الفصل الثالث عشر
مُنظمة فرس البحر
[... كائن تكمن وراءه العديد من الأسرار..وله صفة فريدة فدائماً يرفع رأسه ويضم أرجله أمامية ويقف وقفة ابتهال وتعبد للخالق عز وجل..[
انتهت الحفلة وصممت بسمة أن تذهب لبيتها استعداداً للامتحان في يوم الغد وافقت سهام بسمة شريطة أن تصطحبها، وكأن بسمة تريد أن تتملص من سهام بحجة المراجعة، ولكن سهام وبذكائها المعتاد أقنعت بسمة بأنها لن تشغلها عن الاستذكار وأنَّها متشوقة لرؤية بيتها ورفقتها، ورافقت سهام بسمة حتى تطمئن أن الأزمة عدَّت بسلام ولا تعود لشقيقتها.
دخلت الأختان البيت ... ثم أبدت سهام شدة إعجابها بذوق شقيقتها الراقي و بالتغيرات التي أجرتها بسمة على بيتها قائلة لها:
- تغير رائع يا بسبوسة بيت عصري.
أصبحت سهام
تتجول بالبيت مبهورة بقطع الأثاث والإكسسوارات ثم قالت لشقيقتها:
- ولكن من أين أتتك هذه الفكرة؟ تصميم البيت حيطانه وأثاثه وإكسسواراته بهذه الغرابة المبهرة يا بسمة؟
ردت بسمة على سهام بثقة رافعة حاجبها إلى الأعلى قائلة:
- حتى تعرفين أن أختك ليست هينة....وارتفع صوتاهما بالضحك .
- ولكن ما هذا الكائن الغريب يا بسبوسة؟
-
إنه فرس البحر يا أختي سهام. :
- واو مشاء الله يا بسبوسة شيء رائع روعي في كل التَّصاميم وجود فرس البحر المظلات البراويز فتحات النوافذ نافورة المياه حتى أحواض الزرع، وما يزيد البيت جمالاً وغرابة أنه كائن غريب. وبل يمكن أن يكون نادراً اقتباسه في الجانب الفني. كيف خطر على بالك يا بسبوسة؟
- هذا الكائن يا أختي سهام يعيش داخل سراديب وتحت الأحجار المرجانية ومع هذا يأخذ ما يريده بقوة....
ثم تقدمت بسمة خطوات إلى أن وقفت في منتصف قوس يفصل الصالة الكبرى عن الأخرى المطلة على نافورة، وقد وقف على أطراف القوسين فَرَسَا بحرٍ و قد تَشَابَكا رأسيهما من أعلى ، ثم قالت بسمة:
-
هذا ذكر فرس البحر يا أختي سهام.:
وحدقت بسمة نظرها في فرس البحر طويلاً وكأنها نسيت بأن سهام بجوارها ثم تنبهت لذلك، ثم تابعت قائلة:
-
هذا ذكر فرس البحر وهذه التي أمامه زوجته، وبعد أن تنتهي عملية التزاوج مباشرة تفصل الزوجة الرأس بضربة واحدة، فيموت الذكر أبشع ميتة.
ساد الصمت قليلاً ثم قاطع هذا الصمت صوت سهام قائلاً:
- سبحان الله...ولكن ما يذهلني حقاً والغريب كيف خطر على بالك هذا الكائن وكيف تعرفين عنه كل هذا؟ ولماذا هذا ال***** بالتحديد؟! أنا شبه متأكدة أنه لم يفكر أحداً بهذا الكائن من قبل. بحيث يشغل حيزاً لتصاميم فنية مثل الطواويس،والطيور، والفيلة، والخيول. هل اقتبست هذه الفكرة من أحد يا بسمة؟
ردت بسمة على سهام بصوت ضاغط على الحروف وعينين مبحلقتين محاولة بلع كلماتها وتخبئة حروفها، وبرأس قد أثقلته مؤخرته حتى أسقط بكاهله على حافة بطن الفرس الذي كان خلفها قائلةً:
- الفكرة أعجبتني يا أختي سهام منذ عرفت
أن فرس البحر هو الكائن الذكري الوحيد الذي يُكوى قلبه على ولده فيموت قبل أن يراه، ولا يمكن أن يعيش مع ابنه!! والأنثى هي فقط يكون لها الحق بالأمومة. والمرأة من بني البشر هي فقط من تتألم دائماً بالحمل و مخاض الولادة ثم يُسلب منها وريدها وتبقى بلا دماء، قد تكون هذه أمنية مني أن يشاطر الذكر الأنثى في تلك الآلام.
