العودة   منتديات الإسلام اليوم > .°ˆ~*¤®§(*§ منتدى الإبداع الأدبي §*)§®¤*~ˆ°. > منتدى النثر الأدبي
التسجيل All Albums إستضافة الصور قائمة الأعضاء أوسمة التميز اجعل كافة الأقسام مقروءة

منتدى النثر الأدبي ميدان لإبداع اليراع فانثره هنا ؛ قصة أو رواية أو خاطرة أدبية أو تمثيلية معبرة أو مسرحية هادفة..

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-03-2008, 05:14 AM   #1 (permalink)
صديق نشيط
 
الصورة الرمزية شرخ الهجر
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 527
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 191
شُكر 51 في 31 موضوع
شرخ الهجر is on a distinguished road
افتراضي زهرة النَّار.. رواية (الفصل الحادي عشر... لولا تسعين يا صدام لَمَا أصبحتُ...)

الفصل الحادي عشر
لولا تسعين يا صدام لَمَا أصبحتُ...‏

‎}‎‏ لولا تسعين لما انتقلت من المكان، لولا ‏تسعين لما تغيرت خارطة السَّماء...‏‎{

[size=5]أصبحت بسمة تحاول فتح الصناديق المقفلة، وتسعى لمعرفة حكاية والدها النَّذل الخسيس ‏‏.....هي تعرف حكاية جدها النَّذل الخسيس، وكانت تظنُ أن لا أحد يعرف أنَّه نذل ‏خسيس سواها. وكأن مشعل رج قنينة المياه الغازية وفتح فوهة البركان ورحل. بركان ‏عمره منذ عام تسعين، وُلد صغيراً في جوف بسمة وأصبح يكبر معها، مياهه نارية تغلي في ‏جوفها تتوسع فوهته منذ عام تسعين.‏



وبعد سنوات أصبحت بسمة تسأل صدام؟ تسعين ليش يا صدام؟ لولا تسعين ما عرفت ‏هذا الجد النَّذل الخسيس. لولا تسعين لما انتقلت من المكان، لولا تسعين لما تغيرت خارطة ‏السَّماء، لولا تسعين لما أصبحت ابنة الشَّهيد، ولولا تسعين لما أصبح عندي ابن لقيط. ‏ولكن لماذا أبي مثلُ والدها نذلٌ خسيس؟!!.‏
تطرح بسمة الأسئلة حائرة فلا من مجيب، تبحث بسمة في مذكرات والدها البطل الشَّهيد ‏وتسأل نفسها، لماذا أبي مثل والدها نذل خسيس؟!.‏
لماذا أبي مثل والدها نذل خسيس؟!. ألستُ ابنة الضابط الشَّهم الشَّهيد؟! لماذا أبي مثله ‏نذل خسيس؟ هل باع وطنه؟ هل كان ساحراً ؟ أم هل تراه يتحرش بالأطفال مثله؟




تسير ثوان الزَّمن والنَّاس تسلى وتنسى، وبسمة لا تسلى عن هذا السؤال ولا تنسى، لماذا ‏أبي مثل والدها نذل خسيس؟!!. ‏
وذات مساء تقف بسمة خلف السَّتائر المخملية تَنْظرُ في ظلمةِ الغمام، تتأمل السَّماء، ‏وتسأل السَّماء. هل أنت لنا أيضاً وطن؟! أم الأرض هي فقط مسرح الأوطان؟! وتسأل ‏الأرض. أي أرض هي وطني؟! وأي وطن هو لي أرض؟!. أوطني الذي ولدت به؟ أم ‏وطني الذي يعيش في القلب؟ وإذا كان كلُّ أخٍ لي في وطن فأي الأماكن هي لهم وطن؟! ‏الأماكن وطن. والقلوب وطن. والأشخاص وطن. والحب وطن. الوطن يعني الاستقرار. ‏من وطني؟ أهو المكان؟ أم السماء؟‏


ويضئ سنا البرق ويضئ صورة قادم من بعيد، تُحدق بسمة أكثر بالقادم يحمل حقائب ‏حتماً القادم من سفر، ترتسم صورة القادم ووراءه قطار أطفالٍ يجرَّهُ، تحدق النظر وتتأكد ‏إنها سهام نعم إنها سهام.عادت سهام من أمريكا. ‏
تركض بسمة تُسارع الهواء تحتضن أختها. وتغمرها بحبها وتهتف لها بصوت عالٍ أنت لي ‏وطن، أنت لي وطن.‏
تتلفت سهام في أرجاء البيت تبحث عن البقية لم يأتوا يرحبون بها على عجل. ‏
‏- أين أمي؟ أين أخواتي؟ أين باسل؟ أين الجميع؟‏
تُجيب بسمة سهام قائلة:‏
‏- أمي كل يوم هي في وطن، وسفانة عند صديقتها وباسل مع أصدقائه. حالاً سأتصل ‏بهم. ‏
‏- أخيراً يا سهام الحمد لله، أنك وصلت بخير، وألف مبروك على الفوز بالجائزة.‏
‏- أشكرك يا حبيبتي. آه يا بسمة اشتبكت مع أشخاص كُثر حتى أعود لوطني. الحمد لله ‏على نعمة الوطن، مهما تعيشين في أي بلد ليس كبلدك، الأزمات تكشف لك أن وطنك ‏مهما حصل تشعرين فيه بالاستقرار والأمان.‏
‏- على العموم قمت برحلة رائعة في أوربا يا سهام، وستكتشفين بعد فترة بجلوسك معنا ‏بالملل والرتابة.‏
وبالفعل بعد أيام قليلة باتت سهام كئيبة في وطنها وبين أهلها من توالي مشاكل إخوتها ‏عليها وإهمال والدتهم لهم. وخير وسيلة لتنسى سهام الهموم وتشفي الجراح العمل، تعبرُ ‏المحيطات وتجوب الأرض عبر الانترنت، تتواصل مع عضواتها في جماعة الوحدة الإسلامية.‏



وفي يوم تَتَلقى سهام رسالة بريدية الكترونية من صديقاتها: (نحن عضوات جماعة الوحدة ‏الإسلامية، نواصل الرحلة في العالم الإسلامي، وبما أن رئيسة الجماعة حالياً في بلدها ‏ووطنها الأساسي، أجمع الجميع على زيارة السعودية الدولة الإسلامية الأولى، مهد الرسالة ‏ومهبط الوحي، والتي يتوافدُ إليها من كل الدول. ..) ‏
وضعت سهام يدها على خدها وأصبحت تتأمل الرسالة طويلاً، وكأنها تتأمل لعبة شطرنج ‏معقدة. وفي ظروف غامضة للكل وبنفسية محبطة محطمة تتظاهر سهام بالتماسك ولكنها ‏مهزومة النفس منكسرة العواطف. تطلب من صديقتها ميرنا مساعدتها ومساندتها في ‏ترتيب إعدادات هذا العبء الذي يحتاج منها جُهْداً مضاعفاً في هذا التَّوقيت بالذَّات.‏



كانت سهام تتنقل مع ميرنا من مكان لمكان لإعداد التجهيزات، وبصحبتهما شقيقتها ‏بسمة، وفي كل مكان تخرج منه وقد أصابها الدوار، وتشعر الإحساس بالتقيؤ من تلك ‏المناظر للشباب وقالت لميرنا: ‏
‏- نحن في العد التَّنازلي يا ميرنا والأيام تسير بنا لاستقبال الوفد، ولم نحدد بعد أماكن ‏الزيارة المفتوحة، وكما ترين مناظر الشباب على امتداد الكورنيش، استنساخ أعمى ‏للغرب في طريقة اللبس وقصات الشعر، الشباب يتلوى ويرقص وكأنني أرى صوراً لفيديو ‏*** على الهواء مباشرة. ومقياس الحضارة الذي تعكسه تلك الأمكان ليست دقيقة ‏للمجتمع ككل.‏



تنهدت ميرنا وقبضت يد صديقتها قائلة لها:‏
‏- نحن يا ميرنا جزء من كل، وفي طور أمركة العالم، وظهرت هذه الصور الشاذة في ‏الشارع السعودي، وفي ظل العولمة، وبالتالي أصبح النسق الثقافي المتداول مرتبط بالغرب، ‏ونسى الشباب أن لكل ثقافة نسقها الخاص، وأخذ الشباب كما ترين يتخبط في البحث ‏عن الهوية، فلم يعد أمام الشباب إما التَّمسك بالقشور، أو الرجوع للأصول الذي يطلق ‏عليهم إما رجعيين أو إرهابيين، وبين هذا وذا ظهرت هذه الأشكال التي ترينها.‏


‏- ولكن يا ميرنا إلى هذا الحد أصبح وجود الفتيات في المقاهي يبدو أكثر من طبيعي، ‏وظهور جسد المرأة المسلمة وهي سافرة الوجه وتدخن في أماكن عامة، وتشرب معسل أو ‏شيشة، والمكان شبه مظلم ويغطيه الدَّخان، وصور (الفيديو كليب) والأغاني الصاخبة ‏تعرض على شاشات كعرض السينما، لم يكن هذا موجوداً سابقاً يا ميرنا، كان قبل ‏سنوات تراعى اللياقة الأخلاقية في ممارسة هذه الأفعال، ويُنظر للمرأة أو الشاب الذي ‏يمارس مثل هذه التَّصرفات بنوع من الاستنكار. أين رجال الدِّين والفكر؟؟!! فإن عليهم ‏مسؤولية كبيرة لتفشي هذه الظاهرة الخطيرة.‏


‏- لا تنفعلي يا سهام إلى هذا الحد هي ظاهرة قصيرة المدى، ومرتبطة فيما بعد الحداثة ‏وبتخبط الإنسان فيما يحدث على مسرح الوطن العربي ككل. ولكن ثقي كما ترين مثل ‏هذه النَّماذج المستنكرة ستجدين نماذج تفخرين بها.‏


‏- ليتها يا ميرنا تنجلي هذه الغمامة بأقصر وقت ممكن وبأقل الخسائر الممكنة، أصبحت ‏أتحرج من أبنائي حينما يطلب مني التَّعليق على بعض المناظر التي يرونها، مثل لبس الفتيات ‏الذي يعود بشكل المرأة إلى عالم النِّخاسة، ففي أمريكا أجد الإجابة أسرع والنَّقد أسهل.‏


استدارت سهام إلى بسمة وسألتها عن رأيها فيما يتحدثن به بما أنها من فئة الشَّباب، ‏لاكت بسمة الكلام في فمها، ثم تبسمت بسمة لتخفي خجلها من سهام وقالت:‏
‏- معظم الفتيات أصبحن يُدَخِّنَّ يا سهام، و البنت التي لا تدخن توسم بالتَّخلف، وأصبح ‏هناك مقاهي مختلطة خاصة لعرض الشيش والمعسلات بأشهى صورة ممكنة، وهذه الأماكن ‏مباح فيها الاختلاط علناً لا سراً يا سهام ولكل الأعمار. وفي هذا الاختلاط سعادة غامرة ‏تجدها الفتاة بغمزة أو نظرة إعجاب، والفتاة عموماً لم تعد تخاف أو تخجل من ممارسة هذه ‏العادة، وتلبي لها حاجة الشعور بالنشوة والسعادة والاجتماع بدلاً من الوحدة على ‏الانترنت أو الجلوس وحدها.‏


ازداد اتساع عين سهام وكادت تخرج من مكانها إلا أنها حاولت مسك ذاتها قائلة ‏لشقيقتها:‏
‏- كلامك هكذا وكأنك تدخنين أتدخنين يا بسمة؟ ‏
‏- لا يعني أني أمارسها ولكن أحببت أن أوضح لك صورة تغيب عن ذهنك في مجتمعنا ‏الحالي، وزعلك واستنكارك لن يغير مجتمعاً بأكمله يشعر بالسعادة بهذا التغير.‏
‏- بسمة أي سعادة بالمعاصي، أي سعادة في هذه المقاهي المظلمة كالكهوف؟
‏- نعم سعادة هم يشعرون بالسعادة ولولا أنهم سعداء لما ذهبوا إليها. بل في شهر رمضان ‏تنشط هذه المقاهي الرمضانية، لنصب المخيمات لهذا الغرض ويصاحبها الغناء، وتكتظ ‏بالرِّجال والنِّساء وبكل الأعمار. ‏


قاطع الحوار السَّاخن بين سهام وبسمة صوت ميرنا بطريقة طريفة، وأشعرت صديقتها ‏سهام أن الحوار في تغير مفاهيم المجتمع غير مجدٍ حالياً وهن يسرن في السيارة، ودفاعية ‏الشَّباب عن صورهم الحالية لا يكون من صوت واحد، وإلا يكون أشبه بالتَّغريد خارج ‏السرب، ثم قالت لها:‏
‏- ما رأيك يا سهام، بما أننا عجزنا من إيجاد مكان مناسب تأتين معي للبيت تشربين قهوة ‏وتهدئين بها أعصابك.‏
‏-
__________________

رواية زهرة النَّار للكاتبة أمل التّميمي (شرخ الهجر)
فكرة الغلاف: وديان التَّميمي.
رسم الفنانة: سجى العيَّاش.



الأستاذةالكريمة : أمل التَّميمي .‏
تحية طيبة لمقامك الرفيع ..‏



قرأت زهرة النَّار، وعِشْتُ مع روايتك يومين، لا أدري كيف أصفها، و لكنها رائعة و ‏جميلة، وضعتي حروفَك ‏على أسطرِ المجتمعِ لتُظهري نُقاطَ الحياة في تعاملات الناس، بين ‏بعضِ الأسطرِ كلماتٌ هيَ حكمٌ و إضاءاتٌ ‏راقية ، تسلبُ لُبَّ الملتقِطِ شوارد الفرائد ‏لجودتها و جمالها ، اقتبستُ شيئاً فحمَّرْتُه و أفردته .‏


أقيِّدُ لكِ تقديري الكبير لقلمكِ الرائع، و الأكملُ من التَّقدير لذاتِك العالية الصَّافية ، ‏أفتخرُ بقرآتي روايتك فلكأنني ‏أشْتَمُّ عبقَ زهرة النَّارِ مع إحراقها، و هي لفتةٌ في العنوان ‏جميلة ، أتمنى لو طالت الرواية، و لكن لا شيءَ باقٍ ، ‏و روايتك تبقى لبقاءِ سموِّ فكرِك .‏



تحيتي و تقديري مجدداً . عبد الله العُتَيِّق






سبحان الله وبحمده

والحمد لله

وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
شرخ الهجر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2008, 05:15 AM   #2 (permalink)
صديق نشيط
 
الصورة الرمزية شرخ الهجر
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 527
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 191
شُكر 51 في 31 موضوع
شرخ الهجر is on a distinguished road
افتراضي تابع..................

