاحا كبيرا في جعله إيمانا راسخا وقناعة تامة في عقول وقلوب ملايين المتعلمين في سائر أنحاء الأرض لأسباب كثيرة. وكان من نتائج هذا أن كانت مشاريع هذه الفئة قد بدأت في إبادة المؤسسات الخاصة بالأمة وإحلال مؤسسات وأفكار مستوردة من نسق حضاري آخر محلها، لتبدأ حالة قلق نفسي واضطراب فكري وتذبذب حضاري وتصدع داخلي، بلغ غايته في كثير من بلداننا المسلمة.وعلى كل حال، فالأمر طبيعي ولا يخالف السنن بحال، فهذه النتائج لم تكن لتتم لولا وجود ضعف جلي في كافة المشاريع الإصلاحية الإسلامية بدون استثناء. ويأتي هذا مصداقا لقوله عز وجل "قل هو من عند أنفسكم".
لذلك تسمع بين الحين والآخر عن بعض المبادرات والمؤتمرات التي ينشأ عنها تأسيس بعض المؤسسات والمراكز المعنية بسد بعض الثغرات وتصحيح المسارات. وهي تكون في الغالب محملة بشعارات جذابة مثل "التجديد"، “الترشيد"، "الإحياء"، "الوسطية"، "إسلامية المعرفة"، "النهضة"، “التعايش"، "الخطاب الديني" إلى آخر هذه المسميات التي لم يعد الإنسان قادرا على ملاحقتها لكثرتها. وبعض هذه المبادرات قد قطعت أشواطا لا بأس بها وكان لها انتاجات محمودة، والبعض الآخر لم يستطع أن يجد وسيلة للانتشار واختراق عقول الجماهير أو تفعيل مشروعه على نحو يجعله مستحقا للدعم والتأييد.
ومن المصطلحات التي ظهرت في بداية القرن الماضي، وانتشرت في الآونة الأخيرة، هي "المقاصد الشرعية"، وجاءت عدد من المبادرات التي تحاول إقناع المسلمين بضرورة الاهتمام بـما يسمى بـ"فقه المقاصد"، وأنه من أهم وسائل التجديد المنضبط والذي قد يخرج الأمة من نفق الجمود. وحظي هذا الأمر باستقبال جماهيري لا بأس به في الآونة الأخيرة، فلا تكاد تدخل اليوم منتدى من المنتديات الكبيرة حتى تجد أنها قد كانت محضنا لأكثر من جدل حول هذا الموضوع بالذات، ولا يصل المتحاورون في النهاية إلى نقاط اتفاق حول هذا الموضوع.
جانب من الأزمة يرجع إلى كون بعض من يتبنى الاهتمام بهذا المشروع قد كانت له مبادرات جريئة في تجاوز ما هو قطعي في حكم الأصوليين، وهذا ما أسس حاجزا نفسيا كبيرا يقف ضد هذه المبادرة ويجعل مقاومتها دفاعا عن الدين، وقد جرى في كثير من الأحيان وصف كل مهتم بالمقاصد بأنه "عصراني"، وهو تصنيف شائع بين أوساط السلفيين لمقاومة مثل هذا.
لكن البعض يرى أن اعتراضات هذه الفئة قد يكون أساسها في كثير من الأحيان غير موضوعي، خصوصا أنها تخلط كثيرا بين ما هو قطعي في حكم الشرع وما هو قطعي في حكم التقاليد، والبعض يرى أن عزوف هذه الفئة عن قراءة مثل كتاب "الموافقات" للإمام الشاطبي يرجع إلى ما صدره الشيخ عبدالله دراز في مقدمة الطبعة المشهورة والمتداولة من أن اهتمامه بالموافقات قد نشأ بطلب متكرر من الشيخ محمد عبده رحمه الله!
ولسنا نقصد بهذا عدم تحميل "المقاصديين" جزءا كبيرا من المسؤولية، فالناظر في كثير من الأبحاث الفقهية المعاصرة لا يكاد يجد فيها أي إشارة واضحة إلى استخدام أدوات مقاصدية بصورة علمية جيدة وهو ما يميت كل دافع إلى الاهتمام بهذا العلم. ولعل من المناسب أن أضرب مثالا توضيحيا: إذا سمع الإنسان فتوى سيجد المفتي يشير إلى مصطلحات مثل "المطلق", "المقيد"، "المرسل" وغيرها، مما يجعل المستمع يهتم بمؤلفات مثل "الورقات" و"نخبة الفكر". ولأن الفتوى والدراسات الفقهية عندنا لا يظهر فيها غير هذا، لا يجد طالب العلم في نفسه دافعا لتجاوز مؤلفات بسيطة جدا مثل الورقات ونخبة الفكر إلى ما هو أكثر تعقيدا حتى على مستوى أصول الفقه ومصطلح الحديث، فكيف بالمقاصد؟!