ردت سهام على بسمة بشعور ممزوج بدهشة وحزن، تريد تفسيراً لهذه الألغاز.
- أأنت تقولين مثل ذلك يا بسمة!! فكيف بك لو كان عندك أربع أولاد أو أكثر وأخذهم والدهم منك غصباً!! أو مات لك ولد !! فأحمدي الله. وألم نتفق يا بسمة
أن التفكير الايجابي مفتاح السعادة، وتغير العقلية يؤدي إلى نتائج مختلفة، ومعنى آمنت بكلمة التوحيد أتلقى الطاعة المتناهية لقضاء الله وقدره؟. وإذا كان يؤلمك أنك لم ترزقي بأولاد بعد، فقدرة الله فوق كل قدرة، نحن دوماً نستعجل الأمور ولا ندري أين الخير. ]
ثمَّ تقدمت سهام نحو عريش
بشكل إخطبوط وبه باراً قد ملئته الكؤوس والقوارير الصغيرة والكبيرة والنحيلة والطويلة، وضوته الشموع بعتمة كثيفه، وكساه السواد بإكسسوارات داكنة تحجب الضياء الخفيف الذي ينبعث من جوانب الأشياء، تلمست سهام ما ملئ أحواض البار مسحوق قهوة، لفافات سجائر، أوراق ليمون وأشياء كثيرة لا تعرفها، ونظرت إلى بسمة بعينين تتحدثان بحديثٍ تطول في شرحه الكلمات...؟
ولكنه سبق صوت سهام صوت بسمة قائلة لها:
- هكذا أصبحت معظم البيوت العصرية يا سهام لا بد وأن تحوي باراً له دلالة رمزية مهمة للشباب في الحفلات الراقصة للتسلية فقط. هذا العريش من تصميمي أيضاً يا سهام يشعرك أنك في غابة ولكنها في وقت الخريف، وتناثر الأوراق تحت العريش يزيد المكان واقعية، أتعرفين أغنية أم كلثوم التي تقول فيها: "تناثرت أيام هذا العمر كما تناثرت الأوراق حول الشجر، هكذا نحن الشباب......"
لم تعلق سهام على كلام بسمة وشعرت أن نظراتها كانت تكفي لإرباكها أكثر مما هي فيه، بل أنها أشفقت عليها مما حصل بها من تخبط في الكلام وانتقلت إلى زاوية أخرى وبابتسامة كاذبة، وبخطىً تعاندها على اكتشاف المزيد بصحبة شقيقتها تجبر خطاها على الزحف تجر بها خيبة بعد خيبة ..... وبصوت يتمرد على الحروف قالت سهام لبسمة :
-....أحم أحم..... ورفعت رأسها وهى تتحدث حتى تبتلع عينيها الكلمات، وحتى لا تتلاقى النظرات فتفضح هذه هذه وتصيد هذه هذه....قائلة: رائعة يا بسبوسة تنم تناسق الألوان على أن في داخلك فنانة رائعة ولكنك تركزين على الألوان الباهتة كنت تحبين لون الربيع، أما زلت ترسمين يا بسبوسة؟؟؟؟؟
- أزاول هذه الهواية من حين لآخر وأحياناً كثيراً أمزق ما أرسمه، لا أحب الاحتفاظ بالصور واللوح أتخلص منها فوراً.
- أنا عكسك يا بسبوسة لأحب التفريط حتى بقصاصة رسمت عليها فكرة، أين مرسمك إذن؟!! أما زال في البدرون؟!! كم نصحتك بتغير مكانه خوفاً عليك من رائحة الألوان.
ارتبكت بسمة في الرد على سهام وغيرت مجرى الحديث ومسكتها من يديها وطلبت منها الصعود للطابق العلوي استعداداً للنوم.
كانت سهام تشعر أن بسمة تخفي في البيت شيئاً ما لا تريدها أن تراه، راودتها الشُّكوك وأرادت أن تقطع الشك باليقين. وبعد أن اطمأنت سهام أن بسمة قد غطت في النوم قامت تتجول في البيت، بدأت بالطابق العلوي، لم تجد به أي شيئٍ غير طبيعيٍ، نزلت سهام وإحساساً كبيراً يمتلكها بأنها سيفاجئها شيئٌ في البيت. تجولت في الطابق السفلي، ولم تجد أي شيء كذلك، تقدمت خطوات بترددٍ شديدٍ في النزول إلى البدرون، لأن بسمة ركبت باباً له، وبعدها صممت النزول ولكن للأسف وجدت الباب مقفلاً. فتََر الحماس في نفس سهام لمعرفة ما في البدرون لأنها لم تستطع أن تحل عقدة المفتاح عادت سهام للصعود مرة أخرى.