أتأسف منك يا ميرنا لديَّ العديد من المشاغل. بل أنت تفضلي معي لتساعدينني مع ‏بسمة.‏
‏- حسناً سأذهب إلى البيت وأحضر أبنائي للعب مع أبنائك، وسألحق بكما.‏
تدخلان سهام وبسمة وفي البيت يعلو صوت شجار بين الأم وابنها باسل، يزداد علو ‏صوت الأم.....تدخل سهام إلى حجرة والدتها على عجل لتفك هذا الاشتباك تسأل سهام ‏عن سبب هذا الموال اليومي بين باسل وأمها ....يحدق باسل النَّظر بوالدته وكأنه يقول ‏لها: احكي لهم سبب هذا الموال اليومي.‏
وحتى يقطع باسل وابل الأسئلة التي تطرحها سهام يتذمر أمام أخته من كثرة مصروفات ‏فواتير الهاتف، ويشكك بأن إحدى الخادمات تصرفها على خط الصداقة، والستار أكاديمي ‏والسوبر ستار، أرقام


مشبوهة على أرقام هاتفهم..... ‏
صرخت سهام مذعورة من قول شقيقها قائلة له:‏
‏- هل تعرف ما هو خط الصداقة إنه خط مباشر لممارسة الجنس. في بيتنا أصحيح هذا يا ‏باسل؟
‏- اجلسي مع والدتك وشاركيها الرأي وادرسي معها الموضوع تماماً من في بيتنا يقضي ‏الوقت الطويل في هذا التَّخبط العصري المتخلف.‏
ردت والدته بسخف عليه:‏
‏- أنت شاب ويمكن تكون أنت من يفعل ذلك...وبصراخك هذا تريد إبعاد التهمة عنك ‏باتهام الغير، حتى نسدد ونصمت عنك.........وإلاّ ما الذي دفعك إلى التفتيش في ‏الفواتير.‏


أشعل نيران غضب سهام طريقة التَّفكير الذي تمارسه والدتها مع إخوتها، ويقتطع سعير ‏نيران الأسرة صديقة سهام ميرنا بمهاتفتها على الجوال وإخبارها أنها قريبةً من البيت.‏
لم تستغرق ميرنا وقتاً طويلاً حتى حضرت لصديقتها، حاولت سهام أن تبتلع غضبها ‏وتستقبل صديقتها كما تعودت منها بالبشاشة، وكالمعتاد تنسى سهام نفسها مع صديقتها ‏وتدخلان في نقاش طويل.‏
حضرت بسمة ودونما مقاطعة جلست وهي تسمع كلمات سهام تقول لميرنا:‏



‏- سحابة موجهة لأبنائنا يا ميرنا، عاصفة تلف بالبيت أنظر إلى صورة أبي أجدها صامتة ‏ولكن كلماته لا أزال أسمعها تخرق أذني، وهو يحذرنا من الحضارة المشاعة في السَّماء، ‏وهذا الشعاع المنبث من الأقمار الصناعية، فهو يصيد الفراش ويلامس ضوءه الصُّخور ‏يحفر عليها صعقاته وتبقى الطعان ولا تندمل الجروح، ويظهر أن معظم أبنائنا فراش يا ‏ميرنا يعشق وهج النَّار ليموت به.‏


‏- ولكن يا سهام لماذا أنت اليوم تتحدثين بإحباط لم أعهده بك من قبل، صحيح سياسة ‏العولمة والانخفاض التَّنظيمي للإعلام يمكن اعتباره تلوثاً فكرياً وعقدياً وسلوكياً مثلها مثل ‏التَّلوث البيئي المضر، ولكن لا يمكن أن تنسي ما قدمته هذه التَّكنولوجيا لنا نحن كعرب ‏ومسلمين، ولا يمكن أن نتقوقع في عالم يخصنا وحدنا، وإلا أصبحتي تُناقضين نفسك. أنت ‏بنفسك حققت نجاحاً ليس له مثيل وعُرفت كتاباتكِ ودعوتك وفنك عن طريق الانترنت، ‏وكونت هذه الجماعة التي ستستقبلينها هنا على أرض وطنك. ‏
‏- هذا صحيح يا ميرنا ولكن مشكلتنا نحن ومصيبتنا في شبابنا. ماذا نختار انظري حولنا ‏هاتف، جوال، انترنت، ديجتل، الفتاة كانت لا تتجرأ إعطاء رقم هاتف بيتهم لصديقتها ‏قبل الاستئذان ووو وحالياً الفتاة تملك جوالاً بكاميرا، ...إلخ


وضعت بسمة يدها على الهاتف لمدة طويلة وأطبقت عينيها وهي تشاهد في عتمة داخلها ‏هذه الآلات واستعادت ذكريات ماضيها كيف تدرجت هذه الآلات في قتل ضميرها، ‏وكيف تسبب الهاتف في سحق مستقبلها وبعده الجوال ثم التشات ...الخ ‏


تسللت بسمة دونما يشعرا بها أحد، وقامت هائجة كالوحش الكاسر تصرخ وتستدعي ‏الخادمات، وتطلب منهن إحضار جميع الأجهزة الإلكترونية في فناء البيت. نفذن الخادمات ‏أوامرها في فزعٍ وخوفٍ من حالة الهيجان التي انتابت بسمة على غير عادة منها.‏
كانت تتصرف بقوة هائلة تدفعها لم يعهدها بها أحداً من قبل. حطمت تلك الآلات ولم ‏تكتفي بالتحطيم بل أشعلت بها ناراً وهي تقول:‏
‏-‏ لستِ جمادات سأحرقكِ كما حرقت قلبي.....‏


اشتدت النيران والتف حول البيت الكثير من الناس تحلق الجميع حول بسمة يحاولون ‏تهدئتها من ذلك الهياج وإنقاذها من الاحتراق، ونُقِلَت إلى المستشفى في منظر بالغ ‏الأسى للجميع.‏


وفي صباح اليوم التالي فاقت بسمة من غيبوبتها استعداداً لتتلقي عشرات الأسئلة عن سبب ‏ما قامت به بالأمس، وتُفاجىء بسمة الجميع بعدم تصديقها لما بدر منها، ونسيان الواقعة ‏وعدم تذكر أي شيء مما يدَّعونه عليها، بل كانت تسأل في استياءٍ شديدٍ عن سببِ ‏حضورها للمستشفى.‏
يمر الموقف بسلام ولكن ينبه الطبيب سهام بأن بسمة تحتاج لطبيب نفسي ليفسر لهم سبب ‏هذه الثَّورة العجيبة وإذا كانت قد تكررت لها من قبل.‏



مكثت سهام طوال الليل تتأمل وجه بسمة وهي تعاني من الإرباك والحيرة بسبب ما حلَّ ‏ببسمة من أزمة نفسية قاسية، محاولة أن تجمع أسباب هذا الهياج الذي أصاب أختها ‏وكيف تُقْنِع بسمة للمكث في المستشفى مدة أطول وعرضها على طبيبٍ نفسي دون أن ‏تُمَانِع.‏



وتقترب سهام من بسمة وتجدها هي أيضاً لم تنمْ، فتتلمس فروة رأسها وتمسح شعرها ‏برقة، ووضعت وجنتي بسمة على صدرها لتشتم بسمة رائحة عطر سهام كما في السَّابق، ‏وهي تسكن في أحضان شقيقتها، وتهمس سهام في عتمة الليل في أذن بسمة قائلة لها:‏



‏- ها قد قالها لك الجميع يا بسبوسة أنه بالأمس قد دّب حريق قاسياً في بيتنا ولقد نجوت ‏منه بأعجوبة كبيرة -ولله الحمد- أنه لم يصيبكِ مكروه؛ ولذلك أنا أُفضل أنكِ تحاولين ‏معي تذكر الموقف وأن لا تخجلي من مشاركتي همومك وأن تبوحي لي إذا كان هناك أمراً ‏ما يؤلمك يا بسبوسة.‏


لم تبنس بسمة بحرفٍ واحد، ولكن كان صدرها يرتعش. ينخفض ويرتفع بحركات ‏سريعة، وكأن إنساناً يَقْطُنُ داخله يَئِنُّ من الألم، محبوساً خلف قضبان ينظر لسهام يعرفها ‏ولكنها لا تعرفه سهام، ولا يريدها أن تعلم عنه شيئاً، ويريد أن يكون بالنسبة لسهام ‏نكرة، كان يتمنى أن يقول لها: اصمتي اصمتي لا أريد أن أضعف أمام كلماتك ابتعدي ‏وارحلي.‏
ولكن تابعت سهام تهمس لبسمة قائلة:‏
‏- سأصارحك يا بسمة، بأنك تحتاجين إلى طبيبٍ نفسي يساعدك في تخطي هذه المشكلة ‏الصحية البسيطة، وأعرف مدى صعوبة الموقف عليك وخصوصاً في مجتمع كمجتمعنا...‏



انفرطت بسمة بعويل حار، مؤلم، يفتت قلب سهام، وانكمشت طابقةً قدميها على ‏صدرها، وضمتهما بيديها وكأنها تعتصر ذاتها أمام سهام، واعتصرت واعتصرت، ضامة ‏جسدها بيديها وبأصابع متشابكة بدت مختبئة في داخلها لكي تُحدث سهام، ولكن لسانها ‏أخذلها عن نطق ما تريده. كانت تخاف أن تشوه الصورة التي ترسمها لنفسها أمام سهام، ‏وحنت برأسها لتسقطه بين رجليها كنعامة تخشى مواجهة اللقاء، ولتسقط الكلمات منها ‏في قاع عبها لكي لا تسمع سهام سوى الصدى قائلة لها بصوت مخذول الحروف:‏


‏- أختي سهام ببعدك عني أضعت الحروف والكلمات والأوراق والفرشاة والألوان... أنا ‏أحتاجك بقربي. أحتاج أحداً مثلك لينتشلني من الضياع الذي أحيا به وحيدة أقاسي ‏الوحدة والضياع والحرمان.‏
وعاودت بسمة البكاء والغرق في الدُّموع، ربتت سهام على ظهرها وهي تعتصر الدُّموع ‏في كلماتها لبسمة، وهمست لها بصوت رخيم:‏


‏- أنا قريبة منك بقلبي وبإحساسي. البعد بعد القلب يا بسبوسة لا الجسد.....وأنت ‏تعرفين أن عيشي هناك في أمريكا كلّ هذه السنوات بعيدة عنكم إقامة جبرية لا اختيارية.‏
ردت بسمة على سهام بصوت تختلف نبرته عن قبل. ورفعت رأسها إلى أعلى وعينها ‏تبتلع الدَّمع المترقرق، وكأنها بئر كان يفيض بنبع ثم حاول استرداد أملاكه الفائضة ‏وحمايتها من الجريان ... ‏
‏- أأنتظر طوال حياتي عودَتِك؟!!.... أتظنين العود الأخضر لا ييبس وهو ينتظر الماء؟!! ‏‏...أتحسبين القلب لا يتجمد ثم يموت من ملل الانتظار؟!!...الحياة كلها انتظار... نقضي ‏العمر في اشتياق، ننتظر الفرحة ولا تأتي. ننتظر الوعود ولا تتحقق، ننتظر المستحيل فلا ‏يتحقق شيئٌ، هذه هي الحياة، نتألم. نحترق. ولا حيلة لنا سوى مقولة زائفة هي "الأمل" ‏وانتظار المستحيل الذي لا يتحقق ....وكلما تبسمت للمستقبل ليشرق الأمل عفَّر بوجهه ‏لي. لا يعرف مستقبلي النور، قلبي صندوق مقفل أحاول عبثاً أن أحطم أقفاله المؤصدة ‏وحدي.‏



لاحظت سهام أن بسمة لا تتكلم بطبيعتها، وبدأت تثور، وحاولت تهدأت ثورتها بصوت ‏هامس حنون باكٍ:‏
‏- حبيبتي بسمة لا تحملنني ذنباً أكثر مما أشعر به. أيمكن أن يكون كل ما بك من إحباط ‏وألم هو بسبب بعدي عنك؟! ..أنت شفافة وحساسة، ولكنك ناضجة وواعية، ولا ‏يُمكننا أن نُعبر لأحد عن حبنا له وباحتياجنا إليه بهذه الطريقة، وإلا هذا يعني أن نتصرف ‏بدون ضوابط لأنفسنا، كلماتكِ تقع عليّ كنصل السِّهام. بماذا قصرت بك يا بسمة؟ ‏وماذا أفعل لك حتى أشعركِ بأنني قريبة منكِ؟


هربت بسمة من حصار أسئلة سهام المنطقية والتي في مكانها لتغط في غيبوبة أخرى. وبعد ‏هذا الموقف سارعت سهام بمهاتفة طبيب نفسي، وشرحت له كل ما تعلمه من خلفية عن ‏مشاكل نفسية تعاني منها بسمة، جلس الطبيب مع بسمة عدة جلسات لم يستشف منها ‏سوى أنها تعاني أكثر ما يعانيه شبابنا في الوقت الراهن من إحساس بمسخ الهوية ‏وتلاشيها، وتخبطه في متناقضات يَجْهل حَقِقَتُها.‏
بعد عدة لقاءات للطبيب ببسمة لم يصل إلى سببٍ واضحٍ لهذه الغيبوبة التي تكررت والتي ‏تمارس فيها بسمة سلوكاً يخالف سلوكها المعتاد. ولكنه نصح سهام بأن لا تترك بسمة ‏وحدها وأن تراقبها لعلهم يصلون إلى أي نقطة تعينهم إلى مسك خيط الحقيقة. ‏


تنبهتْ سهام لمشكلة ما تُحيطُ بشقيقتها، واستوعبتْ نصيحة الطبيب، وأصبح ‏استشارياً نفسياً يشرف على حالة بسمة، بعد أن كانت سهام تجتهد في مساعدة شقيقتها.‏[/size]
__________________

رواية زهرة النَّار للكاتبة أمل التّميمي (شرخ الهجر)
فكرة الغلاف: وديان التَّميمي.
رسم الفنانة: سجى العيَّاش.



الأستاذةالكريمة : أمل التَّميمي .‏
تحية طيبة لمقامك الرفيع ..‏



قرأت زهرة النَّار، وعِشْتُ مع روايتك يومين، لا أدري كيف أصفها، و لكنها رائعة و ‏جميلة، وضعتي حروفَك ‏على أسطرِ المجتمعِ لتُظهري نُقاطَ الحياة في تعاملات الناس، بين ‏بعضِ الأسطرِ كلماتٌ هيَ حكمٌ و إضاءاتٌ ‏راقية ، تسلبُ لُبَّ الملتقِطِ شوارد الفرائد ‏لجودتها و جمالها ، اقتبستُ شيئاً فحمَّرْتُه و أفردته .‏


أقيِّدُ لكِ تقديري الكبير لقلمكِ الرائع، و الأكملُ من التَّقدير لذاتِك العالية الصَّافية ، ‏أفتخرُ بقرآتي روايتك فلكأنني ‏أشْتَمُّ عبقَ زهرة النَّارِ مع إحراقها، و هي لفتةٌ في العنوان ‏جميلة ، أتمنى لو طالت الرواية، و لكن لا شيءَ باقٍ ، ‏و روايتك تبقى لبقاءِ سموِّ فكرِك .‏



تحيتي و تقديري مجدداً . عبد الله العُتَيِّق






سبحان الله وبحمده

والحمد لله

وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
شرخ الهجر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2008, 05:22 AM   #3 (permalink)
صديق نشيط
 
الصورة الرمزية شرخ الهجر
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 527
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 191
شُكر 51 في 31 موضوع
شرخ الهجر is on a distinguished road
افتراضي زهرة النَّار رواية (الفصل الثاني عشر ...هياج الغمام على أرض الميعاد)

الفصل الثاني عشر
هياج الغمام على أرض الميعاد
‏[ عجم الغمام وعُربِها هاجت من شنيع الأقمار.. ‏ولم يكظم غيظها سوى أنها قربت من سماء يتجلى ‏بها الرحمن بالأسحار......‏‎[‎


غرقت سهام منذ وصولها في مشاكل أخوتها ونست الوفد ونست فوز لوحتها بجائزة ‏المشهد الواقعي الأولى، التي جسدت فيها سهام صورة المرأة الاستشهادية تجسيداً بارعاً مما ‏جعلها تفوز بين مئات اللوحات المشاركات في فعاليات مهرجان الفن التَّشكيلي الذي ‏أقيم في إيطاليا.