هناك قراءة تقول إن الاهتمام ب"المقاصد" هو مجرد استناد مؤقت على شيء "تراثي" مهجور وضبابي لإعطاء المشاريع الإصلاحية الإسلامية بعض الجاذبية التي تفقدها أحيانا أثناء مواجهتها لمشاريع تحمل أفكارا أكثر إغراء وفعالية. وهذه قراءة تفسر هذا الاهتمام بأنه مجرد ردة فعل تقتضيها ظروف المرحلة ولوازم "الحشد" و"الاستيعاب"، و لن تتقدم في مسيرتها البنائية كثيرا، وأنها ستفقد أهميتها متى ما حضرت مفاهيم أخرى لها قابلية البناء والاستمرار!!
ضيف المنتدى هذه المرة هو أستاذنا الحبيب الدكتور مسفر القحطاني رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن والكاتب في مجلة وموقع الإسلام اليوم وغيره. لضيفنا عدد من الأبحاث ومشاركات في عدد من المؤتمرات في عدد من البلدان الإسلامية، كما أن له مشاركات إعلامية مرئية على قناة المجد وغيرها. وهو معروف بينكم
ضيفنا يعتبر من أشهر المهتمين بفقه المقاصد، ولذلك وضعت هذه المقدمة الطويلة التي تحكي جانبا من الجدل حوله، لكن اهتماماته أيضا تتعدى إلى كثير من المواضيع الحيوية والحساسة والتي نستطيع أن نجدها في مقالاته مثل استشراف المستقبل والاهتمام بالوعي الديني وإعادة النظر في بعض الاجتهادات التي تخص قضية المرأة. والذي أعرفه، أن مقالاته تكاد تحظى بالاستقبال والاهتمام الأكبر بين عدد من كبار الأعضاء والمشرفين عندنا. ولذلك أتمنى أن يسير اللقاء على أحسن حال. رحبو معي بأستاذنا الدكتور مسفر القحطاني حفظه الله. والباب مفتوح لاستقبال آرائكم وأسئلتكم، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
علي الحمدان
25\3\2008
__________________ أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا
آخر تعديل علي الحمدان يوم
26-03-2008 في 12:35 AM.
الأعضاء 10 يشكرون علي الحمدان على هذا مشاركته المفيدة:
كل الشكر و التقدير لك يا علي على هذه المقدمة الجميلة و الثرية ، و على حرصك لإتمام هذا اللقاء المتميز .
يا هلا و مرحبا
حياك الله د. مسفر .
و كم أنا سعيدة بقبولك الدعوة و كم يسعد منتدانا ويتشرف حقاً باستضافة شخصية مثلكم و نحن دوماً في شوق لانتظار مقالاتكم و كله ما تخطه يمينكم .
هذا ترحيب أولي يقتضيه مقامكم الكريم ، و إلا فلي عودة محملة بأسئلة من عيار الخفيف و الثقيل ، و لا بأس من المتوسط أيضاً ، فالتعددية مطلوبة .
فانتظرونا.
أختكم
غادة احمد
__________________
أعربنا الكلام فما نُلحن
و لحنّا في الأعمال فما نعرب !
أهلاً وسهلاً بالدكتور مسفر نسعد بحضوره معنا ونتمنى له قضاء وقت مفيد مع أسئلة الأعضاء ومداخلاتهم ..
وشكراً أستاذ علي على هذا الجهد المبارك ..
__________________
ليكن في سيرتك وسريرتك من النقاء ، والصفاء ، والشفقة على الخلق ، ما يحملك على استيعاب الآخرين ، وكظم الغيظ ، والإعراض عن عرض من وقع فيك ، ولا تشغل نفسك بذكره ، واستعمل : " العزلة الشعورية " .فهذا غاية في نبل النفس ، وصفاء المعدن ، وخلق المسلم .وأنت بهذا كأنما تُسف الظالم المل .والأمور مرهونة بحقائقها ، أما الزبد فيذهب جُـفاء .
الحمد لله أن قبل د . مسفر القحطاني الاستضافة ، وهذا مما يسعدنا جميعاً .
حياكم الله وبياكم د . مسفر ونسأل الله أن يبارك فيكم وفي اللقاء وينفعنا وإياكم به
والشكر للأخ : علي الحمدان على سعيه في حصول هذه الاستضافة ، والشكر موصول للإدارة الكريمة وجميع المشرفين والمشرفات .
هذا فقط رد للترحيب و تثبيت الحضور ولنا عودة إن شاء الله .
حياكم الله مرة أخرى .
__________________ .
يا الله
أنت القدير على جبري بوصلك لي = أنت العليم بأسراري الخفياتي
أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي = جد لي بفضلك وأصفح عن خطيئاتي
وعبدك المشتكي والمرتجي فرجاً = يا سامع الصوت فأسمع شكياتي