http://www.skfupm.com/vb/showthread.php?t=20588
إنهم يهزون برج الجامعة!!
بقلم هادي عثمان
أما قبل:
يوما بعد يوم ازداد يقينا بأن علاقة الأماكن مع معالمها هي أكبر من علاقة مادية بحتة بل هي تعبير عن كل ما تحمله هذه الأماكن من بشر وتاريخ وحضارة وكل ما يرتبط في أذهان الناس عن هذه الأماكن من محاسن أو مساوئ أو ذكريات عابرة هو قيمة هذه المعالم عند الناس. ليس من عاقل يمجد برجا بني من آلاف الأطنان من الحديد أو يمقته ولكن هو يمجده لأجل التاريخ الذي يعبر عنه والأرض التي تفاخر به وإلا ما الذي يجعل من برج إيفل رمزا لدولة فرنسا ـ الضاربة في أعماق التاريخ شعبا وحضارة ـ تضعه تاجا على عاصمتها لتفاخر به بين العواصم وهي التي تحوي فيما تحوي متحف اللوفر ولوحة الموناليزا وقبر نابليون وآلاف الجثث التي قاتلت من أجل ذلك البرج في أتون الحربين العالمتيين الأولى والثانية. قد تعجب من حينما تقارن ذلك القضيب الحديدي (إيفل) بمتحف اللوفر الذي يحوي شواهد على حضارة الإنسان من مختلف العصور لتكون نتيجة المقارنة أن إيفل هو باريس بكل ما فيها من أرض وبشر وتاريخ. ولكن هي علاقة الأماكن مع معالمها تجعل من الحديد والإسمنت ناطقا باسم البشر والتاريخ.
إنها الماديات حين تتكلم فإنها تعجز كل خطيب. تجعل من الفنان يرى في الريشة لسانا أفصح من كل البلغاء. وهذا ليونارد دافنشي يعجز عن لملمة الكلمات وتنسيق الأفكار فلا يجد أبلغ من ريشة خط بها لوحة الموناليزا ليعبر بها عن أفكاره في علاقة المرأة بالرجل ونبذه للكنيسة وعقيدته النصرانية بل وشذوذه الجنسي أيضا.. كل هذا في لوحة مادية لكنها تنطق عن آلاف المجلدات. تتخذها الشعوب عقائد تؤمن بها وتضع كل إنجاز قربانا بين أقدامها فكل قطرة عرق فلاح في الصعيد تسيل من أجل أن تغسل عن أبو الهول الغبار. وكل يد تعمل في الصين ترى إنجازها طوبة فخر تزيد في سور الصين طولا وهيبة.
هذه المعالم هي مادة لا أقل ولا أكثر في تركيبها الفيزيائي هي صخور الأهرام وقضبان إيفل وإسمنت تمثال الحرية وأحجار سور الصين وطين قصر غمدان. غير أن قيمتها في النفوس والحضارات هي عقيدة لا تتزحزح عنها الأجيال ولاتغيب من ذاكرة الأمم. وقد وصف الفاروق عمر بن الخطاب هذا المعنى بقوله حين قبل الحجر الأسود: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك.
تعبير متكامل عن القيمة المادية الرخيصة للحجر الأسود والقيمة المعنوية السامية له في نفوس المسلمين.
هذه المعالم هي الشاهد على أن ثمة جيل مر من هنا وأن ثمة بشر عاشوا هناك وبينهما كانت حضارة قائمة.
ما الذي يثبت أن المسلمين وصلوا أرض الأندلس بل وما الذي يثبت أنهم أقاموا هناك حضارة سوى قصور الحمراء وغرناطة. ما الذي يجعل مصر تفاخر بأجدادها الفراعنة سوى أنها أطلت ذات صباح على بقايا حضارتهم من أهرام ومومياءات فلم تجد بدا من التصديق بأنها كانت قبل سبعة آلاف عام مصر ذاتها التي تعيش اليوم.
ولكن هل تنطق هذه الأحجار والقضبان من تلقاء نفسها وتصنع حضارة من غير بشر ونارا من غير حطب. كلا فهذه المعالم هي المرآة التي تحفظ صورة البشرية حتى بعد زوال البشر وليس ثمة مرآة تصور من اللاشيء إنجازا وكيانا. إنها نتاج عمل البشرية وجهدها وعلمها وتضحياتها. إنها الواجهة التي تحمل إلى الزائرين خلفية تستحق أن تتوقف عندها قوافل العابرين اجلالا واحتراما وتحثهم على أن يؤمنوا بأن لهذا المكان هيبة ولهؤلاء البشر تضحية. وإلا فستبقى هذه المعالم كحال غيرها من الجمادات تلتهمها دوامة الزمن وينخرها فيها سوس التعرية.
أما بعد:
تلك المقدمة المستفيضة جالت بخاطري وأنا أمرّ بجوار برج الجامعة ليداهمني سؤال من أعماق الذات قائلا:
هل أنت أمام كتلة من الخرسانة والحديد؟ أم أنت أمام شاهد من شهود العصور يتكلم بلسان 17 ألف خريج شحذوا هممهم وبذلوا عمرا وجهدا ومالا من أجل بناء وطن وإعمار أرض؟
أشك بأن الكائن أمامي هو مجرد برج وأشك أن الساعة المعلقة في أعلاه هي مجرد عقارب من حديد تعد علينا الوقت والإنجاز. كلا إنها قصة نفوس تتطلع إلى الأفق بنظر لا يعرف للطموح حدودا من أقطار المدى وإمكانيات العمل وقصة نفوس التزمت مع ضميرها وخالقها ووطنها أن تبذل الوقت والساعد في سبيل أن نثبت للعابرين من هنا أننا كنا هنا بل وصنعنا للغد شيئا يدون في سجلات التاريخ ومحابر الحضارات.
إنه لوحة تعبر عن جيل وثاب وأمة تعبت من فترة استرخائها في زمن يدوس على جماجم العاملين فضلا عن ظهور المسترخين.
هذا البرج ليس مجرد جماد. كلا بل إن له روح!! هي روح أمة صنعته لأنه يعبر عنها ويتكلم بلسانها وهي روح شباب يتطلعون إليه بعد كل إنجاز ليروه أكثر شموخا ويغضون الطرف إن عثرت أقدامهم في درب الشرف كيلا يروا خدشة في جبينه من آثاره فعلتهم.
لا أكذبكم القول بأني قد زرت معظم المعالم في هذ الوطن تلك المعالم التي ترونها في التلفزيون مع إيقاعات الأغاني الوطنية ولكن لم أجد فيها هيبة كسمو هذا البرج الذي يفاخر بآلاف المهندسين الذين يصنعون بنيان هذا الوطن بينما لا مفخرة في البقية سوى الدلالة على إبداع صانعيها. ما قيمة برجي الفيصلية والمملكة كمثال حين تكون واجهة من غير خلفية فهي لا تعبر سوى عن نظرة مالكيها من أرباب المال بينما لا يحمل بقية الملايين في هذا الوطن ممن لا يستطيعون تناول وجبة داخلها أي تقدير أو استعداد للتضحية. بينما ذات البرجين ومن ذات المادة حين يقفان في واجهة مدينة كوالالمبور فهما روح الشعب الماليزي أجمع لا لشيء سوى كونهما أصدق تعبير عن إرادة شعب رفض أن يقبع في قائمة دول العالم الثالث.
لا شيء في هذا الوطن أصدق تعبير عن طموح ملكه وشعبه من برج يعترف بالعلم محركا للحضارة وبالوقت شاهدا عليها.
سؤال آخر داهمني يحمل رائحة الأمر الواقع ليقول:
هل تسجل مقاييس الهزات والتحولات في حياة الشعوب أي اهتزاز في قيمة هذا البرج؟
أضع يدي على قلبي خوفا من أي اهتزاز بسيط نغفل عنه اليوم ليتحول إلى زلزال مدمر تطير معه كل أوراق البحوث وتتكسر من آثره كل زجاجات المعامل.
قليلة هي الأشياء التي تثير غبار الهزات من حولنا ولكن هل ستظل قليلة أم أنها تتكاثر ببطء دون وقاية كافية.
تضع يدك على قلبك حين تسمع عن حسنة من حسنات الجامعة في الماضي قد تحولت الآن إلى سيئة يشتكي منها الجميع لتحس عندها بتسارع في نبضات قلبك يجعلك تهرع إلى البرج لتسأله هل جعلتك تهتز أم أنك ثابت في شموخ الجبال.
ويزداد قلقك من أولئك الذين يعهد إليهم بالأمر فلا يعون أن كراسيهم حين تتحرك في الاتجاه الخاطئ فإنها ذات تأثير مدمر على الجميع ولكنهم لا يبالون.
وتقف حائرا حين تبصر أولئك الذين يرون في هذا البرج مجرد شيء قابل للاستهلاك دون أي استعداد لأن يبادلوه العطاء أو يضعوا نجاحاتهم قرابين في سبيل شموخه.
خلاصة القول:
ضعوا تضحياتكم على عتبات درجات هذا البرج لأنه سيكون شاهدا على كينونتكم وحضارتكم... وتأكدوا أنكم حين تضعون جهودكم على شفا جرف هار فإنه يتألم أيضا ويتألم من خلفه وطن
***********************
تعليق اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ذرة ضوء
http://www.skfupm.com/vb/showthread.php?t=20588 إنهم يهزون برج الجامعة!!
بقلم هادي عثمان
[color=#FF0000]
لا مفخرة في البقية سوى الدلالة على إبداع صانعيها. ما قيمة برجي الفيصلية والمملكة كمثال حين تكون واجهة من غير خلفية فهي لا تعبر سوى عن نظرة مالكيها من أرباب المال بينما لا يحمل بقية الملايين في هذا الوطن ممن لا يستطيعون تناول وجبة داخلها أي تقدير أو استعداد للتضحية. بينما ذات البرجين ومن ذات المادة حين يقفان في واجهة مدينة كوالالمبور فهما روح الشعب الماليزي أجمع لا لشيء سوى كونهما أصدق تعبير عن إرادة شعب رفض أن يقبع في قائمة دول العالم الثالث. |
ما أجمل سعة الأفق في إيجاد مثل هذه العلاقة بين الإنسان و الجماد ، و كم نحن بحاجة لتغيير النظرة لآثار الأمم قبلنا .
و لكم يستوقفني قول الحبيب صلى الله عليه و سلم
"أحد جبل يحبنا و نحبه"
سبحان الله ، أكونه جبلاً فقط ، أم لكونه شاهداً على أحداث تبقى حية و كم تحمل من المعاني و العبر عبر الزمان