وذكرْنَ سهاماً النَّجاحَ الذي أحرزته صديقاتها، وتخطيطهن لإقامة حفل لها، أسعد سهام ‏مبادرة صديقاتها الرقيقة التي تعبر عن وفائهن وطلبت منهن أن يمهلنها بعض الوقت لأن ‏بعض رفيقاتها سيأتين في زيارة للسعودية قريباً وفرصة لتعرفهن عليهن، واشترطت عليهن ‏أن تكن هذه الحفلة في بيت أهلها.‏
لم تكن سهام تحب مظاهر البذخ في إقامة الحفلات وطلبت منهن أن تكون بسيطة وفي ‏أضيق الحدود، وسهام بدورها أعدت المفاجأة التي وعدتهن بها، وإذا بالمفاجأة شريط فيديو ‏لعرض اللوحة الفائزة وفعاليات المعرض، بدت سهام سعيدة وهي تعرض لصديقاتها ‏إنجازات المرأة العربية والمسلمة في مجال الفن التشكيلي، ودوره الكبير في انتقال حضارة ‏فكر أمة وعراقتها إلى الأمم الأخرى، وما يمكن أن يخدم به الفن مبادئنا وأفكارنا إن ‏استخدمناه الاستخدام الصائب.‏



وكانت سجى تتأمل سهام وهي تترأس الجلسة بين جمع غفير بمختلف مستوياته التعليمية، ‏وأعماره المتفاوتة وقالت لها:‏
‏- كم كنت أتمنى أن أكون مكانك يا سهام. لا حسداً، وإنما إعجاباً بالنجاح الذي ‏حققته، تأملت ملياً أن تسنح لي الفرصة في صقل موهبتي بالدراسة في الخارج، وتعثر الحظ ‏بعدم إتاحة الفرصة للفنانة التشكيلية السعودية للسفر إلى الخارج باستثناء المجهودات ‏الفردية مثلك طبعاً...والأمر من هذا وذاك أثناء إقامة المعارض الفنية الداخلية يرفض ‏والدي رفضاً غير مقنعاً ذهابي لها، وعلى انتظار زوج كزوجك منفتحاً ومتعلماً يساعدني ‏لكي تنبغ موهبتي ويصل اسمي أصقاع الدنيا مثلك.‏



كانت سهام تفهم ما تقصده سجى، بتفكيرها الإيجابي والسلبي، قد تقصد الخلط بين دور ‏الفن الذي يكون وسيلة للدخول للشهرة بغض النظر عن مستواه الراقي أو المبتذل، ‏ويكون للمرأة تنازلات كثيرة فيه، وهي الوسيلة الوحيدة في سبيل الولوج، والفن الراقي ‏الذي يؤدي دوره دون أن يبتذل المرأة ويمتهنها، ولا يضغط عليها لتقدم تنازلات في سبيل ‏النجاح والشهرة. وخصوصاً بعد ظهور صور والدة سهام في الصحف المحلية ضمن صور ‏سيدات الأعمال.‏


وأصبحت سهام وهي تعرض للوحات تمر على صور المسلمات المشاركات وهن يلبسن ‏زياً إسلامياً لا يعيقهن عن أداء دورهن كفنانات، ثم تعلق على كيفية معرفتها ببعض ‏صاحبات اللوحات ذات المستوى الراقي، من فنانة مسلمة وأخرى مسيحية وشيعية ‏ويهودية....بهدف نفي الجمود الذي يدعيه البعض على المسلمات بأن بهن نفور من أهل ‏الديانات والمذاهب المختلفة. ‏



ثم كان لميرنا تعليقاً حيث مسكت بمكبر الصوت قائلة:‏
‏- إن الإسلام لم يحرم المرأة من ممارسة كل حقوقها في إطار لائحة النهج الإسلامي ‏السليم، فحينما ركزت جهود الجمعيات النسائية على محاربة الصورة النمطية للمرأة في ‏الفضائيات العربية التي تمتهن جسد المرأة، أظهر الفن التشكيلي صورة المرأة الاستشهادية ‏في فلسطين والعراق وأفغانستان، وفوز فنانة سعودية مسلمة يمثل انتصاراً عظيماً لنا، إن ‏المرأة العربية والمسلمة حينما تنجح في الغرب، يكون نجاحاً حقيقياً؛ لأن هذا النوع من ‏البشر لا يجاملون، وهذا النموذج النسائي بالطبع لا تسعى الأيدي الخفية إلى إظهاره، ‏كالتي تسعى إلى إبراز المرأة ذات الثقافة العلمانية وتكون هي بالتالي صاحبة الشهرة و ‏تسليط الضوء عليها.‏


ثم ركزت ميرنا نظرها على سجى وهي تضغط على الحروف قائلة:‏
‏- الفنان حينما يجوب الأرض ويسافر ويتنقل، فإن تلك المشاهدات المختلفة تسمح له ‏بتوسع الخلفية، التي يبني عليها فكره ويُذيب معها الفنان الحقيقي تعددية المذاهب ‏والطوائف والتعصب القومي.‏
ثم التفت ميرنا إلى سهام معلقة على قولها:بـ
‏- رائع يا سهام أن يكون للفن دوراً كبيراً في تأصيل قواعد الاختلاف والتعددية ونبذ ‏الزهو المذهبي. ‏
‏- بل الأكثر من ذلك يا ميرنا. يمكن أن يؤثر في أصحاب فكر مخالف متعصبين بأفكارهم ‏وبمجرد اقتناعهم بصدق ما تحمله رسالتك الفنية الصادقة يؤمنون بك ويدافعون عن ‏مبدئك الذي تأصل بهم. وهنا يلعب الفن لعبته في الاستجابة لندآءات العاطفة بعد قناعات ‏العقل.


فكانت هناك امرأة فرنسية معنا ضمن المشاركات تُندد بحرية المرأة وبعد نقاش دار بيننا في ‏أحد الاجتماعات كهذا اليوم تناقشنا حول قضية الصوت الأقوى المرأة أو الرجل. أو ‏قريباً من هذا، المهم أنني ذكرت لها أن هذه القضية لها حل بسيط لدينا في الثقافة الإسلامية ‏والمرأة التي تسلم بها هي من تعيش قريرة العين تعرف ما لها وما عليها فهناك آية في سورة ‏الزخرف يقول رب العزة فيها: "أو من يُنشَّؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين" فالمرأة ‏عند الخصام الموجب لإظهار ما عند الشخص من الكلام غير مُبينة لحجتها، ولا مُفصحة ‏عما احتوى عليه ضميرها كالرجل. ففتح الله عليها وسلمت بمضمون هذه الآية وسجدت ‏لله شكراً وأسلمت نعم أسلمت.‏



وكان لأحد الفتيات رأياً مخالفاً لسهام وقاطعت سهام قائلةً:‏
‏- أنا لا أفضل معرفة من يخالفني مذهباً ... وانسحب عن الخوض في الحوار عن أمور ‏الدين. لأن غالباً ما تجلب أمورا شائكة لا طائل منها لماذا نغمس يدينا في عش الدبابير ثم ‏نصرخ من ألم القرص.‏


بعد أن انتهت قالت لها سهام:‏
‏- رغم احترامي لكل من يخالفني الرأي، وحتى نكون أكثر موضوعية لا يمكنا مصادرة ‏رأي الأخرين، وإن كنا عكس ما يقوله الآخر تماماً فأنت يا سارة ما تزالين صغيرة وفي ‏طور البناء...وغالباً ما يكون إطار اللوحة الذي نملكه قبل رسم اللوحة يرغمنا إما أن ‏نرسم لوحتنا بحجم الإطار، ونضيق حدود سير ريشتنا، أو أن نقص اللوحة يميناً ويسارا ‏وأعلى وأسفل حتى تتناسب مع الإطار وفي كل الأحوال يكون الإطار قيداً للفنان أكثر ‏منه جمالاً للوحة. ثم ركزي في كلماتي هذه ولا تنسيها طوال العمر يا سارة الإنسان ‏الناجح من يحمل هماً عاماً هو شخص يتجاوز هم الذات وبإذن الله تُصبحين من الفئة التي ‏تحمل هم النهضة في مجتمعها ومحيطها.‏



ثم جالت بعينيها على الجميع وهي تبحث عن بسمة ثم نظرت بنظرة حنونة لها وتابعت:‏
‏- ببساطة من خلال الآخر تبحث عن هويتك، التي تميزك حينما سافرت إلى أمريكا ‏اكتشفت أنني امرأة عربية أمية تجهل الكثير والكثير. فهناك تعلمت أن حياة المرء ترتبط ‏ارتباطاً كلياً بالسياسة، رغم أنني تمرست على يدي والدتي أن المرأة عليها أن تكون بعيدة ‏كل البعد عن السياسة، برغم أنها زوجة قائد عسكري لم تكن السياسة من دائرة ‏اهتمامها.‏



وبعد سنوات طويلة عشتها هناك، وتحديداً بعد 11ستنمبر اكتشفت، كم نحن أمة أمية ‏تجهل دينها، وفي أبسط الأمور كحق أي إنسان أن يدافع عن نفسه حينما يُتَهم ظلماً ‏وعدواناً لا نستطيع أن ندافع، لأن الحجة ضعيفة، ولا نملك العتاد القوي، وحينما أصبح ‏لفظة مسلم تطلق مرادفة لـلإرهاب عمقتُ قراءاتي عن تاريخ عقيدتي سلوكاً وحرصت ‏على الرفقة التي تعينني على مشواري الجديد... ولا يعني أنني ولدت في السعودية أنني عالمة ‏في الدين بل ينقصني الكثير والكثير. وحينما أُوذي حبيبنا ورسولنا بتلك الصور التعيسة ‏أصحابها، قلت لنفسي ما دور الفن في الدفاع عنك يا حبيبنا؟ فلو أن ممثلاً أمريكياً أو ‏أوربياً تتطاول عليه أحد لقامت أمريكا وأوربا ولم تقعد حتى تثأر له.‏



ثم رفعت يدها واحدة من الحضور تستأذن بالحديث، رحبت سهام بها ترحيباً حاراً ثم ‏قدمتها سهام للحضور.‏
‏- الفنانة نعمة، حضورها مفاجأة أجمل من الفوز الذي أحرزته، إن هذه الفنانة كانت لها ‏لوحة مشاركة ضمن فعاليات المهرجان، وكانت يهودية من أصل عربي أعلنت إسلامها ‏بعد حوار وجدل طويل دار بيننا عن موضوع اللوحة الفائزة في المعرض وأسعدني أن ‏تكون لوحتي سبباً في إسلامها، رأيتها بعد أيام وقبل انقضاء أيام المعرض ترتدي حجاباً ‏تبدوا به أيقونة إسلامية رائعة تفخرين بها وقد أعلنت إسلامها، فلتتفضل بالحديث.‏


بصوت روحاني هامس بدأت نعمة الحديث قائلة
:‏
‏-‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يسعدني أن الله منَّ علي بالإسلام كما منّ على ‏صفية بنت حيّ بن الأخطب زوج رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ وأم المؤمنين. ‏ويسعدني أن تكون لوحة أختي سهام سبباً في هدايتي. كانت هذه اللوحة كأن بها نوراً ‏يشق صدري لينزع ما به من ضياع وتشتت، ويُستبدل بنور الإيمان.‏


للأسف إن مفاهيمنا يغذيها أجدادنا وآباؤنا بالقصص التي يحشونها في عقولنا، يستمر ‏هذا الحشو إلى فترة من العمر لأنهم هم القيادات العليا التي تتحكم في عقولنا ونكون ‏حظيظين إن كانت مفاهيمهم صحيحة، وإن كان بها نوع من الخطأ إما أن نسير عليها ‏وبتعصب مثلهم أو نتخبط في صراعات نحيى ونموت عليها أو نسعى لمعرفة الحقيقة كما ‏هي. ‏


أنا من العراق يا أخواتي...وكانت تحكي لي جدتي إن اليهود في العراق منذ ثلاثة آلاف ‏سنة، وكانوا مختلطين بالمسيحيين والمسلمين، ويكوِّن هذا الثالوث الديني المختلف شعب ‏العراق بدون تفرقة اختلطوا اليهود بالمسلمين واندمجوا خارج الحي اليهودي، لأن الشعب ‏العراقي في الحارة المختلطة التي أنا منه غير متدين، لا يوجد بها صومعة يهودية و لا كنيسة ‏مسيحية ولا جامع مسلم؛ لذلك نحن تعتبر من اليهود غير المتدينين، ولكن حينما رسمت ‏الشُّيوعية الأيديولوجيات في القرن العشرين انضم والدي إلى هذه الحركة، التي رسمت ‏المنضم إليها بصورة المثقف البطل، يقرأ الجريدة، ويذهب للسينما، والحزب الشيوعي في ‏العراق أصبح أكبر حزب في الشرق الأوسط.‏



ضحكت سجى بصوت ملفت وقاطعت نعمة معلقة على استخدامها لمصطلح شرق ‏أوسط:‏
‏- يظهر لي أن مصطلح شرق أوسط كما هو معروف سياسي أكثر منه جغرافي، والمقصود ‏به إدخال إسرائيل ضمن هذا المصطلح.‏
‏ اعتذر لهذا الخطأ اللغوي الغير مقصود يا صغيرتي وتابعت:‏
‏-‏ ولكن بعد تعدد الأحزاب أصبحت بعض الصحف وقتها تقول أن كل اليهود صهاينة ‏متخفين، وأصدر قانون إسقاط الجنسية وأجبروا اليهود إلى الهجرة إلى إسرائيل، ولكن ‏جدتي كانت تحكي لنا بعد هجرتنا من الفلل والقصور إلى الخيام وضعونا في مخيمات ‏مثل البهائم، واختلفت علينا كل أنماط الحياة رأينا اليهود في إسرائيل عاداتهم ‏وتقاليدهم كالغرب وكنا نحسب أن اليهود في كل مكان مثلنا. ‏



وبعدما كبرتُ علمت أن المتطرفين المسيحيين يحددون سياسة هذه المنطقة الجغرافية ‏الشاسعة، والدعم الأمريكي لإسرائيل يساعد على المحافظة لوجود اليهود في إسرائيل، لأنها ‏أرض الميعاد وأن المسيح لن يعود إلا ببقائهم في تلك الأرض، وعلى المسلم واليهودي ألا ‏ينصهرا في هذا المجتمع، منفصل يضطهد هذا هذا ولا ينتمي إليه، وحينما كبرت كان ‏يُسيئني هذا الانفصال، ورحلت في الأرض وأنا أنشد تحقيق النجاح والسعادة، تعددت ‏مفاهيم السَّعادة عندي أفي المال، أم الزواج، أم العلم ولكنني لم أشعر بالسعادة يوماً رغم ‏توفر كل تلك العوامل لدي، وتوصلت إلى حقيقة أكيدة منذ دخلت الإسلام أن السَّعادة ‏شعور ولذة ومتعة يشرح الله بها القلب عند الوضوء، ومن ذاق عرف حلاوة الإيمان، ‏والتَّفكير الإيجابي هو مفتاح السَّعادة وبناء الشَّخصية النَّاجحة، وصناعة النَّجاح ليس له ‏عمر المهم وجود الرغبة.‏


بينما كانت نعمة تهمس في آذان الجميع سيرة اهتدائها إلى نور الحقيقة سرحت بسمة بين ‏تلك الحروف لماذا لم يكن لي جدة كباقي البشر تحكي لي تاريخ الأسرة؟! لماذا لم أشعر ‏يوماً بأن لنا جذور حقيقية؟! أمور عديدة لا اختيار لنا بها نأتي إلى الدنيا نجد أنفسنا ‏محكومين بها أهلي، اسمي، وطني، ديني، هي أمور تفرض علينا، هل بعد ذلك كله يمكن ‏للمرء تخطي كل تلك القيود المحتومة عليه ليختار ما يريد، ويضمن نجاح وصحة ما يختاره، ‏وخصوصاً في عصر كهذا العصر الذي ظهرت فيه كل المتناقضات العجيبة؟!!. ‏
__________________

رواية زهرة النَّار للكاتبة أمل التّميمي (شرخ الهجر)
فكرة الغلاف: وديان التَّميمي.
رسم الفنانة: سجى العيَّاش.