استيقظت سهام مع بسمة في الصباح وكأنها قد نامت لتودعها قبل ذهابها للجامعة. وهما تفطران أخترق أذنيهما دوي انفجار وطلقات رصاص ركضت سهام نحو التلفاز وفتحته، لم تجد ما يفسر لها وأخذت تقلب في القنوات وبعد قليل يصعق سهام خبر انفجار في الخبر بـمركز الواحة على أيدي الإرهابيين، أي أنه قريب منهم.
تسمرت بسمة لثوان معدودة تنظر في الصور المعروضة دماء ودمار، زجاج نوافذ محطمة وركام غبار يكسو كل الأشياء. وفجأة تشنجت يداها وتعكف ظهرها في انحناءة خفيفة، وصرخت صرخة دوت في زوايا البيت وكأن أحداً يصرخ من معدتها بمكبر يفوق صوت الانفجار الذي اخترق مسامعهم، وتلاها صرخات وصرخات رُعبت سهام من منظر بسمة، ملامحها تتغير عيناها تصبح أكثر بروزاً وكأن أحداً يعتصرها.
ركضت سهام مذعورة من حالة شقيقتها إلى الهاتف تحدث أخاها بسام ليساعدها ولكنه خذلها بقوله :
- أنت إنسانة فاضيه جايتنا تمتحنينا ببسمة وبمشاكل بسمة أنا ما صدقت ابتعدت عنهم وارتحت منهم دبري نفسك خلي هالتيس زوجها وينه يوديها....
لم يكن بمقدور سهام تهدئتها على الإطلاق،
وحالة الهيجان التي اعترت بسمة تحول دون حملها للمستشفى مع السائق، وبعدها لجأت إلى أخيها باسل...ليحضر طبيب بسمة ، وخابرت سهام طبيب بسمة المعالج تترجاه الحضور لأن حالة بسمة سيئة للغاية.
لم تستمر حالة
بسمة هكذا طويلاً بل ركضت باتجاه البدرون, أخرجت ميدالية مفاتيح وفتحت باباً بعده باباً وآخر وآخر.....ثم تسللت إلى ظلام قاتم عندها توقفت خطى سهام، ولم تتابع سهام خطوات بسمة بل وقفت تنتظر باسل والطبيب، ازداد رُعب سهام لمنظر شقيقتها وهي تسير وكأنها عجوز بخطوات متخبطة وظهرٍ منحنٍ وصوت يقشعر السَّامع لم يكن صوت بسمة الأنثوي الناعم كان صوتاً
خشناً محشرشاً يتخلله شخيرُ مخيف.
وصل باسل والطبيب، لم يكن هناك كهرباء في المكان الذي تسللت إليه بسمة، اتجهت سهام نحو البار وأخذت منه شموع وأضاءتها. ودخلت مع الجميع ينزلون السلالم بحذرٍ شديد ولأنهم في كل مرة يصدمون ببابٍ جديد استغربوا الأبواب الكثيرة التي بدت
لهم ...كان البدرون يبدو وكأنه مغارة أو كهف تسكنه الأشباح وصدى صراخ بسمة الخشن يزيد المكان رعباً.
كانت بسمة تصرخ بدوي يتبعه الصدى قائلة:
- أبي مات قتلوه المقنعون......آه آه آه.....
التفت الطبيب على الفور إلى سهام هامساً:
- هل الوالد توفى في هذا الحادث؟
فأجابته في رعب لا!!! ولكن يا دكتور أبي توفى منذ سنوات... ولكنه في حادث مماثل في انفجار إسكان الخبر وكان وقت امتحانات الساعة العاشرة ليلاً.
وتابع الطبيب:

-هل كنتم تسكنون في ذلك السكن؟
- لا ولكن كان أبي في زيارة لضابط صديقه كان يسكن هناك ولشدة الانفجار تحطمت النوافذ وسقطت معه ستارة كانت تعلو رأسه وتوفى في الحال -رحمه الله-.
