بسم الله الرحمن الرحيم
سأفتح لكم اليوم دفتر يومياتي القديم ،
و سأنقل لكم بعض من قصص واحداث ايامي فيه ..
و قد كانت كما هي الايام دوماً ( يوم حلو و يوم مر ّ )
فإن استأنستم بها .......................>> أكملت تصفحه معكم كلَّما وجدت فرصه لذلك ،
وان لا ......................................>> فسأغلقه ، ولا بأس ( فالحُر تكفيه الإشاره )
((1))
وفاء محمد ،
اسم تردد على مسامعي كثيراً من قِبل معلمات الصف السادس عندما كنت اعمل وكيله في احد المدارس الحكوميه ... طالما سمعتهن يمتدحن ذكائها وجمالها و ادبها الجم و هدوئها في داخل الصف و خارجه ...
والأهم من هذا و ذاك انها كانت دوماً "الاولى" على صفها ، وبجداره .
ذات صباح ،
و نحن نقوم بتوزيع اسئله الاختبار النهائي (اخر العام ) لأول ماده في كل المدرسه بكل صفوفها و مستوياتها كان الجميع يعمل كخلية نحل ... من المديره الى مساعداتها الوكيلات الى الاداريات و بالتأكيد المعلمات ..
البعض مهمته توزيع الطالبات على الفصول ، والاخر فتح مظاريف المواد في الاداره ، و الاخر التاكد من تواجد المعلمات الملاحظات في كل قاعه امتحانيه ،
ثم المعلمات المختصات بقراءة الاسئله على الطالبات و التأكد من وضوحهاو كفايتها و و و
الى التأكد من تواجد الطالبات جميعاً في اماكنهن المخصصه .....
فجأه !!
انتبهنا لغياب الطالبه / (وفاء محمد ) عن الاختبار!!!
اسرعت المراقبه الى الهاتف لتتصل على منزلها ...
لكنها فوجئت بالرد الالي ؛
عفواً ، إن الهاتف المطلوب غير موجود بالخدمه مؤقتاً !
طال انتظارنا و قلقنا فالوقت يمضي مسرعاً ، و وفاء لم تاتي ....
نهضت من الكرسي بحركه مفاجئه لم افكر بها كثيراً ، اخرجت عبائتي من درج مكتبي ...
ثم سحبت حقيبتي علقتها على كتفي قائله لصديقتي نوره :
يالله يا نوره شدِّي الهمه ... بسرعه خذي عبايتك و تعالي معي ..
اجابت وين العزم ان شاء الله يا استاذه ؟؟
اجبتها بسرعه :
بيت وفاء محمد طبعاً ..!! ما في وقت ننتظر اكثر !!
منتصف وقت الاختبار ما بقى له شيء !
والبنات اذا طلعو من الاختبار خلاص ............مالها فرصه ثانيه الاّ الدور الثاني ..
وهن سيبدأن في تسليم اوراقهن بعد منتصف الوقت المخصص للإختبار ...
البنت متفوقه بل الاولى ... حرام ! لازم نتصرف ..
بعدين انا كأني حاسه في شيء ... أو اهلها فيهم شيء .. او يمكن اخذتهم نومه !
اللهم اجعله خير ...
اسرعنا انا و الوكيله الثانيه نوره و بواب المدرسه المسن " عم حسين " [ اخذناه معنا هيبه ]
و انطلقنا جميعاً وارجلنا تسابق الريح ،بعد ان عرفنا مكان سكنها وكان شقه مجهولة الرقم ! في العماره القديمه التي في اخر الشارع ..
انطلقنا ، علنا نلحق " وفاء " بركب الاختبار ..
قسمنا العمل بيننا انا و زميلتي و العم حسين بعد ان دلفنا داخل العماره ،
هي تطرق على باب اول شقه و انا على الاخر .. والعم حسين على الثالث ..وهكذا ..
ظلام مطبق ، و هدوء موحش يلف تلك العماره البائسه الا من اصواتنا نحن الثلاثه ..
فالوقت كان مبكراً جداً على اي حركه فيها ....
قررنا ان نطرق كل الابواب في تلك العماره ولا بأس فلنوقظ الجميع حتى نعثر على وفاء ..
أو أي احد بتلك الشقق يدلنا عليها ..
و الله كريم .
بعد محاولات كثيره فاشله ، جائنا صوت لرجل من داخل احد الشقق ....
مين ؟؟ هذا بيت وفاء محمد ،مين يبغاها ؟؟
الحمد لله ، اخيراً عثرنا عليكم .. صح النوم !!
حنّا من المدرسه يا خوي .. البنت عندها اختبار نهائي الله يهداكم
وينها ما حضرت ؟؟
اجاب وكانه يحلم :
ايش ؟؟ اختبار نهائي ؟؟ ايه ايه ...
وأنا احاول ان استعجله ، ظهرت "وفاء " فجأه من خلف ابيها ... شاحبة الوجه ،
وقد احاطت بعينيها هالات سوداء لم ارها من قبل على ذاك الوجه القمري الجميل .....
تجاهلت كل ذلك ....
و قلت في نفسي : المهم الان ان نلحق بالاختبار ..
يالله "وفاء" يا نوره "وفاء " اخيراً ...
وينك ( هتفت بفرح غامر ) وشفيك ، بسم الله عليك ؟؟
تمنيت في ذاك الوقت ان ازيح ذاك الاب النصف نائم من امامي ، و اركض بها مسرعةً الى المدرسه حتى ولو بقميص نومها هذا الذي تلبسه ..!!