الأستاذةالكريمة : أمل التَّميمي .‏
تحية طيبة لمقامك الرفيع ..‏



قرأت زهرة النَّار، وعِشْتُ مع روايتك يومين، لا أدري كيف أصفها، و لكنها رائعة و ‏جميلة، وضعتي حروفَك ‏على أسطرِ المجتمعِ لتُظهري نُقاطَ الحياة في تعاملات الناس، بين ‏بعضِ الأسطرِ كلماتٌ هيَ حكمٌ و إضاءاتٌ ‏راقية ، تسلبُ لُبَّ الملتقِطِ شوارد الفرائد ‏لجودتها و جمالها ، اقتبستُ شيئاً فحمَّرْتُه و أفردته .‏


أقيِّدُ لكِ تقديري الكبير لقلمكِ الرائع، و الأكملُ من التَّقدير لذاتِك العالية الصَّافية ، ‏أفتخرُ بقرآتي روايتك فلكأنني ‏أشْتَمُّ عبقَ زهرة النَّارِ مع إحراقها، و هي لفتةٌ في العنوان ‏جميلة ، أتمنى لو طالت الرواية، و لكن لا شيءَ باقٍ ، ‏و روايتك تبقى لبقاءِ سموِّ فكرِك .‏



تحيتي و تقديري مجدداً . عبد الله العُتَيِّق






سبحان الله وبحمده

والحمد لله

وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
شرخ الهجر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2008, 05:36 AM   #4 (permalink)
صديق نشيط
 
الصورة الرمزية شرخ الهجر
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 527
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 191
شُكر 51 في 31 موضوع
شرخ الهجر is on a distinguished road
افتراضي زهرة النار (الفصل الثالث عشر‏....مُنظمة فرس البحر)

الفصل الثالث عشر‏
مُنظمة فرس البحر ‏
‏[... كائن تكمن وراءه العديد من الأسرار..وله ‏صفة فريدة فدائماً يرفع رأسه ويضم أرجله أمامية ‏ويقف وقفة ابتهال وتعبد للخالق عز وجل..‏‎[‎







انتهت الحفلة وصممت بسمة أن تذهب لبيتها استعداداً للامتحان في يوم الغد وافقت سهام بسمة ‏شريطة أن تصطحبها، وكأن بسمة تريد أن تتملص من سهام بحجة المراجعة، ولكن سهام ‏وبذكائها المعتاد أقنعت بسمة بأنها لن تشغلها عن الاستذكار وأنَّها متشوقة لرؤية بيتها ورفقتها، ‏ورافقت سهام بسمة حتى تطمئن أن الأزمة عدَّت بسلام ولا تعود لشقيقتها.‏


دخلت الأختان البيت ... ثم أبدت سهام شدة إعجابها بذوق شقيقتها الراقي و بالتغيرات التي ‏أجرتها بسمة على بيتها قائلة لها:‏
‏-‏ تغير رائع يا بسبوسة بيت عصري.‏

أصبحت سهام تتجول بالبيت مبهورة بقطع الأثاث والإكسسوارات ثم قالت لشقيقتها:‏
‏- ولكن من أين أتتك هذه الفكرة؟ تصميم البيت حيطانه وأثاثه وإكسسواراته بهذه الغرابة ‏المبهرة يا بسمة؟ ‏
‏ ردت بسمة على سهام بثقة رافعة حاجبها إلى الأعلى قائلة:‏
‏-‏ حتى تعرفين أن أختك ليست هينة....وارتفع صوتاهما بالضحك .‏
‏-‏ ولكن ما هذا الكائن الغريب يا بسبوسة؟
‏ - إنه فرس البحر يا أختي سهام. ‏:


‏- واو مشاء الله يا بسبوسة شيء رائع روعي في كل التَّصاميم وجود فرس البحر المظلات ‏البراويز فتحات النوافذ نافورة المياه حتى أحواض الزرع، وما يزيد البيت جمالاً وغرابة أنه كائن ‏غريب. وبل يمكن أن يكون نادراً اقتباسه في الجانب الفني. كيف خطر على بالك يا بسبوسة؟‏


‏- هذا الكائن يا أختي سهام يعيش داخل سراديب وتحت الأحجار المرجانية ومع هذا يأخذ ما ‏يريده بقوة....‏
ثم تقدمت بسمة خطوات إلى أن وقفت في منتصف قوس يفصل الصالة الكبرى عن الأخرى المطلة ‏على نافورة، وقد وقف على أطراف القوسين فَرَسَا بحرٍ و قد تَشَابَكا رأسيهما من أعلى ، ثم قالت ‏بسمة:‏
‏-‏ هذا ذكر فرس البحر يا أختي سهام.‏:



وحدقت بسمة نظرها في فرس البحر طويلاً وكأنها نسيت بأن سهام بجوارها ثم تنبهت لذلك، ‏ثم تابعت قائلة:‏
‏-‏ ‏ هذا ذكر فرس البحر وهذه التي أمامه زوجته، وبعد أن تنتهي عملية التزاوج مباشرة ‏تفصل الزوجة الرأس بضربة واحدة، فيموت الذكر أبشع ميتة.‏


ساد الصمت قليلاً ثم قاطع هذا الصمت صوت سهام قائلاً:‏
‏- سبحان الله...ولكن ما يذهلني حقاً والغريب كيف خطر على بالك هذا الكائن وكيف تعرفين ‏عنه كل هذا؟ ولماذا هذا ال***** بالتحديد؟! أنا شبه متأكدة أنه لم يفكر أحداً بهذا الكائن من قبل. ‏بحيث يشغل حيزاً لتصاميم فنية مثل الطواويس،والطيور، والفيلة، والخيول. هل اقتبست هذه ‏الفكرة من أحد يا بسمة؟


ردت بسمة على سهام بصوت ضاغط على الحروف وعينين مبحلقتين محاولة بلع كلماتها ‏وتخبئة حروفها، وبرأس قد أثقلته مؤخرته حتى أسقط بكاهله على حافة بطن الفرس الذي كان ‏خلفها قائلةً:‏
‏- الفكرة أعجبتني يا أختي سهام منذ عرفت أن فرس البحر هو الكائن الذكري الوحيد الذي ‏يُكوى قلبه على ولده فيموت قبل أن يراه، ولا يمكن أن يعيش مع ابنه!! والأنثى هي فقط يكون ‏لها الحق بالأمومة. والمرأة من بني البشر هي فقط من تتألم دائماً بالحمل و مخاض الولادة ثم يُسلب ‏منها وريدها وتبقى بلا دماء، قد تكون هذه أمنية مني أن يشاطر الذكر الأنثى في تلك الآلام.‏

ردت سهام على بسمة بشعور ممزوج بدهشة وحزن، تريد تفسيراً لهذه الألغاز.‏
‏- أأنت تقولين مثل ذلك يا بسمة!! فكيف بك لو كان عندك أربع أولاد أو أكثر وأخذهم ‏والدهم منك غصباً!! أو مات لك ولد !! فأحمدي الله. وألم نتفق يا بسمة أن التفكير الايجابي ‏مفتاح السعادة، وتغير العقلية يؤدي إلى نتائج مختلفة، ومعنى آمنت بكلمة التوحيد أتلقى الطاعة ‏المتناهية لقضاء الله وقدره؟. وإذا كان يؤلمك أنك لم ترزقي بأولاد بعد، فقدرة الله فوق كل قدرة، ‏نحن دوماً نستعجل الأمور ولا ندري أين الخير. ]


ثمَّ تقدمت سهام نحو عريش بشكل إخطبوط وبه باراً قد ملئته الكؤوس والقوارير الصغيرة والكبيرة ‏والنحيلة والطويلة، وضوته الشموع بعتمة كثيفه، وكساه السواد بإكسسوارات داكنة تحجب ‏الضياء الخفيف الذي ينبعث من جوانب الأشياء، تلمست سهام ما ملئ أحواض البار مسحوق ‏قهوة، لفافات سجائر، أوراق ليمون وأشياء كثيرة لا تعرفها، ونظرت إلى بسمة بعينين تتحدثان ‏بحديثٍ تطول في شرحه الكلمات...؟ ‏


ولكنه سبق صوت سهام صوت بسمة قائلة لها:‏
‏- هكذا أصبحت معظم البيوت العصرية يا سهام لا بد وأن تحوي باراً له دلالة رمزية مهمة ‏للشباب في الحفلات الراقصة للتسلية فقط. هذا العريش من تصميمي أيضاً يا سهام يشعرك أنك ‏في غابة ولكنها في وقت الخريف، وتناثر الأوراق تحت العريش يزيد المكان واقعية، أتعرفين أغنية أم ‏كلثوم التي تقول فيها: "تناثرت أيام هذا العمر كما تناثرت الأوراق حول الشجر، هكذا نحن ‏الشباب......" ‏

لم تعلق سهام على كلام بسمة وشعرت أن نظراتها كانت تكفي لإرباكها أكثر مما هي فيه، بل أنها ‏أشفقت عليها مما حصل بها من تخبط في الكلام وانتقلت إلى زاوية أخرى وبابتسامة كاذبة، وبخطىً ‏تعاندها على اكتشاف المزيد بصحبة شقيقتها تجبر خطاها على الزحف تجر بها خيبة بعد خيبة ‏‏..... وبصوت يتمرد على الحروف قالت سهام لبسمة :‏


‏-....أحم أحم..... ورفعت رأسها وهى تتحدث حتى تبتلع عينيها الكلمات، وحتى لا تتلاقى ‏النظرات فتفضح هذه هذه وتصيد هذه هذه....قائلة: رائعة يا بسبوسة تنم تناسق الألوان على أن ‏في داخلك فنانة رائعة ولكنك تركزين على الألوان الباهتة كنت تحبين لون الربيع، أما زلت ترسمين ‏يا بسبوسة؟؟؟؟؟
‏- أزاول هذه الهواية من حين لآخر وأحياناً كثيراً أمزق ما أرسمه، لا أحب الاحتفاظ بالصور ‏واللوح أتخلص منها فوراً.‏


‏- أنا عكسك يا بسبوسة لأحب التفريط حتى بقصاصة رسمت عليها فكرة، أين مرسمك إذن؟!! ‏أما زال في البدرون؟!! كم نصحتك بتغير مكانه خوفاً عليك من رائحة الألوان.‏
‏ ارتبكت بسمة في الرد على سهام وغيرت مجرى الحديث ومسكتها من يديها وطلبت منها ‏الصعود للطابق العلوي استعداداً للنوم.‏


كانت سهام تشعر أن بسمة تخفي في البيت شيئاً ما لا تريدها أن تراه، راودتها الشُّكوك وأرادت ‏أن تقطع الشك باليقين. وبعد أن اطمأنت سهام أن بسمة قد غطت في النوم قامت تتجول في ‏البيت، بدأت بالطابق العلوي، لم تجد به أي شيئٍ غير طبيعيٍ، نزلت سهام وإحساساً كبيراً يمتلكها ‏بأنها سيفاجئها شيئٌ في البيت. تجولت في الطابق السفلي، ولم تجد أي شيء كذلك، تقدمت ‏خطوات بترددٍ شديدٍ في النزول إلى البدرون، لأن بسمة ركبت باباً له، وبعدها صممت النزول ‏ولكن للأسف وجدت الباب مقفلاً. فتََر الحماس في نفس سهام لمعرفة ما في البدرون لأنها لم ‏تستطع أن تحل عقدة المفتاح عادت سهام للصعود مرة أخرى. ‏

استيقظت سهام مع بسمة في الصباح وكأنها قد نامت لتودعها قبل ذهابها للجامعة. وهما تفطران ‏أخترق أذنيهما دوي انفجار وطلقات رصاص ركضت سهام نحو التلفاز وفتحته، لم تجد ما يفسر ‏لها وأخذت تقلب في القنوات وبعد قليل يصعق سهام خبر انفجار في الخبر بـمركز الواحة على ‏أيدي الإرهابيين، أي أنه قريب منهم.‏


تسمرت بسمة لثوان معدودة تنظر في الصور المعروضة دماء ودمار، زجاج نوافذ محطمة وركام ‏غبار يكسو كل الأشياء. وفجأة تشنجت يداها وتعكف ظهرها في انحناءة خفيفة، وصرخت ‏صرخة دوت في زوايا البيت وكأن أحداً يصرخ من معدتها بمكبر يفوق صوت الانفجار الذي ‏اخترق مسامعهم، وتلاها صرخات وصرخات رُعبت سهام من منظر بسمة، ملامحها تتغير عيناها ‏تصبح أكثر بروزاً وكأن أحداً يعتصرها.

ركضت سهام مذعورة من حالة شقيقتها إلى الهاتف تحدث أخاها بسام ليساعدها ولكنه خذلها ‏بقوله :‏
‏- أنت إنسانة فاضيه جايتنا تمتحنينا ببسمة وبمشاكل بسمة أنا ما صدقت ابتعدت عنهم وارتحت ‏منهم دبري نفسك خلي هالتيس زوجها وينه يوديها....‏

لم يكن بمقدور سهام تهدئتها على الإطلاق، وحالة الهيجان التي اعترت بسمة تحول دون حملها ‏للمستشفى مع السائق، وبعدها لجأت إلى أخيها باسل...ليحضر طبيب بسمة ، وخابرت سهام ‏طبيب بسمة المعالج تترجاه الحضور لأن حالة بسمة سيئة للغاية.‏

لم تستمر حالة بسمة هكذا طويلاً بل ركضت باتجاه البدرون, أخرجت ميدالية مفاتيح وفتحت ‏باباً بعده باباً وآخر وآخر.....ثم تسللت إلى ظلام قاتم عندها توقفت خطى سهام، ولم تتابع سهام ‏خطوات بسمة بل وقفت تنتظر باسل والطبيب، ازداد رُعب سهام لمنظر شقيقتها وهي تسير ‏وكأنها عجوز بخطوات متخبطة وظهرٍ منحنٍ وصوت يقشعر السَّامع لم يكن صوت بسمة الأنثوي ‏الناعم كان صوتاً خشناً محشرشاً يتخلله شخيرُ مخيف.‏


وصل باسل والطبيب، لم يكن هناك كهرباء في المكان الذي تسللت إليه بسمة، اتجهت سهام نحو ‏البار وأخذت منه شموع وأضاءتها. ودخلت مع الجميع ينزلون السلالم بحذرٍ شديد ولأنهم في كل ‏مرة يصدمون ببابٍ جديد استغربوا الأبواب الكثيرة التي بدت لهم ...كان البدرون يبدو وكأنه ‏مغارة أو كهف تسكنه الأشباح وصدى صراخ بسمة الخشن يزيد المكان رعباً.

كانت بسمة تصرخ بدوي يتبعه الصدى قائلة:‏
‏- أبي مات قتلوه المقنعون......آه آه آه.....‏
التفت الطبيب على الفور إلى سهام هامساً:‏
‏-‏ هل الوالد توفى في هذا الحادث؟
فأجابته في رعب لا!!! ولكن يا دكتور أبي توفى منذ سنوات... ولكنه في حادث مماثل في ‏انفجار إسكان الخبر وكان وقت امتحانات الساعة العاشرة ليلاً.‏
وتابع الطبيب:‏


‏-هل كنتم تسكنون في ذلك السكن؟
‏- لا ولكن كان أبي في زيارة لضابط صديقه كان يسكن هناك ولشدة الانفجار تحطمت النوافذ ‏وسقطت معه ستارة كانت تعلو رأسه وتوفى في الحال -رحمه الله-.‏
تسللوا المكان وأخيراً بدت بسمة من بين ركام أثاث غير واضح المعالم، وتزيد الظلمة الأشياء طولاً ‏مرعباً، وكانت ملتفة بعباءة سوداء وتجوربت بالسواد، قفازات وجوارب للقدمين. وحينما رأت ‏الداخلين عليها صرخت ناهرة لهم متحدثة بلغة عربية فصيحة:‏


‏-‏ أخلعوا نعلكم إنكم في مكان مقدس....‏
الخوف جعل الجميع يستجيب لها، قالت لها سهام:‏
‏-‏ يا بسمة ...لم تكمل سهام حتى صرخت بسمة في وجه سهام :‏
‏- أنا لست بسمة إن بسمة ضعيفة إيمان أكرهها كافرة فاجرة داعرة تحب الرذائل أنا الزُّهد أنا ‏المؤمنة التقية أُصلي ولا أشرب خمراً ولا أراقص الرجال ولا أدخن وليس لي أي صلة بالحضارة ‏التي تعرفها تلك الفاجرة أرأيت مخدعي حصير؟ وزادي الماء واللبن والتمر، لا أملك من الدنيا ‏سوى هذا الثوب الحقير أستر به جسدي، أريد الآخرة.‏


قاطع الطبيب صوت بسمة المشروخ رحمة بحنجرتها من التَّمزق، شعر وكأن الدماء تترقرق مع ‏الكلمات وقال لها:‏
‏-‏ حسناً يا الزهد أتسمحين لنا بالدخول نحن نكره بسمة مثلك نحن نخاف الله....‏
‏- نعم ادخلوا إن كنتم على ديني وتُكفرون هذه الفاجرة. ولكن هيا فليتوضأ الجميع ولتصلوا ‏معي....‏
أشار لهم الطبيب أن يستجيبوا لأوامرها كانت تريد منهم أن يتوضئوا بطريقة بدائية من طشت ‏ملئ بالماء، ثم أذنت بصوت عالٍ وصلت بهم، وبيديها مسواك تحمله حتى في الصلاة ثم تتحدث ‏إليهم بأمور لها علاقة بالحرام والحلال، ثم تعود للصلاة وبصوت مشروخ تارة تتحدث وتارة ‏أخرى تصرخ. ويتكون حول شفتيها زبداً أبيضاً، ثم تشرب ماءً تصبه بيديها من الطشت ذاته ‏الذي تتوضأ منه كل مرة تريد الصلاة.‏


رحمت سهام شقيقتها وهي تشرب من ذلك الماء الوسخ وقالت لها:‏
‏-‏ سأحضر لك كأساً لتشربين منه...‏
وما أن قالت سهام ذلك حتى عاود بسمة الهيجان، وأخذت تسعر وتصرخ في وجهها قائلةً:‏
‏-‏ أدوات الكفار حرام لا استخدمها مثل بسمة....‏
لاطفها الطبيب حتى هدأت ثم حقنها بإبرة مهدأة ونامت.وقال الطبيب لسهام:‏
‏- يبدو أن بسمة بها فصام وجداني، اكتئاب يصيب المريض نتيجة لخسارة أو فقدان عزيز أثناء ‏طفولة المريض.‏

