أي ان الذين يُرسلون الى دار الدنيا.. دار الامتحان والاختبار للتجارة وانجاز الوظائف، سيرجعون مرة اخرى الى مرسلهم الخالق ذي الجلال، بعد أن ادّوا وظائفهم وأتموا تجارتهم وأنهوا خدماتهم وسيلاقون مولاهم الكريم الذي أرسلهم.. اي: انهم سيتشرفون بالمثول بين يدي ربهم الرحيم، في مقعد صدق عند مليكهم المقتدر، ليس بينهم وبينه حجاب. وقد خلصوا من مخاض الاسباب وظلام الحجب والوسائط وسيجد كل واحد منهم ويعرف معرفة خالصة كاملة خالقه وربه وسيده ومليكه.
فهذه الكلمة تشع املاً وتتألق بشرى تفوق كل تلك الآمال والبشارات اللذيذة، وتقول:
ايها الانسان! هل تعلم الى اين انت سائر؟ والى اين انت تُساق؟
فقد ذكر في ختام الكلمة الثانية والثلاثين:
ان قضاء الف سنة من حياة الدنيا وفي سعادة مرفهة، لا يساوي ساعة واحدة من حياة الجنة! وان قضاء حياة الف سنة وسنة بسرور كامل في نعيم الجنة لا يساوي ساعة من فرحة رؤية جمال الجميل سبحانه.
فأنت اذن ايها الانسان راجع الى ميدان رحمته، صائر الى اعتاب ديوان حضرته. فما الحسن والجمال الذي تراه في احبتك المجازيين - فتشتاق اليهم وتفتن بهم، بل ما الحسن والجمال في جميع موجودات الدنيا الاّ نوع ظلٍ من تجلي جماله سبحانه، وحُسن اسمائه جلّ وعلا. فالجنة بلطائفها ولذائذها وحورها وقصورها ما هي الاّ تجلٍ من تجليات رحمته سبحانه، وجميع انواع الشوق والمحبة والانجذاب والجواذب ما هي الاّ لمعة من محبة ذلك المعبود الباقي وذلك المحبوب القيوم! فانتم ذاهبون اذن الى دائرة حظوته ومقام حضرته الجليلة.. وانتم مدعوون اذن الى دار ضيافته الابدية.. الى الجنة الخالدة.فلا تحزنوا ولا تبكوا عند دخولكم القبر، بل استبشروا خيراً واستقبلوه بابتسامة وفرح.
وتتابع هذه الكلمة وظيفتها في بث نور الامل والبشرى وتقول:
ايها الانسان! لا تتوهم انك ماضٍ الى الفناء، والعدم، والعبث، والظلمات، والنسيان، والتفسخ، والتحطم، والانهشام، والغرق في الكثرة والانعدام. بل انت ذاهب الى البقاء لا الى الفناء، وانت مسوق الى الوجود الدائم لا الى العدم، وانت ماضٍ الى عالم النور لا الى الظلمات وانت سائر نحو مولاك ومالكك الحق، وانت عائد الى مقر سلطان الكون.. سلطان الوجود.. سترتاح وتنشرح في ميدان التوحيد دون الغرق في الكثرة ابداً، فانت متوجه الى اللقاء والوصال دون البعاد والفراق!.
(اشارة مختصرة الى اثبات التوحيد، من حيث الاسم الاعظم )
الكلمة الاولى: [لا إله الاّ الله]
تتضمن هذه الكلمة، توحيد الالوهية وتوحيد المعبودية، نشير اليهما ببرهان قوي هو:
انه يشاهد على وجه هذا العالم، ولاسيما على صحيفة الارض فعالية منتظمة غاية الانتظام.. ونشاهد خلاقية حكيمة في غاية الحكمة.. ونشاهد بعين اليقين فتاحية في غاية النظام ـ اي إعطاء كل شئ ما يلائمه من شكل وإلباسه مايلائمه من صورة ـ ونشاهد وهّابية واحسانات في غاية الشفقة والكرم والرحمة.
فهذه الاوضاع وهذه الاحوال تثبت بالضرورة وجوب وجود ربّ ذي جلال، فعّال خلاق فتاح وهاب، بل تشعر وحدانيته.
نعم! ان زوال الموجودات دائماً وتجددها باستمرار يبينان: ان تلك الموجودات هي تجليات اسماء لصانع قدير.. وظلال أنوار اسمائه الحسنى.. وآثار أفعاله.. ونقوش قلم قدره وصحائف قدرته.. ومرايا جمال كماله.
وان رب العالمين يبين هذه الحقيقة العظمى، وهذه المرتبة العليا للتوحيد بجميع كتبه وصحفه المقدسة التي أنزلها، كما ان جميع اهل التحقيق العلماء والكاملين من البشر يثبتون مرتبة التوحيد نفسها بتحقيقاتهم العلمية وكشفياتهم.. وكذا الكون مع عجزه وفقره يشير الى مرتبة التوحيد نفسها بما نال من معجزات الصنعة وخوارق القدرة وخزائن الثروة.
بمعنى ان الله سبحانه وتعالى، وهو الشاهد الازلي، بجميع كتبه وصحفه، وأهل الشهود بجميع تحقيقاتهم وكشفياتهم، وعالم الشهادة بجميع شؤونه الحكيمة واحواله المنتظمة، يتفقون بالاجماع على تلك المرتبة التوحيدية.
فمن لايقبل بذلك الواحد الاحد جل وعلا إلهاً ومعبوداً، عليه ان يقبل ما لا نهاية له من الآلهة، او ان ينكر نفسه وينكر الكائنات قاطبة، كالسوفسطائي الاحمق.
هذه الكلمة تبين مرتبة توحيد صريحة. نشير الى برهان في غاية القوة يثبت اثباتاً تاماً هذه المرتبة، وهو:
اننا كلما فتحنا اعيننا وصوبنا نظرنا في وجه الكائنات، لفت نظرنا - اول ما يلفت - نظام عام كامل، وميزان دقيق شامل.. فكل شئ في نظام دقيق، وكل شئ يوزن بميزان حساس وكل شئ محسوب حسابه بدقة..
واذا ما دققنا النظر، يلفت نظرنا تنظيم ووزان متجددان، اي: ان واحداً أحداً يغير ذلك النظام بانتظام ويجدّد ذلك الميزان بمقدار.. فيصبح كل شئ نموذجاً ((موديلاً)) تُخلَع عليه صورٌ موزونة منتظمة كثيرة جداً..
واذا ما انعمنا النظر اكثر، نرى ان عدالة وحكمة تشاهدان من تحت ذلك التنظيم والوزان حتى ان كل حركة ونأمة تعقبها حكمة ومصلحة ويردفها حق وفائدة.
واذا ما دققنا النظر بإنعام اكثر؛ تلفت نظر شعورنا، مظاهر قدرة ضمن فعالية حكيمة في غاية الحكمة وجلوات علمٍ محيط بكل شئ. بل محيط بكل شأن من شؤونه.. بمعنى ان هذا النظام والميزان الموجودين في الموجودات كافة، يبينان تنظيماً ووزاناً عامين شاملين لكل الموجودات. وان ذلك التنظيم والوزان يظهران حكمة وعدالة شاملتين، وان تلك الحكمة والعدالة تبينان لأنظارنا قدرة وعلماً. اي ان قديراً على كل شئ وعليماً بكل شئ يُرى للعقل من وراء تلك الحجب.
ثم ننظر الى بداية كل شئ ونهايته، ولاسيما في ذوي الحياة، فنرى ان بداياتها واصولها وجذورها، وكذا ثمراتها ونتائجها على نمط وطراز بحيث كأن تلك النوى والاصول برامج وفهارس وتعاريف تتضمن جميع اجهزة ذلك الموجود، وكذا يتجمع في نتيجة ذلك الموجود وفي ثمرته، ويترشح فيها معنى ذلك الكائن الحي كله، فيودع فيها تاريخ حياته. فكأن نواة ذلك الكائن الحي التي هي اصله، سجل صغير لدساتير إيجاده، اما ثمراته فهي في حكم فهرس لأوامر ايجاده.
ثم ننظر الى ظاهر ذلك الكائن الحي وباطنه، فنشاهد؛ تدبيراً وتصريفاً للامور لقدرة في منتهى الحكمة، وتصويراً وتنظيماً لإرادة في منتهى النفوذ. أي ان قوة وقدرة توجِدان ذلك الشئ وان أمراً وارادة تلبسانه الصورة.
وهكذا كلما دققنا النظر في اول كل موجود وبدايته رأينا ما يدل على علم عليم، وكلما دققنا النظر في آخره شاهدنا برامج صانع، وكلما دققنا في ظاهر الشئ رأينا حلة بديعة في غاية الاتقان لفاعل مختار مريد، وكلما نظرنا الى باطن الشئ شاهدنا جهازاً في غاية الانتظام لصانع قدير.
فهذه الاوضاع والاحوال تعلن بالضرورة والبداهة؛ انه لايمكن ان يكون شئ ولا وقت ولا مكان خارج قبضة الصانع الجليل الواحد الاحد وخارج تدبيره وتصريفه الامور.
بل كل شئ وكل شأن من شؤونه يدبّر في قبضة قدير مريد، ويجمّل وينظم بلطف رحمن رحيم، ويحسّن ويزّين برحمة حنّان منّان.
نعم، ان هذا النظام والميزان والتنظيم والوزان في موجودات هذا الكون كله يدل دلالة واضحة على واحدٍ أحدٍ فرد قدير مريد عليم حكيم، ويري مرتبة وحدانية عظمى لكل من كان مالكاً لشعور وبصر.
نعم.. ان في كل شئ توجد وحدة، والوحدة تدل على الواحد. .................
فمثلاً: الشمس التي هي سراج الدنيا واحدة، بمعنى ان مالك الدنيا واحد. والهواء والنار والماء مثلاً ـ وهي الخدَمة لأحياء الارض ـ واحدة، بمعنى ان من يستخدم هذه الاشياء ويسخّرها لنا واحد ايضاً.
لقد ُاثبتت هذه الكلمة في الموقف الاول من ((الكلمة الثانية والثلاثين)) اثباتاً واضحاً جلياً. لذا نحيل شرحها الى هناك، اذ لابيان يفوق بيانه، ولاداعي الى بيان غيره إذ لايوَضـَّح مثلُه قط.
u الكلمة الرابعة: [ له الملك]
اي ان السموات والارض والدنيا والآخرة وكل موجود، من الفرش الى العرش، من الثرى الى الثريا، من الذرات الى السيارات، من الازل الى الابد هو ملكه. فله سبحانه المرتبة العظمى للمالكية التي تتجلى في اعظم مرتبة للتوحيد.
ولقد اُلقيت الى خاطر هذا العاجز خاطرة لطيفة في وقت لطيف بعبارات عربية اثبتُّها كما هي وابينُها حجةً كبرى لهذه المرتبة العظمى للمالكية والمقام الاعظم للتوحيد:
[له الملك؛
لان ذاك العالمَ الكبيركهذا العالم الصغير، مصنوعُ قدرته، مكتوبُ قدَره.. ابداعُه لذاك صيّره مسجداً، ايجادُه لهذا صيّره ساجداً.. انشاؤه لذاك صيّر ذاك مُلكاً، ايجادُه لهذا صيّره مملوكاً..صنعتُه في ذاك تظاهرت كتاباً، صبغتُه في هذا تزاهرت خطاباً.. قدرته في ذاك تُظهر حشمته، رحمته في هذا تنظِّمُ نعمته..حشمته في ذاك تشهد: هو الواحد، نعمتُه في هذا تعلن: هو الاحد.. سكته في ذاك في الكل والاجزاء، خاتمُه في هذا في الجسم والاعضاء].الفقرة الاولى (( ذاك العالم الكبير...)) الخ.
ان العالم الاكبر اي الكون كله، والانسان وهو العالم الاصغر ومثاله المصغر، يظهران معاً دلائل الوحدانية المسطّرة في الآفاق والانفس بقلم القدر والقدرة.
نعم! ان في الانسان النموذج المصغر للصنعة المنتظمة المتقنة الموجودة في الكون، واذ تشهد الصنعة التي في تلك الدائرة الكبرى على الصانع الواحد، تشير الصنعة الدقيقة المجهرية الموجودة في الانسان الى ذلك الصانع ايضاً وتدل على وحدته، وكما ان هذا الانسان مكتوبٌ رباني ذو مغزى عميق، وقصيدة منظومة للقدر الإلهي، كذلك الكائنات قصيدة قدرية منظومة دبجت بذلك القلم نفسه، وبمقياس مكبر. فهل يمكن لغير الواحد الاحد أن يتدخل في سكة التوحيد المضروبة على وجه الانسان والمتوجهة بالعلامات الفارقة الى ما لا يحد من الناس، او ان يتدخل في ختم الوحدانية المضروب على الكائنات الجاعل موجوداتها كلها متعاونة متكاتفة؟.
ان الصانع الحكيم قد خلق العالم الاكبر خلقاً بديعاً ونقش آيات كبريائه عليه، بحيث جعل الكون على صورة مسجد كبير. وأنشأ سبحانه هذا الانسان في احسن تقويم، واهباً له العقل، بحيث جعله يسجد سجدة اعجاب امام معجزات صنعته وبديع قدرته. واستقرأه ايات كبريائه، حتى صيّره عبداً ساجداً في ذلك المسجد الكبير بما غرز في فطرته من العبودية والخضوع له. فهل من الممكن ان يكون المعبود الحقيقي للساجدين العابدين في هذا المسجد الكبير غير الصانع الواحد الاحد؟.
موضوع شيق!! وهذا النوع من المواضيع يشد ويجذب الإنسان وإن كان ملحدا لا يؤمن بالله رباً وخالقاً ومبدعاً .. فسبحان المبدع الذي وزّع الإبداع بين خلقه في اللون والجمال والتعبير و..و.. وهنا جعلتنا نقف على إبداع الكتابة والفكرة! مشكوووووووووووووور أخوي أبدعت في اختيار الموضوع