تسللوا المكان وأخيراً بدت بسمة من بين ركام أثاث غير واضح المعالم، وتزيد الظلمة الأشياء طولاً مرعباً، وكانت ملتفة بعباءة سوداء وتجوربت بالسواد، قفازات وجوارب للقدمين. وحينما رأت الداخلين عليها صرخت ناهرة لهم متحدثة بلغة عربية فصيحة:
-
أخلعوا نعلكم إنكم في مكان مقدس....
الخوف جعل الجميع يستجيب لها، قالت لها سهام:
- يا بسمة ...لم تكمل سهام حتى صرخت بسمة في وجه سهام :
- أنا
لست بسمة إن بسمة ضعيفة إيمان أكرهها كافرة فاجرة داعرة تحب الرذائل أنا الزُّهد أنا المؤمنة التقية أُصلي ولا أشرب خمراً ولا أراقص الرجال ولا أدخن وليس لي أي صلة بالحضارة التي تعرفها تلك الفاجرة أرأيت مخدعي حصير؟ وزادي الماء واللبن والتمر، لا أملك من الدنيا سوى هذا الثوب الحقير أستر به جسدي، أريد الآخرة.
قاطع الطبيب صوت بسمة المشروخ رحمة بحنجرتها من التَّمزق، شعر وكأن الدماء تترقرق مع الكلمات وقال لها:
- حسناً يا الزهد أتسمحين لنا بالدخول نحن نكره بسمة مثلك نحن نخاف الله....
- نعم ادخلوا إن كنتم على ديني وتُكفرون هذه الفاجرة. ولكن هيا فليتوضأ الجميع ولتصلوا معي....
أشار لهم الطبيب أن يستجيبوا لأوامرها كانت تريد منهم أن يتوضئوا بطريقة بدائية من طشت ملئ بالماء، ثم أذنت بصوت عالٍ وصلت بهم، وبيديها مسواك تحمله حتى في الصلاة ثم تتحدث إليهم بأمور لها علاقة بالحرام والحلال، ثم تعود للصلاة وبصوت مشروخ تارة تتحدث وتارة أخرى تصرخ. ويتكون حول شفتيها زبداً أبيضاً، ثم تشرب ماءً تصبه بيديها من الطشت ذاته الذي تتوضأ منه كل مرة تريد الصلاة.
رحمت سهام شقيقتها وهي تشرب من ذلك الماء الوسخ وقالت لها:
- سأحضر لك كأساً لتشربين منه...
وما أن قالت سهام ذلك حتى عاود بسمة الهيجان، وأخذت تسعر وتصرخ في وجهها قائلةً:
- أدوات الكفار حرام لا استخدمها مثل بسمة....
لاطفها الطبيب حتى هدأت ثم حقنها بإبرة مهدأة ونامت.وقال الطبيب لسهام:
- يبدو أن بسمة بها فصام وجداني، اكتئاب يصيب المريض نتيجة لخسارة أو فقدان عزيز أثناء طفولة المريض.
حملق باسل في الطبيب وهو يتحدث وقال له:
- أجنت بسمة يا دكتور؟!! قد يكون وراثة يا دكتور إن جدي؛ والد أمي أصابه مرض مشابه لهذا، وبسمة لم يظهر عليها عوارض للمرض من قبل وكانت شخصية محبوبة ورائعة تحب الرقص والمرح...
رد الطبيب على باسل بلطف وطمأنه قائلاً:
- إن بسمة مريضة وستشفى بأذن الله، والفرد المهيأ للفصام ولد مهيئاً بجهاز عصبي ومورثات لها الاستعداد للفصام، ولكن لسوء حظ بسمة لابد وأنها نشأت في بيئة ساعدت كثيراً على اكتساب أعراض الفصام.
وتابع الطبيب كلامه وهو ينظر إلى المدخل الذي تسللوا منه...
- ولكن السؤال لماذا لجأت بسمة إلى هذا المكان المخيف ولماذا كل هذه الأبواب؟
وقف الطبيب وهو يحدث باسل وأخذ يلتفت يميناً ويساراً محاولاً اكتشاف المكان قائلاً:
- إن الشخصية الفصامية يا باسل تستطيع النَّجاح في حياتها العامة، ويختار لنفسه الوظيفة المناسبة والشريك الملائم والعكس صحيح ...وفي الحقيقة هو ليس مرضاً في الإطار الطبي مثل الزكام والمغص، ولكنه نوع من الاغتراب يختلف عن الشُّعور الاغترابي المتداول، فالفصام حقيقة اجتماعية وحدث سياسي، يؤدي إلى الانطواء، وأحياناً إلى سلوك إجرامي مضاد للمجتمع ...ببساطة يترعرع مع الحضارة.