حملق باسل في الطبيب وهو يتحدث وقال له:‏
‏- أجنت بسمة يا دكتور؟!! قد يكون وراثة يا دكتور إن جدي؛ والد أمي أصابه مرض مشابه ‏لهذا، وبسمة لم يظهر عليها عوارض للمرض من قبل وكانت شخصية محبوبة ورائعة تحب الرقص ‏والمرح...‏
رد الطبيب على باسل بلطف وطمأنه قائلاً:‏
‏- إن بسمة مريضة وستشفى بأذن الله، والفرد المهيأ للفصام ولد مهيئاً بجهاز عصبي ومورثات لها ‏الاستعداد للفصام، ولكن لسوء حظ بسمة لابد وأنها نشأت في بيئة ساعدت كثيراً على اكتساب ‏أعراض الفصام.‏


وتابع الطبيب كلامه وهو ينظر إلى المدخل الذي تسللوا منه... ‏
‏- ولكن السؤال لماذا لجأت بسمة إلى هذا المكان المخيف ولماذا كل هذه الأبواب؟ ‏
وقف الطبيب وهو يحدث باسل وأخذ يلتفت يميناً ويساراً محاولاً اكتشاف المكان قائلاً:‏
‏- إن الشخصية الفصامية يا باسل تستطيع النَّجاح في حياتها العامة، ويختار لنفسه الوظيفة المناسبة ‏والشريك الملائم والعكس صحيح ...وفي الحقيقة هو ليس مرضاً في الإطار الطبي مثل الزكام ‏والمغص، ولكنه نوع من الاغتراب يختلف عن الشُّعور الاغترابي المتداول، فالفصام حقيقة اجتماعية ‏وحدث سياسي، يؤدي إلى الانطواء، وأحياناً إلى سلوك إجرامي مضاد للمجتمع ...ببساطة ‏يترعرع مع الحضارة.‏

بعدما تأمل الطبيب الأبواب زاد حماسه لمعرفة سر مرض بسمة، وسر لجوؤها إلى هذا المكان ‏المرعب؛ لذلك تجول في المكان يتأمل وينظر حوله..يجد خيمة، سجادة وفي آخر المكان رسومات ‏اقترب الطبيب منها وسلط عليها ضوء الشمع كانت جميع الرسومات بها صورة امرأة تكررت في ‏كل الصور، وفي كل صورة مجرمة بطريقة مختلفة مرة بصورة تقتل رجلاً، ومرة تخنق طفلاً، ‏وأخرى بشكل ساحرة..... طلب الطبيب من سهام مشاركته النظر في هذه الرسومات الغريبة ‏لأنها قد تكون مفتاحاً لحل لغز لجوء بسمة لهذا المكان ؟ ‏

نظرت سهام إلى الصور ركزت أكثر وأكثر ... قتلها منظر تلك الصور؛ لأن وجه والدتها كان ‏يتكرر بصورة بشعة مرعبة في كل صورة...بلعت سهام صدمة ما رأت وكأنها سكين بالعرض ‏نشبت في حلقها، وقالت للطبيب:‏
‏- يبدو أن بسمة كانت مولوعة بالسريالية في فنها فهم لا يرسمون سوى ما هو عجيب...‏
واستدار الطبيب إلى سهام قائلاً:‏


‏- ولكن إن كانت بسمة من رسمت هذه الرسومات فإنها محاكاة للوعي الباطن فهذه الصور ‏كحال التحليل النفسي والتنجيم. هل بإمكانك أن تقولي لي ما الذي يميز السريالية؟ ‏
‏- حسناً يا دكتور ..نتيجة لإرهاصات نفسية واجتماعية اجتمعوا مجموعة من الشعراء الألمان لما ‏يعانونه من قلق وخوف وتلاشٍ هدفهم في الحياة إطلاق الخيال لإيجاد إنسان حر.... فنشأ الانتحار ‏لتحصيل الإلهام والمغامرة وإن أدت إلى الجنون، وكان هذا بعد الحرب العالمية الأولى تقريباً...ومن ‏روادها سلفادور دالي.‏
ثمَّ استدار الطبيب وكانت هنا المفاجأة الكبرى زاوية مملوءة بالأسلحة اقترب أكثر ليتأكد نعم ‏أسلحة، نظر إلى سهام يريد تفسيراً لما يراه...وهكذا أصبح السرداب والكهف كل زاوية فيه تمثل ‏لغز يريد حلاً وكل الأسئلة حائرة بدون بسمة.‏

وبعدما استعادت بسمة وعيها أقنعها الطبيب بأن تساعده على تجاوز مشكلتها، وتثق به وبتجاوبها ‏معه ستصل معه لحل المشكلة التي تعاني منها وإخراجها مما هي فيه وأكد على أن تحدثه بكل ما ‏يسألها عنه بصراحة، وحتى يُسهل عليها المهمة سيحقنها بحقنة....تجعلها تسترخي وتقاوم الحرج ‏من الامتناع عن بوح ما بداخلها.‏


وبعد عدة جلسات بدأت بسمة تتجاوب شيئاً فشيئاً مع الطبيب، لأنها شعرت بنوع من الرَّاحة في ‏الحديث مع أحدٍ يسمعها. وطلب الطبيب من سهام مساعدته قدر المستطاع لأن مرض بسمة يبدو ‏غريباً عن المرض الفصامي المألوف. وخصوصاً مسألة الأسلحة، وذكر لها بأن من أعراض الفصام ‏المعروف اضطراب التَّفكير عند المريض؛ بمعنى يتحدث المريض ثم يتوقف التَّفكير لديه ثمَّ يتحدث في ‏موضوع آخر، عكس الاكتئاب تماماً يتوقف فيه المريض عن الحديث، أما بسمة تعاني من الفصام ‏والاكتئاب في الوقت نفسه، وكذلك يعاني مريض الفصام اضطراب الوجدان؛ فتقل قدرته على ‏الاستجابة الانفعالية مع نقص الشعور بالألفة والعطف والحنان في حين أن بسمة تستجيب للعاطفة ‏وتملك قلباً كبيراً للحب والكره في الوقت ذاته.‏
__________________

رواية زهرة النَّار للكاتبة أمل التّميمي (شرخ الهجر)
فكرة الغلاف: وديان التَّميمي.
رسم الفنانة: سجى العيَّاش.



الأستاذةالكريمة : أمل التَّميمي .‏
تحية طيبة لمقامك الرفيع ..‏



قرأت زهرة النَّار، وعِشْتُ مع روايتك يومين، لا أدري كيف أصفها، و لكنها رائعة و ‏جميلة، وضعتي حروفَك ‏على أسطرِ المجتمعِ لتُظهري نُقاطَ الحياة في تعاملات الناس، بين ‏بعضِ الأسطرِ كلماتٌ هيَ حكمٌ و إضاءاتٌ ‏راقية ، تسلبُ لُبَّ الملتقِطِ شوارد الفرائد ‏لجودتها و جمالها ، اقتبستُ شيئاً فحمَّرْتُه و أفردته .‏


أقيِّدُ لكِ تقديري الكبير لقلمكِ الرائع، و الأكملُ من التَّقدير لذاتِك العالية الصَّافية ، ‏أفتخرُ بقرآتي روايتك فلكأنني ‏أشْتَمُّ عبقَ زهرة النَّارِ مع إحراقها، و هي لفتةٌ في العنوان ‏جميلة ، أتمنى لو طالت الرواية، و لكن لا شيءَ باقٍ ، ‏و روايتك تبقى لبقاءِ سموِّ فكرِك .‏



تحيتي و تقديري مجدداً . عبد الله العُتَيِّق






سبحان الله وبحمده

والحمد لله

وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
شرخ الهجر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2008, 05:55 AM   #5 (permalink)
صديق نشيط
 
الصورة الرمزية شرخ الهجر
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 527
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 191
شُكر 51 في 31 موضوع
شرخ الهجر is on a distinguished road
افتراضي (الفصل الرابع عشر...تسكع الضباع في زمن النعام)

الفصل الرابع عشر
تسكع الضباع
في زمن النعام



وتمضى سنوات وبسمة حالتها بين انخفاض وارتفاع، وأدرك الطبيب أن حالة بسمة ‏انفصام متعدد الشخصيات فتارة تسرد له الدُّهيماء تشتتها، وأخرى تملي عليه الزهد ‏أوامرها، ومرض بسمة لغز معقد أصر الطبيب على فكه وحله، ولا بد له من حيلة حتى ‏تدرك بسمة مشكلتها الحقيقية بشخصيتها الحقيقية.‏‎


‏-‏‎ ‎والآن يا بسمة حتى تتهيئين لكي تعيشي بشخصيتك الحقيقية وتُصحح لك المفاهيم ‏الخاطئة، فإنني سأخضعك لطريقة العلاج الجماعي، بحيث أجمع لك بعض المرضى في مكان ‏واحد، وهن تسع مريضات وأنت العاشرة يا بسمة وهناك من ستكتب مشاعرها مسبقاً ‏لأنها تعجز عن الغوص في نفسها سريعاً أمام الناس وتحتاج إلى وقت للتفكير، ومنهن من ‏ستتحدث مباشرة عن مشكلتها. ولكي تنظرين إلى مشكلتك بعين بسمة ضعي مرآة ‏وفرقي بين مشكلة بسمة والدهيماء والزهد وحددي مشكلة بسمة بعيداً عن هذين ‏الشخصيتين.‏


‎خرجت بسمة من عند الطبيب وهي مثقلة الهموم بالتفكير كيف تضع لنفسها مرآة ‏وترى نفسها كما يقول لها الطبيب، أصبحت تنظر للمرآة وتمسك بالقلم تكتب حروف ‏مقطعة ثم تمزقها، ثم تكتب حروف مجتمعة ثم تمزقها، ثم تكتب جمل لا رابط بينها ثم تمزقها ‏وهكذا إلى أن حُدد اليوم الموعود للاجتماع، وهذا اليوم يوم عصيب على بسمة ليس ‏كأي يوم، أول مرة تتذكر فيه يوم الحشر كما صوره لها الطبيب حتى تَصدق مع نفسها، ‏فكتاب العبد ليس هو من يكتبه فهناك كتبة عن يمينها وعن شمائلها لا يجملون القبيح، ولا ‏يحللون الخبائث ولا يزيفون الحقائق، ولا يختلسون المواقف المخزية. أقلامهم لا تداهن ولا ‏تجامل، وأوراقهم لا تتمزق فكتابهم مرقوم وهو المرآة الحقيقية للداخل.‏



‎ ‎اجتمعت المريضات وترأس الطبيب الوفد وترك لهن حرية الاختيار في طريقة السير إلى ‏الحجرة المعدة للاجتماع وكذلك حرية اختيار الأماكن، تمايلت بسمة بجسدها بمشية ‏متسكعة وشرعت تبرز مفاتنها أمام الحضور. جلسن جميعهن الواحدة تلو الواحدة كأنهن ‏في امتحان على الكراسي المصفوفة، وبسمة عينيها ترقب الأماكن من بعيد لم يعجبها أي ‏مكان، ولم يبقَ أحد واقفاً غيرها، ثم تلفتت تبحث عن مكان يناسبها، ووقعت عينها على ‏أريكة تتصدر الحجرة في الجهة المقابلة لكراسي الحضور، قاست المسافة بعينيها، وانتظرت ‏ثوان ثم قررت التقدم إلى الأريكة والجلوس عليها. ثم قال الطبيب:‏



‏- تبدو المسافة بيننا بعيدة للتواصل يا بسمة.‏
‏- إن أنا اقتربت منكم لن تروني جميعكم، وسأكون ضمن الجميع، فكلما بَعُدتْ عنا ‏الأشياء حدقنا بها النظر لنرى تفاصيلها، وكلما بعد الصوت يعود معه الصدى، فمن فاته ‏الصوت أدركه الصدى. وإن أنتم اقتربتم مني فلن أجد فرصة للتأمل في التفاصيل البعيدة، ‏وسأُشغل بنفسي عن التلفت بمن حولي.‏
‏- حسناً يا بسمة سأتقدم أنا في منتصف المكان وستكونين أنت في أول القطر والجميع في ‏آخره، فهل تودين بأن تكوني أول من يتحدث.‏


‏- فليسمح لي الجميع بأن أكون ما يتوسط المسبحة وآخر ما يسقط بعدما تفرط.‏
‏- إذنْ ، اختارت لكم بسمة طريقة مريحة لفرط السبحة لتسير بطريقة دائرية من أولها ‏لآخرها، دون أن يكون هناك شك أو ريب في الأدوار، لتفرط السبحة من أولها وها نحن ‏نقطع حبلها لتسقط خرزاتها.


‎اسمي غدي-1-:‏‏-

لم أكتب مشكلتي لأنني أكره القلم والأوراق والقراءة، سأقص عليكم قصتي بدأت ‏مشكلتي في الكلية كانت لي صديقة قطعت دروبا طويلة معها محشوة بالمواقف الحزينة ‏والسعيدة ومع كل موقف تكشف لي شخصيتها رمزاً للوفاء والصدق، وتكشف لي أيضاً ‏من بين تلك الشخصيات شخصية تموت وتعشق وتسهر الليالي وتذرف الدموع ويحرقها ‏الشوق ويلهبها البعاد وترتجف للقاء. نوع آخر للحب حب الفتاة للفتاة، ولأول مرة ‏اكتشف هذا النوع من الحب، وفي البداية كانت تسير الأمور على محمل السخافة والعبث ‏ثم انتقل فيروس حبها لي وبأشد، وبعدما فتر الحب من جانبها انتقمت منها بعقد علاقات ‏مع فتيات أفحل منها لأحرك فتيل الغيرة في قلبها وأشوي غريزة التملك بها.‏‎ ‎ونسيت من ‏أجل ماذا أنا في هذا الوسط الكبير في الكلية ولم أعد أعرف إلا أنني أبحث وأتصيد في ‏شبكة من العيون ما تشبع غريزتي الشاذة وأصبحتُ في منتصف الطريق تتقطع بي السبل، ‏لم أستطع أن أعود كما كنت‎....‎وفي مفترق الطريق ها أنا ذا لا أملك سوى جسداً حقيراً ‏يُعبث به وأُرمى بعد ذلك في سلة المهملات‏‎..................‎وأعبثُ بغيري وألفظه كنواة ‏التمر في أي طريق وبأي طريقة.............هكذا أنا فهل لواحدة مثلي أمل في علاج، أم ‏أنني استسلم وأقول أصبح كثيرات مثلي!!في هذا الكون الفسيح الواسع.‏


ثم قدمت نبيلة -2- ورقة إلى الطبيب طلبت منه أن يقرأها على الجميع:‏
لم يترك لها منفذاً إلاّ وسدّه، ولا وهجاً من نور إلاّ وأطفأ سراجه، أضناها الركض، ‏وأعيتها السبل في العثور على أبنائها، قطعة من جسدها سُرقت منها، بذور بذرت في ‏أحشائها ونبتت البذرة الصغيرة من دمها ورعتها في أحشائها حتى أينعت وأصبحت ثمرة ‏لمستها بمسك أناملها، واحتضنتها وأرضعتها من ثديها ودقات قلبها تضخ مع دقات قلوب ‏أطفالها، قاسموها دمها وهم في أحشائها وغذائها وهم بين أحضانها‎.‎
خمس ثمرات كبرت بين يديها، كانت لهم الشجرة العظيمة الظلال الوارفة الخير تظلل ‏أبنائها بفيها، يتحلقون حولها ترويهم من نبع حنانها وحبها وتحميهم بدفئها. ولكن تسلط ‏على تلك الشجرة العظيمة الوارفة حطاب قاس وبتر الفروع واقتلع الجذور، وهي ذي ‏الشجرة من محكمة لمحكمة تطالب باسترجاع ثمارها المحصودة قبل موسم الحصاد، كأن ‏الرجل لم يخلق إلا ليتفنن في تعذيب المرأة وسرقة أبنائها، وكأنه المالك الوحيد لهذه ‏الأجساد التي بذرتها في أحشائها، يسرق ويهرب ونظل طوال العمر نبحث عن المسروق، ‏كل الرجال سارقون كل الرجال ماكرون.‏
وبعدما فرغ الدكتور من قراءة الورقة ارتفع صوت بأنين يجهش بالبكاء قائلاً:‏


‏- كل النساء مساكين لا يملكون سوى البكاء، أرجوك يا دكتور تسمح لي بأن أفرط ‏خرزات السبحة ليصل الحبل عندي واسقط قبل غيري لأنني مثل نبيلة، سرقوا مني بنتاتي ‏والسارق لم تقطع يده نكالاً بما فعل.‏
‏- تفضلي يا منال -3-:‏
‏- قبل تسعة عشرة عاماً تزوجت من شاب أحببته حباً شديداً، وحملت من أول شهر ‏واكتشفت بعد ولادتي أنه يتعاطى مخدرات، وما أخفاه عني ظهر علنا أمام الناس فابنتي ‏ظهر بها أثر المخدرات بإعاقة على وجهها، فصبرت لأن الله عوضني بحب أهل زوجي ‏إكراماً لصبري على ولدهم، وبعد البنت الثالثة، توفى زوجي إثر تعاطيه جرعة زيادة، وبعد ‏موته اكتشفت أنني حامل، لأرزق ببنت رابعة. وبعد أن عركتني الحياة ثلاث عشرة عاماً ‏بدون زوج، وكبر البنات، تزوجت بالخفاء من رجل له زوجة، فقط ليعينني على فتن ‏الحياة وعراكها، خوفاً من أهل زوجي لأنهم دوماً يهددونني بأخذ بناتهن إن أنا تزوجت، ‏وكأنني ارتكب حراماً تزوجت بالخفاء. وقالوا لي الناس شرعاً إن أنتِ تركتي بناتك مع ‏والدتك لن يأخذوا بناتك، فزوجي في شقة وبناتي في شقة مقابلة مع أمي، وبعد أن صانني ‏الزوج وأعانني الأب، اكتشف أهل زوجي أن لهم بنات لابد وأن ينزعونهم من أمهم خوفا ‏عليهم من زوج الأم، ولم يتذكروا أنني طحنتني الحياة طحناً خوفاً عليهم من طاحونة ‏الحياة، وحرَّموا علي ما أحله الله، ورفعوا القضايا، وزرعوا الفتن بيني وبين بناتي، وما ‏أفنيت عمري وشبابي من أجله، مستقبل بناتي أراهن يسقطْن في هوة هذه الحضارة ‏الحقيرة، فقد كَوَنَّ فرقة غناء يحين لياليهن بالأعراس، فمن يتحمل ضياع بناتي بعد أن ‏نزعهن أعمامهن مني ليرمونهن في ظلمات الدفوف وضباب الدخان، ما الذي جعلهن ‏ينسقن وراء تلك الطبول، فلم أعد أطيق الحياة بدون الثمار التي بذرتها وسقيتها، وأيضاً لا ‏استطيع أن أعيش بدون الساقي الذي أعانني على طاحونة الحياة زوجي......فهذا حكم ‏البشر الظالم.....فهل للنساء أمثالي.....أن نستسلم للأمراض والآهات والدموع والصبر ‏لظلم البشر......................أم ماذا نفعل لبناتنا وكيف نرتق فتحات ‏الثوب؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ثم فجع الجميع هول ما ينظرون إليه، بصوت قائلاً: ‏


‏- أنا العنود -4- ولأول مرة أخلع النقاب عن وجهي بعد ذلك الحادث المريع، كان ‏ذلك اليوم المنتظر منذ شهور وأنا أعد لليلة عرسي، وكم كنت أتمنى أن يسطر التاريخ ليلة ‏زفافي وتطبع في أذهان كل من حضر الزواج أو سمع به، لقد كانت الدعاية تكفي لتتوق ‏كل نفس لحضور زفافي، آه ها هي البطاقات في يدي تسطر أحرفاً سيخلدها التاريخ.‏
هدهد قد لاح في السماء وأخبر عن عرس سيقام في قلب البراري، وبلبل صدح وغنى ‏شرفونا يا رفاقي، هذه زينة الأميرات كيلو بترا ستزف إلى أميرٍ ذا بساط، وحفلنا عرس ‏بهيج سيوقظ أهل التاريخ حتى يتحفونا بلباسٍ ‏‎....‎
ولم أكمل قراءة بطاقة الدعوة حتى قاطعتني أحدى الخادمات لتنبهني أن العربة التي أعددتها ‏خصيصاً لتنقلني إلى مكان العرس قد هيئت تماماً فهي على هيئة عربة الشمس التي تعود ‏لعصر الفراعنة التي كانت يحملون عليها الحجارة من القصر للقاهرة لبناء الأهرامات، ‏فأحببت أن يكون يوم زفافي يوم من أيام التاريخ فأقيم مسرح عرسي في قلب الصحراء ‏على هيئة الطراز الفرعوني بأهراماتهم ولباسهم وسحرتهم، والشيء الوحيد الذي تمنيته ‏وكان صعباً هي عربة الشمس لكي تُقلني إلى مكان عرسي ولكنني تغلبت على تلك ‏الصعوبات فالمال يصنع المستحيل، و منذ دخلت القاعة أطفأت الأنوار ولم يبقى سوى ‏الضوء المسلط عليَّ كانت الخادمات يمسكن بأيديهن عُصي وكأنهن السحرة وخرَرْن لي ‏ساجدات، كانت هذه الحركة مقصودة حتى يكتمل الديكور وتكون مصداقة في غرابة ‏دخول العروس هذا ما صممه لي منفذ الديكور للعرس، وما أن سجد لي الخادمات وإلاَّ ‏شبت بي النيران وأكلت فستان عرسي، ولحمي وطُمست معالمي، وقَبُحَ شكلي، ولم ‏يستطع المال أن يعيد جزءً من جمالي وعافيتي، وأصبحت أحيا بكفن أخفي به بشاعة ‏منظري، وأصبحت أعيش في تابوت قبل الموت، علَّ الله يغفر لي غفلتي وتطاولي وتقليدي ‏الأعمى وحب البروز والمظاهر؛ الذي لم أنتبه له إلا بعد ما ابتليت بهذا البلاء العظيم ...‏‎ ‎


‎ ‎ثم بسرعة ملفتة بدت خالدة وكأنها تسرع لتفريغ ما بداخلها‎ ‎وهي تقول:‏
‏-‏‎ ‎‏ اسمي خالدة -5- وجوفي قلب جريح يطاردني الشيطان في كل آوان وجعل مني بقعة ‏سوداء من كثر الآزمات. يرغمني والدي على التسول منذ أن كنت طفلة وحتى كبرت، ‏يوصلني إلى بوابات المطاعم والشقق المفروشة والإشارات، يدرسني أشكال عديدة في ‏التفنن لاستدرار جيوب الناس، فشلت في كل محاولاتي للهروب مما يرغمني عليه حتى ‏أصبحت إنسانة من داخلي محطمة مدمرة بت لا أفكر إلا أنني إنسانة فاشلة حقيرة ليس لها ‏أي أهمية أو أي كيان ليس بمقدورها إلا توليد المشاكل أُتعس كل من حولي، أصرخ أتألم ‏على ما يبدو مني أود أن أصبح محبوبة عاملة للخير ولكن لا أقدر على أن أكون طيبة لا ‏يحترمني أحد ليس لي رفاق ، والداي يضربانني وجسدي مليء بالبقع حاولت بشتى السبل ‏أن أرضي من حولي عني دون جدوى، كنت وأنا صغيرة أسرق من حقائب زميلاتي في ‏المدرسة ثم أشتري لهن حتى أتودد إليهن، وبعدما كبرت لجئت إلى لفت النظر بلبس ‏الماركات الباهضة الثمن حتى ألفت نظر من حولي في الكلية فهي أكثر ما تلفت النظر في ‏هذا ا لمجتمع الكبير والمفتوح، ولم يكنَّ يعرفنَ من أين ثمن السيارة التي يقودها سائق أسود ‏سعودي الجنسية، وخادمة تركض خلفي تحمل حقيبتي، حتى كشفت غطاء وجهي إحدى ‏الزميلات أمام إحدى المطاعم التي كنت أتسول أمامه. ‏

حرمني هذا الموقف من دخلي الشهري الذي أحياناً يصل إلى ستين ألف. وبعد هذه ‏الصاعقة بت أود قتل هذه التي حرمتني مما كان يعوض النقص الذي أشعره، فدوماً ‏متوسطة الجمال تحبطها أمها، فتجهد نفسها لتعوض ما ينقصها من مديح وإطراء، ثم ‏واجهتني مصيبة أكبر فكان كل من حولي يشعرني بنقصي لأنني لم أتزوج بعد، وفاتني ‏قطار الزواج، لذلك بدأت ابحث عن هذا الزوج في كل مجلة وانترنت حتى وجدت ضالتي ‏في إحدى مواقع الانترنت، وكان مبدأ الاتفاق على أنه زواج مسيار، ومؤخره ثلاثة ‏ملايين. فرحت بالأرقام التي كانت تعرض علي التي ستجعلني من الطبقة المخملية بدون ‏كدح، زواج بالسر يسمى زواج مسيار، ما المانع؟!! وبعد شروح طويلة أقنعني بأنه زواج ‏حلال، ولجهلي ولكثرة الضغوط من حولي حسبت أن الزواج المسيار يعني زواج بالسر، ‏وأصبحت أقابله في فيلا أعدها لمقابلته فيها، هذه الفيلا تعلو عمارة ضخمة ملك هذا ‏الزوج. عمارة كبيرة كثيراً ما يتردد عليها بنات بعمري...........دوامة عريضة طويلة ‏نُطحن بها لجهلنا..................................وأهلنا لا يدرون ‏عنا...............أصبح هذا الزوج يرغمني على زيارة الشقق ويقول لي: ألم تسمعي ‏أغنية راشد إلي يقول فيها: سير علي سير علي بس امسح جروحي ‏وروح.....................................فهذا زواجنا حنا إلي نسميه مسيار حبيتي ‏تسيري على الشقق ويمطر المسيار ذهباً. حبيتي ما تسيري مصيرك المطاعم حبيبتي ‏والإشارات. شوهوا كل شيء حتى مفاهيم الحلال والحرام.....والزواج

ولم تكمل خالدة وبكت وتألم الجميع لبكائها، ثم علقت نسرين -6- وهي تنظر للجميع‏‎ ‎قائلة:‏
‎-‎كلكم مصائبكم تهون قياساً بمصيبتي طاوعني أبي أو أنا طاوعت أبي ليس هناك فرق، ‏المهم أننا تعاونا على حفر حفرة غريبة واضح السقوط بها ومع هذا أسقطتُ نفسي بها. ‏تزوجت برجل من مذهب شيعي بإرادتي وباقتناع أبي، تعرفت عليه من "التشات" كانت ‏جرأته تعجبني وخوضه في نقاشات لا تبدو تافهة مثل بقية أعضاء التشات. الفكرة ‏أعجبتني في البداية لأبدو عصرية ومنفتحة أمام صديقاتي وذات فكر واتجاه واضح كأبي ‏المثقف الأكاديمي، لا تهتم بأمور تافهة بل كلنا سواء المهم الحب بين الطرفين. ولكن بعد ‏العشرة وخصوصاً في يوم السواد اسودت حياتي بظلام لا يَتبدد، وازدادت ظلمة حياتي ‏بعدما أصبح أولادي يتشتتون بين حزم زوجي وتمسكه على طقوساته المذهبية التي يرفضها ‏العقل والمنطق، وهستريتي حيال ما يفعلون، حظ من أبنائي، وما نصيبهم من عقلي بعدما ‏أفقت من فيروس الحب، مهما لمت أبي على انغلاق قلبه وانفتاح عقله، فماذا أفعل حيال ‏لوم أبنائي، قلقي من الغد وتعاسة الحاضر جعلتني أتردد على العيادة النفسية بقدر ما يتردد ‏الموج على الشاطئ، فمع كل موجة جديدة ضيق يزداد وحيرة تتضاعف، وبكل زيارة ‏مصاب جديد. فهل فكر أبي على حق؟ الأمر كان بالاختيار لا بالجبر!! فمن المسئول عن ‏قراراتنا المصيرية كالزواج والعمل هل أباؤنا دوماً على فكر سليم.

‏- اسمي أمواج -7- وبدأت مشكلتي منذ الطفولة ولا أحد يعرف كل خططي الخبيثة، ‏طلق أبي أمي، وتزوج من يمنية وكان شرطه الوحيد أن ترعى أولاده، نحن بنتان وثلاث ‏أولاد، كان يحسبُ نفسه أنه يخاف علينا بقسوته، يقسو علينا يضربنا حتى لا نقول أننا ‏نريد أمنا كَبتُ حبي لأمي، فنحن نُرغم على حب أمٍ لا نعرفها ونُضرب إن أحببنا أمنا، ‏وشيئاً فشيئاً استطاعت زوجة الأب هذه أن تَكسبنا لِصفها، فكل شيء عندها مسموح ‏يمنعه أبي، تخبئ عليه أي خطأ نرتكبه، فرحنا بها، وأصبحتْ تأخذنا عند أهلها ونقول ‏لإخوانها خالي ولأمها جدتي، ومرة بعد مرة أصبحت تخرج وتعود رغم شدة أبي وهو لا ‏يعلم وتهددنا بأن لا نقول، كونا عصابة من الكذب والمغفل الوحيد أبي. وبعد فترة كونتُ ‏عصابة مع أخوانها الذين كانت تتركني معهم، ورغم صغر سني علمونني الغناء والرقص ‏فهذه صنعتهم مطربين أفراح وأذهب معهم من وراء أبي بحجة أنهم أخوالي، وتطورت ‏المسألة إلى أنهما يمارسان الجنس معي الاثنان هذا ينتهي وهذا يبدأ. وحتى الآن أبي وأهله لا ‏يعرفون شيئاً عن هذه الزوجة الرائعة فهم لا يرون إلا أنها تطعمنا وتلبسنا وكأن الحياة ‏كلها طعام وملبس، حاولت كثيراً قتل أبي الذي حرمني من أمي، ولكن محاولاتي كلها ‏تمرضه دون أن يصيبه أذى، أمامه أحبه وقلبي يكرهه، وحياتي كلها دوامة من التخطيط ‏للقتل والخلاص من هذا الأب المغفل القاسي الذي يحسب أننا نحبه وجميعنا ننتظر ‏موته...................................... ‏
__________________

رواية زهرة النَّار للكاتبة أمل التّميمي (شرخ الهجر)
فكرة الغلاف: وديان التَّميمي.
رسم الفنانة: سجى العيَّاش.



