دموع الصفاء
السماء خالية من أي أثر لسحاب ،سوى أمل جمل في أن ينزل المطر اليوم ،ساقه إلى أن يتجه هو ووالدته، في اتجاه المرتفعات ،يكبر الأمل في ذاته كبر هذه الجبال الشاهقة ، يتحدث احمد عن أمنيته ،أتمنى يا أمي أن أرى المطر وقد عم ،وقطرات الماء،قد أنشدت حداءها الجميل ،وتلك الأغصان اليابسة ،قد تراقصت وتمايلت فرحا بقدوم ذلك الغائب ،الذي سيجعلها تزهو بعد الذبول .
ولكن ياولدي لا أرى السحب ،أرجوك توقف ،أرني إياها ،اربد أن أرى البشائر ،لعلي استطيع أن أرسل زغاريد الفرح .
تتمعن في السماء لا ترى شيئا ،تقول ضعف نظري يا أحمد ،لا يا أمي بل إن السماء صافية ، ولكنها ملبدة بالأمل .
تنسكب الدموع على وجنتيها ،لأنها لا ترى البشائر،ولكنها ترى العدم ولا شيء سواه ،
ما الذي يبكيك يا أماه ؟ إن الصفاء لا يبعث على الحزن ، الصفاء مطلب وبعده تتحقق الآمال ، أليست تلك وصيتك لي ،فهل نسيتِ يا أماه ؟ لم أنس ياولدي ،ولكن الصفاء الذي نبتغيه هو صفاء الأرض ،وليس صفاء السماء . صفاء السماء يابني أنه تسامى ،على الدون ،ولكننا ما دمنا في الدونية ،فإننا بحاجة إليه ،تصفو به قلوبنا ،ونتراحم بيننا ، وندعو خالقنا ،فيستجاب لنا.
الصحاري المقفرة تتحول إلى جنان خضرة ،والطيور الحزينة تسمع منها شدو الفرح والابتهاج .
إذا حل الصفاء تحتفل الأرض والسماء ،تقيم مشهدا من مشاهد الشوق والالتقاء ،قل أن تراه إلا في أخيلة العاشقين .
بعد الصفاء نرى البهائم الهزيلة وقد عادت إليها القوى ،واستمر نسلها ودر ضرعها.
لو أن الصفاء يابني سلعة تباع ،لا شترتها الأمم ،بكل ما تملكه ، وما لا تملكه ، لأنه الحياة ،الحياة الفانية ،والحياة الباقية .
الصفاء لغة يسهل نطقها ، ولكن يتلون فهمها بحسب الميول والاتجاهات ، كل قد يوظفه لغايته ،وكل يدعيه ،وكلً يغضب إذا نفيناه عنه .
السماء التي أراها صافية يا أحمد ، وتراها بأملك ملبدة بالغيوم ، هي بالفعل ملبدة ،ولكنها ملبدة بعبث الإنسان ،بسطوته الطاغية ،ببثه الرذيلة ،وإقصاء الفضيلة ،بصوته المزعج الذي لا يرى إلا ماتراه ذاته فقط ،قل أن يستمع لصفاء كلمة طيبة توحد شعث أمته ،وتنقلها من الغثائية إلى المساهمة الفاعلة المستحضرة لحقيقة الاستخلاف ،ومعنى الشهود.
تنهمر الدموع من عيني أحمد ، ويعيد أمنيته داعيا ( اللهم هذا صفاء دموعنا ، فاغسلها اللهم بصفاء غيثك آمين آمين )
|