بعدما تأمل الطبيب الأبواب زاد حماسه لمعرفة سر مرض بسمة، وسر لجوؤها إلى هذا المكان المرعب؛ لذلك تجول في المكان يتأمل وينظر حوله..يجد خيمة، سجادة وفي آخر المكان رسومات اقترب الطبيب منها وسلط عليها ضوء الشمع كانت جميع الرسومات بها صورة امرأة تكررت في كل الصور، وفي كل صورة مجرمة بطريقة مختلفة مرة بصورة تقتل رجلاً، ومرة تخنق طفلاً، وأخرى بشكل ساحرة..... طلب الطبيب من سهام مشاركته النظر في هذه الرسومات الغريبة لأنها قد تكون مفتاحاً لحل لغز لجوء بسمة لهذا المكان ؟

نظرت سهام إلى الصور ركزت أكثر وأكثر ... قتلها منظر تلك الصور؛ لأن وجه والدتها كان يتكرر بصورة بشعة مرعبة في كل صورة...بلعت سهام صدمة ما رأت وكأنها سكين بالعرض نشبت في حلقها، وقالت للطبيب:
- يبدو أن بسمة كانت مولوعة بالسريالية في فنها فهم لا يرسمون سوى ما هو عجيب...
واستدار الطبيب إلى سهام قائلاً:
- ولكن إن كانت بسمة من رسمت هذه الرسومات فإنها محاكاة للوعي الباطن فهذه الصور كحال التحليل النفسي والتنجيم. هل بإمكانك أن تقولي لي ما الذي يميز السريالية؟
- حسناً يا دكتور ..نتيجة لإرهاصات نفسية واجتماعية اجتمعوا مجموعة من الشعراء الألمان لما يعانونه من قلق وخوف وتلاشٍ هدفهم في الحياة إطلاق الخيال لإيجاد إنسان حر.... فنشأ الانتحار لتحصيل الإلهام والمغامرة وإن أدت إلى الجنون، وكان هذا بعد الحرب العالمية الأولى تقريباً...ومن روادها سلفادور دالي.
ثمَّ استدار الطبيب وكانت هنا المفاجأة الكبرى زاوية مملوءة بالأسلحة اقترب أكثر ليتأكد نعم أسلحة، نظر إلى سهام يريد تفسيراً لما يراه...وهكذا أصبح السرداب والكهف كل زاوية فيه تمثل لغز يريد حلاً وكل الأسئلة حائرة بدون بسمة.

وبعدما استعادت بسمة وعيها أقنعها الطبيب بأن تساعده على تجاوز مشكلتها، وتثق به وبتجاوبها معه ستصل معه لحل المشكلة التي تعاني منها وإخراجها مما هي فيه وأكد على أن تحدثه بكل ما يسألها عنه بصراحة، وحتى يُسهل عليها المهمة سيحقنها بحقنة....تجعلها تسترخي وتقاوم الحرج من الامتناع عن بوح ما بداخلها.
وبعد عدة جلسات بدأت بسمة تتجاوب شيئاً فشيئاً مع الطبيب، لأنها شعرت بنوع من الرَّاحة في الحديث مع أحدٍ يسمعها. وطلب الطبيب من سهام مساعدته قدر المستطاع لأن مرض بسمة يبدو غريباً عن المرض الفصامي المألوف. وخصوصاً مسألة الأسلحة، وذكر لها بأن من أعراض الفصام المعروف اضطراب التَّفكير عند المريض؛ بمعنى يتحدث المريض ثم يتوقف التَّفكير لديه ثمَّ يتحدث في موضوع آخر، عكس الاكتئاب تماماً يتوقف فيه المريض عن الحديث، أما بسمة تعاني من الفصام والاكتئاب في الوقت نفسه،
وكذلك يعاني مريض الفصام اضطراب الوجدان؛ فتقل قدرته على الاستجابة الانفعالية مع نقص الشعور بالألفة والعطف والحنان في حين أن بسمة تستجيب للعاطفة وتملك قلباً كبيراً للحب والكره في الوقت ذاته.