الأستاذةالكريمة : أمل التَّميمي .‏
تحية طيبة لمقامك الرفيع ..‏



قرأت زهرة النَّار، وعِشْتُ مع روايتك يومين، لا أدري كيف أصفها، و لكنها رائعة و ‏جميلة، وضعتي حروفَك ‏على أسطرِ المجتمعِ لتُظهري نُقاطَ الحياة في تعاملات الناس، بين ‏بعضِ الأسطرِ كلماتٌ هيَ حكمٌ و إضاءاتٌ ‏راقية ، تسلبُ لُبَّ الملتقِطِ شوارد الفرائد ‏لجودتها و جمالها ، اقتبستُ شيئاً فحمَّرْتُه و أفردته .‏


أقيِّدُ لكِ تقديري الكبير لقلمكِ الرائع، و الأكملُ من التَّقدير لذاتِك العالية الصَّافية ، ‏أفتخرُ بقرآتي روايتك فلكأنني ‏أشْتَمُّ عبقَ زهرة النَّارِ مع إحراقها، و هي لفتةٌ في العنوان ‏جميلة ، أتمنى لو طالت الرواية، و لكن لا شيءَ باقٍ ، ‏و روايتك تبقى لبقاءِ سموِّ فكرِك .‏



تحيتي و تقديري مجدداً . عبد الله العُتَيِّق






سبحان الله وبحمده

والحمد لله

وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
شرخ الهجر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2008, 05:56 AM   #6 (permalink)
صديق نشيط
 
الصورة الرمزية شرخ الهجر
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 527
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 191
شُكر 51 في 31 موضوع
شرخ الهجر is on a distinguished road
افتراضي تابع‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘

‏- فعلاً يا أمواج أحياناً نتمنى موت أبائنا لتنتهي مشاكلنا ونعيش لأنفسنا فأبي هو سبب ‏شقائنا وتشردنا رغم أننا من عائلة تحرص على تجمع أولادها حولها إلا أن هذا التجمع هو ‏بحد ذاته سبب شقائنا ولم اكتشف هذه الإشكالية إلا بعد طلاقي وفسخ ثلاث أخواتي ‏خطبتهن لنفس السبب؛ اسمي سراب -8- ومشكلتي إصرار أبي على ألا تتحجب أي ‏واحدة من بناته على أي أحد من أفراد عائلته أزواج أخواته وأولادهم ,أبناء أخوانه ‏حرصاً على تجمع العائلة، ولابد من الاجتماع العائلي اليومي على الغداء والعشاء، عائلة ‏كبيرة تسكن في عمارة واحدة.‏

طلقني زوجي بعد حب دام ثلاث سنوات عبر أسلاك الهاتف، تفاهمنا خلال تلك السنوات ‏على كل شيء، وعشنا كزوجين ولم يبقى في علاقتنا سوى أن نجرب الانجاب قبل ‏الارتباط؛ لأن الشباب اليوم أصبح يؤمن بنظرية التجريب قبل الزواج، وطرح نظرية ‏الخطَّابة والأهل لتزويجنا، فقد شرحت له وضع عائلتي وكنت واضحة معه، ففي البداية ‏بدافع الحب وافق على كل ما حكيته له ولكنه لم يستمر بعد الزواج، لأنه لم يستطع أن ‏يتقبل هذا الوضع الغريب على عائلته المحافظة، ورغم حبه لي انفصلنا.‏


وأبي ما يزال مصراً على مخالطتنا لكل أهله، ثم خُطبت أختي وبعدما رأى خطيبها هذا ‏الوضع استنكره ورفضه وبعد مفاوضات تركها ورحل، وكذلك الثانية والثالثة، وطلاقي ‏فتح عيني على أمور كثيرة يتهاون بها أبي باسم العادات والتقاليد، جلوسه طوال الوقت ‏أمام الدش والتغزل بالنساء الجميلات، وحبه لعقد علاقات مع نساء، وإدمانه للخمرة ‏ومللت منه لكثرة ما أصلح بينه وبين والدتي وكأنني أنا الأكبر والأعقل منهما، فمللت ‏وتمردت وهربت إلى بلد أخر لأعوض ما فاتني من عمري فدرست وأصبحت أعمل ‏منسقة ديكور، ثم فعل أخي مثلي وهرب وأصبح يجول بملفه أرجاء الأرض عله يفلح ‏بدراسة أو بوظيفة تجعله محترماً في نظر الآخرين، وتفاجئنا أمي بهروبها أيضاً واستئجار شقة ‏لوحدها بعيداً عن زوجها وأهله، فها نحن تشتتنا فمن المسئول عن هروبي عن كل أقاربي ‏والارتماء بأحضان العمل الذي أغمس نفسي به ليل نهار، والاختلاط بأصدقاء كلهم ‏رجال وكل فترة أُعجب بهذا وبعد فترة أُقرر الارتباط بهذا، ثم أقرر الرجوع عما أَحيا به ‏من ضياع. ولا أحد يستوعب أن هذه المشكلة أصبحت في مجتمع سعودي، مشكلة ‏هروب الفتاة عن أهلها، تبحث عن الحب عن الأمان عن الوظيفة عن البيت.‏


واقتربت المسبحة من النهاية، آخر خرزة قبل العقدة الأخيرة لتنهي سقوط الخرزات هوازن ‏‏-9- بصوتها الرجولي الخشن:‏
‎- ‎‏ دوماً أنا متضجرة من خلقي أنني أنثى ليتني لم أخلق بعضو أنثوي ولي تراكم شعر على ‏وجهي ليقدر من حولي أفعالي، فكلما وددت فعل أمر قالوا لي أنت بنت ‏‎...‎كرهت ‏دراستي لأنني لست كالولد الذي من حقه أن يكون ما يريد ومع هذا كسلان لا يبني ‏مستقبله، كان طموحي أن أكون لاعبة كارتيه أو سائقة دبابات أو غواصة أو أتسلق ‏جبال، يتعجبون من قوتي ومن قدراتي ولكنهم ينتقصون أفكاري، حنجرتي يخرشهم صوتها ‏وأنا أعلي صوتي، أطالب بسواقة المرأة فيتهمونني بالتحرر.......................، ‏جميعكم

لديكم انترنت وجوال تصادقون من تريدون وتبثون لهم عبر الموجات ألامكم إلاّ ‏أنا لدي والدان متخرجين من الكلية التجسسية، كرهت أنوثتي بسببهم، كرهت الحياة ‏لحصارهم لي، تمنيت أن أكون إرهابية فأفجر كل من حولي لألفت نظرهم إلى أن الحياة ‏ليست صلاة وعبادة فقط هناك مُتع وغلطات لابد وأن نرتكبها نحن الشباب. ووحشية ‏أبائنا تخرجنا من أدميتنا. وصحيح أن الحضارة التقنية أفسدت 80./. من شبابنا، ولكن ها ‏أنا ليس في بيتنا دش وليس عندي جوال ولا انترنت، ومع هذا أنتقمت من قسوة أبي ‏وضعف أمي، بأن هربت وعشت مع بنات في شقة، ولا يعرف أهلي عني شيئاً، وفي ‏الشقة هذه كلنا بنات قبايل وحمولة، ما الذي جمعنا؟ أهو الفراغ أهو الفشل، أهو ‏الإعجاب بشابات بيت من جديد وهن شابات يعشن أحراراً... أحرارا... هكذا صممنا ‏أن نضع كاميرا في كل زاوية بالبيت.... لاأدري ماذا نريد المهم أننا نعيش أحرارا، بلا ‏رقيب وبلا حسيب. ‏

ووصل الدور لبسمة أمام تلك الحكايات قامت من كرسيها وتسكعت بجسدها ثم نظرت ‏إلى الجميع وقالت:‏


‏- أنا بسمة وأقف بينكم وأٌقول لكم ما أملكه هو هذا الجسد الكتلة الجميلة التي أشعر بها ‏جمر تُلهب من يَنظر فيه، وصوت يُغيب من يسمعه عن الوعي هذه مشكلتي، فدعوا ‏المسافة تطول بيننا حتى أحكي لكم حكاية جيلنا المتسكع، فكلكن نساء تبحثن عمن يحل ‏لهن مشاكلهن، وفي كل عصر مثل هذه المشاكل، أما أنا ومثيلاتي نحن متسكعات دربنا ‏عصرنا على تسكع الأجساد، وخلف تلك القضبان قضبان الضلوع، قلوب سجينة، ‏تتمسك بحواف القضبان تتلفت يميناً وشمالاً تبحث عن النَّور، وكلما سلطت الأضواء على ‏الأجساد زادت العتمة على السجين، وكلما شَبِعَتْ الأجساد زاد فقر القلب، القلب جائع ‏ضاو، هذه مشكلتي زادُ قلبي، وزادُ جسدي، وزاد فكري، من صاحب الزُّاد؟

نملك جوالات وأسلاك وشاشات والكترونيات تقرب بينا نحن الشَّباب في هذه القرية ‏الصغيرة، فنبكي لبعضنا، ونضحك على بعضنا في هذه الكرة، فلنا بيوت كبيرة كشباك ‏العنكبوت تصلنا يبعضنا نحن الشباب. ولو كانت لنا بيوتاً صغيرة يسمع بها أصحابها أنيننا ‏لكن أفضل بكثير مما نحي به اليوم في عالم يسمى قرية صغيرة، نتناقل الحكايا الحزينة فيه ‏نحن الشباب.‏

‏ أتوقع حتى بين النساء الآتي ينقين حبات الرز من الحصى مع كل حبة رز حكاية فقط ‏حزينة.‏‎.....‎‏ أما زال في هذا العصر نساء ينقين حبات الرز ومع كل حبة رز حكاية، أما ‏زال في هذا العصر أمهات، أما زال في هذا العصر معنى للعيب والحرام.................‏‎ ‎كنت دوماً أشعر بالوحدة بعد سفر أختي سهام عنا، وكانت ماما كثيرة الخروج إلى ‏السوق وغالباً ما تطلب مني أن أصحبها، ولكنني أحياناً أرافقها وأحياناً أعتذر، وفي يوم ‏كنت متعبة من إرهاق الامتحانات خرجت معها، ولكنني ظللت في السيارة مع السائق ‏وحدي وكان معي كتاباً لا أعرف لماذا حملته معي، يمكن لأنني كنت معجبة بمنظر سهام ‏وهي تحمل الكتاب معها في كل مكان، المهم كان معي كتاباً، كنت ما أزال صغيرة ‏وأتدرب على لبس العباءة والنقاب، وكانت ماما تطلب مني أن أخلعه لأنها كانت تفخر ‏بجمالي أمام الناس.‏

في ذلك اليوم الذي لبست فيه النقاب مر من جانبي شاب وسيم، لم يلتفت له نظري في ‏بداية الأمر، ولكن مع تكرار محاولاته نجح في شد انتباهي بعد أن رماني بحد ورقة سقط ‏حدها على فخذي فأدماها. نظرت إلى من أدماني بسهام ورقة وإذا هو بشاب وسيم، ‏التقطت عيناي له صورة حفرت في ذاكرتي، شاب طويل أسمر عريض المنكبين شعره فاحم ‏ناعم يتمايل مع الهواء، يحمل هاتفاً رمادياًَ بيده اليمنى ومعه شابين مثله وسامة وأناقة، ‏خرجت ماما من المحل الذي كانت به وأدخلتُ تلك الورقة بسرعة في الكتاب، ثم توقفت ‏السيارة مرة أخرى عند محل آخر ونزلت، أخرجت الورقة لأرميها، وبفضول مني رددتها ‏ثانية لأنظر ما بها قبل رميها وإذا هي ورقة عليها صورة مفرش سرير، فتبسمت لأنه ‏أخذها من الشارع وأسقطها علي ولكن ما الحكمة منها لم أعرف وقتها صعدت ماما ‏السيارة مرة أخرى وأريتها الورقة. دققت بها وإذا بها رقم واسم شاب وقالت لي: هذا ‏واحد عاكسك بهذا الرقم المهم أخفيها، ولا تجعلين والدك يراها ماننا ناقصين مشاكل ‏معه......ماما قالت لي هكذا .....لم تنصحني لم تتكلم معي المهم بابا لا يعرف.......‏

وفعلاً قررت أن أتخلص منها مزقتها ورميتها أمامها، ولكن اسمه ورقمه لم يتمزق، وإذا ‏شيء من داخلي يقول لي احتفظي بالرقم فتحت الكتاب وبداخله قلم وسجلت ذلك ‏الرقم وطويت الصفحة عدة طويات، عُدت إلى البيت والكتاب يسكن حضني خوفاً من ‏أن يراه أبي أو أي أحد، تسبب ذلك الرقم لي بالقلق والخوف فكنت دوماً أشعر أن ‏حجرتي ومكتبتي تحديداً تسكنها الأشباح، وعفريت يسكن ذلك الكتاب ولن أستريح ‏حتى تموت تلك الأشباح وذلك العفريت، ثم قررت أن أمسحه ولكن لماذا كنت أعود ‏وأتردد في كل مرة ثم أفتحه وأغلقه وهكذا.‏

ثم بكت بسمة ببكاء مسموع وأنين حزين وعين تفيض بدمع ساخن حار. وبكت ‏وشهقت وزفرت وتنهدت ومسحت دموع وحملت دموع.‏‎ ‎وبكت وأبكت حتى طبيبها ‏لأنها لا تريد أن تعرف سهام ما هي حقيقة بسمة...كانت سهام تراقب أختها وتسمعها.‏‎ ‎


قصت بسمة على الطبيب وأمام الجميع بكل صراحة جميع مغامراتها العاطفية، وكيف ‏استمرت تُجرم في حق نفسها وكيف تسببت في ذلك والدتها، وأن ما كانت تحسبه في ‏حياة والدها قيوداً تحكم تصرفاتها وأصفاداً تثقل تحركاتها بأغلالٍ من حديد أصبحت تتمنى ‏تلك القيود والأغلال، والحرية التي منحتها هي والدتها هي الحقارة التي رمتها في الحضيض، ‏وقاطع شهيق وذرفات دموع بسمة صوت الطبيب قائلاً:‏

‎- ‎كل تجاربك تمثل النموذج الفاشل يا بسمة، لأنك كررت في كل تجربة نفس السلوك يا ‏بسمة، فمن الطبيعي الحصول على نفس النتيجة،لم تحاولي البحث عن وسط آخر، على ‏أصدقاء جدد استسلمت لإغراء المال والسفر والمظاهر.‏

ودقق الطبيب نظره بنظر بسمة قائلاً‎:‎
‎- ‎والآن يا بسمة إذا استطعت الإجابة على هذا السؤال ستشعرينني بصدق أنك تريدين ‏التغير وتعيشين ببراءة بسمة التي قتلتها الزهد بتطرفها والدهيماء بغوايتها.‏‎ ‎وهو ما يسمونه ‏العلاج الذهني، ركزي معي يا بسمة صرفت وقت طويلاً لتشرحين لي بشاعة والدتك، ‏وصرفت وقتاً أطول لتصفين لي إجرام زوجك الذي ضممته إلى قائمة طويلة من العشاق ‏الذين كانوا في بداية الأمر هم من يوقعون بك، ثم تحول الحال وأصبحت أنت من توقعين ‏الذئاب في شباكك ثم تفترسينهم، ضعي مرآة وانظري إلى بسمة وصفي بشاعتها؟وما ‏الفكرة التي دوماً تتردد وتجول في ذهنك؟‏
__________________

رواية زهرة النَّار للكاتبة أمل التّميمي (شرخ الهجر)
فكرة الغلاف: وديان التَّميمي.
رسم الفنانة: سجى العيَّاش.



الأستاذةالكريمة : أمل التَّميمي .‏
تحية طيبة لمقامك الرفيع ..‏



قرأت زهرة النَّار، وعِشْتُ مع روايتك يومين، لا أدري كيف أصفها، و لكنها رائعة و ‏جميلة، وضعتي حروفَك ‏على أسطرِ المجتمعِ لتُظهري نُقاطَ الحياة في تعاملات الناس، بين ‏بعضِ الأسطرِ كلماتٌ هيَ حكمٌ و إضاءاتٌ ‏راقية ، تسلبُ لُبَّ الملتقِطِ شوارد الفرائد ‏لجودتها و جمالها ، اقتبستُ شيئاً فحمَّرْتُه و أفردته .‏


أقيِّدُ لكِ تقديري الكبير لقلمكِ الرائع، و الأكملُ من التَّقدير لذاتِك العالية الصَّافية ، ‏أفتخرُ بقرآتي روايتك فلكأنني ‏أشْتَمُّ عبقَ زهرة النَّارِ مع إحراقها، و هي لفتةٌ في العنوان ‏جميلة ، أتمنى لو طالت الرواية، و لكن لا شيءَ باقٍ ، ‏و روايتك تبقى لبقاءِ سموِّ فكرِك .‏



تحيتي و تقديري مجدداً . عبد الله العُتَيِّق






سبحان الله وبحمده

والحمد لله

وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
شرخ الهجر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2008, 06:05 AM   #7 (permalink)
صديق نشيط
 
الصورة الرمزية شرخ الهجر
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 527
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 191
شُكر 51 في 31 موضوع
شرخ الهجر is on a distinguished road
افتراضي زهرة النار رواية (الفصل الخامس عشر...غرباء الدين وصاحب اللحية النَّذل الخسيس)

الفصل الخامس عشر
غرباء الدين
وصاحب اللحية النَّذل الخسيس
‏{بعض الناس تزيف وجوهاً غير وجهها الحقيقي، ‏وتتجمل بأقنعة، أقنعة تمارس الصلاح أمام الناس ‏وفي الخفاء وجوههم شياطين}‏



حدقت بسمة نظرة عينيها بعينين الطبيب وأصبحت تتفحصه بنظرة تخمينية من أعلى إلى ‏أسفل وبسرعة شديدة.‏‎ ‎انصب سؤاله عليها كالمعول الذي ينبش في ماضٍ تظنه قد مات، ‏فثمة في عينيها دهشة ونظرة خوف نظراته لها تشعرها بأنه يعرف أموات مقبرتها ، نظراته ‏تنخر أعماقها تحمل نوراً تصيد به رفات أسرارها.‏