ولكن الاب كان اسرع مني ،
اخذها الى الداخل ...
غاب معها بضع دقائق ، مرَّت علي و كأنها دهر ..
ثم رجع بها هو و الأم ، وقد البسوها المريول (الزي الخاص بالمدرسه ) ، و الام ورائها تحاول ان ترتب شعرها على عجل بيدها ..
سلَّمت الام علينا من بعيد و شكرتنا بصوت مرتجف ،
اما نظراتها و دعواتها فقد كانت تتابع خطواتنا و نحن ننزل الدرج ... ظل صوتها يتابعنا حتى غادرنا العماره مسرعين نحن الاربعه ..
<<الله يجزاكم خير ... الله لا يحرمكم الاجر >>
كانت نوره امامي و البنت في يدي احكم قبضتي على يدها الصغيره المرتجفه و كأني اخاف عليها من ان تضيع مني ..
كما ضاع طريق المدرسه المختصر الذي احفظه و امشيه كل يوم ..
وصلنا بحال لا يعلمها الا الله ،
لا نلوي على شيء الا ان تدرك وفاء الاختبار ...
لم التقط انفاسي الا عندما سلّمَتْها "مراقبة القاعه" ورقة الاختبار ،
حمدت الله و انا ارى يدها الصغيره تلتقط القلم لتباشر الإجابه بثبات ..وقد عاد الى وجهها لونه والى عينيها بعض من ذاك البريق الذي كان ...
عند عودتي الى مكتبي بعد قليل وجدت امها تنتظرني ، و في عينها دمعه حائره ..
و على لسانها كلام كثير .. احتارت من اين تبدأ ...
كنت انا متعبه جداً ..
احسست في حينها ان أي عذر ستقوله سيكون بالنسبه لي تافه !! وغير مقبول !!
بادرتها بعتاب شديد اللهجه :
وينكم الله يهديكم يا خيتِّي ؟؟ وشقصتكم ؟؟
والى متى هالاهمال ؟؟ ناموسيتكم " كحلي " ما شاء الله ؟؟
ما تدرون اليوم اول يوم من ايام الاختبارات النهائيه ..!!
والا استحليتو الاجازه و الراحه .. جزاكم الله خير..
اجابتني الام بنبره لن انساها ابداً :
أي راحه يا استاذه ؟؟ الله لا يراويك الحاله اللي حنا فيها ..
والد وفاء يبغى يكلمك .... ممكن ؟
التقطت من يدها الهاتف ، و أنا قلقه ، ما عساه ان يكون من امر ،
فإذا بالوالد بعد سلام مقتضب ..يقول بصوت متهدج :
نحن اّسفون يا استاذه ، تعبناكم معانا ..
لكن ،
لم يكن في نيتنا ان تدخل وفاء الاختبار هذه السنه ..
فقد كانت ترقد في المستشفى التخصصي !! الله يعيننا و اياها ..
فحوصات و تحاليل و اشعات و انتظار وقلق و الم ...
الى ان اخبرونا بالامس بكل اسف انها .... انها مصابه بمرض اسمه
" لوكيميا "أي سرطان في الدم !!
عندها نسينا أنا و امها انفسنا و اخوانها و الاختبارات..
بل نسينا كل الدنيا و ما فيها ..
اما وفاء ،فلم يكن على لسانها غير
الاختبارات ؟؟ كيف راح اختبر يا بابا ؟؟ و متى ادرس ؟؟ متى بنرجع البيت ؟؟
كل اللي تبونه سووه بس ما يفوتني الاختبار ..
لم ندري ماذا نفعل .. وكيف نتصرف ..
الى ان حضرتم جزاكم الله خير اليوم صباحاً ،
تجدد الامل في داخلها وداخلنا .. ولم نعارض رغبتها بالاختبار رغم كل شيء ....
سبحان الله ، وكأن القدر ساقكم الينا ..
طول المكالمه و الاب يتحدث .. و انا صامته ...
احسست ساعتها ان الغرفه تدور بي ،
بضع كلمات رددتها و وانا اخفي عبره قويه في صدري ...
الله يعينكم .........الله يصبركم ...........لا تحملون همّ الاختبار ، ارجوكم ..
كل شيء بسيط و مقدور عليه ان شاء الله
المهم ان تشفى وفاء .. .
الله ياجركم و يصبركم ، يارب .
بعد ذلك ،
تخرجت وفاء من المرحله الابتدائيه ، و كانت كالعاده ناجحه ،
بل في قوائم المتفوقين ..ولله الحمد
اما مرضها " اللوكيميا " فقط تماثلت الان للشفاء الكامل منه و لله الحمد بعد مراحل علاج طويله و مضنيه ، اخرها زراعة خلايا من " نخاع شوكي " تبرع لها بها احد اخوانها ...
كنت حريصه على متابعة حالتها لسنوات ،
حتى تطمنا عليها جميعاً في المدرسه ...
لله الفضل و الحمد و المنه ..
الان ،
عندما اتذكر / وفاء ، تسابقني الدمعه قبل الكلمه . .
لا أجد غير الدعاء لها دائماً ((الله يتمم شفائك و ياجر والديك يا وفاء يا بنتي ..))
ويعيننا واياكم دوماً على الاخلاص في كل عمل يوكل الينا ...
دمتم بخير و صحه وراحة بال ...