بائع البطيخ!!
يأسرك البطيخ بجمال شكله... و احمرار أعماقه... و لذة مذاقه... انه فاكهة الصيف الأحلى... و رمز
لكل الفلاحين الذين يعشقون الأرض و ترابها الطهور...
أعشق البطيخ منذ كنت طفلا أذهب مع الصباحات الجميلة إلى أرض والدي... و كان لا يفارقها إلا
لساعات قليلة بحثا عن القيلولة و رؤية والدتي الغالية...
كنت أرى الأرض على امتدادها المترامي الأطراف عابقة بالأخضر... انه البطيخ الذي يشدك لقطفه,
وهو رابض على ترابه يحكي قصة حياته منذ أن أينع الشتل حتى غدا يحمل لك تلك البطيخة بما فيها من
أسرار... فتهيم في المنظر و تقطف بطيخة من الحقل الجميل و تلتهمها بكل شوق و سرور...
و ها أنا اليوم أعبر الطرقات و أرى "معرشات" البطيخ تملأ الأمكنة و الأزمنة... و تقدم لك البطيخ
من مختلف مناطق المملكة بأشكاله و ألوانه المختلفة...وطيب مذاقه..
ذات يوم توقفت و أنا أعبر إحدى الطرقات أمام واحد من تلك المعرشات... فأطل علي طفل لم يتجاوز
الثانية عشرة من عمره... و قدم لي وصفة عن البطيخ و من أين جاء... وأي بطيخة جاهزة للذبح... و
بالطبيعي إنها حمراء اللون و " زي العسل"... و بعد إن اشتريت بطيخة متوسطة الحجم... سألت
الفتى: ما الذي جاء بك إلى هذا المكان؟ صمت قليلا... و قال: أحب البطيخ و استمتع بمنظره الخلاب، و
أعشق الجلوس هنا، لكنني قبل هذا و ذاك أبحث عن لقمة العيش...,و إعالة والدتي... وتناثرت من
العينين البريئتين دموع حرى... منعته من مواصلة الكلام... و مضى إلى حيث زبون قادم...
و مضيت أنا أحمل البطيخة و أفكر بكثير من الأطفال الذين تحرمهم الحياة... وأحيانا الناس من أن
يعيشوا في ظروف عادية... فيبحثون عن طرق للعيش متعددة السبل... و منها هذه المعرشات المتعددة
هنا و هناك... فكما للبطيخ دوره في إطفاء ظمأ العطشى... وترطيب أجوائهم..... فانه كذلك له دوره في
إعالة الكثيرين من بني البشر ممن يبحثون عن لقمة العيش..... و سد رمق الحياة... وإعانة أهاليهم
وإخوتهم وأنفسهم...
انه البطيخ... الذي ينعشك منظره... و امتداده على الأرض الطيبة...,وسحرة الذي يمنحنا آفاقا
شاسعة... و أمل... و يفرج الكرب عن المحرومين!! و يعيد إليهم
رونق الحياة و اخضرارها!!!
مقال جميل
سياحة في عالم البطيخ