لا بأس يا بسمة أجب على السؤال الثاني ثم نعود للسؤال الأول؟
وبعينين أكثر ضيقاً لا ينفذ معه إلاّ كمية ضئيلة من الضوء، تسترجع بسمة الماضي قائلة: ‏‏- كم وددت قتل والدتي حاولت كثيراً، ولكنني جبانة أتراجع خوفاً من الفضائح‎...‎
‏-‏ ولكن يا بسمة لا تحملي والداتك أكثر وكوني منصفة كان يعجبك الثراء وكنت ‏تلهثين وراءها بحثاً عن المال والشهرة في دور الأزياء والعرض‎.....‎
زمت بسمة عينيها أكثر وغاصت في قبو الذكريات‎......‎وأصبحت تقول لحيته تقززني، ‏ومالت برأسها ثم انكمشت وجسدها أصبح يرتعد وكأنها قُذِفَت في قوالب ‏جليد.........أصبح صوتها يزداد خشونة ويصبح أكثر رعباً، وشرعت تحدق النظر ‏بالجميع وتتلفت بلفتات مخيفة ثم خطت خطوات وكأنها تستند على عصا تحميها من ‏السقوط، وصرخت قائلة:‏
‏- حياتنا ضياع في ضياع في ضياع. وصمتنا هو الضياع.‏خاف الجميع من نظرات بسمة وتسكعها بينهم وصراخها عليهم، وقامت بسمة تجول ‏وتبكي وهي تقول:‏‎ ‎


‎- ‎الموت أهون على من أن أعيش بلا قلب لماذا يا هذه العضلة تشقينا تهوي بنا إلى الرذيلة، ‏توهمنا بوجود مخلوق يقبع فيك هو الحب أأحب وهماً؟؟ والصدق وهم؟؟، والدين وهم؟؟، ‏ألحياة كلها وهم وخديعة؟!ومن السعيد بك؟ إن كنت أنا ابنة العشرين ربيعاً تعيسة، ‏وتلك الطفولة بائسة وذلك الشيخ الهرم ينتظر الموت. ألخطأ بدواخلنا أم بالزمان الذي قدر ‏لنا أن نحيا في هذا العصر التعيس. حروب وقسوة أنا ابنة العشرين ربيعاً عاصرت عشرات ‏الحروب أنا ابنة العشرين ربيعاً خدعت في الحب، خدعت في الزواج، خدعت في معنى ‏الأمومة، خدعت حتى في أبسط الأمور الفطرية الدين‎. ‎غرباء نحن في عالم يموج بالأفكار ‏المتناقضة نحن نعيش على أرضنا وبين أهلينا ونشعر بالغربة.‏


سراب نلهث وراءه عطشى. حافية أقدامنا طوال العمر نعدو خلف سراب، تحترق أقدامي ‏ولا اقترب من السراب. سراب هي الأحلام في هذه الحياة. ألتف كلفاف بين يديه ‏واحترق بعود ثقاب وأصير إلى اللاشيء أرأيت عذاباً بهذا القدر، أشعرت بقهر كهذا ‏القهر ؟.‏


‎ ‎ازداد ثوران بسمة فصرف الطبيب الجميع، وبعدما انصرف الجميع وجد الطبيب الوقت ‏مناسباً لأن يسألها عن البدرون وسبب لجوؤها إليه في كل مرة تنتابها تلك الحالة على غير ‏وعي منها.‏‎ ‎وما سر تلك العباءة والقفازات والجوارب السوداء وتلك الأبواب.‏
‎أسقطت بسمة وابل عينها بأهدابها وبصوت يبتلع الدموع كالبئر الغائر قالت:‏
‎- ‎كل الناس تزيف وجوهاً غير وجهها الحقيقي، وتتجمل بأقنعة يصعب معرفة ملامحها ‏الحقيقية بها بل يستحيل، أقنعة تمارس الصلاح أمام الناس وفي الخفاء وجوههم شياطين. أما ‏أنا يبدو مظهري أمام الناس منفتحة وفي الخفاء راهبة تخاف عقاب الله. فلذلك جعلت ‏للبدرون سبعة أبواب حتى أمارس تورعي بالخفاء، فالسماوات سبع والأرض سبع ‏والطواف سبع‎.....‎


‎ ‎‏- همس الطبيب لبسمة ولكن ماذا تقصدين لا أفهمك ؟ ‏
‎ ‎ثم تابعت بسمة عصر دُملها قائلة:‏
‏- الجرم عذاب، والخوف من الفضيحة أكبر عذاب، وأن يعرف من تحب حقيقتك أشد ‏عذاب، وما بين عذاب وعذاب وعذاب تتوارى عن أعين الناس والجرم يسكن فيك يقطع ‏أحشائك، الجرم سرطان يتوسع في جسدك حتى يقتلك. وتخشى الناس، وتخاف الناس، ‏ونحذر الناس...‏
وتدخل الطبيب قائلاً:‏‎ ‎
‎- ‎ولكن هذا غير المألوف يا بسمة وهذا منطق أعوج يا بسمة. أن نخشى الناس فقط ولا ‏نخشى الله.............‏‎ ‎


بدأت بسمة تثور بشخصية تختلف عن ثوراتها من قبل.‏‎ ‎وصرخت بصوت حاد وأكثر ‏حماس وانفجرت الكلمات من شفاه بسمة كالقيح حينما يُعصر من الدُّمل والبركان الثائر ‏قائلة:‏
‏- فلتغرب أنت وبسمتك هذه للجحيم. أنا لست بسمة يا لعين، أنا الدهيماء ألا تعرفني، ‏وقولي ليس أعوجاً، أنت الأعوج أنا أعلم منك بالحقائق يا جاهل عصرك وزمنك "ومن ‏تحدث بغير فنه أتى بالعجائب"‏‎ ‎الأقنعة فني، وأنا من سأسألك وأنت تجيب أتسمع.‏


قاطعها الطبيب قائلاً:‏
‏- ولكن صبراً عليّ أنت الدهيماء إذاً؛ يعني أنك لست الزهد، فأين الزهد وبسمة الآن؟ ‏
صرخت في وجهه قائلة من الزهد هذه ما أفعله أنا تعجز الزهد عنه.. أنا أُخطط وهم ‏ينفذون، ولكن ألم أقل لك أنني أنا فقط من حقي السؤال أنا صاحبة الصوت الأقوى ‏والأعلى أتسمع؟
‏- حسناً يا الدهيماء أتأسف؟


‏- حسناً أجبني يا جاهل عصرك وزمنك إن كنت تحسن خطابي والخوض معي في حوار.‏‎ ‎أليس لابن لادن لحية؟ أجب أجب؟
‏- نعم نعم ولكن بدون صراخ يا الدهيماء......‏
‏- الصوت الأعلى فني يا هذا أسمعت...يقولون الغرب عن صاحب اللحية هذا إرهابي ‏أليس صحيحاً ، يقتل البشرية ويُدمر، من صاحب الدين إذنْ أليس أصحاب اللحى هم ‏أصحاب الدين؟ ثم استدارت بوجه كالوحش نحو سهام، وهي تصرخ تكلمي قولي أليس ‏أنت من تكررين علينا دائماً، عيشتي هناك جعلتني أكون أحسن حالاً منكم بحيث أرى ‏الأمور على حققتها بعيني أنا لا بعين الآخرين.‏‎ ‎ألم تقتنعي بعد بأن أصحاب اللحى دائماً ‏متهمون. هم من يفجرون ويقتلون ويسرقون ويدمرون ويسحرون ويزنون......‏

‎ ‎هل لصدام لحية؟؟ أجيبوني أجيبوني. أجيبوني أجيبوني......فن لا تجيدون الإجابة عليه.‏‎ ‎خلقوا عداوة وثأراً بين اللحية والخدود، أأصبحت خدود الرجال تخاف تراكم الشعر ‏عليها؟ وكيف هي فعائل الرجال نواعم الخدود؟‎!! ‎أجيبوا فن لا تجيدون الإجابة عليه.‏‎ ‎ترددون فقط صدى ما تُحشون به.كن نعامة تختفي بدينك حتى يكون أولئك طواويس ‏ولا يكيدوا لك كيدا.‏
أتعرفون زمن النعام؟؟ أجيبوني‎!! ‎أجيبوني أجيبوني فن لا تجيدون الإجابة عليه‎.‎


أين اليقين وأين الكذب؟‎! ‎من الصادق ومن المنافق؟‎! ‎من الحقيقة ومن الوهم؟‎! ‎كل الناس ‏كاذبون وكلٌّ يمارس الخداع كما يحلو له‏‎......‎أجيبوني‎!! ‎أجيبوني‎!! ‎أجيبوني‎!! .... ‎قولي ‏أنا فنٌ لا تجيدون الإجابة عليه‏‎.‎
ازداد صراخ بسمة، وطاقة عويلها اكتسب قدرة عجيبة، ثم قامت تتجول في الحجرة ثم ‏تسقط، وتستعيد قواها وتمشي ثم تسقط ثم تزحف وبعد دقائق من الغليان هدأت قليلاً، ‏وكأنها شيئاً فشيئاً أخذت تستعيد طبيعتها، شعر الطبيب بجسدها بدأ يتثاقل وأطرافها ‏تتراخى ونَفَسُها يبطأ، وأن حالتها هذه قد تمكنه من الغوص في الماضي البعيد لبسمة ‏لطفولتها، وقرر أن يستغل تصاعد مرض بسمة بأن ينبش في جذوره.‏
اقترب منها وحقنها بإبرة مهدأة ثم قال لها بسمة استرخي وقولي لي كل ما يجول على ‏ذهنك تكلمي يا بسمة‎... ‎


حل الطبيب معظم العقد مع بسمة، وأدرك أن هناك عقدة أعمق في سويداء فؤادها ‏وبفكها أمام سهام إما كسب أو خسارة بالنسبة لبسمة، جال في الحجرة وفكر في سبب ‏نشوء عقدة اللحية والخلط بين المنافق والمتدين.‏‎ ‎تقدم من بسمة أكثر وقال لها:‏


‏- بسمة إن سهام لا تسمعنا ارجعي إلى الماضي تذكري واقتربي أكثر وأكثر من المجرم ‏الحقيقي الذي تسبب في ضياعك وفقدانك ابنك اكشفيه اهزميه كسري الأغلال والقيود ‏هيا تذكري يا بسمة‎..... ‎من المسئول الأول الذي دفع ببسمة لفض براءتها؟ ‏

اعترفت بسمة ولأول مرة تفتح هذا الصندوق المؤصد منذ ستة عشرة عاماً قائلة:‏
‏- بعد غزو صدام للكويت تعرفنا على أقاربنا وكنتُ ما أزال طفلة شعرت بجسده يلامس ‏جسدي ويجتذبه بقوة إليه، وشفتان تقترب من شفتي وأنفاسه قد ملئت جوفي وشعرت ‏بشيء ما يخز جسدي لم أفهم حينها ما هذا الشيء، والذي أفهمه وقتها أن عناقه لي كان ‏مقززاً لم أشعر به عناق جد لحفيدته وكلما حاولت الفرار من بين ذراعيه أطبقها علي ‏بقوة أكبر ومما أكد لي أن ما قام به لم يكن طبيعياً الدماء التي أصبحت تسيل مني.‏


هربت من قبضات أحضانه لا أعرف إلى أين أتجه ولكن كل ما شعرت به أنني أركض ‏أركض إلى آخر نقطة تبعدني عن ذلك البيت وذلك الجد ولم أشعر بنفسي وإلا وأنا في ‏بيت صديقة سهام، احتضنتني وقتها سهام محاولة في جهد تهدئتي هي ورفيقاتها ليعرفن ما ‏بي وكيف أتيت ومع من ولهذا اليوم لا أعرف كيف اهتديت لبيت صديقة سهام رغم ‏بعده ومن الصعب على طفلة مثلي أن تسير كل تلك المسافات وحدها‎. ‎


ثم غرقت بسمة ببكاء حار وبتثاقل شنيع تُخرج الحروف واعترفت فيما اكتشفته بعد ‏ذلك:‏‎ ‎
‏- كانت ماما تعرف ما سيفعله والدها، ليصبح حاذقاً في شعوذته. هذا ما اكتشفته بعد ‏موت بابا وزواجي أظهر لماما وجوهاً أخرى شديدة القبح زوجتني من ابن أختها لتخفي ‏جرمي وجرائمها، قيدت والدي بالسحر وفرقت بينه وبين زوجته الأولى، وشتت بينه ‏وبين أهله، وعشنا نحن وأخوتي نثار غبار بلا أرض تغرس فيها البذور، ولنا أقارب كالذر.‏‎ ‎وكما عشنا سيعيش ابني.‏
‏- ولكن يا بسمة أمك بزواجك من مشعل سترت عليك، ولكن مشعل لماذا قبل على ‏نفسه ذلك؟
‏- للمال بريق يا دكتور جعل الرجال يبيعون كل شيء من أجله،‎ ‎باع أبني بملايين ‏لأخته، زَيَّف نسبه، خوفاً من ضياع ثروته، وسيطروا على المال بإشهار حمل أخته من ‏ملياردير عقيم، وسرقوا رذيلة حبي، سرقوا ابني، وسرقوا مال الرجل، ففي عصر النعام ‏سرقة الأجساد حلال.‏


نثرت بسمة بصوت ناعم كلماتها وعينيها وكأنها تتبع شيء قد انسل منها ويسير أمامها:‏
‏- بالأمس كنت طفلة بين يديه تشتم رائحة عبق الزهور بالعقد الذي يتوق جيدها، وينثر ‏ماء الورد على وجنتيها، ويخلل أصابعه بين خصلات شعرها ليُعطرها بماء الورد، ويُجمرها ‏بدخان العود، وتلتف ذراعه حول خاصرتي معلنة الحب الملائكي.‏‎ ‎


كنت بالأمس قطته المدللة، قطة بدون مخالب مقلمة حتى الجذور اقتلعها اقتلاعاً بدون أمل ‏في طلوعها ثانية، يدُّ ناعمة كالحرير لينة كالقطن، استعذبت اللعبة تخربش بدلال بملمس ‏كالحرير وبعد أن كبرت الطفلة وشاخت القطة، ذبلت الورود ولم تنبت الجذور مخالب ‏جديدة لتحمي القطة والذي كان يداعبها بالأمس أصبح جلاّدها اليوم.‏‎ ‎فهل يجدي أن ‏تجمع الطفلة الزهور بعد أن أدمى يديها الشوك، وجرّح وجنتيها دمع الخوف، وأصبحت ‏لعبة قديمة عمرها بعمر ذبول الورد.‏


‎ثم التفت بسمة ورأت سهام كانت تسمعها وعرفت أن هذا الملاك الطاهر يخفي ‏وراءه كل هذا الخبث، وصرخت صرخة واحدة تكهن معها الطبيب أن إحدى ‏الشخصيتين لبسمة قد انتهت وماتت.‏
‎ ‎وفيما كانت تسعى سهام والطبيب لتخفيف وطأة السأم التي تأخر قدراتها للتجاوب ‏مع علاج بسمة كانت الظروف المحيطة تعمل على تصاعدها، وبعد معاناة طويلة استقرت ‏حالة بسمة وفرحت سهام وحمدت الله على أن الفرحة فرحتين فرحة عيد الأضحى ‏وفرحة رغبة بسمة بمخالطة أخواتها‎.‎
__________________

رواية زهرة النَّار للكاتبة أمل التّميمي (شرخ الهجر)
فكرة الغلاف: وديان التَّميمي.
رسم الفنانة: سجى العيَّاش.



الأستاذةالكريمة : أمل التَّميمي .‏
تحية طيبة لمقامك الرفيع ..‏



قرأت زهرة النَّار، وعِشْتُ مع روايتك يومين، لا أدري كيف أصفها، و لكنها رائعة و ‏جميلة، وضعتي حروفَك ‏على أسطرِ المجتمعِ لتُظهري نُقاطَ الحياة في تعاملات الناس، بين ‏بعضِ الأسطرِ كلماتٌ هيَ حكمٌ و إضاءاتٌ ‏راقية ، تسلبُ لُبَّ الملتقِطِ شوارد الفرائد ‏لجودتها و جمالها ، اقتبستُ شيئاً فحمَّرْتُه و أفردته .‏


أقيِّدُ لكِ تقديري الكبير لقلمكِ الرائع، و الأكملُ من التَّقدير لذاتِك العالية الصَّافية ، ‏أفتخرُ بقرآتي روايتك فلكأنني ‏أشْتَمُّ عبقَ زهرة النَّارِ مع إحراقها، و هي لفتةٌ في العنوان ‏جميلة ، أتمنى لو طالت الرواية، و لكن لا شيءَ باقٍ ، ‏و روايتك تبقى لبقاءِ سموِّ فكرِك .‏



تحيتي و تقديري مجدداً . عبد الله العُتَيِّق






سبحان الله وبحمده

والحمد لله

وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم