حفلت الحياة البشرية على وجه الأرض بتاريخ مديد، يدس في أعماقه أسفاراً ضخمة من التفاعلات والحضارات والثورات والتغيّرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية الكبرى، على كافة المستويات البسيطة والمعقدة، وكل منها يسهم في دفع عجلة الحياة وتحقيق منطق السنن الكونية والاجتماعية المسيّرة لحياة البشر.
والتغيّرات الحاصلة اليوم ـ بكافة أنواعها ـ تتحرك ضمن منظومات كونية متكاملة..ويبدو عملها معقداً للدرجة التي يصعب فيها على عقول الجماهير فهم جوهرها واستيعاب حركتها، إلا من خلال إدراك التاريخ، ومعرفة الواقع، واستيعاب مدى تأثير العناصر المنافِسَة والمدافِعَة، ولهذه الصعوبة فقد دَرَجَ العقل على ممارسة "التسطيح" أو "الاختزال" أثناء التفكير والتأمل، لكي يتم استيعابه –بأي طريقة كانت- لمُجَاراته ومُعَاصَرته، ومعاملة الواقع عن طريق صورة معينة مسطحة يبنيها العقل، وغالباًَ ما يتم التسطيح بصورة لا شعورية، يعلن فيها العقل ضمناً عجزه عن (الفهم) السليم أو عن (التأصيل) الصحيح، وتقصّي جذور القضيّة أو الحدث.
نستطيع أن نجد نماذج كثيرة من تسطيح القضايا والأحداث من حولنا، سواء في المجالس الشعبية وفي المحادثات الاجتماعية، حيث نجد التحليلات الكثيرة للوقائع والمبنية على مجّرد التنبؤ والحدس و"اختصار القضايا" في كلمات معدودة، ليكون بها الحل النهائي، حيث لا حديث بعده، وفي الوسائل الإعلامية، كالصحف والتلفاز، ونجده كذلك في الأطروحات الشعبية المتلبسة بلبوس الفكر والثقافة، والتي عادة ما تنطلق من عقل بسيط، وظيفته أن يُسْمِعُ الناس صدى أصواتهم وأفكارهم فحسب، وكذلك في الممارسات السياسيّة الدولية، مُمثلة في تناول الغرب ـ والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً ـ لأوضاع المنطقة، حيث القراءة الخاطئة المُمهِّدة للاستعمار الحديث.
وحتى الخطاب الديني لم يسلم من تسطيح القضايا والأحداث، ففي كثير من القضايا العصرية التي يواجهها أو يتناولها، ما يزال موقفه فيها بحاجة إلى مزيد من المراجعة والتدقيق والشفافية، ودليل ذلك تغيّر موقفه من بعض القضايا تغيراً جوهرياً بعد فترة زمنية طويلة نسبيّاً أو بعد "سيلان الدماء"، في الوقت الذي تكون فيه الأمور قد بانت واتضحت.
وليس أدل على ذلك من مراجعات الجماعة الإسلامية الأخيرة ،ومدى التغير الذي طرأ على البُنية الفكرية لها، بالإضافة إلى رد فعل الخطاب الديني تجاه الوقائع والأحداث العالمية كثيراً ما يعتريها نفس الأمر، فمآسي حرب لبنان 2006م تحكي هذا الأمر، خاصة ما أُثير حول شيعية "حزب الله" ومنطلقاته الطائفيّة، وهذا اختزال واضح لسياق الحدث السياسي والعالمي الذي جاء فيه، وقد تحدّث حول ذلك الدكتور محمد الأحمري في مقالات عنْونَها بـ"حصاد التحليل العقدي"، وكذلك ما نسمعه بين الحين والآخر عن "العدوان الصليبي" الحديث، وصفاً للاحتلال الأمريكي، وهذا لا يخلو من الصحة، لكنه اختزال للظرف العالمي والعربي، وكأن العرب ليسوا السبب الأول في ذلك، ونفس الأمر يتكرر في نظرية "المؤامرة العظيمة" المسيطرة على قطاع واسع من الخطاب الديني، وإن كنت لا أحب أن أحمل الخطاب الديني تبعات بعض منتسبيه.
فيما يتعلق بالظروف التي تولد مثل هذه الممارسة، يتحدث علم الاجتماع السياسي عن نظرية "الأساس المادي" (الطبيعة المادية لأي مجتمع)، والتي توضح نشوء الفكر التبسيطي للقضايا بسبب المال أو المادة، وهي مجرد نظرية ربما تكون صحيحة وربما تكون خاطئة، الذي يهمنا في هذا المقام ـ استنتاجاً من النظرية ـ أن نقرر أن "طبيعة تسطيح القضايا"، هي مُنْتـَج اجتماعي لا علاقة له بانتماء أو وطن أو توجّه، فمن حيث الأصل، فإن كل من نشأ في تربة هذا المجتمع يمارسه بشكل أو بآخر.
أما مخاطر تسطيح الفهم، فمن أبرزها: غياب التفكير الشمولي والمتكامل للقضايا والوقائع والأحداث التي يمر بها العالم، ويوقعنا هذا الأمر في إساءة ردود الفعل، والتي عادة ما تعود بآثار وخيمة، إن لم تكن على حساب المصالح فعلى حساب المبادئ، وكذلك يوقعنا دائماً في موقع (الملعوب به) الذي يسيّره الآخرون وفق أهدافهم ومصالحهم بطريقة أو بأخرى، حيث يقوم "مُدبّرُ الرأي العام" بتصوير الحدث أو القضية بطريقة تُلمّع من جانب معين يسيل له لعاب الجماهير، وهكذا يتم كسبهم، بفضل ما يمارسونه من اختزال القضية في جوانب صغيرة، وهذا الأمرُ واضحٌ في سياسة الإعلام الغربي والأساطير التي يبنيها تلبية لمصالح السياسيّين، ولا يعني ـ في الجانب الآخر ـ حضور هذا التفكير الشمولي، معرفة المستقبل، والإحاطة بأسرار الدنيا، إنما حضور هذا التفكير يساعد في فهم السياقات العامة للواقع، والتنبؤ بما ستؤول إليه الأحداث والقضايا في المستقبل، وكيف يمكن أن يكون رد الفعل الأنسب، وعدم الانخداع ببريق الحدث الآني، وإن كان يخطئ في أحيان كثيرة، لكنه يصيب في أخرى، إن كان التفكير مبني على قواعد صحيحة.
ومن مخاطر هذا التسطيح كذلك: الإبقاء على نماذج تقليدية ومألوفة والتحفظ من المبادرة، والإبداع بشتى أنواعه، وهذه نتيجة منطقية، حيث إن من طبيعة "ممارسة التسطيح" تحويل الحدث أو القضية إلى سوابق ذهنية (دينية أو اجتماعية أو تاريخية أو غيرها)، معروفة ومغروسة في عقلية الجماهير، والتعامل مع الواقع على ضوء معطياتها أياً كانت، فعلى سبيل المثال: حينما تُطرح قضية اجتماعية جديدة، تبرز على السطح الصورة التقليدية للمجتمع ولزوم المحافظة عليها من المؤثرات والمؤامرات، ويتم اتخاذ ردة الفعل على ضوء هذا التصوّر مباشرة، وربما كانت هذه القضية هي من دعائم المجتمع، ولا علاقة لها بتذويب المجتمع أو إلغاء شيء من خصوصيته، لكن سلاح الجماهير "التسطيح"، يلغي كل هذه الاعتبارات، لأن العامة من الناس ربما كانوا أدنى قليلاً من مستوى الفكرة "المعقدة التي تحتاج إلى تفصيل"، فاختزلوها بالتسطيح وارتاحوا من التفكير المعقد.
وهكذا يصاب المجتمع بالتقليديّة في النماذج والأشكال وطرق التفكير، ويمر "الإبداع" فيه بمراحل شاقة، تفقده بريقه وتسلب عنه جوهره، ويكون المجتمع في مرحلة "الغُثاء" في كل شيء، وهذه من أشد آثار التسطيح، فيرضى الكل بالواقع كما هو، ويقتنع بما لديه، وربما دفعه "نوع من التطرف" إلى ادعاء أفضليّته على غيره، بأمور تكرس الصورة التقليدية للمجتمع ليس إلا، وكل ذلك ليس أكثر من ممارسة اختزال الواقع للرضا به أو محاولة الوصول إلى ذلك!!
أحياناً الكسل يكون باعثاً على تسطيح الفكر أو فقدان الحافز للتفكير أو رفض التغيير .
موضوع رائع زادك الله من فضله .
اقتباس:
وكأن العرب ليسوا السبب الأول في ذلك، ونفس الأمر يتكرر في نظرية "المؤامرة العظيمة" المسيطرة على قطاع واسع من الخطاب الديني، وإن كنت لا أحب أن أحمل الخطاب الديني تبعات بعض منتسبيه.
أحسنت .
__________________ .
يا الله
أنت القدير على جبري بوصلك لي = أنت العليم بأسراري الخفياتي
أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي = جد لي بفضلك وأصفح عن خطيئاتي
وعبدك المشتكي والمرتجي فرجاً = يا سامع الصوت فأسمع شكياتي
أصبح الفهم المسطح والتفسير الظاهري للأمور دون النظر البعيد
مشكلة حقيقة في زمننا ومجتمعنا
مما يجعل الشخص الذي يفكر في العمق وفي ما وراء الأحداث والمواقف
كأنه شخص غريب منبوذ أو كما يقول بعضهم متفلسف أو معقد......
وأصبح خطاب المثقف أو النخبوي كلام صعب ويستحال فهمه , مهما كان أسلوبه سهل وبسيط
فلا أحد يرغب في إعمال عقله وتفكيره قليلا ليصل إلى النتائج......
فكل شئ يريدونه أن يكون سريع وسهل التناول تماما مثل البرغر
الله المستعان .......
سلمت أخي فهد.........وشكرا لطرحك هذا الموضوع الذي شغلني كثيرا
الأخت الفاضلة علا عمر،
أشكر لك مرورك البهيّ، وما أشرت له جزء مهم من موضوعنا، وهو قضية إعراض الناس عن الخطاب النخبوي عموماً، وأرى أن كلا الطرفين (النخبة - العامة) آثمين ، وإن كان إثم النخبة أكبر.
فالمثقف لا ينحصر دوره في مطاردة الكتب فحسب، بل له دور اجتماعي أكبر يتمثل في خدمة المجتمع بالرفع من مستوى العامة، وهذا دور كبير لا يقوم به إلا القليل من النخبة علاوة على محدودية ثمار الجهود الفردية. هذا الأمر بحاجة إلى جهود جماعية مؤسسية لتحقيقه، لا سيما عن طريق الإعلام، وهذا ما لا نراه للأسف.
أولاً تم تعديل مناداتك للأخت علا عمر..
أما تسطيح الفهم فهو برأي لقلة العلم أو ضعفه وهامشيته ولذلك تجد أن القرون المفضلة كانت أكثر فهماً واستيعاباً واستنباطاً ونقلت لمن بعدها كماً هائلاً من المعرفة ..
العلم له دور عظيم في تفتح الذهن وقوته وفاعليته وعدم الاستسلام للظواهر والأحداث العابرة بل السعي للغوص في أعماقها ..
وقديماً كان الفاروق يقول : لست بالخب ولا الخب يخدعني ..
أشكرألأخ فهدالحازمي00الذي أعتدنامنه الجديدوالمفيد
وأنالاتختلف إضافتي عن الاخت علافاباالفعلإذاأوردناتفصيلات إيضاحيه لكثيرمن الأموريتهمناالبعض
باالفلسفه00إضافه إلى أن الفهم السطحي للأموركثيرمايوقع الناس في سوء الظن00
جزاك الله خيراً على المشاركة والمرور، وإشارتك إلى قضية السنن الكونية مهمة جداً، فالقرآن الكريم قد دعانا في أكثر من موضع إلى إدراك السنن الكونية وأخبرنا عن مهالك الأمم السابقة وفيما هلكوا فيه حتى نعتبر منهم، وعلاقة ذلك بتسطيح الفهم هو أن الإنسان كلما كان أكثر إدراكاً للسنن الكونية المسيّرة للكون، كلما كان أقدر على فهم الظواهر الحياتية فهماً شمولياً.
لك مني أجمل تحية أخي المعتدل
والمثل العامي رائع جداً..
قرأت المقال ساعة نزوله على مجلة العصر، ولا أريد أن أخفي إعجابي ببعض ما تضمنه من نقاط ثرية تستحق من القارئ وقفة جادة مع نفسه ومع كثير من الجماعات حوله والتي تقتات على التسطيح لغرض جذب أتباعها.
دمت بخير،،
__________________ أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا